انتخابات الجزائر... الإسلاميون في مواجهة {المستقلين}

{الوطنيون} يدخلون السباق مفككين... والعلمانيون يقاطعون... والحراك منقسم

جانب من الحملة الانتخابية للمرشحين في عين وسارة بولاية الجلفة جنوب الجزائر العاصمة (أ.ب)
جانب من الحملة الانتخابية للمرشحين في عين وسارة بولاية الجلفة جنوب الجزائر العاصمة (أ.ب)
TT

انتخابات الجزائر... الإسلاميون في مواجهة {المستقلين}

جانب من الحملة الانتخابية للمرشحين في عين وسارة بولاية الجلفة جنوب الجزائر العاصمة (أ.ب)
جانب من الحملة الانتخابية للمرشحين في عين وسارة بولاية الجلفة جنوب الجزائر العاصمة (أ.ب)

تتجه الجزائر في 12 يونيو (حزيران) الجاري لانتخابات تشريعية جديدة هي الأولى في عهد الرئيس عبد المجيد تبون، وسط مؤشرات إلى أن الأحزاب الإسلامية مرشحة لتحقيق نتائج قوية فيها في مواجهة خصوم معظمهم من المستقلين. وتتدعم فرص الإسلاميين نتيجة عوامل كثيرة، منها دعوات المقاطعة الصادرة من أوساط شرائح في {الحراك الشعبي}، الذي أسهم نزوله إلى الشارع عام 2019 في إطاحة الحكم المديد للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وكذلك نتيجة قرار أحزاب علمانية، مثل جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وعدم خوض المنافسات الانتخابية، وأيضاً نتيجة دخول حزبي جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، اللذين هيمنا لسنوات طويلة على الساحة السياسية، حلبة الصراع بصفوف مفككة، نتيجة {وصمة} التصاقهما بالنظام السابق المخلوع.
فكيف تتوزع صورة المنافسات الانتخابية قبل أيام من بدء الاقتراع؟

الأحزاب {الوطنية}
هيمن حزب جبهة التحرير الوطني على الحياة السياسية في الجزائر منذ استقلالها عام 1962، واستمر في ذلك، منفرداً، حتى عام 1989 عندما ألغت السلطات، بعد احتجاجات شعبية، نظام حكم الحزب الواحد. وكاد الحزب يخسر السلطة في انتخابات ديسمبر (كانون الأول) 1991 أمام حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ. لكن الجيش ألغى نتائج الدورة الأولى من الاقتراع، وأوقف المسار الانتخابي في مطلع عام 1992، ما أدخل البلاد في دوامة عنف استمرت أكثر من عقد من الزمن. وفي عام 1997 أجرت الجزائر أول انتخابات برلمانية منذ الانتخابات الملغاة عام 1992، وكان الفوز فيها بفارق كبير (156 نائباً) لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، وهو حزب جديد أسسته السلطات، التي كانت أطراف فيها تخشى عدم ولاء قيادة جبهة التحرير الوطني لها. وحلّت جبهة التحرير في المرتبة الثالثة (62 نائباً)، بعد حزب إسلامي هو حركة مجتمع السلم (69 نائباً) الذي بات الحزب الإسلامي الأساسي في البلاد بعد حظر حزب جبهة الإنقاذ.
في انتخابات 2002، عادت جبهة التحرير لتصدر الساحة بفوزها بـ199 مقعداً برلمانياً، في مقابل تراجع التجمع الديمقراطي إلى المرتبة الثالثة بـ47 مقعداً فقط (بعدما كان لديه 156 نائباً في انتخابات 1997). ويمكن أن يعزى هذا التراجع في أداء الحزب الأخير إلى حقيقة أنه كان محسوباً على الرئيس اليمين زروال، وبعد تنحيه وانتقال السلطة إلى الرئيس بوتفليقة عاد رهان السلطة على الحزب التاريخي، جبهة التحرير التي تولى بوتفليقة رئاستها شرفياً. وفي انتخابات 2007، استمر حزب جبهة التحرير في تصدر المشهد بـ136 مقعداً، يليه التجمع الديمقراطي بـ61 مقعداً. وفي انتخابات 2012 لم تتغير الصورة: جبهة التحرير متصدرة بـ208 مقاعد، متبوعة بـ58 مقعداً. وفي انتخابات 2017 تكرر المشهد من جديد: جبهة التحرير متصدرة بـ146 مقعداً، يليها التجمع الديمقراطي بـ97 مقعداً.
وكما هو واضح، شكّل حزبا جبهة التحرير والتجمع الديمقراطي عماد السلطة خلال حكم بوتفليقة، الذي استمر منذ عام 1999 وحتى 2019، لكن التصاقهما به ودفاعهما عنه قد يضر بهما عندما يذهب الجزائريون إلى صناديق الاقتراع يوم 12 يونيو. ويؤخذ على هذين الحزبين أنهما دعما بوتفليقة حتى عندما كان مريضاً لا يقوى على الكلام، ورشحاه لولايات رئاسية متتالية رغم معرفتهما بعجزه الصحي. والأكثر من ذلك، ما إن سقط نظام بوتفليقة حتى وجد كثير من قادة هذين الحزبين أنفسهم وراء قضبان السجن، بعد إدانتهم بتهم فساد وثراء غير مشروع.
وهذه العوامل كلها تعطي انطباعاً بأن هيمنة هذين الحزبين المنتميين إلى ما يُعرف بـ{التيار الوطني} قد تكون شارفت على نهايتها، وقد يخرجان من انتخابات 12 يونيو (حزيران) بنتائج كارثية.

