بودلير... الشاعر «المنحوس» الذي أحدث خرقاً في تاريخ الآداب الفرنسية

هامشي متمرد على الحياة والوجود

الشاعر بودلير
الشاعر بودلير
TT

بودلير... الشاعر «المنحوس» الذي أحدث خرقاً في تاريخ الآداب الفرنسية

الشاعر بودلير
الشاعر بودلير

على عكس فيكتور هيغو، فإن هذا المسكين التعيس شارل بودلير لم يحظ بأي شهرة ولا أمجاد ولا فلوس في حياته. لقد مات فقيراً مدقعاً بل ومجهولاً تقريباً ولم تنفجر شهرته كالقنبلة الموقوتة إلا بعد موته. وهكذا تنطبق عليه كلمة نيتشه الشهيرة: «هناك أشخاص يولدون بعد موتهم»! ومعلوم أنه قالها وهو يفكر في حالته الشخصية. وذلك لأنه هو الآخر لم تنطلق شهرته الأسطورية إلا بعد موته تماماً كبودلير، الذي ولد ومات في القرن التاسع عشر: أي في القرن العظيم الذي شهد ظهور كبار شعراء فرنسا من أمثال فيكتور هيغو ولامارتين ورامبو ولوتريامون ومالارميه، إلخ. وهو القرن الذي تبلورت فيه الحداثة الشعرية على يد بودلير بالذات، ثم رامبو من بعده وبقية الآخرين. ويمكن القول بأن هذا الشاعر الفرنسي المنحوس كان معجباً بشاعر منحوس آخر لا يقل عنه عظمة وسوداوية وجنوناً: عنيت إدغار آلان بو! ومعلوم أن بودلير أمضى قسماً كبيراً من حياته في ترجمته من الإنجليزية إلى الفرنسية. وكان يفتخر بذلك كل الافتخار. لأول مرة يلتقي بودلير بشخص يشبهه، شخص ملعون ومنبوذ مثله. لقد كان بودلير، مثل إدغار آلان بو، ينتمي إلى فئة الشعراء المنحوسين، أو المفجوعين، أو المجروحين من الداخل جرحاً غائراً لا علاج له ولا شفاء منه. بدءاً من تلك اللحظة يصبح الأدب ممكناً.
لكن دعونا نطرح هذا السؤال: من هو شارل بودلير؟
لقد ولد هذا الشاعر غريب الأطوار في باريس عام 1821 وفيها مات عام 1867 عن عمر لا يتجاوز السادسة والأربعين، أي في عز الشباب. ولذلك قال عنه سارتر في بداية كتابه الجميل الممتع المكرس له: لم يعش الحياة التي يستحقها... ولكن متى عاش الشاعر الكبير الحياة التي يستحقها؟ هل عاش المتنبي الحياة التي يستحقها؟ لقد قُتل وهو في الخمسين أي في أوج تفجره الشعري العبقري. وأقسم بالله حتى هذه اللحظة لم نستطع أن نقيم الحداد عليه. لم نستطع أن نبلع القصة. ظلت شوكة في حلقنا، حسرة في قلوبنا. كم كان سيتحفنا بقصائد جديدة لو أنه عاش عشر سنوات إضافية أي حتى الستين فقط؟ كل هذا حرمنا منه إلى الأبد...
فقد شارل بودلير والده وهو في السادسة من عمره، ثم تزوجت أمه من شخص مهم يدعى الجنرال أوبيك الذي أصبح سفيراً فيما بعد وعضواً في مجلس الشيوخ الفرنسي. بل وكان القائد العسكري لمنطقة باريس إبان ثورة 1848. ولذلك حمل بودلير البندقية لأول مرة في حياته ودعا الثوار إلى السير نحو مقر القيادة العليا للجيش بغية اغتياله. ولم يكن يعرف كيف يستخدم البندقية أصلاً. ولكنه كان يكرهه كره النجوس لأنه سرق أمه منه ودمر طفولته. ثم لأنه يمثل الدولة والبورجوازية: أي سلطة القمع. وبودلير كان يحتقر كل هذه الأشياء. بودلير كان هامشياً، صعلوكاً، متمرداً على الحياة والوجود. وسيظل كذلك حتى النهاية. وعلى هامش هذه الهامشية الراديكالية ترعرع الشعر كأعظم ما يكون.
ثم تعرف على فتاة زنجية وأحبها وبالغ في الاهتمام بها نكاية بالمجتمع والعائلة والبورجوازية الفرنسية كلها. وكان يتبختر معها في الشوارع ويعانقها قصداً، ويتلذذ بإغاظتهم إلى أقصى حد ممكن. ثم راح يصرف عليها دونما حساب. وقد أحبها عن جد وخلدها في قصائد شهيرة كقصيدة «الشرفة» أو «البلكون».
ثم تعرف على بعض الأصدقاء من الشعراء، خصوصاً تيوفيل غوتييه الذي سيصبح صديقه الكبير بعدئذ. ويروي عنه هذا الأخير الحكاية التالية: في أحد الأيام زارني شارل بودلير في منزلي بشكل مفاجئ، وما إن جلس حتى رأى كأساً من الماء على الطاولة فقال لي: أبعد هذا الماء عن وجهي، أرجوك، إني لا أحب منظر الكؤوس المليئة بالماء. ففهمت مقصده فوراً وعرفت أنه يريد مشروباً من لون آخر، من لون الأحمر القاني.
وعندئذ عرضت عليه زجاجتين من الخمر المعتق لكي يختار بينهما، فإذا به يقول لي: أفضل أن أجرب الاثنتين معاً! وهكذا كان. فقد راح يفرغ الكأس بعد الكأس وهو ينظر إليّ من طرف عينه من وقت لآخر لكي يعرف فيما إذا كنت منزعجاً منه أم لا. ولكني لم أحرك ساكناً وتركته على حاله بكل حرية. فظل يشرب ويشرب حتى فرغ من القارورتين تماماً... ثم نهض وقال لي: شكراً لك، لقد أمضينا وقتاً طيباً معاً!
في عام 1857 نشر بودلير ديوانه الشعري الشهير: «أزهار الشر». وقد أدانته محاكم باريس فوراً بتهمة الخروج على القانون العام والأخلاق الفاضلة. واتهمت بعض القصائد بأنها فاحشة ومخلة بالحياء، وقالت بأن بعضها الآخر يمثل انتهاكاً للدين والمقدسات، بخاصة قصيدة «جحود القديس بطرس»... ولم تتراجع المحاكم الفرنسية عن إدانة هذا الديوان «الشرير» إلا عام 1949: أي بعد مائة سنة من ذلك التاريخ! لم تتراجع إلا بعد أن أصبح ديوانه مفخرة المفاخر للشعر الفرنسي. ولكن في ذلك الوقت كان بودلير قد أصبح مثقلاً بالديون وملاحقاً بشكل شبه يومي من قبل الدائنين. ولهذا السبب فقد هرب إلى بروكسل لكي يلقي محاضراته هناك عن الشعر. وكانت محاضرات فاشلة لأنه كان مرهقاً جداً من الناحية النفسية ومثقلاً بالهواجس والهموم. ويقال بأنه كان يبدو كشيخ هرم وهو لم يتجاوز الأربعين إلا قليلاً. لقد دمرت الحياة بودلير. وعن هذا الدمار نتجت القصائد العبقرية. ويقال بأنه كان ينسى نفسه أحياناً أثناء المحاضرة فيفتح حقيبته ويستخرج منها سندويشة ويبدأ بالتهامها أمام دهشة الحاضرين وذهولهم. وربما كان يشرب كأساً أو كأسين علاوة على ذلك! وهكذا تتحول المحاضرة إلى مسرحية جنونية، إلى نوع من مسرح المعقول واللامعقول.

