عن الخيال المفرط في الكتابة... والطبخ!

نجوم عالميون يؤلفون روايات ضخمة لإشباع نهم تاريخي عند قراء جدد

كارلوس زافون
كارلوس زافون
TT

عن الخيال المفرط في الكتابة... والطبخ!

كارلوس زافون
كارلوس زافون

بنى الطباخ التركي بوراك شهرته على التصعيد الخيالي للدسم، محشي ورق العنب في جوف خروف، عجل مشوي بكامله، أكبر سمكة في العالم، وأطول إصبع كفتة. يستخدم أواني طبخ بالغة الضخامة، في اتكاء واضح على خيال ولائم السلاطين وألف ليلة. التركي الشهير الآخر نصرت غوكشيه لم يتخل عن فكرة الوفرة ذاتها، وأضاف ألعابه البهلوانية بالسكاكين عند تقطيع اللحم، لكنه صار معروفاً عبر العالم بـ«شيف الملح» بانياً شهرته على استعراض صغير يقوم به في صالة الطعام. يضع نصرت الطبق على المائدة، ثم يقوم برش حصى الملح عليه لحظة تقديمه على هيئة مطر يُفلته من بين أصابع يده المرفوعة، فيتساقط متحدراً على ذراعه، وهكذا يتمكن من تمليح الطبق ومفرش الطاولة والزبون!
هذه المزحة تلقى استهجان الممسوسين بالنظافة، وأصبحت محل انتقادات بوصفها سلوكاً غير صحي، لكن من يتقبلون هذا الذوق العامي أكثر عدداً، وإلا ما صار الفتى صاحب الطفولة الشقية نجماً يؤم مطعمه نجوم في كل مجال، ليس بوسعهم الابتعاد عن حياة الاستعراض حتى في لحظات تناول الطعام، توضع أمام الواحد منهم فخذ عجل، لإشباع نهم تاريخي ربما، ولنا أن نتصور شكل ما يتبقى على مائدة كتلك!
ينهض كتش الطعام على أعمدة ثلاثة للغش: المالح والحار والدهني. وتزداد الحاجة إلى تصعيد الغش في مطاعم الكتش الشعبي لإخفاء المستوى المتدني للمكونات.
بين كُتاب الرواية نجوم عالميون لمثل هذا البذخ يؤلفون روايات ضخمة، لإشباع نهم تاريخي لدى قراء اكتشفوا متعة القراءة متأخرين.
وأحب في الحقيقة الالتزام باللفظ الأجنبي «كتش» دون ترجمته إلى «العامي» للابتعاد عن الظلال الحسنة للعامية في الثقافة العربية.
يضرب الكِتش حصاراً محكماً حول الذوق ويخنقه. كتش في الأدب، في الموسيقى، في الرسم والنحت، في الطعام، في الملابس، وفي زينة البيوت. وقد تكفلت أميركا مبكراً بنشر عامية الطبخ، ولحقت بها الصين في ترسيخ الكِتشية في زينة البيوت: تماثيل بلاستيكية وجصية قبيحة وزهور بلاستيكية والكثير من الإساءات الكتشية وأقساها الإساءة إلى رقة الدانتيلا، بتقديم مفارش طاولات من البلاستيك في صورة الدانتيلا، مهيلة التراب على كامل تاريخ من الرقة.
في الشعر نبل يجعله محصناً ضد الكتشية، حيث تموت القصائد من هذا النوع لحظة ولادتها، لكن الرواية تقبل، وكان لكل ثقافة كتشها الروائي، لكن ظاهرة الأكثر مبيعاً كانت مقيدة بحدود بلادها.
وخلال العقود الأخيرة تكفلت العولمة برواج الكتش الروائي العابر للثقافات الذي يستخدم ثلاثية الكتش ذاتها مفرطاً في الغرابات والألغاز والمعلومات. وقد تمكنت المركزية الغربية من نشر كتشها في جميع أنحاء العالم، وكما تفعل المركزية الغربية دائماً، كان لا بد من الإفساح لنماذج من ثقافات أخرى، خصوصاً من بلاد شرق آسيا الناهضة، تتولى الترويج له، ويغزو بقية العالم بموجب هذا الاحتضان الغربي.
