إيمان يحيى: الرواية وسيلتي للاتصال والتواصل مع المجتمع والناس

الفائز بجائزة «ساويرس» يرى أن الجوائز تمثل حافزاً تسويقياً للنشر

إيمان يحيى
إيمان يحيى
TT

إيمان يحيى: الرواية وسيلتي للاتصال والتواصل مع المجتمع والناس

إيمان يحيى
إيمان يحيى

فازت أخيراً رواية «الزوجة المكسيكية» لإيمان يحيى بجائزة «ساويرس» الأدبية. وكانت الرواية قد أثارت اهتمام المتابعين منذ صدورها. هنا حوار مع الروائي يحيى عن روايته الفائزة، وتناصها مع رواية «البيضاء» ليوسف إدريس، وتجربته الروائية عموماً، وتأثير الجوائز على عمل الكاتب وإبداعه:
> إلى أي مدى يمكن أن تؤثر الجوائز على توجهات الكاتب الأدبية والفنية؟
- الحصول على جائزة يجذب نظر القراء إلى الكتاب والكاتب، ولعل هذا أهم هدف من الجوائز. لا أنفي الحافز التشجيعي للكاتب لحصوله على جائزة، لذا سعادتي بالغة بحصولي على جائزة معترف بنزاهتها واستقلالية لجنة تحكيمها وعدم وجود ضغوط عليها. الجوائز تمثل حافزاً تسويقياً للنشر، لكنني لا أعتقد أنها تؤثر على آلية وفنية عمل الكاتب بشكل مباشر أو مؤثر، ربما عندما يحوز شكل روائي مستحدث جائزة ما، ويحدث انتشار لتقنيته يصبح ذلك حافزاً ينسج الكتاب على منواله.
> قلت عن رواية «البيضاء» ليوسف إدريس التي قمت بعمل تناصّ معها في روايتك، إن الخيال فيها واقع حقيقي... ما الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال في «الزوجة المكسيكية»؟ وكيف أفاد كل منهما الآخر؟
- رواية «البيضاء» رواية طليعية بامتياز، لم يتعاطف معها النقاد للظروف السياسية التي أحاطت بوقت نشرها. لم يستطع يوسف إدريس نشرها في كتاب سوى في بداية السبعينات. عندما قرأتها بعين محايدة رأيت فيها قفزة كبيرة في عالم الرواية المصرية لأنها تتعامل مع العوامل الداخلية النفسية للبطل عبر مونولوج طويل من أولها إلى آخرها، ناهيك بفكرة وجود بطل مهزوم، ليس إيجابياً كل الوقت. كل هذا جديد على الرواية المصرية والعربية. شاءت الظروف أن أصل إلى القصة الحقيقية المثيرة التي كانت وراء هذه الرواية، وشخوصها الحقيقيين، فانتهزت الفرصة وعبر تعدد الأصوات والظروف السياسية والاجتماعية نسجتُ رواية «الزوجة المكسيكية». إن الواقع أصيل في نسيج الرواية، ومليء بالتفاصيل التي تعقبتُها بدأب لسنوات طوال، لكن الخيال كما قلت أنت ممزوج بالواقع. وكم كنت مندهشاً عندما قابلت بعد صدور الرواية شهوداً على الأحداث أكدوا أن ما تصورته بخيالي حدث بالفعل شبيه له في الواقع. إنه حدس الروائي ومنطقية تطور المسار الروائي.
> من «سامنثا ديفيز» و«سامي جميل» إلى «يحيي» و«روث ريفيرا»، تراوحت الأحداث في «الزوجة المكسيكية»... ما الذي سعيت لتحقيقه؟