- معلومات جديدة عن بودلير
هل يعلم القارئ أن ديوانه هو أحد أفضل المبيعات الفرنسية في مجال الآداب. فقد بيع منه حتى الآن ما لا يقل عن ثلاثة ملايين ونصف المليون نسخة في الطبعة العادية، وحوالي مليوني نسخة في طبعة الجيب الصغيرة: أي أكثر من خمسة ملايين نسخة.
وهل يعلم القارئ أن رسالة بودلير إلى عشيقته الزنجية بيعت عام 1984 بما يعادل المليون دولار حالياً؟ وقد اشتراها أحد الأغنياء الكبار الذين يحبون جمع آثار العظماء. وهي مكتوبة بخط بودلير شخصياً. وأما مقدمته لـ«أزهار الشر» التي لا تزيد على 11 صفحة فإنها بيعت عام 1992 بما لا يقل عن مليوني دولار بالسعر الحالي! وهي مكتوبة بخط يده أيضاً.
هكذا نلاحظ أن بودلير الذي كان جائعاً تقريباً في السنوات الأخيرة من عمره وكان يشحذ الفلوس من الناس أصبحت نصوصه تباع بالملايين من دون أن يستفيد منها أي شيء. لقد حصل له ما حصل لذلك المجنون العبقري الآخر فينسنت فان غوخ الذي كان يتضور جوعاً والذي تباع لوحاته الآن بعشرات الملايين من الدولارات. بعض لوحاته بيعت بأكثر من خمسين أو ستين مليون دولار. أما هو فلم يبع في حياته كلها إلا لوحة واحدة بعشرين دولاراً فقط.
وبيعت النسخة المهداة إلى الرسام دولاكروا من ديوان «أزهار الشر» عام 1985 بحوالي المليون ونصف المليون فرنك فرنسي، أي مع يعادل المليون دولار حالياً. وكل ذلك لأنه كتب عليها بخط اليد إهداءً بسيطاً لا يتجاوز بضع كلمات عادية أو عبارات تقريضية لصديق.

