غلاف الكتاب العربي... معادلة التوازن الصعب بين التسويق والرؤية الفنية

مصممون وكتاب وناشرون مصريون يتحدثون عن تحديات صناعته

غلاف الكتاب العربي... معادلة التوازن الصعب بين التسويق والرؤية الفنية
TT

غلاف الكتاب العربي... معادلة التوازن الصعب بين التسويق والرؤية الفنية

غلاف الكتاب العربي... معادلة التوازن الصعب بين التسويق والرؤية الفنية

يشكل غلاف الكتاب عتبة أساسية في تسويقه، تجذب عين القاري، وتشي بما يحتويه بشكل جذاب. لكن ورغم التقدم الشديد الذي أحرزته صناعة الغلاف في عالمنا العربي، لا تزال هناك الكثير من الأسئلة الحائرة، حول أبرز التحديات التي تواجه مصممي الأغلفة، والمعايير التي يستندون إليها، وهل يتعرضون لضغط من الناشر لضمان الرواج التجاري، وما موقف المؤلف هنا، وهل يتدخل في عمل المصمم؟
في هذا التحقيق، نطرح هذه التساؤلات على أطراف صناعة الغلاف الثلاثة: المصمم والناشر والمؤلف.

حسين جبيل (مصمم أغلفة):
تحكمني طبيعة النص
أنجزت عبر رحلتي في هذا المجال أكثر من ألف غلاف لمعظم مؤلفي العالم العربي، لا سيما في بلدان المغرب العربي. والمحدد الأول الذي يحكمني هو طبيعة النص نفسه بحيث يكون الغلاف معادلاً جمالياً وعتبة بصرية تعبر عن المضمون من حيث مدى رصانته أو حداثيته. الأسهل أن تصمم غلافاً لنص أدبي وليكن رواية، إذ يمكن للمصمم أن يعبر عن المشهد الأساسي في العمل أو الشخصية الرئيسية، في حين تبدو الصعوبة عند تصميم غلاف بكتاب فلسفي أو نقدي تنظيري يتحدث عن أفكار مجردة مثل البنيوية أو السيمائية.
بالطبع أراعي معايير التسويق، بحيث يكون الغلاف جذاباً للقارئ، لكن هناك فارق كبير بين «التسويق» وبين «السوق»، فأنا لا أخضع للذوق السوقي ومهمتي الارتقاء به. حتى أنني أصررت في مرة على رفع اسمي من على تصميم الغلاف حين تعارضت رؤيته الفنية مع نظيرتها التجارية لدى الناشر. أفضل في هذه الحالات الاستثنائية أن أقدم الغلاف دون اسمي كنوع من المجاملة لأنه لم يعد يعبر عني. بالنسبة لمراعاتي رؤية المؤلف، أوضح أن 90 في المائة من الأغلفة التي صممتها تسببت بصدمة لمؤلفيها، حيث جاءت مفارقة لتوقعاتهم المتأثرة برؤى قديمة تقليدية لكنهم سرعان ما يشكرونني بعد أن يستوعبوا العمل الجديد ويشعرون أنه فعلاً يأخذ النص إلى منطقة مختلفة.

هند سمير (مصممة أغلفة):
توازن الجذب والتسويق
اكتسبت خبرة كبيرة ومهمة من خلال خبرتي في تصميم أغلفة معظم إصدارات هيئات وزارة الثقافة المصرية مثل الهيئة العامة للكتاب والمجلس الأعلى للثقافة والمركز القومي للترجمة، كما ساعدتني دراستي الأكاديمية التي بها حصلت على درجة الدكتوراه في الإخراج الفني للكتاب، على إحداث نوع من التوازن الفني عند تصميمي لغلاف الكتاب، بحيث يتوفر عنصر الجذب واستيفاء القدر الأكبر من القيم البصرية الجمالية، مثل وضوح التصميم وعلاقته بالمتن والاهتمام بجودة الصورة الطباعية ووضوح بيانات الكتاب من عنوان واسم المؤلف ودار النشر.من خلال كل هذا أراعي متطلبات التسويق التجاري، لكن بالدرجة التي لا تخل بأبجديات التصميم فنياً، إنها معادلة صعبة أحياناً، لكن لا بد من الإقرار بأن الكِتاب في الأخير هو منتج يخضع بشكل ما لآليات السوق.

عمرو الكفراوي (تشكيلي ومصمم أغلفة): المضمون والرؤية
أنتمي إلى الجيل الجديد من مصممي أغلف الكتب في مصر، وسعيد لكوني أصبحت أشكل خياراً مفضلاً لدى عدد من كبريات دور النشر الخاصة التي تثق في رؤيتي. ساعدتني خلفيتي كفنان تشكيلي كثيراً في هذا السياق. ففي بداياتي الأولى كنت أركز أكثر على الشكل الجمالي المختلف، لكن بتراكم سنوات العمل أصبحت أهتم بالمضمون والرؤية الفلسفية لكل من النص والغلاف.
إرضاء المؤلف ليس على قائمة أولوياتي، فالكثير من المؤلفين تكون لديهم تصورات حالمة وغير واقعية تجاه الشكل النهائي لأغلفة كتبهم على نحو يضر بالكتاب بشدة لو تنازل المصمم وحاول مجاراتهم، ومع ذلك أسعد بفرح المؤلف بالغلاف لكن هذا لا يشكل هدفاً بالنسبة لي أثناء العمل.
هدفي النهائي عند تصميم غلاف ما، التعبير عن رؤيتي الفنية للعمل بكل محدداتها الجمالية، وفي الوقت نفسه مراعاة عنصر التسويق، بحيث يكون الغلاف عنصر جذب تجاري ويساعد على زيادة المبيعات.

