انتخابات الجزائر... الإسلاميون في مواجهة {المستقلين}

{الوطنيون} يدخلون السباق مفككين... والعلمانيون يقاطعون... والحراك منقسم

جانب من الحملة الانتخابية للمرشحين في عين وسارة بولاية الجلفة جنوب الجزائر العاصمة (أ.ب)
جانب من الحملة الانتخابية للمرشحين في عين وسارة بولاية الجلفة جنوب الجزائر العاصمة (أ.ب)
TT

انتخابات الجزائر... الإسلاميون في مواجهة {المستقلين}

جانب من الحملة الانتخابية للمرشحين في عين وسارة بولاية الجلفة جنوب الجزائر العاصمة (أ.ب)
جانب من الحملة الانتخابية للمرشحين في عين وسارة بولاية الجلفة جنوب الجزائر العاصمة (أ.ب)

تتجه الجزائر في 12 يونيو (حزيران) الجاري لانتخابات تشريعية جديدة هي الأولى في عهد الرئيس عبد المجيد تبون، وسط مؤشرات إلى أن الأحزاب الإسلامية مرشحة لتحقيق نتائج قوية فيها في مواجهة خصوم معظمهم من المستقلين. وتتدعم فرص الإسلاميين نتيجة عوامل كثيرة، منها دعوات المقاطعة الصادرة من أوساط شرائح في {الحراك الشعبي}، الذي أسهم نزوله إلى الشارع عام 2019 في إطاحة الحكم المديد للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وكذلك نتيجة قرار أحزاب علمانية، مثل جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وعدم خوض المنافسات الانتخابية، وأيضاً نتيجة دخول حزبي جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، اللذين هيمنا لسنوات طويلة على الساحة السياسية، حلبة الصراع بصفوف مفككة، نتيجة {وصمة} التصاقهما بالنظام السابق المخلوع.
فكيف تتوزع صورة المنافسات الانتخابية قبل أيام من بدء الاقتراع؟

الأحزاب {الوطنية}
هيمن حزب جبهة التحرير الوطني على الحياة السياسية في الجزائر منذ استقلالها عام 1962، واستمر في ذلك، منفرداً، حتى عام 1989 عندما ألغت السلطات، بعد احتجاجات شعبية، نظام حكم الحزب الواحد. وكاد الحزب يخسر السلطة في انتخابات ديسمبر (كانون الأول) 1991 أمام حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ. لكن الجيش ألغى نتائج الدورة الأولى من الاقتراع، وأوقف المسار الانتخابي في مطلع عام 1992، ما أدخل البلاد في دوامة عنف استمرت أكثر من عقد من الزمن. وفي عام 1997 أجرت الجزائر أول انتخابات برلمانية منذ الانتخابات الملغاة عام 1992، وكان الفوز فيها بفارق كبير (156 نائباً) لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، وهو حزب جديد أسسته السلطات، التي كانت أطراف فيها تخشى عدم ولاء قيادة جبهة التحرير الوطني لها. وحلّت جبهة التحرير في المرتبة الثالثة (62 نائباً)، بعد حزب إسلامي هو حركة مجتمع السلم (69 نائباً) الذي بات الحزب الإسلامي الأساسي في البلاد بعد حظر حزب جبهة الإنقاذ.
في انتخابات 2002، عادت جبهة التحرير لتصدر الساحة بفوزها بـ199 مقعداً برلمانياً، في مقابل تراجع التجمع الديمقراطي إلى المرتبة الثالثة بـ47 مقعداً فقط (بعدما كان لديه 156 نائباً في انتخابات 1997). ويمكن أن يعزى هذا التراجع في أداء الحزب الأخير إلى حقيقة أنه كان محسوباً على الرئيس اليمين زروال، وبعد تنحيه وانتقال السلطة إلى الرئيس بوتفليقة عاد رهان السلطة على الحزب التاريخي، جبهة التحرير التي تولى بوتفليقة رئاستها شرفياً. وفي انتخابات 2007، استمر حزب جبهة التحرير في تصدر المشهد بـ136 مقعداً، يليه التجمع الديمقراطي بـ61 مقعداً. وفي انتخابات 2012 لم تتغير الصورة: جبهة التحرير متصدرة بـ208 مقاعد، متبوعة بـ58 مقعداً. وفي انتخابات 2017 تكرر المشهد من جديد: جبهة التحرير متصدرة بـ146 مقعداً، يليها التجمع الديمقراطي بـ97 مقعداً.
وكما هو واضح، شكّل حزبا جبهة التحرير والتجمع الديمقراطي عماد السلطة خلال حكم بوتفليقة، الذي استمر منذ عام 1999 وحتى 2019، لكن التصاقهما به ودفاعهما عنه قد يضر بهما عندما يذهب الجزائريون إلى صناديق الاقتراع يوم 12 يونيو. ويؤخذ على هذين الحزبين أنهما دعما بوتفليقة حتى عندما كان مريضاً لا يقوى على الكلام، ورشحاه لولايات رئاسية متتالية رغم معرفتهما بعجزه الصحي. والأكثر من ذلك، ما إن سقط نظام بوتفليقة حتى وجد كثير من قادة هذين الحزبين أنفسهم وراء قضبان السجن، بعد إدانتهم بتهم فساد وثراء غير مشروع.
وهذه العوامل كلها تعطي انطباعاً بأن هيمنة هذين الحزبين المنتميين إلى ما يُعرف بـ{التيار الوطني} قد تكون شارفت على نهايتها، وقد يخرجان من انتخابات 12 يونيو (حزيران) بنتائج كارثية.