الأحزاب الإسلامية
تدخل الأحزاب الإسلامية انتخابات 2021 وهي في موقع قوة، ويعود ذلك إلى حد كبير نتيجة تفكك خصومها، ونتيجة ركوبها موجة الحراك الشعبي ضد بوتفليقة، رغم أنها شكّلت في مرحلة ما جزءاً من منظومة حكم الرئيس السابق، الذي أصر دائماً على أن تجمع حكوماته الوطنيين مع الإسلاميين (جبهة التحرير، والتجمع الديمقراطي وحركة مجتمع السلم)، بالإضافة إلى أطراف حزبية أخرى أقل وزناً. وجاء انفصال الإسلاميين عن حكم بوتفليقة مباشرة بعد بدء ما يُعرف بـ{الربيع العربي} عام 2011، وسط اتهامات للأحزاب الإسلامية من خصومها بـ{الانتهازية}، على أساس أنها تريد {ركوب موجة} الحراك، الذي أطاح أنظمة حكم، ودفع بالإسلاميين إلى الواجهة، مثلما حصل في مصر وتونس وليبيا، وكذلك في المغرب، حيث أسفرت الانتخابات البرلمانية عن فوز الإسلاميين بالحصة الكبرى التي سمحت لهم للمرة الأولى بقيادة الحكومة. لكن انتخابات 2012 في الجزائر لم تأتِ كما يشتهي الإسلاميون، إذ أظهرت النتائج الرسمية استمرار هيمنة جبهة التحرير والتجمع الديمقراطي، وهي نتائج دفعت الإسلاميين إلى إطلاق مزاعم بأنها {مزورة}. وتكرر الأمر في انتخابات 2017، حيث ظل الإسلاميون في المرتبة الثالثة بعد الوطنيين، لكنهم يبدون اليوم، عشية انتخابات 2021، في موقع يوحي بأنهم سيكونون المستفيد الأكبر من {مصائب} خصومهم ومنافسيهم. ويقود الأحزاب الإسلامية حالياً حزبان هما حركة مجتمع السلم (بزعامة عبد الرزاق مقري)، والعدالة والبناء (بزعامة عبد الله جاب الله).

الأحزاب العلمانية
هيمن على الأحزاب العلمانية على مدى سنوات طويلة حزبان: جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وهما حزبان تتمركز قوتهما الأساسية في مناطق القبائل، مثل تيزي وزو وبجاية. لكن هذين الحزبين وجدا نفسيهما في نزف مستمر في السنوات الماضية، خصوصاً بعد رحيل الوجه التاريخي للحزب الأول، حسين آيت أحمد، وتنحي زعيم الحزب الثاني سعيد سعدي. وسيذهب هذان الحزبان إلى انتخابات 2021 من موقع المقاطعة، وهي سياسة لجآ إليها سابقاً.
ويُضاف إلى هذين الحزبين حزب يساري ثالث تقوده لويزة حنون، السياسية التروتسكية المعروفة. وسيقاطع هذا الحزب انتخابات 12 يونيو أيضاً، لكن تأثيره الشعبي لم يكن يوماً ذا ثقل يوازي ثقل صوت زعيمته حنون، التي عُرفت بانتقاداتها الشديدة للإسلاميين في حقبة التسعينات. ودخلت حنون السجن بعد سقوط حكم بوتفليقة، لكن الاتهامات ضدها خُفضت وتم الإفراج عنها.