نورا رشاد (الدار المصرية اللبنانية): يجب مراعاة عنصر الجذب
من خلال خبرتي في عمل المدير التنفيذي للدار المصرية - اللبنانية، أؤكد أن الغلاف أصبح أحد أهم عوامل نجاح الكتاب مثله في ذلك مثل اسم المؤلف وجودة النص. لذلك يجب مراعاة عنصر الجذب عند تصميم الغلاف، فكثيراً ما نرفض تصميمات لأنها مغرقة في الطابع الفني الجمالي وتفتقد لفكرة الجاذبية التسويقية. ورغم تقديرنا الشديد للكتاب كقيمة فكرية، إلا أنه في النهاية منتج تجاري لا نصنعه كي يبقى أسير واجهات العرض.
وبالمناسبة يهمني أن أوضح هنا، أنه كثيراً ما نؤجل صدور كتاب ما لأننا ما زلنا غير راضين عن الغلاف، وحدث ذات مرة أن أجرينا 14 بروفة غلاف لإحدى الروايات حتى وصلنا للشكل الأمثل. هذا لا يعني أننا نتدخل بالكامل في عمل المصمم، وإنما نحتفظ بحقنا في التعبير عن وجهة نظرنا التي تنبع من كم الخبرات والتجارب التي مررنا بها، فضلاً عن مشاركاتنا في مختلف المعارض العربية على مدار العام.

خالد عدلي (دار المثقف):
أتدخل لصالح العمل
رغم حداثة عهد الدار لم نختر الطريق السهل في تصميم الأغلفة، الذي غالباً ما يتم من خلال البحث عن صورة معبرة على الإنترنت ثم معالجتها والاشتغال عليها، وهي آفة كبرى تعاني منهم دور نشر عديدة بعضها يحظى بأسماء راسخة. نراعي أن يكون الغلاف بالكامل إبداعاً فنياً خاصاً بالدار وليس مجرد نتاج لشاب يحترف برامج «الفوتوشوب» فيأتي بصور «لقيطة»، ويطبعها دون مجهود يُذكر.
يهمني أن أوضح هنا أنني أحتفظ بحقي في التدخل في تصميم الغلاف، وذلك لأنني أتعامل مع المصمم باعتباره فناناً لا يلم بالضرورة بالمعايير التجارية، ومن ثم يأتي تدخلي كناشر لأضيف اللمسة التسويقية إلى جانب اللمسة الفنية الإبداعية.
أرحب بفكرة الغلاف القائم على لوحة لفنان تشكيلي حيث يحقق هنا هدفاً مزدوجاً يتمثل في التعبير الفني عن النص الأدبي من ناحية، والإسهام في نشر الفن التشكيلي من ناحية أخرى.

محمد توفيق (دار ريشة):
البحث عن هوية بصرية
من خلال عملي رئيساً للتحرير بدار وليدة متخصصة في إصدارات كتب المذكرات والسير الذاتية، تولي الدار اهتماماً خاصاً بالبحث عن هوية بصرية في تصميم الغلاف. بحيث يتعرف القارئ على مؤلفاتها بمجرد أن تقع عيناه على الغلاف. هذا التحدي يرهق كثيراً الفنان عبد الرحمن الصواف، مصمم أغلفة الدار للحفاظ على هذا الإنجاز الذي تحق بالفعل في فترة. لذلك لا يشغلني أن يكون لدينا أفضل الأغلفة بقدر ما يشغلني أن تكون لدينا الأكثر اختلافاً وخصوصية. وأعتقد أنه يجب أن يكون لكل دار خصوصية ما في هذا المجال، وأرى أن هذا يصب للصالح العام في سوق النشر.