الأحزاب الإسلامية
تدخل الأحزاب الإسلامية انتخابات 2021 وهي في موقع قوة، ويعود ذلك إلى حد كبير نتيجة تفكك خصومها، ونتيجة ركوبها موجة الحراك الشعبي ضد بوتفليقة، رغم أنها شكّلت في مرحلة ما جزءاً من منظومة حكم الرئيس السابق، الذي أصر دائماً على أن تجمع حكوماته الوطنيين مع الإسلاميين (جبهة التحرير، والتجمع الديمقراطي وحركة مجتمع السلم)، بالإضافة إلى أطراف حزبية أخرى أقل وزناً. وجاء انفصال الإسلاميين عن حكم بوتفليقة مباشرة بعد بدء ما يُعرف بـ{الربيع العربي} عام 2011، وسط اتهامات للأحزاب الإسلامية من خصومها بـ{الانتهازية}، على أساس أنها تريد {ركوب موجة} الحراك، الذي أطاح أنظمة حكم، ودفع بالإسلاميين إلى الواجهة، مثلما حصل في مصر وتونس وليبيا، وكذلك في المغرب، حيث أسفرت الانتخابات البرلمانية عن فوز الإسلاميين بالحصة الكبرى التي سمحت لهم للمرة الأولى بقيادة الحكومة. لكن انتخابات 2012 في الجزائر لم تأتِ كما يشتهي الإسلاميون، إذ أظهرت النتائج الرسمية استمرار هيمنة جبهة التحرير والتجمع الديمقراطي، وهي نتائج دفعت الإسلاميين إلى إطلاق مزاعم بأنها {مزورة}. وتكرر الأمر في انتخابات 2017، حيث ظل الإسلاميون في المرتبة الثالثة بعد الوطنيين، لكنهم يبدون اليوم، عشية انتخابات 2021، في موقع يوحي بأنهم سيكونون المستفيد الأكبر من {مصائب} خصومهم ومنافسيهم. ويقود الأحزاب الإسلامية حالياً حزبان هما حركة مجتمع السلم (بزعامة عبد الرزاق مقري)، والعدالة والبناء (بزعامة عبد الله جاب الله).

الأحزاب العلمانية
هيمن على الأحزاب العلمانية على مدى سنوات طويلة حزبان: جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وهما حزبان تتمركز قوتهما الأساسية في مناطق القبائل، مثل تيزي وزو وبجاية. لكن هذين الحزبين وجدا نفسيهما في نزف مستمر في السنوات الماضية، خصوصاً بعد رحيل الوجه التاريخي للحزب الأول، حسين آيت أحمد، وتنحي زعيم الحزب الثاني سعيد سعدي. وسيذهب هذان الحزبان إلى انتخابات 2021 من موقع المقاطعة، وهي سياسة لجآ إليها سابقاً.
ويُضاف إلى هذين الحزبين حزب يساري ثالث تقوده لويزة حنون، السياسية التروتسكية المعروفة. وسيقاطع هذا الحزب انتخابات 12 يونيو أيضاً، لكن تأثيره الشعبي لم يكن يوماً ذا ثقل يوازي ثقل صوت زعيمته حنون، التي عُرفت بانتقاداتها الشديدة للإسلاميين في حقبة التسعينات. ودخلت حنون السجن بعد سقوط حكم بوتفليقة، لكن الاتهامات ضدها خُفضت وتم الإفراج عنها.