- الرواية عبارة عن روايتين: رواية إطار، ورواية متن! يتبادل فيهما الأبطال الأدوار. رواية الإطار تحكي ما لا يمكن أن يحكيه الأبطال المعاصرون للأحداث لأنهم لا يحيطون بالأسرار السياسية ولا بالأزمنة المستقبلية. قصة الأستاذ الجامعي و«سامنثا» بمثابة مرآة عاكسة للقصة الأصلية تأخذ فيها «سامنثا» صورة لشخصية «يحيى» القلقة، ولكن بشكل عصري، بينما يكون وجود الأستاذ الجامعي المتردد ضرورياً لشرح القصة الأصلية، والرواية أيضا تعكس الاختلاف بين الثقافات سواء بين الأستاذ والأميركية، أو ما بين «يحيى» و«روث». هي قيم تتصادم، وصراعات وتجاذبات. لعلها الحياة.
> أيضا في «الزوجة المكسيكية» حديث عن جماعة «كفاية» وشخصيات معروفة ورموز عالميين... كيف فكرت في وجود مثل هؤلاء وأنت تكتب عن قصة حب يسعى ناقد وتلميذته لكشف أسرارها وإثراء عالم الرواية؟
- الشخصيات التي تتحدث عنها جزء من صورة الواقع التي تجري به الأحداث، ولا يمكن اجتزاء قصة حب دون خلفياتها. قد يتراءى للبعض أن الحب وحده يكفي و لكنه يجري في مجتمع يموج بالتغيرات. كل الشخصيات التي ذكرتها كانت مؤثرة في الأحداث وكان العثور على خبايا وقائعها وتشابكها مع «يحيى» و«روث» مجهوداً إضافياً كبيراً على الروائي. مصر كانت في ذلك الوقت ثرية جداً بالرموز والشخصيات والصراع الاجتماعي والسياسي.
> تبدو تقنية الراوي العليم مسيطرة في فضاء الرواية، وهناك أيضاً تقنية استراتيجية تعدُّد الأصوات، حيث يتحدث يحيي بطل «البيضاء»، وغيره من الشخصيات... كيف ترى هذه المزاوجة بين التقنيتين؟
- بدايةً أتحفظ على سيطرة الراوي العليم، الرواية يرويها ثلاثة أشخاص أي إنها متعددة الأصوات، حتى الصور التي استخدمتها كانت من خلال رؤية تلك الأصوات لها. في أحد الفصول استخدمت رسالة دييغو ريفيرا إلى ابنته، وهذا طبعاً خيالي، ولكنه ممكن لأنه يعد رواية من جهة شخصية «روث». تقنية تعدد الأصوات تجعل الرواية أقرب إلى الواقع، وأكثر تركيبية وتعقيداً، وتُبرز الصراعات بشكل موضوعي. فالواقع معقّد، والحياة أكثر تركيباً وثراءً مما يظن البعض.
> في روايتك «الكتابة بالمشرط» أعطيت بعض شخصياتها أسماء ترمز لطريقة تفكيرها وتصرفاتها مثل «عامر النقلي» الطبيب الإخواني الفاسد و«علي شعارات»، ألا ترى أن هذه الطريقة في كتابة الأسماء يمكن أن تسطّح الشخصيات وتكشف مساراتها في الأحداث مسبقاً؟
- إعطاء أسماء معبّرة عن أشخاص أو مناقضة لجوهرهم تقنية استخدمها كثيراً أستاذنا نجيب محفوظ... رواية «الكتابة بالمشرط» عشتها بكل جوارحي، أنا بطل من أبطالها، وهي مرآة لطبيعة عملي كطبيب جراح وأكاديمي وكانت سلاحاً لي في صراع جامعي، وفي لحظة وجدت نفسي أعيش في رواية فعلاً، وتساءلت: لماذا لا أكتبها؟ وقد تعرضت لمواضيع لم تطرقها الرواية العربية. لأول مرة تدخل الرواية عالم المستشفيات الحقيقي، وغرف العمليات، وتفضح ما يجري في الواقع خلف الستار خصوصاً في مجالَي الصحة والتعليم الجامعي.