المؤسف أن الإقبال على الكتش لا ينبع من رغبة في القبح، بل من الرغبة في الجمال، دون معرفة الطريق إليه بسبب قصور في الإمكانات الثقافية والتربية الجمالية.
يمنح كُتاب «الكتش» العالميون قراءهم عجولاً مشوية وتلالاً من المحشي داخل الخراف. هناك من يعتمد على الوفرة من الخيال المحلق كما لدى هاروكي موراكامي، على نغمة واحدة دون أي تقدير للحظات الضعف الواقعي التي تساهم في جعل هذا الخيال مقنعاً. وهناك من يعتمد على الألغاز والرموز مع كمية ضخمة من المعلومات التاريخية والفنية كما لدى دان براون. يندر أن تجد في هذه الولائم الروائية شخصية عادية كالتي نراها في الحياة.
ويقبل ملايين القراء بشهية كبيرة على مثل تلك الروايات سميكة الكعب بغراباتها المتدافعة بلا رحمة، ويستقبلون رذاذ الملح على رؤوسهم بسعادة غامرة.
كانت تجاربي في قراءة هاروكي موراكامي، سبباً في إحجامي عن متابعة خطوط الإنتاج الشبيهة، لكن دون اطمئنان كامل: ماذا لو كان هذا الكاتب الجديد واسع الانتشار وأصيلاً في الوقت نفسه؟ راودني هذا السؤال بخصوص كارلوس زافون عندما ذاع اسمه، لكنني لم أقرأه إلا على وقع خبر رحيله المفجع متأثراً بوباء «كورونا»، في يونيو (حزيران) الماضي.
وجدت في طريقي روايته الشهيرة «ظل الريح» (ترجمة معاوية عبد المجيد، «مسكلياني»، تونس 2016). بطلها وراويها دانيال، يروي بصيغة الماضي عن نفسه عندما كان صبياً يتيم الأم لم يتم عامه الحادي عشر. والده تاجر كتب قديمة غامض وصامت وحزين لم يبرأ من موت زوجته. يصحب دانيال في غموض ساعة الفجر، إلى مكان لا ينقصه الغموض ويحذره من إفشاء سر ما سوف يراه لأي مخلوق.
ويجد الراوي نفسه في مقبرة الكتب المنسية، ويلتقط رواية ساحرة بعنوان «ظل الريح» لا أحد يعرف شيئاً عن مؤلفها خوليان كاراكاس، وتبدأ رحلة هذا الصبي الأعجوبة في البحث عن سر الرواية الأعجوبة عبر سرد لا يعترف إلا بالأعاجيب!
يعجز الأب عن مساعدة دانيال في بحثه حول الرواية ومؤلفها؛ فيأخذه للقاء شيخ المهنة جوستابو برسلوه وهو رجل غامض آخر. ثري يعمل في بيع الكتب القديمة للمتعة المحضة، يصفه الراوي هكذا: «ودائماً ما كان غليونه المطفأ، الذي تفوح منه أزكى النكهات الشرقية، يتدلى من شفتيه، ويفضل أن يعرف نفسه باسم الرومانسي الأخير، ويتباهى بأنه من نسل الشاعر اللورد بايرون، رغم أن أصوله تتحدر من نسل كالداس دي منونبوي. ولعله يرتدي زي الداندي الرائج في القرن التاسع عشر كي يبرر نسبه البريطاني: إذ كان يختال بشال من الحرير وحذاء ملمع بالطلاء الأبيض، ونظارة مفردة لا معنى لها، شاعت الأقاويل بأنه لا ينزعها حتى عندما يذهب إلى الخلاء». بورتريه باروكي مفعم بالمبالغات يرسمه الصبي المعجزة لرجل يجمع بين إثارة الشرق في تبغه وجاذبية المقتنيات الأثرية في ملابسه.
يُعجب جوستابو العجيب بالصبي الأعجوبة ويضرب له موعداً جديداً لمزيد من الحديث عن الرواية ومؤلفها، في ساحة الجامعة، ولا نعرف ضرورة المكان هنا؛ فالرجل ليس أستاذاً جامعياً!
وفي الموعد يصل جوستابو وفي يده أعجوبة أخرى، هي ربيبته وقريبته كلارا؛ عمياء في العشرين يقدمها للصبي بوصفها خبيرة في خوليان كاراكاس وآثاره البائدة!