أشرف أبو اليزيد (شاعر وكاتب):
كارثة التصميم الآلي
أرى أن الكلمات المدونة، سواء كانت ديواناً شعرياً، رواية، سيرة أو دراسة، تظل في إطار الأدب، لكنها إذا خرجت لجمهور القراء تتحول إلى منتج أدبي، أو سلعة ثقافية، ويعد غلاف ذلك الإنتاج الأدبي إشهاراً إعلامياً عليه أن يجتذب جمهوره عبر الغلاف، فهو أول ما يخاطب المتلقي، ولا يخرج التعبير الشعبي للمثل الدارج «الكتاب يبان من عنوانه» عن تلك الفكرة؛ فالغلاف يحمل رسالة المحتوى، وبوابة الدخول البصرية للمضمون.
من عيوب صناعة غلاف الكتاب، ومن مشكلاته الأساسية أنها كثيراً ما تجمع بين البهرجة اللونية الشكلية، والثرثرة اللفظية، وكان دخول برامج التصميم الآلي كارثة فنية، إذ يظن مستخدموها خطأ أن اللهو بكل ما تتيحه من ألعاب مجانية يجعل الغلاف فنياً، فهناك عناوين مجسمة ثلاثية الأبعاد، كأنها لافتات محلات، وهناك أكثر من عائلة خطية، فهناك لكل وحدة كتابية خط مختلف، وكأن صانع الغلاف يعز عليه أن يترك بصمة واحدة، بل يجمع خليطاً هجيناً، لا تجد بين سطوره رابطاً. هذا بخلاف «اقتباس» أغلفة وتقليد أخرى، فإن مدرسة التصميم لم تجد كثيرين يتجاوزون أسماء الأفذاذ من فناني صناعة الأغلفة مثل محيي الدين اللباد وحلمي التوني في مصر.

رشا عدلي (روائية):
الوصول للشكل الأجمل
أعتقد أن غلاف العمل يشكل اهتماماً خاصاً للكاتب منذ بداية كتابته له. والأمر يكون أكثر أهمية بالنسبة للروائي الذي له علاقة بالفن التشكيلي كما في حالتي، حيث وقتها تكون أفكاره مختلفة لأنه على دراية أكثر، خصوصاً أن أغلب أعمالي تدور في سياق فني وتاريخي لذلك دائماً ما تكون فكرة الغلاف مختلفة عما يحمله المصمم من أفكار، وحتى لا يحدث اختلاف في الآراء بيني وبينه أقدم له اقتراحات وأرسل له الصور الخاصة التي أريد أن يتضمنها الغلاف، وبناء عليه وعلى قراءته للعمل ومعرفة أحداثه يصمم الغلاف ويعرضه علي. وهكذا حتى نصل للشكل الأجمل، فمثلاً روايتي الجديدة «قطار الليل إلى تل أبيب» أرسلت للمصمم صورة لتذكرة القطار الذي كان يذهب من مدينة القنطرة غرب إلى تل أبيب وهو صمم الغلاف بناء على ذلك.

محمد الكفراوي (شاعر):
الجاذبية والابتكار
من خلال تجربتي عبر أربعة كتب صدرت لي، ثلاثة دواوين شعرية وكتاب قصصي للأطفال، بدأت في التعامل مع الأغلفة، وحين نشر ديواني الأول عام 2006 بعنوان «حلم وردي يرفع الرأس» عن دار «شرقيات» بالقاهرة، لفت انتباهي حرص الدار على طابع مميز في فن الغلاف، يميل إلى الشكل التقليدي الكلاسيكي مع مسحة حداثية أو فكرة غرائبية تعتمد على الظل والنور أحياناً، وعلى قوة الألوان وإيحاءاتها في أحيان أخرى، بلمسات فنانين كبار مثل محي الدين اللباد وجورج البهجوري.
في ديواني «بعد الموتى بقليل»، اعتقدت في البداية أن الغلاف بعيد عن مضمون الديوان، لكن بنقاش موضوعي مع الناشرة سنية البهات اقتنعت أن الغلاف يمكن أن يقدم إبداعاً موازياً للمضمون، ويعبر عن روح النصوص بطريقة غير مباشرة، أما عملي الأخير «مكان مشبوه» الذي صدر عن دار «خطوط وظلال» بالأردن، فقد صمم غلافه الفنان محمد العامري وهو فنان تشكيلي وشاعر وأديب كبير وكان نقيباً للتشكيليين الأردنيين في فترة سابقة، وجاء الغلاف في غاية الإبداع يحمل لوحة تجريدية مبهجة، تمزج بين الجاذبية والإبداع والابتكار. الغلاف برأيي يمثل عنصراً مهماً من الكتاب، فهو العنوان الحقيقي الذي قد يجذب القارئ أو ينفره.



الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر
TT

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

في خريف العام الماضي، أنهى أنطونيو بريسيو، استشاري هندسي مقيم في غوادالاخارا بالمكسيك، مسودة روايته الأولى ـ رواية خيال علمي مثيرة، تدور حول مؤامرة حكومية لطمس تاريخ أول اتصال للبشرية مع لاجئين فضائيين.

وبعد مراسلة عشرين وكيلاً أدبياً وتلقيه سلسلة من الرفض، أمضى عدة أشهر في مراجعة روايته، بجهدٍ كبير، على أمل أن يقع على ناشر يوماً ما.

اليوم، يساور القلق بريسيو من أن عملية الحصول على عقد نشر، وهي عملية شاقة بطبيعتها لمؤلف مبتدئ ـ قد ازدادت صعوبة. ويخشى أن يتجنب الوكلاء والناشرون مخاطرة التعامل مع مؤلفين غير معروفين، خشية أن يكونوا قد استعانوا بالذكاء الاصطناعي في كتابة روايتهم.