- ماذا قالوا عن بودلير؟
قال عنه الناقد الهمام لجريدة «ألفيغارو» بعد صدور الديوان مباشرة: «عندما نقرأ هذا الكتاب نكاد نشك في الصحة العقلية للسيد شارل بودلير. فهل هو مجنون يا ترى؟ هل فقد عقله؟ وهل يمكن لصحيح العقل أن ينشر قصائد فاسدة ومنحلة أخلاقياً وتافهة إلى مثل هذا الحد؟»، هل كان هذا الناقد «العبقري» يعرف أن هذه القصائد «التافهة» سوف تصبح أعظم ديوان في تاريخ الشعر الفرنسي؟
أما فيكتور هيغو الذي يكبر بودلير بعشرين سنة، والذي كان أشهر شاعر فرنسي في ذلك الزمان، فقد كتب له رسالة يقول فيها ما معناه: «إدانتك من قبل محاكم باريس وسام شرف على صدرك. (أزهار شرك) تشع على العالم كالكواكب والنجوم. ما الذي تفعله عندما تكتب قصائدك أيها الشاعر؟ إنك تقتحم، تقتحم إلى الأمام... إنك تزود سماء الفن بشعاع جنائزي حزين. إنك تخلق رعشة جديدة في الآداب الفرنسية»!
لكن بودلير للأسف لم يعش الوقت الكافي لكي يشهد صعود نجمه في سماء الفن والشهرة. لم يعش الوقت الكافي لكي يدرك حجم الخرق الذي أحدثه في تاريخ الآداب الفرنسية. ولم يعش الوقت الكافي لكي يشهد حجم الثورة الشعرية التي دشنها من خلال قصائد عبقرية تبقى على الدهر. ولم يعش الوقت الكافي لكي يسمع رامبو يقول عنه هذه الكلمات الخالدة: إنه ملك الشعر المتوج، إنه قمة الشعر!



ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر
TT

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

بمناسبة الذكرى الـ66 لرحيل ألبير كامو، حاورت «الشرق الأوسط» ابنته كاترين كامو (80 عاماً)، «المؤتمنة الأولى» على أرشيفه. عن علاقتها بوالدها تقول: «كان الشخصَ الوحيد في العائلة الذي كان يبدو سعيداً بوجودي».

وحول العزلة التي فرضتها النخبة الباريسية على والدها، خاصة بعد قطيعته مع جان بول سارتر، روت: «أتذكّر حين كنتُ في الثامنة من عمري، دخلتُ غرفة الاستقبال العائلية، حيث كانَ والدي جالساً بمفرده (...) أتذكر أنّني سألته: (بابا، هل أنت حزين؟)، فرفع رأسه وأجابني: (أنا وحيد)».