> في كتابتك احتشاد ورغبة في فضح الإرهاب ومنبعه الإخواني، ومحاربة التمييز ضد المرأة والأقباط، ومناقشة قضايا عديدة أخرى... ألم تخشَ من تأثيرها على فنية الرواية وتحويلها لمنشور سياسي؟
- الرواية بالنسبة لي وسيلة للاتصال والتواصل مع المجتمع والناس. ولا بد أن تهتم بهمومهم وهواجسهم الحقيقية. كلمة (احتشاد) تعبير عسكري تعبوي ينفر منه أي فن، المسألة هي كيف تستطيع بميزان من ذهب أن تمرر ما تريده من أفكار وقناعات دون أن تقع في خطابية أو تنفّر القارئ. جوهر المسألة ألا تجبر القارئ على تبني موقفك تحت تهديد السكين، ولكن كي تقنعه بسلاسة وبحرفية وعَبْر فن روائي، وإذا لم تقنعه فيكفيك تفهمه لما تكتبه. أعتقد أنني في الروايتين لم أقع في مطب الإنشائية والشعارات الفارغة. استخدمت تقنيات عديدة، تعدُّد الأصوات، والصورة واللوحة والملصق داخل النص، والخطابات المرسلة للأبطال، وكذلك الأمثلة الشعبية والأغاني العربية والأجنبية، حتى الروائح تستطيع أن تحسها في مواقف في النص. أيضاً التيمات الشعبية في مطعم الفول وعند بائع العرقسوس، كل تلك التقنيات واللمسات تعطي مذاقاً خاصاً ونكهة للرواية وتعصمها من الوقوع في الإنشائية.
> قارن بعض النقاد في «الكتابة بالمشرط» بين حالة «سعاد» الطبيبة الشابة بطلة الرواية التي تتعرض للاضطهاد من بعض زملائها وبين مصر كرمز... برأيك هل ثمة ما يدعم ذلك في الرواية؟
- في «الكتابة بالمشرط» هذه الرمزية موجودة، لاحظ أن في الرواية (سعادين): سعاد الشابة الطبية التي تقاوم اضطهاداً لاختيارها فرعاً مقتصراً على الرجال، وتعاني أيضاً من الأساتذة الكبار لأنها ما زالت مبتدئة. أما سعاد الأخرى، فهي طفلة اعتدى عليها جنسياً زوج الأم وسط سلبية من الأم، سعاد الطفلة ضحية المجتمع الذكوري أيضاً... وفي مشهد في الرواية تتوحد الاثنتان في المشاعر.
> استخدمتَ في «الزوجة المكسيكية»، كما في «الكتابة بالمشرط»، تقنية القطع والمونتاج السينمائي... تُرى متى يلجأ كاتب لهذه التقنيات؟ وما الشروط التي فرضتها في الكتابة الروائية لديك؟