اللافت أن حالة الذعر والريبة حيال الكتب المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، تفاقمت الشهر الماضي، عندما قررت دار نشر كبرى، «هاشيت»، إلغاء إصدار رواية الرعب «فتاة خجولة» للكاتبة ميا بالارد في الولايات المتحدة، بسبب أدلة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أسهم في كتابتها. كما سحبت دار «هاشيت» الرواية من المملكة المتحدة، بعد أن أطلقتها بالأسواق، العام الماضي، بعد إقدام بالارد على نشرها بنفسها، بادئ الأمر.

من جهته، لدى علم بريسيو، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بقرار عدم قبول روايته، انتابه شعور مؤلم بخيبة الأمل. وأكد أنه لا يستعين بالذكاء الاصطناعي في الكتابة، إلا لترجمة كلمة أو عبارة عابرة من لغته الأم الإسبانية إلى الإنجليزية، التي يتقنها كذلك، باستخدام برنامج الترجمة بالذكاء الاصطناعي «ديبل» (Deepl). غير أنه تساءل عما سيقوله نظام كشف الذكاء الاصطناعي عن عمله.

وعليه، اشترك في موقع Originality.ai وحمل فصلاً من روايته. وكانت المفاجأة أن أكد النظام بثقة تبلغ 100 في المائة أنه اعتمد على الذكاء الاصطناعي بطريقة ما.

وبالفعل، بحث بريسيو عن العبارات التي توقف عندها النظام، وحذف بعض الجمل، ثم أعاد تشغيله. هذه المرة، أكد البرنامج بنسبة 100 في المائة أن كاتباً بشرياً يقف خلف هذا النص. في نهاية المطاف، أجرى بريسيو محادثةً عبر الدردشة مع أحد ممثلي خدمة العملاء، الذي أخبره أنه إذا تلقى نتائج تُصنّف عمله خطأً باعتباره مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، فقد يحتاج إلى نسخة مختلفة من البرنامج.

ولم تُسفر هذه المراسلات إلا عن مزيد من القلق لدى بريسيو؛ خاصة وأن تقارير موقع Originality.ai حول مسودته، التي شاركها مع صحيفة «التايمز»، كشفت أن إضافة أو حذف بضع جمل فقط يفضي إلى نتائج مختلفة تماماً.

وعن ذلك، علق بريسيو: «ماذا لو بدأ الناشرون أو الوكلاء الأدبيون بتشغيل أدوات الذكاء الاصطناعي هذه على الجميع؟ سيتعامل الجميع بحذر شديد من الآن فصاعداً».

وفي الوقت الذي يُصارع قطاع النشر، مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في كل جانب من جوانب العمل تقريباً، يبدو أن هناك إجماعاً ضئيلاً حول ما يمكن أو ينبغي للناشرين فعله لتنظيم كيفية استخدام الكُتّاب لهذه التكنولوجيا. ومع ذلك، فإن ما يتفق الكثيرون حوله اليوم أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار.

اليوم، يواجه عدد متزايد من الكُتّاب شكوكاً لا أساس لها حول استخدامهم للذكاء الاصطناعي، بينما يستخدمه آخرون دون الإفصاح عنه. في الوقت ذاته، يشعر الكثير من القراء بالحيرة والحذر، لعدم معرفتهم ما إذا كانت الكتب، التي يقرأونها من تأليف إنسان أم آلة.

في سياق متصل، جابه عدد من المؤلفين، الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم، انتقادات لاذعة من القراء وأقرانهم الكتاب على حد سواء، لاستعانتهم الواضحة بالذكاء الاصطناعي. غير أن الجدل الدائر حول رواية «الفتاة الخجولة» قد يُشكّل نقطة تحوّل على صعيد صناعة النشر بأكملها.

في أعقاب إلغاء نشر الرواية، تساءل الكثير من القراء والكُتّاب عن كيفية فشل دار نشر كبرى، في رصد دلائل على استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة. وقد اشتكى مُعلّقون عبر منصتي «غود ريدز» و«ريديت» على مدار شهور، ممَّا وصفوه بأنه دليل واضح على استخدام لغة برامج الدردشة الآلية. ودفعت هذه الفضيحة بعض القراء إلى التساؤل عن مدى تدقيق دور النشر للأعمال التي تستحوذ عليها.

في هذا الصدد، صرَّحت أندريا بارتز، كاتبة روايات الإثارة، التي كانت المدعية الرئيسة في الدعوى الجماعية، التي رفعها مؤلفون ضد دار نشر «أنثروبيك»، بأنه: «ندخل الآن عصر انعدام الثقة، حيث لا توجد طريقة سهلة لإثبات صدق كتاباتك». جدير بالذكر أن الدعوى انتهت بالاتفاق على تسوية بقيمة 1.5 مليار دولار.