الحراك الشعبي... والجيش
لعب الحراك الشعبي دوراً رئيسياً، إلى جانب قيادة الجيش، في إسقاط نظام بوتفليقة عام 2019. فبعد تظاهرات شعبية واسعة ضد ترشح رئيس الجمهورية لولاية جديدة برغم عجزه الصحي، قرر الجيش الانحياز للحراك، وعزل بوتفليقة عن الحكم في أبريل (نيسان) من العام نفسه. ولعب رئيس أركان الجيش السابق أحمد قايد صالح دوراً رئيسياً آنذاك في عزل بوتفليقة، وملاحقة أركان حكمه من رؤساء وزراء سابقين (عبد المالك سلال وأحمد أويحيى)، وقادة أحزاب ورجال أعمال، وحتى قادة بارزين في الجيش والاستخبارات، بما في ذلك المدير السابق لجهاز الأمن والاستعلام محمد مدين (توفيق)، ومسؤول جهاز الاستخبارات والأمن لدى الرئاسة عثمان طرطاق (بشير). لكن دور قايد صالح انتهى فجأة في ديسمبر (كانون الأول) 2019 نتيجة أزمة صحية أودت بحياته، بعد شهور فقط من إسقاطه نظام بوتفليقة. لكن قيادته الجيش للسير بجانب الحراك مهدت الطريق للمرحلة الحالية، التي أوصلت عبد المجيد تبون إلى الرئاسة.
ويقود قيادة أركان الجيش حالياً الجنرال السعيد شنقريحة، الذي يُسجّل له حضور مستمر من خلال كلمات يلقيها أمام الوحدات العسكرية، الذي يقوم بشكل متتالٍ بزيارات ميدانية تفقدية لها. لكن ليس واضحاً، في حقيقة الأمر، ما إذا كانت قيادة الجيش، ومعها الاستخبارات، راغبة أو عازمة هذه المرة على الاستمرار في لعب دور سياسي، ولو من وراء الستار، كما درجت العادة في السنوات الماضية، أم أنها ستترك الساحة ليشغلها الطرف، الذي سيفوز في صناديق الاقتراع، بحسب ما يؤكد مسؤولون جزائريون.
وكما هو معروف، كان التدخل المباشر للجيش عام 1992 أساسياً في منع وصول جبهة الإنقاذ إلى سدة الحكم، وهي خطوة يقول منتقدوها إنها أدخلت البلاد في عشرية حمراء، بينما يقول مؤيدوها إنها أنقذت البلاد من أيدي حزب يكفر بالديمقراطية، كما كان يردد قادته آنذاك.
في المقابل، ورغم الدور الأساسي للحراك الشعبي في إنهاء حكم بوتفليقة، فإن مشكلته الأساسية، كما يقول منتقدون، إنه لم يُنتج قيادة تمثله وتتحدث باسمه، على الرغم من أن هناك من يقول إن عدم إنتاج الحراك من يمثله شكل عنصراً إيجابياً لمصلحته، لأن السلطة كان يمكنها أن تلجأ إلى اعتقال القادة، الذين يحركون الحراك بهدف الضغط لإنهائه. وواضح، في حقيقة الأمر، أن الحراك فقد في الشهور الماضية بعض الزخم، الذي كان يتمتع به في الشهور الأولى لانطلاقه، إذ بات العنصر الإسلامي أكثر وضوحاً في صفوفه، ربما لأنه غالباً ما كان يحصل بعد خروج المصلين من صلاة الجمعة في العاصمة الجزائرية، حيث يسجّل حضور قوي وسط الحراك من مناطق شعبية، كانت فيما مضى معروفة بأنها من معاقل جبهة الإنقاذ.
وهكذا يبدو جلياً أن جزءاً من الحراك سيلجأ إلى مقاطعة الانتخابات، على أساس أنها لن تنتج التغيير المطلوب، في حين أن جزءاً آخر هو الجزء {المؤدلج} سيصوّت للوائح الإسلاميبن.

المستقلون
وإذا كانت الصورة على هذه الحال، فإن الرهان على منع وصول الإسلاميين إلى السلطة قد يكون معقوداً إلى حد كبير على أداء المرشحين المستقلين في الاقتراع المقبل، خصوصاً أن الرئيس تبّون لا يدعم حزباً معيناً، وليس له أصلاً حزب يخوض به الانتخابات. وبحسب إحصاءات الهيئة الوطنية المستقلة لمراقبة الانتخابات، سيحصل التنافس بين 1483 قائمة منها 646 قائمة حزبية، و837 قائمة مستقلة. فلمن ستكون الغلبة؟ أيام قليلة تفصل عن موعد الجواب؟



بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)
الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)
الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)

بعد نحو 500 يوم أمضاها في الجبال والمرتفعات، عاد الشيخ عمرو بن حبريش، وكيل أول محافظة حضرموت قائد قوات حماية حضرموت، إلى عاصمة المحافظة، المكلا، إيذاناً (على حد تعبيره) ببدء مرحلة جديدة ترسم ملامح مستقبل مختلف للمحافظة الشرقية الأوسع في اليمن.

وفي حوار مع «الشرق الأوسط»، من مقر إقامته بالمكلا المطلّة على بحر العرب، يؤكد بن حبريش أن «حضرموت تعيش اليوم حالة من الاستقرار والطمأنينة، يعزوها بعد توفيق الله إلى صمود أبنائها ومقاومتهم، وإلى الدعم والتدخُّل السعودي الذي جاء في الوقت المناسب».

ويرفض بن حبريش، المعروف في حضرموت بلقب «سلطان الجبل»، رَبْط ما شهدته المحافظة أخيراً بالقضية الجنوبية، معتبراً أن ما جرى «مشروع آخر» لا علاقة له بها، وأنه لم تكن هناك أي مبررات، بحسب وصفه، لدخول عشرين لواءً تابعاً للمجلس الانتقالي الجنوبي واحتلال حضرموت.

وبحسب بن حبريش، فإن الطموح في هذه المرحلة يتمثل في بناء دولة مؤسسات ينصهر الجميع تحت مظلتها، مع احتفاظ حضرموت بخصوصيتها، معلناً التزامه بدمج قوات حماية حضرموت، ضمن مؤسسات الدولة «العادلة».