تفتن بجمالها صبي الحادية عشرة فيعرض عليها أن يقرأ لها، وتوافق فيذهب في الموعد إلى بيت جوستابو. ونرى وصف البيت بعين الصبي على هذا النحو: «كانت الشقة التي تشغل الطابق الأول كله متعددة الممرات والصالات والشرفات الفسيحة التي بدت لي كنسخة مصغرة عن متحف الإيسكوريال. كما بدا واضحاً أن الدون جوستابو مولع بجمع التماثيل واللوحات الفنية والدينية وحتى النباتات والحيوانات، ناهيك عن الكتب والمخطوطات العريقة وأي نوع من المنشورات النادرة. تبعتُ برناردا (الخادمة التي قادته من الباب إلى حيث تجلس كلارا) مروراً بإيوان مليء بالنباتات المورقة والأزاهير الاستوائية يبدو كحقل زراعي حقيقي تتسلل من ثناياه أضواء مزركشة، وفي أجوائه تطوف أنغام بيانو واهنة الوقع. كانت الخادمة تتقدم بين الأوراق الكثيفة وتحرك ذراعيها كمنجل في يدي فلاح صبور. وأنا كنت أتبعها وأنظر حولي، رأيت نحو ست قطط وببغاوين كبيرين ألوانهما تخطف الأبصار، وقالت لي إن برسلوه أسماهما أورتيغا وغاسيت. وجدت معذبتي بانتظاري في صالة عند حدود تلك الغابة الاصطناعية، ترتدي فستاناً ضبابياً من قطن سماوي وتجلس قبالة بيانو تحت نور قنديل خافت. كان في أدائها شذوذ عن اللحن وخطأ في الوزن لكنني أعجبت حقاً بتلك السيريناد التي عزفتها» طال الاقتباس، لكنه ضروري لبيان عدد الأعاجيب التي يحتويها المشهد وقد رآها ابن الحادية عشرة بعين صقر لحظة دخوله البيت واعياً بقيمة التحف واللوحات ونفاسة الكتب وبالموسيقى وقواعدها!
تمضي الوقائع على هذا النحو في خلطة من مبالغات الحب الرومانسية ومبالغات الخوف القوطية، مع أعداد غفيرة من اليتامى، بسبب تساقط الآباء والأمهات، على وقع أقدار غريبة أو في ساحات القتال وظلام زنازين الأطراف المتنازعة في الحرب الأهلية الإسبانية.
عودة ظافرة إلى مبالغات روايات فروسية القرون الوسطى التي اعتقد ميلان كونديرا ذات يوم أن سرفانتس كتب نهايتها بروايته التهكمية الخالدة.
وكما يتعايش الكتش العولمي إلى جانب المحلي في الطعام، يتعايش الكتش الروائي المحلي والقومي إلى جانب العالمي. يهتدي المؤلف المحلي بالأجنبي ويزايد عليه في تصعيد الدهون والملح والحار.
في كل الأحوال «مؤلف الكتش» ماهر في صنعته، يعرف مقادير طبخته الباذخة التي تنهك قراءه ولا تدع لهم لحظة كي يتساءلوا عن الصدق الفني فيما يقرأون، وخطورته في استبداده بقرائه، يتحول إلى زعيم لمحفل مترابط، يتبعه قراؤه، ولا يمكن أن يسمحوا بانتقاده، ناهيك عن أن يجربوا شكلاً آخر من القراءة.
ومن هذا الباب يختلف «مؤلف» الكتش عن «الكاتب» الساذج الذي يكتب ما يعرفه؛ فتلاقي روايته العذبة قليلة القيمة رواجاً بالمصادفة، ويفاجأ هو نفسه بنجاحها الذي قد لا يكرر، وحتى لو استفاد كاتب ساذج من ملاحظات النقاد حول أسباب نجاح روايته وحاول تكرار الطبخة فلن ينجح، لأنه لا يمتلك ثقافة صانع الكتش ولا مهاراته الشريرة!
وتبقى فضيلة السذاجة أنها أقل استبداداً بمستهلكها، لا تتسبب في الإدمان، ويمكن لقراء الروايات الساذجة أن يتمردوا ذات يوم على سطحية الطعم ويبدأوا سعيهم نحو النص الحساس الذي يُضمر الكثير من ظلال المعاني والطعوم والروائح والألوان.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».