الحراك الشعبي... والجيش
لعب الحراك الشعبي دوراً رئيسياً، إلى جانب قيادة الجيش، في إسقاط نظام بوتفليقة عام 2019. فبعد تظاهرات شعبية واسعة ضد ترشح رئيس الجمهورية لولاية جديدة برغم عجزه الصحي، قرر الجيش الانحياز للحراك، وعزل بوتفليقة عن الحكم في أبريل (نيسان) من العام نفسه. ولعب رئيس أركان الجيش السابق أحمد قايد صالح دوراً رئيسياً آنذاك في عزل بوتفليقة، وملاحقة أركان حكمه من رؤساء وزراء سابقين (عبد المالك سلال وأحمد أويحيى)، وقادة أحزاب ورجال أعمال، وحتى قادة بارزين في الجيش والاستخبارات، بما في ذلك المدير السابق لجهاز الأمن والاستعلام محمد مدين (توفيق)، ومسؤول جهاز الاستخبارات والأمن لدى الرئاسة عثمان طرطاق (بشير). لكن دور قايد صالح انتهى فجأة في ديسمبر (كانون الأول) 2019 نتيجة أزمة صحية أودت بحياته، بعد شهور فقط من إسقاطه نظام بوتفليقة. لكن قيادته الجيش للسير بجانب الحراك مهدت الطريق للمرحلة الحالية، التي أوصلت عبد المجيد تبون إلى الرئاسة.
ويقود قيادة أركان الجيش حالياً الجنرال السعيد شنقريحة، الذي يُسجّل له حضور مستمر من خلال كلمات يلقيها أمام الوحدات العسكرية، الذي يقوم بشكل متتالٍ بزيارات ميدانية تفقدية لها. لكن ليس واضحاً، في حقيقة الأمر، ما إذا كانت قيادة الجيش، ومعها الاستخبارات، راغبة أو عازمة هذه المرة على الاستمرار في لعب دور سياسي، ولو من وراء الستار، كما درجت العادة في السنوات الماضية، أم أنها ستترك الساحة ليشغلها الطرف، الذي سيفوز في صناديق الاقتراع، بحسب ما يؤكد مسؤولون جزائريون.
وكما هو معروف، كان التدخل المباشر للجيش عام 1992 أساسياً في منع وصول جبهة الإنقاذ إلى سدة الحكم، وهي خطوة يقول منتقدوها إنها أدخلت البلاد في عشرية حمراء، بينما يقول مؤيدوها إنها أنقذت البلاد من أيدي حزب يكفر بالديمقراطية، كما كان يردد قادته آنذاك.
في المقابل، ورغم الدور الأساسي للحراك الشعبي في إنهاء حكم بوتفليقة، فإن مشكلته الأساسية، كما يقول منتقدون، إنه لم يُنتج قيادة تمثله وتتحدث باسمه، على الرغم من أن هناك من يقول إن عدم إنتاج الحراك من يمثله شكل عنصراً إيجابياً لمصلحته، لأن السلطة كان يمكنها أن تلجأ إلى اعتقال القادة، الذين يحركون الحراك بهدف الضغط لإنهائه. وواضح، في حقيقة الأمر، أن الحراك فقد في الشهور الماضية بعض الزخم، الذي كان يتمتع به في الشهور الأولى لانطلاقه، إذ بات العنصر الإسلامي أكثر وضوحاً في صفوفه، ربما لأنه غالباً ما كان يحصل بعد خروج المصلين من صلاة الجمعة في العاصمة الجزائرية، حيث يسجّل حضور قوي وسط الحراك من مناطق شعبية، كانت فيما مضى معروفة بأنها من معاقل جبهة الإنقاذ.
وهكذا يبدو جلياً أن جزءاً من الحراك سيلجأ إلى مقاطعة الانتخابات، على أساس أنها لن تنتج التغيير المطلوب، في حين أن جزءاً آخر هو الجزء {المؤدلج} سيصوّت للوائح الإسلاميبن.

المستقلون
وإذا كانت الصورة على هذه الحال، فإن الرهان على منع وصول الإسلاميين إلى السلطة قد يكون معقوداً إلى حد كبير على أداء المرشحين المستقلين في الاقتراع المقبل، خصوصاً أن الرئيس تبّون لا يدعم حزباً معيناً، وليس له أصلاً حزب يخوض به الانتخابات. وبحسب إحصاءات الهيئة الوطنية المستقلة لمراقبة الانتخابات، سيحصل التنافس بين 1483 قائمة منها 646 قائمة حزبية، و837 قائمة مستقلة. فلمن ستكون الغلبة؟ أيام قليلة تفصل عن موعد الجواب؟



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.