كما يلفت إلى أن الإرهاب «مصطنع»، ولا حاضنة له في حضرموت، متهماً دولاً خارجية وأطرافاً محلية بتوظيفه لخدمة مصالحها، ومؤكداً في الوقت نفسه الاستعداد للدفاع عن حضرموت ضد الإرهاب بكل أشكاله.

تسليم المعسكرات

وقدّم الشيخ عمرو بن حبريش روايته لما جرى في عملية تسليم المعسكرات التي قادتها قوات درع الوطن، معتبراً أن ما تحقق من «انتصارات» جاء بتوفيق من الله أولاً، ثم بفضل مقاومة أبناء حضرموت على أرضهم، والدعم السعودي والموقف الذي وصفه بـ«الصادق والحاسم» من قيادة المملكة في التوقيت المناسب.

ويقول بن حبريش الذي يشغل أيضاً رئيس حلف حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع، إن هذا الإنجاز لم يكن ليتحقق لولا «الارتباط الحقيقي» بين المجتمع المحلي في حضرموت والمملكة العربية السعودية، مضيفاً أن هذا التلاقي هو ما أفضى إلى ما تعيشه المكلا اليوم من استقرار وأمن، بعد «زوبعات» يرى أنها لم تكن ضرورية منذ البداية.

ويضيف: «لم نكن راضين عن وصول قوات، وما ترتب على ذلك من صراع داخلي واقتتال، لكن بعض الأطراف شعرت بالقوة والنشوة، ولم تترك مجالاً للتفاهم».

ويذهب بن حبريش إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي «دخل بقواته، واحتل المحافظة بشكل كامل»، مؤكداً أن حضرموت «وطن وأرض لأبنائها»، وأن معالجة الأخطاء (إن وُجدت) كان يجب أن تتم بأيدي أبنائها، لا عبر فرض الأمر الواقع بالقوة. ويقول: «كنا مجبرين على المقاومة، تمَّت ملاحقة الناس في بيوتهم وفي الشعاب والقرى، ودُخلت المنازل من دون مبرر. كان تصرفاً خاطئاً ولا داعي له».

محافظ حضرموت سالم الخنبشي خلال استقباله الشيخ عمرو بن حبريش فور وصوله إلى مدينة المكلا (السلطة المحلية)

ما حصل لا يمثل الجنوب

ويحرص الوكيل الأول لمحافظة حضرموت على التمييز بين ما جرى والقضية الجنوبية عموماً، مشدداً على أن هذه التصرفات «لا تُحسب على الجنوبيين كافة». ويضيف: «الجنوبيون إخوتنا، بيننا وبينهم مواقف مشتركة واحترام متبادل. الجميع مظلوم. حضرموت مظلومة والجنوب مظلوم واليمن كله مظلوم، لكن القضايا لا تُحل بإلغاء الآخر أو الاعتداء عليه، بل بالحوار».

قنوات مفتوحة مع السعودية

وفي محور الدعم السعودي، يؤكد بن حبريش أن حضرموت تعيش اليوم حالة من الاستقرار، بفضل الله، ثم بتدخل قيادة المملكة العربية السعودية، ممثلة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، ورئيس اللجنة الخاصة، وقيادة القوات المشتركة.

وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان خلال استقباله للشيخ عمرو بن حبريش في وقت سابق (متداول)

وعن التنسيق مع المملكة، يقول إن التواصل يتم «على أعلى المستويات»، عبر قيادة المحافظة والسلطة المحلية، مع وجود قنوات مفتوحة مع التحالف «من دون أي حواجز». ويضيف: «وجدناهم إخوة صادقين، نواياهم طيبة، ونكنّ لهم تقديراً عالياً، ولا نستطيع مجازاتهم».

كما ثمّن مواقف مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت، متسائلاً عن الجدوى الحقيقية لبعض الأطراف من إشعال الصراع. ويرى أن ما جرى «لا يخدم قضية داخلية ولا قضية جنوبية»، بل يتجاوزها إلى «أهداف أكبر غير معلنة»، وهو ما يفسر (برأيه) رفض المجتمع الحضرمي لهذه التحركات.

مرحلة جديدة

ويؤكد بن حبريش أن حضرموت تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، مستندة إلى طبيعة مجتمعها المعروف بالسلم والحكمة والثقافة، ويقول: «نحن أقوياء، لكننا نميل إلى التواضع والسلم. حضرموت أمام عهد جديد».

مشروع أبو علي الحضرمي

وفيما يتعلق بما عُرف بـ«حملة أبو علي الحضرمي»، يبدي بن حبريش استغرابه من بروز شخصيات «بين ليلة وضحاها»، من دون صفة رسمية، تتحدث عن التنمية والاستقرار وتقود قوات غير نظامية.

ويقول إن الدولة لها مؤسسات وأدوار محددة، «وكل يتحدث في اختصاصه»، مشدداً على أن هذه التحركات تعكس مشروعاً آخر «أكبر من الظاهر»، ولا تصبّ في مصلحة الجنوبيين ولا في مشروع الجنوب، متسائلاً: «هل من مصلحة الجنوب أن تُغزى حضرموت بعشرين لواء؟».

انتهاكات الهضبة

ويستعيد بن حبريش ما يصفه بـ«الانتهاكات» التي وقعت في الهضبة، متحدثاً عن حصار غيل بن يمين، ودخول المنازل، وإطلاق النار داخل البيوت، ونهب الممتلكات، وقطع الطرق، ومنع المواد الغذائية عن المدنيين.

دولة المؤسسات

وفي رؤيته للمرحلة المقبلة، يشدد على ضرورة قيام «دولة مؤسسات» في حضرموت، رافضاً منطق تعدُّد القوى العسكرية خارج إطار الدولة. ويقول إن وزارتي الدفاع والداخلية يجب أن تضما أبناء المحافظة، مع ترسيخ العدالة والقانون والتنمية، محذراً من أن إعادة إنتاج مراكز قوة خارج الدولة ستعيد البلاد إلى مربع الصراع.

ويؤكد بن حبريش استعداد قوات حماية حضرموت للاندماج الكامل في مؤسسات الدولة، موضحاً أن هذه القوات تأسست لمواجهة «غزو سابق». أما اليوم، فالمهمة هي «مهمة دولة»، لكنه يشدد على أن الدولة يجب أن تكون محايدة، لا يهيمن عليها حزب أو مكوّن بعينه.

عناصر من قوات حماية حضرموت التي يقودها الشيخ عمرو بن حبريش (الشرق الأوسط)

الحكم الذاتي

وعن الحوار الجنوبي المرتقب، يصف دعوة المملكة له بأنها «ممتازة» ولا يمكن رفضها، مؤكداً الاستعداد للمشاركة، لكن على أساس أن قضية حضرموت «مستقلة»، مثلها مثل القضية الجنوبية.

ويشير بن حبريش إلى أن مطالب حضرموت بالحكم الذاتي تستند إلى قراءة تاريخية، حيث ضمَّت في مراحل سابقة «قسراً ومن دون استفتاء». ويقول إن الحكم الذاتي هو الحد الأدنى لتمكين حضرموت من بناء نفسها وتوفير الخدمات لمواطنيها، داعياً أبناء حضرموت إلى توحيد الصف، والتنازل لبعضهم بعضاً، وتقديم مصلحة حضرموت على أي اعتبارات فئوية. ويقول: «نتسامح ونفتح صفحة جديدة. لسنا في موقع انتقام. الأهم أن تبقى حضرموت في موقع القرار، لأن من دونها لا تنمية ولا تطوير».

مواجهة الإرهاب

وشدد الشيخ عمرو بن حبريش على أن حضرموت «بيد أبنائها»، وتعيش اليوم حالة من الأمن والاستقرار ضمن محيطها العربي والإسلامي، نافياً وجود أي حاضنة حقيقية للإرهاب في المحافظة.

ويقول: «إذا كان هناك إرهاب؛ فهو إرهاب مصطنع، ولا وجود له اجتماعياً في حضرموت على الإطلاق».

أكد بن حبريش أن حضرموت أمام عهد جديد ولن تسمح للإرهاب بالعودة (الشرق الأوسط)

ويستعيد بن حبريش محطات سابقة ليؤكد هذا الموقف، مشيراً إلى أن المعسكرات سُلّمت في مراحل سابقة من دون قتال، وأن المجتمع الحضرمي بطبيعته يرفض التطرف والعنف، لكنه يحذر في المقابل من توظيف ملف الإرهاب سياسياً، معتبراً أن بعض الأحزاب، عندما لا تكون في موقع السلطة، «تفرّط في كل شيء»، وتفتح الأبواب أمام الفوضى، أو تستدعي الإرهاب ومخاطر أخرى لتبرير مشاريعها.

ويرى بن حبريش أن الإرهاب يُستخدم أحياناً أداة من قبل قوى خارجية وأطراف محلية يمنية، بشكل مباشر أو غير مباشر؛ إما لفرض واقع سياسي معين أو لخلق ذريعة للهيمنة. ويقول: «إما أن يحكموا، أو يتركوا البلاد للفوضى والإرهاب».

ويؤكد في هذا السياق أن أبناء حضرموت، مجتمعاً وسلطة محلية، وبالتنسيق مع المملكة العربية السعودية، «لن يسمحوا بعودة الإرهاب أو اقترابه من المحافظة»، مضيفاً: «نحن مستعدون للدفاع عن بلادنا، أياً كان شكل التهديد أو لونه، ما دام أهل حضرموت متماسكين، ومعهم المملكة، فلن يجد الإرهاب موطئ قدم هنا».

حكاية سلطان الجبل

وحين سألنا الشيخ عمرو عن لقب «سلطان الجبل» الذي يُلازمه في حضرموت، ابتسم، وقال: «الآن سلطان الجبل والسهل»، في إشارة إلى اتساع رمزية اللقب.

وأوضح أن هذه التسمية ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى جذور تاريخية قديمة، حين أطلقها البريطانيون على جده، علي بن حبريش الأول، الذي كان يقود مقاومة محلية، ويسعى لأن يكون لحضرموت موقعها ومكانتها الخاصة في ذلك الوقت.


جهود سعودية مكثفة لتطبيع الأوضاع وتوحيد القوات في جنوب اليمن

اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
TT

جهود سعودية مكثفة لتطبيع الأوضاع وتوحيد القوات في جنوب اليمن

اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)

كثّفت السعودية، عبر تحالف دعم الشرعية في اليمن، تحركاتها العسكرية والأمنية والسياسية في عدد من المحافظات الجنوبية اليمنية، في إطار جهود تهدف إلى تطبيع الأوضاع، وتعزيز الأمن والاستقرار، وتنظيم عمل التشكيلات العسكرية تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، بالتوازي مع مساعٍ دبلوماسية داعمة للتهدئة وفتح مسارات حوار حول القضايا الوطنية.

وفي هذا السياق عقد لقاء عسكري تشاوري في ديوان وزارة الدفاع اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن، برئاسة نائب رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن أحمد البصر سالم، لمناقشة تنفيذ قرارات وتوجيهات القيادة السياسية ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، بشأن وضع وعمل التشكيلات العسكرية.

وضم اللقاء - وفق الإعلام الرسمي - ممثلين عن هيئات العمليات المشتركة، والتشكيلات العسكرية، ومسؤولي وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة، حيث جرى استعراض الإجراءات المتعلقة بتنظيم وتوحيد عمل القوات ضمن جيش وطني نظامي موحد، يعمل تحت قيادة واحدة وغرفة عمليات مشتركة، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات المحررة.

اجتماع للقادة العسكريين اليمنيين في مقر وزارة الدفاع في عدن (سبأ)

وأكد اللواء البصر أن القيادة السياسية والعسكرية تولي هذا الملف اهتماماً بالغاً، بعدّه خطوة محورية في مسار بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، مشدداً على ضرورة الالتزام بالعمل المؤسسي والانضباط العسكري، والعمل تحت مظلة وزارة الدفاع وقيادة هيئة الأركان العامة.

كما شدد على أهمية التنسيق الكامل مع الوفد العسكري للقوات المشتركة لدعم الشرعية، برئاسة اللواء الركن فلاح الشهراني، مستشار قائد القوات المشتركة، بما يضمن تنفيذ التوجيهات الصادرة، وتحقيق الأهداف الأمنية.

من جانبه، أكد اللواء فلاح الشهراني أهمية خروج جميع القوات والمظاهر المسلحة من مدينة عدن، والحفاظ على الطابع المدني للعاصمة المؤقتة، مشدداً على ضرورة إبقاء مطار عدن منشأة مدنية تخدم المواطنين.

وفد سعودي عسكري في عدن لتطبيع الأوضاع الأمنية وتوحيد القوات (إكس)

وقال الشهراني، في تصريح خلال لقائه قيادات التشكيلات العسكرية في عدن، بما في ذلك التشكيلات المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، إن وجود وفد التحالف في عدن يحمل رسالة طمأنة للمواطنين والسلطات المحلية، ويعكس التزام السعودية بدعم الأمن والاستقرار بوصفهما شرطاً أساسياً للانتقال إلى مرحلة جديدة من التنمية والاستجابة لاحتياجات المواطنين.

شبوة والمهرة وسقطرى

في شبوة، ناقش محافظ المحافظة عوض محمد ابن الوزير، مع لجنة عسكرية من قيادة تحالف دعم الشرعية برئاسة العميد الركن عبد الإله العتيبي، أوجه التنسيق المشترك لتعزيز جهود الأمن والاستقرار في المحافظة. بحسب الإعلام الرسمي اليمني.

وخلال اللقاء، الذي حضره الأمين العام للمجلس المحلي عبد ربه هشله، وقادة المحاور والألوية والوحدات الأمنية والعسكرية، ثمّن المحافظ اهتمام قيادة القوات المشتركة بمحافظة شبوة، ودعمها المتواصل لجهود تثبيت الأمن وترسيخ الاستقرار، مؤكداً أهمية تعزيز العمل المؤسسي وتكامل الأدوار بين السلطة المحلية ووزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة.

من جهته، أوضح العميد الركن عبد الإله العتيبي أن مهمة اللجنة العسكرية تتمثل في مساعدة قيادة المحافظة على إعادة ترتيب وتنظيم أوضاع مختلف الوحدات العسكرية والأمنية، وفقاً لتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي وقيادة تحالف دعم الشرعية، بما يمكنها من مواصلة دورها في حماية أمن واستقرار شبوة وصيانة سلمها الاجتماعي.

وفي محافظة المهرة، تفقد قائد قوات درع الوطن العميد عبد الله الجدحي، الأوضاع الأمنية في مديرية شحن والمنفذ الحدودي مع سلطنة عمان، واطلع على مستوى الجاهزية والانضباط والتنسيق بين الوحدات الأمنية والجهات المختصة.

وأكد الجدحي أهمية منفذ شحن لكونه أحد المنافذ الحيوية والاستراتيجية، مجدداً التأكيد على جاهزية قوات درع الوطن لتأمين المنفذ، وضمان انسيابية الحركة وتسهيل إجراءات العبور للمواطنين والمسافرين.

سعي رسمي في سقطرى لتطبيع الأوضاع بالتعاون مع قوة الواجب السعودية (سبأ)

وفي محافظة سقطرى، عُقد لقاء موسع برئاسة المحافظ رأفت الثقلي، ضم قيادات السلطة المحلية ومشايخ المراكز السكانية، وناقش الأوضاع العامة وسبل تعزيز الأمن والاستقرار في المحافظة. طبقاً لما أفادت به المصادر الرسمية.

وأكد المحافظ أهمية توحيد الصف وتعزيز الوعي المجتمعي، مرحباً بقوات «درع الوطن» بوصفها قوة وطنية تعمل بإشراف مجلس القيادة الرئاسي وقيادة التحالف العربي بقيادة السعودية.

وأقر اللقاء - بحسب الإعلام الرسمي - تشكيل لجنة خاصة من مشايخ المحافظة للتواصل المستمر مع قيادة السلطة المحلية وقائد قوات الواجب (808)، بهدف تنسيق الجهود ومعالجة أي إشكالات بصورة عاجلة.

حراك سياسي ودبلوماسي

على مستوى التحركات السياسية والدبلوماسية تواصلت لقاءات أعضاء مجلس القيادة الرئاسي مع شركاء اليمن، وفي هذا السياق التقى عضو المجلس عبد الرحمن المحرمي، السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون.

ونقل الإعلام الرسمي أن المحرمي أشاد بالموقف الفرنسي الداعم لجهود الإصلاحات الاقتصادية والتنموية في اليمن، مؤكداً أهمية تعزيز الشراكة مع المجتمع الدولي في حماية الممرات المائية وخطوط الملاحة الدولية من التهديدات التي تشكلها الجماعات المسلحة.

كما ثمّن المحرمي الدور الذي تضطلع به السعودية في قيادة جهود خفض التصعيد واحتواء التطورات الأخيرة، وحرصها على تثبيت دعائم الأمن والاستقرار في المحافظات المحررة.

وأكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن التوصل إلى حل عادل ومنصف للقضية الجنوبية، من خلال حوار جامع، يمثل ركيزة أساسية لدعم الجهود الرامية لاستعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقلاب الحوثي، مشدداً على أهمية تعزيز الشراكة مع المانحين الدوليين لدعم برامج الإعمار وتحسين الخدمات.

طارق صالح عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً مع سفير الاتحاد الأوروبي (سبأ)

من جهته، استقبل عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، وأفاد الإعلام الرسمي بأن اللقاء ناقش آفاق الشراكة بين اليمن ودول الاتحاد الأوروبي، وجهود مجلس القيادة والحكومة لتثبيت الأمن في المحافظات المحررة، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالإرهاب والقرصنة في البحر الأحمر.

وثمّن عضو مجلس القيادة - بحسب المصادر الرسمية - مواقف الاتحاد الأوروبي الداعمة لليمن ووحدة أراضيه، مشيداً بدوره في إسناد العمليات الإنسانية خلال السنوات الماضية. وأطلع السفير الأوروبي على التطورات الأخيرة في المحافظات المحررة، مؤكداً أن تحسّن الاستقرار يتطلب تعزيز حضور الدولة ورفع كفاءة الخدمات الأساسية. كما أشاد صالح بالدور الذي تضطلع به السعودية، خصوصاً رعايتها للحوار الجنوبي – الجنوبي المرتقب في الرياض.


بعد ترحيل اليهود والبهائيين… الحوثيون يقمعون معتنقي المسيحية

الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
TT

بعد ترحيل اليهود والبهائيين… الحوثيون يقمعون معتنقي المسيحية

الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)

بعد سنوات من استهداف الأقليات الدينية في اليمن، صعّدت جماعة الحوثيين من حملتها القمعية لتطول معتنقي المسيحية، في تطور وصفه حقوقيون بأنه «حلقة جديدة» على مسار من الاضطهاد الديني المنهجي.

ووفق مصادر محلية وبيانات حقوقية، فقد نفذت الجماعة خلال الأسابيع الماضية حملات اعتقال واسعة، شملت العشرات من اليمنيين المسيحيين في صنعاء ومحافظات أخرى، بالتوازي مع استمرار احتجاز أكثر من 100 ناشط ومدني في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء).

وأكد «المجلس الوطني للأقليات» في اليمن، وهو كيان حقوقي يضم ممثلين عن الطوائف اليهودية والبهائية والمسيحية والمهمشين، أن الاعتقالات الأخيرة تمثل تصعيداً خطيراً يستهدف حرية الدين والمعتقد، ويقوّض ما تبقى من القيم الإنسانية والقانونية في البلاد، محذراً بأن هذه الممارسات ترقى إلى مستوى «الاضطهاد الديني المنظم».

وأوضح «المجلس»، في بيان وزعه على وسائل الإعلام، أن جماعة الحوثيين، وبعد «استئصال الوجود اليهودي في اليمن، وترحيل رموز الطائفة البهائية، خلال السنوات الماضية، وجّهت بوصلتها القمعية نحو أتباع الديانة المسيحية، في إطار سياسة منظمة تقوم على الإقصاء الديني واستهداف التنوع المذهبي والفكري».

الجماعة الحوثية استهدفت أتباع الديانات الأخرى بالاعتقال والترحيل (إعلام محلي)

وأشار البيان إلى أن الجماعة سبق أن اعتقلت 7 يمنيين مسيحيين، عادّاً ذلك مؤشراً واضحاً على «مسار ممنهج في الاضطهاد، وليس حوادث معزولة». وأضاف أن الاعتقالات التعسفية الأخيرة شملت «مواطنين لا ذنب لهم سوى انتمائهم الديني، في انتهاك صارخ لمبادئ حقوق الإنسان والمواثيق الدولية التي تكفل حرية الفكر والوجدان والمعتقد».

وشدد «المجلس» على أن اليمنيين من أتباع الديانة المسيحية يشكلون جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، ويتمتعون بالحقوق والواجبات نفسها كسائر المواطنين، وأن استهدافهم بسبب معتقدهم يمثل اعتداءً مباشراً على مبدأ المواطنة المتساوية، وعلى وحدة المجتمع، ويغذي خطاب الكراهية والانقسام.

انتهاك فاضح

ووصف «المجلس الوطني للأقليات» هذه الممارسات بأنها «انتهاك جسيم لحرية الدين والمعتقد، وهي حق أصيل كفلته الشرائع السماوية قبل القوانين الوضعية»، مؤكداً أن «العلاقة بين الإنسان وربه تقوم على الاختيار والضمير الحر، لا على الإكراه والترهيب». وعدّ أن ما تقوم به جماعة الحوثيين يكشف عن زيف شعارات «التعايش» التي ترفعها، و«يفضح التناقض العميق بين خطابها الديني المعلن وسلوكها القائم على الإكراه والعقاب الجماعي على أساس المعتقد».

وأكد البيان أن هذه الممارسات تضع الجماعة في خانة «الجماعات المتطرفة الراديكالية» التي «تستخدم الدين أداة للهيمنة والسيطرة، وتحول الخلاف الديني إلى ذريعة للقمع والاعتقال، وهي أفعال ترقى إلى مستوى الاضطهاد الديني، وتشكل نوعاً من الإرهاب الفكري والعقائدي».

العشرات من عمال الإغاثة يواجهون أحكاماً بالإعدام في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

وفي سياق متصل، حذر حقوقيون بأن تصاعد الانتهاكات لا يقتصر على الأقليات الدينية، بل يشمل أيضاً عمال الإغاثة والناشطين، حيث يواجه العشرات منهم أحكاماً بالإعدام أو محاكمات تفتقر إلى أدنى معايير العدالة في مناطق سيطرة الحوثيين؛ مما يعكس اتساع دائرة القمع وتوظيف القضاء لأغراض سياسية وآيديولوجية.

وطالب «المجلس الوطني للأقليات» في اليمن بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين المسيحيين، وكل معتقلي الرأي والمعتقد، محمّلاً جماعة الحوثيين المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن سلامة المعتقلين، وعن أي أضرار جسدية أو نفسية قد يتعرضون لها خلال الاحتجاز.

دعوة لمساءلة دولية

ودعا «المجلس» المعني بحقوق الأقليات، الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمقررين الخاصين المعنيين بحرية الدين والمعتقد، وكل المنظمات الدولية والإقليمية ذات الصلة، إلى «اتخاذ موقف واضح وحازم، والضغط الجاد لوقف هذه الانتهاكات، وضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب».

وفي الوقت ذاته، حمّل «المجلس» الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً مسؤولية التحرك الجاد للدفاع عن حقوق جميع المواطنين دون تمييز، مطالباً بإدانة صريحة لهذه الانتهاكات، والعمل على إدخال تعديلات دستورية وقانونية تضمن حرية الدين والمعتقد وحرية الضمير، وتكفل حق كل إنسان في اختيار معتقده دون إكراه أو وصاية.

وشدد البيان على أن «حرية الدين والمعتقد ليست امتيازاً تمنحه سلطة سياسية أو دينية، بل حق إنساني أصيل»، وأن «أي سلام حقيقي أو دولة عادلة في اليمن لا يمكن أن تقوم دون ضمان هذا الحق، وتجريم كل أشكال الإكراه الديني، سواء مورست بالسلاح أو بالقانون أو بالضغط الاجتماعي»، محذراً بأن «استمرار الصمت الدولي سيشجع على مزيد من الانتهاكات ويعمّق مأساة اليمنيين».