ورفضت انتقادات بعضِ المثقفين العرب، مثل إدوارد سعيد، لوالدها لـ«تغييبه» العربَ في سردياته، وتقول إنَّ سعيد تناسى أنَّه «كتب (بؤس منطقة القبائل)، وهي مجموعة تحقيقات كتبها حين كان يعمل في صحيفة (ألجي روبليكان) حول فقر الجزائريين في الفترة الاستعمارية». وتضيف: «لا تزال هذه النظرية تسبب أضراراً، وهو أمر يؤسفني».


ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

البير كامو
البير كامو
TT

ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

البير كامو
البير كامو

بمناسبة الذكرى السادسة والستين على رحيل الكاتب والفيلسوف ألبير كامو، أجرت «الشرق الأوسط» حواراً مع ابنته كاترين كامو (80 عاماً)، التي تتجاوز علاقتها بوالدها الرابطة العائلية، إذ أصبحت «المؤتمنة الأولى» على واحد من أهم الأرشيفات الأدبية في القرن العشرين. وهي تتولى منذ عقود، إدارة حقوق أعماله والإشراف على نشر المخطوطات التي لم ترَ النور في حياته. وكانت وراء النشر التاريخي لروايته غير المكتملة «الرجل الأول» في التسعينات، وهو العمل الذي غيّر الكثير من القراءات النقدية حول سيرة والدها. ورغم إطلالتها الصحافية القليلة فإن السيدة كاترين قبلت حصرياً الإجابة عن أسئلة «الشرق الأوسط» بمناسبة الذكرى السادسة والستين لوالدها. هنا نص الحوار:

> بصفتك المسؤولة عن التركة الأدبية لوالدك ألبير كامو منذ عقود، ما المبادئ التوجيهية التي تعتمدينها عند الترخيص بنشر أي عمل أو فتح أرشيفه للباحثين؟

- لقد كتب والدي الرواية والمسرح والمقال، لذا فإن تعداد المبادئ التي أطبقها عند اتخاذ أي قرار يتطلب وقتاً طويلاً. وبشكل عام، فإني أعتمد في قراراتي على «الحدس» والشعور الداخلي الذي ينتابني في ذلك الوقت. وفي كل الأحوال، فإنني أعدّ أن النتاج الأدبي لوالدي ملك لقرائه أكثر مما هو ملك لي، لذا نادراً ما أجبت بالرفض أو المعارضة.

كاترين كامو

> هل لا تزال هناك في الأرشيف الذي تحتفظين به، شذرات أو مفكرات أو رسائل تعدينها شديدة الخصوصية بحيث لا يمكن عرضها على الجمهور، أو أنك ترين أن كل ما يخص كامو بات ملكاً للتاريخ؟

- لا أرى أن كل ما يخصّ ألبير كامو صار ملكاً للتاريخ بالضرورة. علينا أن نستحضر رؤية والدي للتاريخ، حيث كان يرى أن الكائن البشري أسمى وأهم من التاريخ. وأنا أشاطره هذا الرأي تماماً.

> بعد عقود من القراءة المتأنية لكل ملاحظات والدك، هل لديك شعور بأن ما تعرفينه اليوم أكثر مما كنت تعرفين وقت وفاته، أو أن جانباً منه لا يزال مستعصياً على الإدراك؟

- أعتقد أن المرء لا يمكنه معرفة أي شخص معرفة كاملة، ولا حتى معرفة نفسه... لذا، فإن رؤيتي لوالدي تظل جزئية ونسبية، وهي رؤية قابلة للنقاش والجدل بكل تأكيد.

> كيف تصفين علاقتك بوالدك؟ وما الذكريات الشخصية التي تحبين استحضارها عند تقديم أعماله للجمهور؟

- أكتفي بالقول إن والدي كان الشخص الوحيد في العائلة الذي كان يبدو سعيداً بوجودي.

> في معظم مداخلاتك وكتاباتك غالباً ما تقدمين ألبير كامو بصفته أباً في المقام الأول. ما السّمة في شخصيته الإنسانية التي لا تزال في نظرك مجهولة لدى الجمهور أو لدى كُتّاب السيرة الذين يحللون حياته باستمرار؟

- أقول إن الجانب الذي يجهله الكثير عن والدي هو أنه كان يتمتع بروح الدعابة. هو نفسه صرح ذات مرة بأن عنصر الفكاهة في أعماله لم يحظَ بالدراسة والاهتمام الحقيقيين.