- بالفعل استخدمت تقنية القطع والمونتاج السينمائي في الروايتين. لعل ولعي بالسينما في طفولتي وشبابي كان سبباً في ذلك. ربما لا تعلم أنني بعد تخرجي في كلية الطب تقدمت إلى معهد السينما لأصبح مخرجاً. ونجحت في الاختبارات وحال الموقف التجنيدي من التحاقي بالمعهد. التقنية السينمائية ملهمة للقارئ لأنها تعتمد على مشهدية مزدوجة، أن يرى القارئ أمامه مشهداً ويقوم بنفسه بتأويله، ربما ظهرت تلك التقنية بشكل ظاهر جداً في «الكتابة بالمشرط» لاستخدامها تقنية «الراوي العليم». هنا يستبطن القارئ المشاعر الداخلية للأبطال وما يدور في أذهانهم، أي إنه يخلق واقعاً موازياً خاصاً به للواقع المكتوب، وقد لجأت إلى هذه التقنية في «الكتابة بالمشرط» لأجعل الرواية أكثر موضوعية، خصوصاً أنني في الحياة العملية أحد أبطالها المتصارعين.
> تحكي «الزوجة المكسيكية» قصة حب وزواج غير معروفة بين يوسف إدريس وروث ريفيرا، كما تروي عن سنوات الخمسينات... إلى أي مدى يمكن أن تصلح الكتابة الروائية وسيلة لكشف خفايا تاريخ ما؟
- التاريخ نفسه راوٍ للأحداث، كلٌّ يروي من وجهة نظره، وإذا وضعت وجهات النظر بعضها إلى جانب بعض ستصل إلى الحقيقة التاريخية. أحد أنواع الرواية هي «الرواية التاريخية»، وأنا مولع بكتابة هذا النوع. وفي الحقيقة التاريخ دائماً يلقي بظلاله على الواقع المعيش والحاضر. من ضمن اهتماماتي كتابة الدراسات التاريخية، لذلك كنت عضواً لمجلس إدارة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية لدورتين متعاقبتين، ولي أصدقاء كثيرون من المؤرخين وأساتذة التاريخ. ولعل أقرب أصدقائي الذين أثروا في تكويني عالم التاريخ المصري البارز الراحل الدكتور رؤوف عباس.
> نتقل الرواية ما بين القاهرة وفيينا والمكسيك؛ وتروي عن أماكن وحياة لم يعد لها وجود... ما الذي قمت به لتستحضر هذه الأجواء؟
- بالفعل «الزوجة المكسيكية» تنتقل بين القاهرة والإسكندرية وفيينا والمكسيك، ولكي أنقل أجواء تلك الأمكنة، كان عليّ قراءة مئات الصفحات عنها، ورؤية صور عديدة لها في زمن الخمسينات، والأكثر من ذلك الغوص في الإنترنت لمحاول فهم الزمان وأبعاد المكان. المكان ليس أحادي الأبعاد، لكنه ذو أبعاد زمنية وثقافية ودرامية.
> لجأتَ في «الزوجة المكسيكية» لتقنية كتابة رواية على رواية... ألم تخشَ من سيطرة «البيضاء» على عالم السرد لديك؟
- أنا مغرم برواية «البيضاء» وأرى أنها لم تأخذ حقها. ولم أخشَ منها لسبب بسيط، أن روايتي تعتمد على تعدد الأصوات، و«البيضاء» تعتمد على صوت «يحيى». أحداث «الزوجة المكسيكية» مختلفة جداً عن أحداث «البيضاء»، تستطيع أن تقول إنها الأحداث الحقيقية، بطلة «البيضاء» اختفت وراء مونولوج «يحيى». وفيها نشعر بـ«يحيى» كشخص أناني لا يرى إلا نفسه بعد ارتباطه بسانتا، وفي «الزوجة المكسيكية» نرى «يحيى» في أنانية حبه وغيرته، وأيضاً نرى «روث» وكفاح المكسيك، والأهم نضال الشعب المصري من أجل الاستقلال والديمقراطية. هذا هو البحر الواسع التي تجري فيه قصة الزواج وقصة الأستاذ الجامعي وتلميذته.



الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»
TT

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

يسلّم العاهل الإسباني فيليبي السادس اليوم الجائزة الأهمّ للآداب الإسبانية، «سرفانتيس»، إلى الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو الذي نال جائزة هذا العام عن أعماله التي وصفتها اللجنة التحكيمية بأنها «تجمع صفاء الفكر النقدي إلى الغوص في الهوية العاطفية والفقدان». وكما جرت العادة منذ عام 1976 عندما منحت الجائزة لأول مرة إلى الشاعر خورخي غيّين، يجري حفل تسليم الجائزة في جامعة Alcala de Henares «قلعة النهر» القريبة من مدريد، حيث شهد النور ميغيل دي سرفانتيس صاحب «دون كيخوتي». جاء في بيان هيئة التحكيم أنها قررت منح سيلوريو الجائزة التي تبلغ قيمتها النقدية 125 ألف يورو «عن نتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية... وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة». ورأى البعض في هذا القرار لفتة من وزارة الثقافة الإسبانية ترمي من ورائها إلى تنقية الأجواء السياسية المتعكرة بين إسبانيا والمكسيك منذ بداية عهد الرئيس المكسيكي السابق لوبيز أوبرادور الذي طالب الحكومة الإسبانية باعتذار تاريخي عن تجاوزات الفاتحين الإسبان خلال «اكتشاف» القارة الأميركية أواخر القرن الخامس عشر. وكانت إسبانيا قد منحت قبل أشهر جائزة «الوئام» لمتحف الأنثروبولوجيا الوطني في مكسيكو، وجائزة الفنون التصويرية للمكسيكية غراسيلا ايتوربيدي. يعدّ سيلوريو من أبرز الروائيين والباحثين والأكاديميين المكسيكيين المعاصرين، وتتميّز أعماله بشغف عميق باللغة، وتدور معظم رواياته حول التاريخ العائلي، وحياة الروائيين الذين تواصل معهم ونتاجهم. في كتابه الأخير الذي صدر مطلع العام الماضي بعنوان «هذه الكومة من المرايا المتكسرة» قرر أن يتناول حياته فيما يشبه المذكرات التي تتعمق في «الدعوة الأدبية» التي جاءته في سن مبكرة، وفي تكوينه الفكري وأنشطته الأكاديمية. ويقول سيلوريو إن العنوان مقتبس من إحدى قصائد بورخيس الذي يعدّه أفضل الذين عرّفوا الذاكرة، ويضيف: «يراكم هذا الكتاب ذكريات مبعثرة تعكس بعض مراحل حياتي. لكنها مجرد انعكاسات؛ لأن اللغة تحرّف ما تسعى إلى اختزانه في الذاكرة. وهو ليس سيرة ذاتية على الإطلاق، بل عبور على بعض الجوانب الأثيرة في حياتي»، ويستشهد بما كتبه الفيلسوف الفرنسي Montaigne على أعمدة بيته الخشبي في القرن السادس عشر «تمتّع بالحاضر، وما عداه لا يعنيك». يُعرَف عن سيلوريو أنه يملك واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في أميركا اللاتينية، ويقول إن مطالعاته المفضلة كانت دوماً تدور حول أعمال الشاعرين غارسيا لوركا وميغيل هرنانديز، وحول روايات بلزاك وخوان رولفو وخوليو كورتازار، والأعمال الكاملة لمغيل دي سرفانتيس. ويقول عنه زملاؤه في أكاديمية اللغة المكسيكية إنه مثال «الكاتب الكلّي والنهضوي» الذي لم يقتصر إنتاجه على الدراسات الأدبية والروايات، بل شمل الدراسات اللغوية وكرّس حياته للتعليم والبحث الأكاديمي. في دردشة طويلة مع سيلوريو جمعته بعدد من وسائل الإعلام، بينها «الشرق الأوسط»، في المركز الثقافي المكسيكي بمدريد، اعترف سيلوريو بأنه منذ سنوات يعيش هاجس الوقت بعد أن تبدّلت العلاقة بين الماضي والحاضر «في الماضي كان رصيدي كبيراً من المستقبل، أما اليوم فصار رصيدي الأكبر من الماضي، وهذا ما دفعني إلى كتابة هذه المذكرات»، ويقول: «الذاكرة هي الخزّان الأول لكتاباتي، فيها أستعيد التاريخ والحكايات، وقصص الأسرة والأصدقاء والرفاق الذين رحلوا، وأيضاً الأحداث التي مررت بها ولم أدرك في حينه أهميتها ومدى تأثيرها على حياتي الأدبية... لا يمكن أن نعرف من نحن إذا لم نعرف من كنّا ومن أين جئنا ومن هم أجدادنا وما هي محدداتنا التاريخية. والهدف من كل هذا البحث ليس فحسب لمجرد تحديد الهوية واستعادة الماضي وقراءة الحاضر، بل أيضاً، وقبل أي شيء آخر، لاستشراف المستقبل