حديثاً، أدخلت بارتز بعض كتاباتها في برنامج «إيس» لرصد الذكاء الاصطناعي، وفوجئت عندما صنَّف البرنامج عملها باعتباره مُولَّد بواسطة الذكاء الاصطناعي بنسبة 82 في المائة. وبعد ذلك، اقترح عليها البرنامج حلّاً: «هل ترغبين في إضفاء طابع إنساني على نصك؟».

وعندما كتبت بارتز عن تجربتها على منصة «سبستاك»، شاركها عشرات الكتّاب. وعلّقت الروائية رينيه دينفيلد قائلةً: «أعتقد أن هذا ما يحدث عندما تتعرض كتبك للسرقة، بغية برمجة الذكاء الاصطناعي»، مشيرةً إلى أن برنامجاً لكشف الذكاء الاصطناعي، قد صنَّف كذلك بعض كتاباتها بشكل خاطئ، باعتبارها مُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

في الإطار ذاته، قالت جين فريدمان، استشارية بمجال النشر: «يجب أن يكون هذا بمثابة جرس إنذار لصناعة النشر».

اللافت أن معظم دور النشر الكبرى لا تملك قواعد واضحة بخصوص استخدام الذكاء الاصطناعي للمؤلفين، وإنما تكتفي بالاعتماد على الثقة وتوقع الشفافية من الكتّاب. غير أنه مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في صناعة الكتب بطرقٍ عديدة، من البحث إلى التحرير إلى صياغة الجمل، يسود الارتباك حول أشكال استخدامه التي تتجاوز الحدود، ويتزايد الخوف من أن الكتابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تتجاوز، بل وستتجاوز، حدود المحررين المحترفين.

من ناحيتها، عندما سمعت راشيل لويز أتكين، التي تتولى مراجعة الكتب على مواقع «غود ريدز» و«إنستغرام» و«تيك توك» لآلاف المتابعين، لأول مرة عن رواية «فتاة خجولة» عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدت لها الرواية وكأنها ستنال إعجابها - قصة رعب نسوية آسرة وملتوية. وبالفعل، التهمت الرواية في يوم واحد وأوصت بها على نطاق واسع. وقالت إنها صُدمت عندما علمت بسحبها، بسبب أدلة تشير إلى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

تكتب ألكسندرا ألتر عن الكتب والنشر وعالم الأدب لصحيفة التايمز.

* خدمة «نيويورك تايمز»وعلقت على الأمر بقولها: «لو كنت متأكدة من أن شيئاً ما كُتب باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنت تجنبته. أعتقد أنه يجب أن نكون قادرين على اتخاذ القرار بشأن ما إذا كنا نريد قراءة شيء كُتب باستخدام الذكاء الاصطناعي».

أما المؤثرة في عالم الكتب، ستايسي سميث، فقد وقعت على رواية «فتاة خجولة» على موقع «نيت غالي» ـ موقع يتيح للقراء الاطلاع على الكتب ومراجعتها قبل نشرها ـ ومنحتها تقييم خمس نجوم على موقع «غود ريدز». وقد شعرت هي الأخرى بالاستياء لدى علمها بالاتهامات الموجهة للرواية.

وقالت: «لا أمانع مطالعة الكتب المكتوبة باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنني أرغب في معرفة أنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي. إن الخداع هو ما يؤلمني هنا».

من جهتهم، يضيف بعض الكتّاب شعاراً إلى كتبهم ومواقعهم الإلكترونية، يُشير إلى أن «المؤلف بشري». هذه الشهادة، التي تُقدمها «نقابة الكتاب»، تُمكّن المؤلفين من الإقرار بأنهم ألفوا كتبهم دون استخدام الذكاء الاصطناعي، في توليد النصوص أو صياغتها بشكل جوهري. ورغم أن النقابة لا تتحقق بشكل مستقل من ادعاءات المؤلفين، فإن الكتّاب قد يتعرضون لدعاوى انتهاك حقوق الملكية الفكرية، إذا انتهكوا شروط استخدام الشعار.

يذكر أنه جرى توجيه اتهامات لسارينا بوين، كاتبة نشرت بعض كتبها بنفسها، وأصدرت أخرى بالتعاون مع دور نشر كبرى، باستخدام الذكاء الاصطناعي لتصميم غلاف إحدى رواياتها. وقد نفت الكاتبة هذه الاتهامات بسهولة؛ إذ نُشرت الرواية قبل سنوات من انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي على نطاق واسع. ومع ذلك، يساورها القلق اليوم بخصوص أغلفة الكتب التي يجري الحصول عليها من الإنترنت ـ ممارسة شائعة بين المؤلفين، الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم ـ وما إذا كان فنان ما قد استخدم هذه التكنولوجيا لإنتاجها.

وعن هذا، قالت: «لا أعرف إلى أين سيقودنا هذا، لكن لحظة اتهامي باستخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم الغلاف، كانت محبطة للغاية. كل من ينشر الكتب يغرق في هذا العالم، الذي لا يمكن فيه التأكد من مصدر محتوانا».

وقالت لورا تايلور نيمي، روائية: «إذا كان هناك من سينفق ماله على كتاب، فإنه يرغب في أن يكون نابعاً من عقل وقلب المؤلف، لا من جهاز كمبيوتر سلب عقل الكاتب. وأنا أؤيد ذلك».