> سيدة كامو، كثيراً ما تقولين بإن والدك ظّل طوال حياته ذلك «الطفل الفقير» القادم من الجزائر العاصمة. كيف أثرت هذه الأصول المتواضعة، في تقديرك على علاقته بالآخرين؟

- والدي كان بطبعه، إنساناً يهتم بالآخرين ويستمع إليهم وأنا لا أعتقد بأن لأصوله المتواضعة صّلة بهذا الجانب من شخصيته.

> كان لنشر الرسائل التي تبادلها والدك مع عشيقته ماريا كازاريس وقع الصدمة في الأوساط الأدبية. كيف تم حسم الصراع بين احترام الخصوصية العائلية والأهمية التاريخية لإظهار كامو بوصفه رجلاً تملأه العاطفة؟

- لن أذهب للقول إنني «حسمت صراعات»، بل إنني عملت بجهد دؤوب كالثور في حرثه؛ وكلما كنت أنتهي من مراجعة جزء من هذه النصوص، بدأت في مراجعة الجزء الآخر. فبعد إصدار «الدفاتر» أو كارني (الجزء 7 و8 و9 دار نشر غاليمار) التي جمعنا فيها كل نصوص والدي التي لم تكن قد نشرت، أشرفت على نشر رواية «الرجل الأول» عام 1994. وقد اشتغلتُ على نسخ مصورة من المخطوطة، حيث كانت الصعوبة الكبرى تكمن في فك رموز خط يد والدي التي غالباً ما كانت غير مفهومة، وهو ما نجحتُ فيه في نهاية المطاف، بعدها قامت الزميلة الكاتبة بياتريس فايان بجمع الرسائل التي تبادلها والدي مع ماريا كازاريس، وفي عام 2016 بدأت أشعر بأن ذكرى ماريا قد طواها النسيان فاقترحت على أنطوان غاليمار نشر تلك المراسلات.

كان والدي الشخص الوحيد في العائلة الذي يبدو سعيداً بوجودي

كاترين كامو

> يُقال إن ألبير كامو عانى في فترة من حياته من عزلة شديدة، فرضتها عليه الدوائر النخبوية الباريسية، خاصة بعد قطيعته مع المفكر جان بول سارتر. هل شعرت بصفتك ابنته بذلك؟

- نعم، لقد استشعرتُ وحدته. أتذكر حين كنتُ في الثامنة من عمري، دخلتُ غرفة الاستقبال العائلية، حيث كان والدي جالساً بمفرده على مقعد منخفض جداً، فكنتُ أبدو أطول منه. أتذكر أنني سألته: «بابا، هل أنت حزين؟»، فرفع رأسه وأجابني: «أنا وحيد»، وقد روت ليي فلورانس مالرو (ابنة الكاتب أندريه مالرو)، التي كانت تعمل مع أبي في تلك الفترة، بأنها التقت مجموعة من الأصدقاء عند خروجهم من دار «غاليمار»، اقترحوا عليها الذهاب لتناول مشروب في مكان ما، فأجابتهم: «لا أستطيع، لدي موعد مع كامو»، فقالوا لها مندهشين: «ماذا؟ ألبير كامو، هل جننتِ؟».

> تذكرين دائماً أن منزل «لورماران» الواقع في جنوب فرنسا كان مهماً في حياة والدك فكيف ذلك؟

- بالفعل، لطالما راودته الرغبة في امتلاك منزل في جنوب فرنسا، لكن إمكانياته المادية لم تكن تسمح بذلك. وقد مكنته جائزة نوبل التي حازها في 1957من تجسيد هذا الحلم، فمنطقة «لورماران» تشبه إلى حد كبير إقليم «توسكانا» الإيطالي (كما ورد في كتابه «الوجه والقفا»).

> انتقد بعض المثقفين العرب، مثل إدوارد سعيد، «غياب» العرب في سرديات ألبير كامو. كيف تتلقين هذه الانتقادات القائمة على فكر «ما بعد الاستعمار»؟

- بالنسبة لإدوارد سعيد، فقد كتب قبل سنوات في صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» أن والدي كان «استعمارياً»، متناسياً أنه كتب «بؤس منطقة القبائل»، وهي مجموعة تحقيقات كتبها حين كان يعمل في صحيفة «ألجي روبليكان» حول فقر الجزائريين في الفترة الاستعمارية وهذا قبل رواية «الغريب» بفترة طويلة. ومع ذلك، لا تزال هذه النظرية تسبب أضراراً، وهو أمر يؤسفني.