الذي يتكشّف أمامنا يوماً بعد يوم». لكنه سرعان ما يستدرك ليقول إنه هو أيضاً ضحية التناقضات: لأني أكتب أيضاً كي أنسى؛ لأن الحياة لم تنته بعد، وثمة أمل في أن ننسى، كما يقول خوان كارلوس أونيتي». على أعتاب الثمانين من عمره يبدو سيلوريو هزيلاً في صحته التي يقول إنها تدهورت بسرعة خلال جائحة «كوفيد» التي أعادت إليه أمراضاً كان يظنّ أنه تعافى منها، وهو يتحدث بصوت خشن وغليظ بسبب تقطّع في حباله الصوتية: «هذا الانهيار الصحي والجسدي حرمني من لذّة السفر والتنقّل، لكني أعوّض عن ذلك بالحيوية التي أجدها بشكل أساسي في الكتابة». وعندما نسأله أين يضع الحدود في رواياته بين ما عاشه وما تخيّله يجيب: «في الواقع لا توجد حدود؛ لأن كل ما نتذكّره ويعشعش في ذاكرة ما عشناه في حياتنا، يخضع لعوامل الزمن واللغة. فاللغة ليست هي الواقع، بل هي الوسيلة التي تدلّنا على الواقع، وأعتقد أن كل أدب تاريخي هو خيالي؛ لأن اللغة في أساسها ليست سوى خيال، كالأدب الذي هو دائماً، بشكل أو بآخر، ضروب مختلفة من السير الذاتية». ويضيف: «عندما ننقل التجارب الشخصية إلى عالم الأدب، يولد واقع جديد أكثر واقعية من تلك التجارب، وهنا يكمن سحر الأدب، وقوة الإبداع الذي نبني به عالماً أكثر حيوية وواقعية من الذي كان نقطة الانطلاق». عن أسلوبه الكتابي الذي وصفه كارلوس فونتيس بأنه «فعل إرادة صلبة ومثابرة أكاديمية نادرة» يقول: «الأسلوب هو الحد الفاصل بين الكلمة والواقع المتجسّد في الكتابة. هو الذي يحدد هويتنا، ويمثّلنا، ويميّزنا عن غيرنا؛ لأن الأسلوب لا يقبل الاستنساخ. قد يكون أسلوب الكاتب خاضعاً لتأثيرات عدّة لأن الكاتب هو أيضاً قارئ، لكن أسلوبه يبقى فريداً. أما أسلوبي فهو على صلة وثيقة بمفاقمة الإمكانات اللغوية بأخصب الطرق المتاحة؛ لأني أكره القيود على اللغة، ولا أحب معاقبتها وتعذيبها وقمع براعمها». يعود سيلوريو في هذه الدردشة الطويلة إلى الاستشهاد بكارلوس فونتيس ليقول: «إن الكتّاب قوم أشرار وخبثاء والسذاجة ليست من خصائلهم. الرواية فيها الكثير من القذارة، لو استثنينا منها الروايات الغنائية؛ لأنها تنهل من كل جوانب الحياة، الجميل منها والقبيح والمشين. ولذلك؛ فإن الرواية لا تنتهي، بل إن الكاتب هو الذي يقرر التخلّي عنها ويغادرها بعد أن يدرك أنه قطع المسافة التي كان عليها أن يقطعها. الرواية عمل شاق؛ لأنها تقتضي الكثير من المثابرة والانضباط، وهذا ما يشكّل الفارق الكبير بين القصة والرواية. القصة درّة، والرواية هي حكاية البحث عن هذه الدرّة». ويضيف: «في العادة لا أضع شروطاً مسبقة عندما أباشر كتابة الرواية، كمن يرمي نفسه في البحر ويصغي إلى ما تهمس به الحواري. إنها مغامرة رائعة لا نعرف ماذا ينتظرنا فيها أو كيف ستكون نهايتها». ويكشف لنا سيلوريو عن أن الأبحاث الأخيرة التي أجراها بيّنت أن أول رواية ظهرت في القارة الأميركية كانت تلك التي وضعها المفكر المكسيكي خوسيه خواكين فرنانديز دي ليزاردي مطالع القرن التاسع عشر بعنوان «محطة الأحلام»، (وكان دي ليزاردي صحافياً مشهوراً قضى فترات في السجن بسبب آرائه المؤيدة للحركات الاستقلالية). وعندما نسأله عن الأدباء المكسيكيين المتحدرين من أصول عربية، يحيلنا فوراً إلى الكتاب المرجع الذي وضعته مؤخراً الروائية والناشرة روز ماري سلّوم، المتحدرة من أصول لبنانية، والذي يستعرض أعمال عدد من الروائيين والشعراء المتحدرين من أصول عربية، مثل سلّوم، وكارلوس مارتينيز أسعد، ونايف يحيى، وبابلو مخلوف، وليون رودريغيز زهّار وأنور خليفة، الذين، كما يقول: «رصّعوا الإنتاج الأدبي المكسيكي بأعمال قيّمة جداً». وينهي سيلوريو باسماً: «من حسن طالعي أني كرّست حياتي للأدب الذي لا يرجى منه نفع، لكني تمتعت به طيلة حياتي».

استحق سيلوريو الجائزة لنتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية… وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة

هيئة التحكيم


روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».