يتردد عدد متزايد من الكُتّاب في استخدام الذكاء الاصطناعي بينما يستخدمه آخرون من دون الإفصاح عن ذلك


بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

 بودلير
بودلير
TT

بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

 بودلير
بودلير

لقد سقط بودلير وهو في عز الشباب (46 سنة فقط). وأصيب بالشلل في أواخر حياته، ويقال إنه جنّ. ومع ذلك فقد خلَّف وراءه أكبر ثورة شعرية في تاريخ العصور الحديثة. لولا بودلير لما كان رامبو. لقد انفجر بودلير بالشعر انفجاراً وعاش من أجله، وله، ولم يكن له هدفٌ آخر في الحياة. أليس هو القائل: لقد عجنت الطين (أو الوحل) وصنعت منه الذهب؟ بمعنى آخر: من كلمات عادية جداً خلقت مجازات إبداعية مبتكرة وصوراً خارقة تدوخ العقول. وهنا تكمن معجزة الشعر، سر الشعر. جوهر الشعر. إنه السهل الممتنع إلا على عباقرة العباقرة. ولكن سارتر في كتابه الرائع عن بودلير يضيف قائلاً: «لم يكن هذا الرجل بلا نقيصة ولا خالياً من التناقضات والعيوب. فهذا المنحرف الضال تبنى أكثر الأخلاق امتثالية وشيوعاً في عصره. وهذا الشخص المترف الناعم كان يتردد على المومسات العواهر. وحبه للبؤس والانحطاط والانهيارات السيكولوجية هو الذي جعله يتعلق بتلك الزنجية البشعة حنة دوفال التي كانت عشيقته لسنوات طويلة. وهذا المتوحد كان يخشى الوحدة كثيراً ولا يخرج إلا مع رفاقه إلى مقاهي باريس وحاناتها. وكان يتمنى بناء حياة عائلية وعش منزلي دافئ ولكنه فشل في تحقيق ذلك فشلاً ذريعاً، فعاش متسكعاً، مشرداً، هامشياً. وكان يثني على الجهد والعمل، ولكنه كان عاجزاً عن أن يكمل أي عمل ينخرط فيه. وكان يحمس الناس للسفر إلى الأصقاع البعيدة واكتشاف العوالم القصية، ولكنه بقي متردداً طيلة ستة أشهر قبل أن يحسم أمره ويقرر أخيراً زيارة أمه في مدينة هونفلير التي لا تبعد عن باريس أكثر من مائتي كيلومتر... باختصار شديد فقد كان شخصاً مليئاً بالتناقضات».

في الواقع إن مشكلة بودلير الأساسية هي زواج أمه بعد وفاة والده. هنا يكمن جرحه الأنطولوجي إذا جاز التعبير. هنا يكمن الجرح العميق الذي دمره من الداخل تدميراً، وفجره تفجيراً. ولم يقم من تلك الضربة القاصمة طيلة حياته كلها. بودلير كان متعلقاً بأمه إلى أقصى الحدود. وعندما مات أبوه وعمره ست سنوات فقط لم يحزن عليه كثيراً بل ربما سعد بذلك. فقد اعتقد أن أمه سوف تكون له وحده منذ الآن فصاعداً... وبالفعل فقد قضى معها فترة رائعة لمدة سنتين تقريباً قبل أن يضرب القدر ضربته ويحصل ما لا تحمد عقباه. فقد أبلغته في صبيحة أحد الأيام أنها سوف تتزوج من الجنرال جاك أوبيك الذي أصبح الحاكم العسكري لمنطقة باريس لاحقاً بل والسفير الفرنسي في إسطنبول. عندما سمع بودلير بالخبر جن جنونه. شعر وكأن السماء انطبقت على الأرض. شعر وكأنه سقط من الجنة. لقد انتهت «جنة الطفولة» بالنسبة لشارل بودلير. عندئذ تعرف لأول مرة على تجربة الشر في العالم. حتى ذلك الوقت كان هذا الطفل المدلل ساذجاً كبقية الأطفال. كان يعتقد أن العالم كله خير، وبركة، وسعادة، وطمأنينة. وفجأة يكتشف شيئاً جديداً لم يكن في الحسبان. فجأة يكتشف أن الشر موجود في قلب العالم بل وينخر فيه كما تنخر الدودة في الثمرة. منذ ذلك الوقت حصل صَدْع في الأعماق النفسية لشارل بودلير. ومنذ ذلك الوقت أصبح الشعر ممكناً.