> كيف يتم الاستعداد لتسليم مشعل هذه الذاكرة للأجيال القادمة من عائلة كامو؟

كما يقال: «من بعدي الطوفان...» أو إذا شئتم «مكتوب»! (قالتها بالعربية).


إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً
TT

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم، ومركز ثقله، ممتداً من مكان السرد إلى زمنه، وشخصياته المركزية.

ففي الرواية، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» للنشر بالقاهرة، لا تُطل مدينة الإسكندرية الساحلية بحلّتها الكوزموبوليتية مركزاً للسرد، بل تزيحها الكاتبة إلى الخلفية، فيما تنقل منطقة «غيط العنب» المهمشة إلى مركز الحكي، لتخلق بين المدينة وغيط العنب حالةً تكشف عن «عملقة» الإسكندرية في مقابل «تقزّم» غيط العنب؛ تلك المنطقة «الهجينة» التي تصفها الراوِية: «لم تكن شعبية ككرموز، ولا ريفية كالقرى التي أتينا منها، كانت بين البينين».

تختار الكاتبة أن تمنح بطلتها المركزية «ناصرة» هامشاً من التخفي في مستهل السرد، فلا تُفصح مبكراً عن تعقيد علاقتها بذاتها، وبمدينتها، وبأسرتها دفعةً واحدة، وبدلاً من ذلك، تجعلها تتوارى خلف حكايتها عن جدتها «أسما» وجدها «رجب»، اللذين كانا أول من أدخلاها إلى «غيط العنب»، وفي تتبّعها لحكاية الجدة، يبدو استدعاء الذاكرة العائلية شرطاً أصيلاً لعودة البطلة إلى ذاتها.

فصل عائلي

خلال تتبّع خُطى الجدة، ينحو السرد استرجاعاً عكسياً لا يخلو من منطق جمالي، إذ يستعيد الماضي، ويعيد تدويره داخل سيرة بطلة الرواية، فهي تستدعي ذاتها على خُطى رحلة جدتها، فتقول: «مؤكد أن شبشبها علق في التربة عدة مرات. وأنا أيضاً شبشبي علق في البوص»، يتماهى صوت البطلة مع سيرة جدتها «أسما» التي رحلت تقتفي أثر زوجها بعد أن هجرها خمس سنوات كاملة، ويبدو هذا التماهي مشحوناً بتعاطف واضح مع انكسار جدتها وتيهها، وهي تُقدم وحيدة على رحلة مجهولة: «كانت تخاف القطر، تراه دودة كبيرة وضخمة، وهي لا تريد أن تصبح لقمة في أحشائه، كيف فعلتها وحدها؟».

غير أن هذا التعاطف لا يبلغ حدّ الإعفاء من الذنب، فالبطلة تُحمّل الجدة «أسما» الثمن الذي ترتّب على هذا الرحيل: «كرهت أسما لأنها السبب في وجودي داخل غيط العنب».

لا يبدو «التمرّد» على المكان «المهمّش» الذي انتمت إليه البطلة مبكراً تمرّداً اجتماعياً أو طبقياً فحسب، بل يتبدّى، في جوهره، بوصفه انعكاساً كثيفاً لعالمها الداخلي المترع بمشاعر النقص والاغتراب، ذلك العالم الذي يجعلها تشعر بأنها «فائضة عن الحاجة»، كما تصف نفسها بلغة لا تخلو من مواجهات قاسية مع الذات. وهو توصيف لا يرد عابراً، بل يلازم استدعاءها لمواقف يومية متفرقة، سواء داخل بيت الأسرة، أو في خروجها إلى العالم، كاشفاً عن إحساس متراكم بالهشاشة، وعدم الانتماء.

ويبدو السرد، الذي يدور على لسان البطلة، أقرب إلى متاهة وعي تدخلها بعد أن بلغت الخمسين من عمرها، في لحظة قدرية ارتبطت بقرار «تطوير» غيط العنب، وتسليم شقق جديدة لسكانه، وهي لحظة لا تُستعاد فيها الذاكرة بدافع الحنين، بل بدافع السؤال المؤلم عن جدوى الاسترجاع ذاته، حين تتساءل: «لماذا أدرك كل ذلك الآن، وأنا في الخمسين من عمري وعلى مشارف ترك بيتي؟ ما الذي سأستفيده من إعادة تذكّر ما حصل لي بعد كل هذا العمر؟».

لا يبدو فعل التذكّر هنا مجرد استدعاء متتابع لفصول من حياة متفرقة، إذ تتبدى حياة البطلة كلها كأنها فصل واحد ممتد، يعاد داخله تدوير مشاعر قديمة مُختزنة داخل ألوان، وروائح، ومشحونة بحيرة مستمرة إزاء هُوية ظلت مهمَّشة، سواء على مستوى المكان، أو في علاقتها بجسدها، أو في محاولتها تعريف الأنوثة خارج شروط النقص، والوصم.

هنا تتجاور البنية المكانية للنص مع البنية النفسية، والعائلية للبطلة بوصفهما منظومة مرايا مزدوجة، تعكس الذات بقدر ما تنفّرها من صورتها، فالمكان لا يعمل خلفية محايدة، بل إنه وسيط كاشف، يضع البطلة في مواجهة مباشرة مع تاريخها الشخصي والطبقي معاً. أما الزمن الذي تتساءل عن جدواه، فليس زمناً مفقوداً فحسب، بل حياة كاملة لم يعد ممكناً استعادتها، أو إعادة ترتيبها، وهو ما يتكثف في تساؤلاتها الموجعة: «لماذا تأخر ردم الترعة حتى كبرت؟ لماذا لم يحدث وأنا أصغر، أو قبل أن أولد؟ الترعة التي طاردتني كلما حاولت الصعود لمصادقة أحد من الإسكندرانية. ما إحنا لسنا إسكندرانية لأننا نعيش جانب الترعة».

في هذا المقطع، لا تُقدَّم «الترعة» على أنها عنصر مكاني صامت، بل باعتبار أنها حدّ فاصل يُبرر الإقصاء الاجتماعي، ويحوّل الانتماء إلى معادلة مشروطة بمعادلات الجغرافيا والسُلطة، فتنحت الأزمة الطبقية لغة السرد بشيء من الغضب المكتوم، حيث تتحول اللغة إلى أثر مباشر للإهمال، والتفاوت. وهو ما يفتح سؤالاً روائياً أعمق عن «التطوير» و«الإهمال» لا بوصفهما سياسات عمرانية فحسب، بل باعتبارهما آليتين لإعادة توزيع القيمة الإنسانية، وتحديد من يُسمَح له بالانتماء، ومن يُترك عالقاً على الهامش.

لا يظلّ المكان الهجين في الرواية مجرّد خلفية اجتماعية أو معطى مكاني محايد، بل يتقدّم بوصفه انعكاساً لذاتٍ هجينة بدورها، تتأرجح بين تعريفات غير مستقرة للجسد والهوية. فكما يقع «غيط العنب» في منطقة لا هي مدينة مكتملة ولا ريف خالص، تعيش البطلة حالة مماثلة من الالتباس النفسي والجندري، تفقد تدريجياً قدرتها على تعريف ذاتها داخل ثنائية المرأة/ الرجل، لتظل عالقة في بحثٍ قَلِق عن تفسير طبي لتشوّه مُحتمل أصاب جسدها، غير أن هذا التشوّه يتجاور في البنية الفنية للرواية مع تشوّهات إنسانية أعمق.

ويبدو الهروب من الواقع، عبر استعانة البطلة بالكثير من الخيال، محاولةً لمقاومة واقعها الوجودي المثير للغثيان؛ فتُعيد، على سبيل المثال، تخيّل الأب الذي تمرّس على القسوة، لا كما كان، بل في صورة فانتازية هشّة: «أحب أن أتخيّل بابا طاير بالفيزبا... ويبكي»، وبهذا المنطق، تتجاوز «غيط العنب» حدود الهامش، لتصبح فضاءً تتشكّل داخله الخسارات والخيالات معاً.