يقول عنه أحد النقاد: كان بودلير ذا روح رقيقة وحساسة جداً وحنونة أيضاً. وقد انكسرت من أول صدمة من صدمات الحياة. لم يتحمل بودلير أبداً زواج أمه. أمه لم تعد له وحده، بل لم تعد له بالمرة. أصبحت لرجل آخر يختلي بها في الغرفة المجاورة مغلقاً الباب في وجهه. لقد خانته أمه وتركته وحيداً على قارعة الطريق. أبداً لن ينسى هذه الإهانة. أبداً لن يغفر لها فعلتها تلك. ولذلك راح يصرخ في وجهها قائلاً: «من كان لها ابن مثلي لا تتزوج»! كيف يمكنه أن يثق بالحياة بعد الآن؟ لقد انتهى عهد الطمأنينة والشفافية واختل نظام الأشياء. وهذا ما حصل لسارتر أيضاً. فقد تزوجت أمه بعد وفاة والده. لهذا السبب حقد عليها وعلى زوجها تماماً مثلما فعل بودلير. كان يكره زوج أمه كره النجوس. كان يكرهه إلى درجة أنه رفض أن يدفن في المقبرة ذاتها. حتى بعد الموت كان شبحه يلاحقه. وربما لهذا السبب نجح كتابه عن بودلير نجاحاً باهراً. لقد عاش التجربة المرة الساحقة الماحقة ذاتها. لا تكاد تشبع من قراءته: نثر فلسفي متفجر أين منه الشعر... (بين قوسين: لن أغفر للغة الفرنسية ما حييت أنها تدعو زوجة الأب «بالأم الجميلة». ما هذه الحماقة؟ ما هذه الفضيحة؟ الأم الجميلة هي وحدها الأم الحقيقية).

ماذا نستنتج من كل ذلك؟ نستنتج أن مرحلة الطفولة الأولى هي التي تصنعنا وتجبلنا وتصوغ شخصيتنا إلى الأبد. لا نستطيع منها فكاكاً. مستحيل. مؤخراً سمعت مطرباً فرنسياً شهيراً يقول بعد أن تجاوز الثمانين: والله حتى الآن لم أستطع أن أتجاوز طفولتي. والله حتى الآن لم أستطع أن أتصالح معها. ثم يضيف: من يستطيع أن ينجو من طفولته، من يستطيع أن يُشفى من طفولته؟ وهذا شخص شعبي، ناجح، تباع أشرطته بالملايين. فما بالك بالتعساء من أمثالنا؟ كيف يمكن أن تتصالح مع طفولة أصولية غياهبية، أو كارثية فجائعية؟

الآن دعونا نطرح هذا السؤال: كيف كانت شخصية بودلير في الحياة؟ لنستمع إلى مكسيم دوكامب، صديق فلوبير الشهير، يصوره لنا: «كان متوسط القامة، صلب الجسم، قوي العضلات، أو قل يُوحي بالقوة لمن يراه لأول وهلة. ولكن إذا ما تمعنَّا فيه عن كثب وجدناه مسحوقاً من الداخل أو حتى مدمَّراً تماماً. كانت تلوح عليه علائم التهالك والضعف والهُجران...».

كان بودلير ملاحقاً بالإحساس بالخطيئة والذنب دون أي ذنب. كان يشعر بأنه مدان أبدياً سرمدياً، ولا خلاص. طيلة حياته كلها لم يعرف القرار ولا الاستقرار النفسي السيكولوجي. يا جماعة اسمعوا وعوا: بودلير ما كان بحاجة إلى أعداء لكي يضربوه أو يجلدوه. كان هو يجلد نفسه بنفسه يومياً عشر مرات على الأقل. كان هو العدو اللدود لنفسه. أليس هو القائل:

أنا الطعنة والسكين

أنا الضحية والجلاد

أنا لقلبي مصاص الدم

وهو القائل أيضاً هذه الكلمات المعبرة:

«من يستطيع أن يقضي على الندم القديم، الطويل، ذلك الندم الذي يحيا، يختلج، يتلوى، يتغذى من أحشائنا كما تتغذى الدودة من جسد الميت، أو الأسروع من شجر السنديان؟

من يستطيع أن يقضي على الندم العنيد؟».

لقد عضت الحياة شارل بودلير أكثر مما ينبغي. لكن هل كان سيصبح شاعراً لولا ذلك؟ لولا زواج أمه إبان طفولته الأولى، لولا تلك الصدمة القاتلة، هل كان سيصبح أكبر شاعر في تاريخ فرنسا؟ كان بودلير يفكر على النحو التالي: بما أن الشر إجباري في هذا العالم، بما أنه سيد العالم، فلماذا لا نقبل يديه ورجليه وننحني أمامه؟ لماذا لا نجامله بل ونتغزل بأزهاره وجماله؟ آه أيها الشيطان يا أخي يا صديقي.. ولكن الخير ينتصر في نهاية المطاف على الشر، والله على الشيطان، وإلا فعلى الدنيا السلام... هذا ما يعتقده بودلير في قرارة نفسه. وهذا ما عبر عنه في قصائده مرات ومرات عندما كان يحلم بالشفافية ويحلق إلى أعلى السماوات. لكنه ظل يخشى ضربات الشر وغدرات الزمان. كيف يمكن أن تتحاشاها؟ هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فلو أن بودلير عنون ديوانه «أزهار الخير» لما سمع به أحد بل ولربما فشل فشلاً ذريعاً. وذلك لأن «الشعر نكد بابه الشر فإذا دخل في باب الخير ضعف» كما يقول الأصمعي. أخيراً ينبغي العلم أن بودلير قد يتحول أحياناً إلى شخص آخر مختلف تماماً. قد يتحول من تراجيدي إلى كوميدي. والدليل على ذلك هذه القصيدة الفكاهية المرحة:

زوجتي ماتت أنا حر

أستطيع أن أشرب على كيفي

عندما كنت أعود بلا فلس في جيبي

كانت زعقاتها تمزق أعصابي

أنا سعيد كملك متوج

أنا ملك الملوك

يا إلهي ما أرحب البيت بعد رحيلها

أعيش أجمل لحظات حياتي

أغني على كيفي

الهواء نقي والسماء ساطعة

عشنا صيفاً مشابهاً

عندما كنت مغرماً بها

إلخ...


لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21
TT

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

صدر أخيراً عن «منشورات الربيع» في القاهرة، رواية «بيت الخلد: الحياة السرية لفريدة المفتي»، للروائية والناقدة المصرية الدكتورة هويدا صالح.

تقع الرواية في نحو 300 صفحة من القطع المتوسط، وتدور أحداثها في الفترة من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، وتعاين كثيراً من التحولات السياسية العالمية في تلك الفترات، بخاصة قضايا الاستعمار، واستعباد الأوروبيين لأبناء أفريقيا السوداء، وخطفهم من بلدانهم وقراهم في أفريقيا، وبيعهم في أوروبا؛ حيث يجري استعبادهم.

الرواية أقرب إلى نقد الفكر الاستعماري، فضلاً عن نقد الفكر الذكوري، ومن هنا تأتي مركزية المرأة ودورها في مجابهة هذا الاستعمار، وكيف تكون ضحية له في كثير من الأحايين، بوصفها الحلقة الأضعف، ومراوحتها بين مقاومة هذا الطابع الاستعماري، والخضوع والاستسلام له حيناً آخر، وفي الوقت ذاته مقاومة الاستبداد الذكوري الواقع عليها من بني جلدتها أحياناً.

تدور الرواية مكانياً في عدة فضاءات مترامية، بدءاً من مركز الأحداث في العاصمة المصرية، القاهرة، ومحافظة أسيوط في صعيد مصر، ثم إيطاليا؛ حيث ولد «بولدوين» الإيطالي الثري الذي وقع في عشق مصر والشرق عموماً، وحيث ولدت أيضاً عبدته «سورما». أما المكان الثالث فهو إثيوبيا، الموطن الأصلي لجدة «سورما» وأمها، اللتين اختطفتا وبيعتا في سوق العبيد بإيطاليا، واشتراهما جد «بولدوين».

الرواية تتمحور -حسب العنوان- حول شخصية «فريدة المفتي» التي تنحدر من مدينة قفط بمحافظة قنا، وتنتقل إلى القاهرة، وتؤسس وكالة تجارية كبيرة، على عكس الأعراف السائدة وقتها بأن التجارة والعمل للرجال فقط. ولا تكتفي بذلك؛ بل تؤسس بيتاً غريباً، وتسميه «بيت الخلد»، أقرب إلى بيت للمتعة، ولكنه يختلف عن بيوت البغاء التي كانت موجودة آنذاك ومعترفاً بها قانوناً؛ إذ وضعت قانوناً بأن تكون السيدات في هذا البيت لسن بغايا؛ بل سيدات فضليات، ولكنهن لا يشعرن بالحب تجاه أزواجهن، وأن كل امرأة في هذا البيت هي التي ستختار الرجل الذي تريده، وليس العكس كالمعتاد في هذه النوعية من البيوت، للحصول على متعتها، دون تقاضٍ لأي أموال، حتى تمنح كل امرأة حرية التصرف في جسدها.

في مقابل هذه الحرية التي تنطلق من الجسد، كانت شخصية «إستر»، الصعيدية ابنة أسيوط، خريجة الجامعة الأميركية، ترى هذا نوعاً من العبودية، وتؤمن بأن حرية المرأة تبدأ من امتلاك عقلها وليس الجسد، وانخرطت في حركات مقاومة الاستعمار، وكانت ضمن الطليعة الوفدية، وتزوجت «بولدوين» الإيطالي، المحب لمصر والكاره للميول الاستعمارية، والذي أطلق سراح جاريته «سورما» ومنحها حريتها، منذ أن جاءت معه إلى مصر.

ترصد الرواية حياة كل هؤلاء الشخوص، بجذورهم المختلفة، وخلفياتهم المعرفية المتباينة، وعلاقاتهم المركبة بعضهم ببعض، صانعةً خيوطاً درامية أشبه بضفيرة مركبة، تحضر فيها السياسة في الخلفية، وتقدم لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الماضي، مصورة الحياة الفنية الثرية آنذاك، فهناك حضور قوي لشخصيات فنية شهيرة، مثل: نجيب الريحاني، ويوسف وهبي، ومنيرة المهدية، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب.