حرب الـ11 يوماً... التي أعادت «حل الدولتين» إلى الطاولة

العالم يتحرّك من أجل خلاص شامل بينما تستعد تل أبيب وغزة لجولة قتال أخرى

حرب الـ11 يوماً... التي أعادت «حل الدولتين» إلى الطاولة
TT

حرب الـ11 يوماً... التي أعادت «حل الدولتين» إلى الطاولة

حرب الـ11 يوماً... التي أعادت «حل الدولتين» إلى الطاولة

عندما قصفت «كتائب القسام» التابعة لـ«حركة حماس» مدينة القدس الساعة السادسة مساءً في 10 مايو (أيار) الحالي، بعد تهديد لم يستمر سوى ساعات قليلة، دشنت الحركة ما يمكن أن نسميه عهداً جديداً في فلسطين وإسرائيل، واتضح لاحقاً أنه يؤسس لمرحلة جديدة، كان كثيرون يتوقون لها. لم يكن الأمر متعلقاً فقط بتحدي إسرائيل وكسب الجولة إعلامياً ومعنوياً، في وقت كان يعتقد فيه الفلسطينيون أنفسهم أنهم خسروا كثيراً وتراجعوا وتقهقروا وفقدوا زمام المبادرة.
لم تعرف «حماس»، وربما إسرائيل، أن حرب الـ11 يوماً المدمرة بينهما، وأخرجت السلطة الفلسطينية خارج السبق الشعبي، ستعود بالفائدة أكثر من أي كيان أو أحد على الرئيس الفلسطيني محمود عباس وسلطته التي لجأ إليها العالم من أجل حل أوسع وشامل، وليس مجرد حل جزئي في غزة سيقود حتماً إلى حرب أخرى واتفاق تهدئة جديدة، وهكذا، ضمن لعبة الدوران في حلقة مفرغة. إذ يمكن القول إن فكرة «صنع السلام» وفق «حل الدولتين» أصبحت ملحة أكثر ومخرجاً معقولاً لكثيرين بعدما طواها النسيان والتجاهل.
قبل أن تنتهي الحرب على قطاع غزة يوم 21 مايو الحالي، تحرّكت الولايات المتحدة، ومعها مصر وقطر والأمم المتحدة ودول في الاتحاد الأوروبي، من أجل وقف إطلاق النار، الذي جرى تثبيته، على قاعدة أن صنع السلام الدائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو الحل الوحيد، عبر هدنة طويلة في غزة والضفة، بما فيها القدس، وليس مجرد عقد اتفاق هش جديد في غزة.
كان العالم كله قد تعلم الدرس، بأن الحرب ستجرّ هدنة ثم حرباً ثم هدنة وهكذا، من دون أن يتحقق شيء على الأرض... لا إعمار ولا رفع حصار ولا تنمية ولا هدوء في المنطقة التي تشهد أكبر كثافة سكانية في العالم، وستظل تشكل بالنسبة لإسرائيل عقدة تستعصي على الحل.
ليس العالم فقط، بل أيضاً إسرائيل - التي بدا في هذه الحرب أنها ضيّعت عمل 70 سنة، بعد مواجهات دامية في الداخل رآها القادة الإسرائيليون أشبه بحرب أهلية، وعمليات في الضفة، وصواريخ من غزة، التي كانت تصبو أيضاً إلى حل وتنمية وحياة عادية.
ومثلها، السلطة الفلسطينية - التي خرجت من فترة رئاسة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب مثخنة بالجراح، ومعزولة ومهمشة، تكاد تصل إلى طريق مسدودة في مشروعها السياسي - كانت تبحث عن استعادة الدور من جديد وإنعاش مشروعها الممدّد في غرفة العناية...
لقد منحت الحرب الأخيرة طوق نجاة للجميع إلا للذين قضوا تحت ركامها.
العودة إلى الحل القديم
لم تتلكأ واشنطن طويلاً، قبل أن ترسل وزير خارجيتها أنتوني بلينكن إلى المنطقة من أجل دفع مسار سياسي جديد. ولم يحتَج بلينكن سوى ليوم واحد في تل أبيب ورام الله من أجل الإعلان أن الأطراف متفقة على الحاجة إلى حل سياسي.
قال بلينكن، بعد لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الفلسطيني محمود عباس في رام الله هذا الأسبوع، إن الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي أقرّا بضرورة معالجة الأسباب الأساسية التي تشعل الصراع بينهما. وأضاف: «القادة على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني بحاجة إلى إجراء تحسينات حقيقية في حياة الناس». ومن ثم، رحّب بلينكن باتفاق وقف إطلاق النار بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بعد موجة المواجهات الأخيرة بين الطرفين، مضيفاً أنه «يجب البناء على تلك التفاهمات للمضي قدماً لتتحرك الأمور بإيجابية».
وأقرّ الوزير الأميركي بأن «دوامة العنف الأخيرة هي انعكاس لقضايا مختلفة، ونرحب بوقف إطلاق النار، ولكن يجب أن نبني عليه لتتحرّك الأمور بطريقة إيجابية»، مضيفاً: «في النهاية، من الممكن استئناف الجهود لتحقيق حل الدولتين، والذي ما زلنا نراه السبيل الوحيد لتأمين مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، وبالطبع منح الفلسطينيين دولتهم حيث لديهم الحق في ذلك».
كان بلينكن يشير إلى هدف المهمة التي بدأها في تل أبيب ورام الله وعمان ومصر وفي مناطق أخرى مستعجلاً، بسبب الحرب التي دكّت تل أبيب ومناطق واسعة. في حين أكدت مصادر فلسطينية سياسية في رام الله لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب على قطاع غزة «سرّعت من جهود دفع عملية سياسية جديدة في المنطقة»، وذكرت أن «الاتصالات ومباحثات وقف النار في قطاع غزة وفرض تهدئة طويلة الأمد، كانت جزءاً من خطة أوسع لاستئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية والوصول إلى اتفاق سلام».
وتابعت المصادر: «بوجود إدارة أميركية جديدة تريد استئناف عملية السلام، وبدعم دولي وإقليمي، كان يفترض أن تنطلق مثل هذه العملية، لكن ما حدث في القدس والحرب على غزة جعلا الأمر ملحاً أكثر، بل حتمياً». ومن ثم، أكّدت المصادر أن الاتصالات التي أجرتها واشنطن مع الفلسطينيين والإسرائيليين بشكل مباشر، تركزت على وجوب «إطلاق عملية سلام للوصول إلى اتفاق شامل فلسطيني إسرائيلي... وليس مجرد الوصول إلى اتفاق مؤقت لوقف النار في غزة».
موقف محمود عباس
من جانبه، كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد قال وسط الجهود المبذولة لوقف النار، إنه يريد «وقف العدوان، ثم الدخول في عملية سياسية جدية، وبمرجعية دولية واضحة، تفضي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرض دولة فلسطين، بما فيها القدس الشرقية عاصمتنا المقدسة». وجدّد عباس تمسكه بـ«مبادرة السلام العربية» التي أقرتها القمم العربية المتعاقبة منذ قمة بيروت عام 2002، نصاً وروحاً. أي تطبيق المبادرة من الألف إلى الياء، وليس العكس، ما يعني الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلت عام 1967 أولاً، ثم البحث في أي قضايا تخص العلاقة مع إسرائيل بعد ذلك، وليس العكس.
قال عباس: «نحن طلاب سلام، لا طلاب حرب»، ولكن لأول مرة لم يواجَه عباس بمعارضة (حمساوية) من أجل إطلاق مسار سياسي. إذ قال يحيى السنوار، قائد (حركة حماس) في غزة، الذي خرج متحدياً وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس في شوارع غزة بعد نهاية الحرب بعدما هدّد بأنه سيغتاله؛ إننا نفضل مقاومة الاحتلال بالوسائل السلمية، لكن إذا لم يتجاوب أو تمادى في إجرامه، فإن المقاومة ستردعه».
وشدّد السنوار على أن لدى العالم الآن الفرصة لإلزام الاحتلال بالقانون الدولي والاتفاقيات الدولية، لتصبح الفرصة مهيأة لهدنة طويلة الأمد. وأضاف: «إذا انسحب الاحتلال من الضفة الغربية وشرق القدس، وأقمنا دولتنا على جزء من أرضنا، فستكون الفرصة متاحة لتوقيع هدنة طويلة الأمد».
قطار جوي للمنطقة
وحقاً، من أجل الوصول إلى حل نهائي، لم تتحرك فقط الولايات المتحدة، بل تحركت أيضاً المنطقة العربية برمتها. ففي غضون 48 ساعة فقط وصل وزير الخارجية الأميركي ووزيرا الخارجية المصري والأردني للقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ثم لحق بهما وزير الخارجية البريطاني. ودعت مصر السلطة و«حماس» إلى القاهرة «من أجل بلورة شيء ما»، كما قال بلينكن: «بعدما وصلنا إلى حيث يريد الجميع أن يكون، ألا وهو إنهاء العنف». وأردف: «أعتقد أنه من واجبنا جميعاً أن نحاول أن نبدأ في بناء شيء أكثر إيجابية. نحن ندعو إلى بذل مزيد من الجهود لتهيئة الظروف بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لإعادة إطلاق عملية سلام حقيقية».
مطلوب أكثر من الرغبة
ليس سراً أن إطلاق هذه العملية يحتاج إلى ما هو أكثر من رغبة الولايات المتحدة. ولذا يعمل الفلسطينيون مع مصر والأردن على وضع خطة تحظى بدعم عربي، ثم أميركي وموافقة إسرائيلية، من أجل إطلاق عملية سياسية جديدة في المنطقة تقود إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ويجري خلالها فرض تهدئة واسعة في كل المناطق، الضفة والقدس وقطاع غزة، بما يشمل بدء إعمار القطاع.
هذا التنسيق بدأ فعلياً قبل وصول إدارة الرئيس جو بايدن إلى الحكم، واستمر بعد ذلك. غير أنه تكثف وأخذ منحى متسارعاً بعد الحرب على قطاع غزة، وإبداء الإدارة الأميركية رغبة في حل شامل يقوم على «حل الدولتين» لا مجرد حل جزئي في قطاع غزة. ولأجل هذا يجري تنسيق مكثف بين رام الله وعمّان والقاهرة يشمل كل شيء، ويقوم على وضع خطة لإطلاق عملية سياسية جديدة.
وفعلاً، أكد عباس هذا التوجه أثناء استقباله وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ووزير الخارجية المصري سامح شكري، قائلاً إن «القيادة الفلسطينية مستعدة فوراً للانخراط في مسار سياسي تحت إشراف اللجنة الرباعية الدولية، ينهي الاحتلال الإسرائيلي عن شعبنا وأرضنا، ويؤدي لنيل شعبنا الفلسطيني حريته واستقلاله في دولة ذات سيادة، بعاصمتها القدس الشرقية، على أساس قرارات الشرعية الدولية». واختصر الصفدي وشكري المسألة بقولهما إن «الوقت الآن هو وقت التنسيق والعمل وبذل كل جهد ممكن حتى إقامة دولة فلسطين المستقلة على كامل التراب، وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية».
وقال شكري إن الجميع يعمل الآن «من أجل تحقيق الغاية بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 67. وعاصمتها القدس الشرقية... هذا هو الهدف المشترك للدول العربية الشقيقة كافة، العمل بتنسيق كامل مع السلطة الوطنية الفلسطينية لتحقيق ذلك».
وتابع: «نحن عملنا بكل جهد لاحتواء هذا الأمر مراعاة للشعب الفلسطيني، ولإعفائه من ويلات العمليات العسكرية»، مشدداً على ضرورة إيجاد الأفق السياسي الملائم للتوصل إلى إقامة الدولة الفلسطينية: «نحن شهدنها هذه الدوائر المفرغة من العنف ومن التصعيد واستمرار الاحتلال دون آفاق سياسية لا تبشر بالاستقرار والأمن ليس فقط لفلسطين، ولكن للمنطقة بأكملها».
الإعمار... أكثر من مجرد إعادة بناء
الاستقرار الذي يتحدث عنه شكري شرط أساسي لإطلاق عملية إعمار في قطاع غزة. ورغم الدعوات الكثيرة لإعادة إعمار القطاع، وتأكيد الولايات المتحدة على التعاون مع السلطة الفلسطينية والأمم المتحدة لدعم جهود إعادة الإعمار، لا يبدو أن ذلك ممكناً من دون اتفاق سياسي طويل. ومعروف أن إعمار القطاع الذي تنخرط فيه الولايات المتحدة ومصر وقطر والمبعوث الأممي إلى الشرق الأوسط تور وينسلاند، والاتحاد الأوروبي كذلك، بحاجة إلى جهة «شرعية» يتعامل معها كل هؤلاء، وهي السلطة وليست «حماس» من وجهة نظرهم. ثم إن عملية الإعمار بحاجة إلى اتفاق طويل ومؤكد إلى حد كبير، ويفضل العالم أن يكون مع جهة يتعامل معها.
وفوق ذلك، تسعى إسرائيل ضمن تغيير سياستها تجاه «حركة حماس» أن تتسلم السلطة الفلسطينية أي أموال ستذهب إلى غزة. ووفق وسائل إعلام إسرائيلية، فإن رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الجيش بيني غانتس، ووزير الخارجية غابي أشكنازي، أبلغوا وزير الخارجية الأميركي أن إسرائيل ستوافق على إعادة إعمار غزة فقط في حال تشكيل نظام دولي «يمنع تعاظم قوة (حماس) مجدداً». واستعرض أشكنازي أمام نظيره الأميركي خطة لإدخال مساعدات إلى قطاع غزة، بحيث يُفصل بين «مساعدات إنسانية أساسية، مثل تزويد الماء والكهرباء»، وبين إعادة الإعمار. وأردف أن إدخال المواد لإعادة الإعمار سيكون مشروطاً بإقامة نظام مراقبة بالتعاون مع الأمم المتحدة «للتأكد من الجهة التي يذهب إليها أي دولار وأي كيلو إسمنت».
وحقاً، تريد إسرائيل وجوداً مصرياً كاملاً في هذا النظام، وكذلك دور مباشر للسلطة الفلسطينية، باعتبارها ممثل الفلسطينيين، وليست «حماس».
التوجه الإسرائيلي هذا جزء من توجه أوسع أميركي ودولي، كذلك، باعتبار السلطة الجهة الشرعية التي يمكن للعالم أن يتعامل معها، ووجودها في غزة سيعطي ضمانات أكبر لهدنة طويلة. ويفترض أن تناقش القاهرة هذا الأمر مع «حماس» مباشرة، وبالفعل، ذكر المتحدث باسم «حركة حماس» حازم قاسم، أن رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» إسماعيل هنية سيصل إلى القاهرة خلال أيام بعد دعوة مصرية من أجل مناقشة وقف النار وجهود إعادة الإعمار.
مصادر فلسطينية مطلعة قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «حماس» لم ترد أو تقرر فيما يخص موقف إسرائيل من تحويل أي أموال إلى قطاع غزة عبر السلطة، باعتبار أن الحركة قد تكون جزءاً من السلطة إذا ما تشكلت حكومة وحدة وطنية كما هو مخطط له. وأضافت المصادر: «في سياق اتفاق فلسطيني داخلي وشامل لن تمانع الحركة أن تكون السلطة عنواناً فلسطينياً ضمن آلية لإعادة إعمار القطاع... لكن ذلك ما زال مبكراً للاتفاق حوله». وهذا، رغم تأكيد المصادر أن هذا الملف كان جزءاً من النقاش بين الوفد الأمني المصري وقادة «حماس» في قطاع غزة.

هاجس الحرب الحاضر دائماً
> توجه العالم حول غزة، الذي عبّر عنه مفوض الأمن والسياسات الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل، بقوله إن الاتحاد لا يمكنه أن يواصل تمويل إعادة إعمار غزة، دون وجود احتمال إطلاق مسار سياسي بين إسرائيل والفلسطينيين - يعني بشكل أو بآخر تعزيز مكانة السلطة قبل أي شيء. في حين كشفت جهات إسرائيلية أن الولايات المتحدة طلبت من إسرائيل تعزيز مكانة السلطة الفلسطينية عبر تعزيز التعاون الأمني والسماح بتحويل الأموال إلى غزة عبر السلطة. وعلى طريق تعزيز السلطة، أكد وزير الخارجية أنتوني بلينكن عزم واشنطن على إعادة فتح القنصلية العامة الأميركية في القدس وتقديم 360 مليون دولار مساعدات للفلسطينيين. كما أكد بلينكن أن إدارة الرئيس بايدن ستقوم بتعزيز العلاقات الثنائية مع السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني.لكن أثناء هذا الحراك الكبير تستعد «القسام» وتنجز مزيداً من الصواريخ لجولة أخرى من القتال في مواجهة إسرائيل؛ حيث أمر رئيس هيئة الأركان العامة الجنرال أفيف كوخافي، جيشه بأن يكون على أهبة الاستعداد التام للرد على أي تدهور أمني واسع من غزة. وقالت «القناة 12» العبرية إنه حتى صباح الخميس هناك تقدير في تل أبيب أنه إذا لم يتحقق تقدم من خلال فرق التفاوض، قد تجد إسرائيل نفسها في جولة أخرى من القتال خلال الأسبوع المقبل، ولذا وُضِع الجيش على أهبة الاستعداد التام.

قطاع غزة... إحدى أكثر مناطق العالم كثافة سكانية
> في المنطقة الجنوبية من الساحل الفلسطيني على البحر المتوسط، على مساحة لا تزيد عن 360 كيلومتراً مربعاً، بطول 41 كيلومتراً مربعاً، وعرض يتراوح بين 5 و15 كيلومتراً مربعاً، يعيش في قطاع غزة أكثر من 2.05 مليون نسمة، بحسب آخر إحصاء رسمي. وهذا ما يجعل القطاع البقعة الأكثر كثافة سكانية في العالم.
القطاع ينسب إلى كبرى مدنه... غزة. وفيه تبلغ نسبة الكثافة السكانية وفقاً لأرقام حديثة أكثر من 27 ألف ساكن في الكيلومتر المربع الواحد، أما في المخيمات فترتفع الكثافة السكانية إلى حدود 56 ألف ساكن تقريباً في الكيلومتر المربع. ويشكل القطاع مع الضفة الغربية، وهي الجزء الفلسطيني الأكبر من الأراضي التي احتلتها إسرائيل في 5 يونيو (حزيران) 1967، الأراضي التي تسعى السلطة الفلسطينية لإنشاء دولة ضمن حدودها.
حالياً، يوجد في القطاع 44 تجمعاً سكانياً. أهمها؛ غزة ورفح وخان يونس وبني سهيلة وخزاعة وعبسان الكبيرة وعبسان الجديدة ودير البلح وبيت لاهيا وبيت حانون وجباليا. ويقول البنك الدولي إن القطاع يمثل الآن أسوأ اقتصادات العالم أداء، وفيه أعلى معدل بطالة في العالم، إذ يبلغ أكثر من 50 في المائة.
وكانت إسرائيل تعتقد أن تسليم غزة إلى السلطة الفلسطينية عام 1994 سيحوّل السلطة إلى شرطي حدود، وكان هذا بمثابة وهم جديد. إذ اضطرت إسرائيل لشن أولى عملياتها العسكرية، ضمن سلسلة عمليات ضد غزة بعد تسليم السلطة لها بنحو 8 سنوات، وتحديداً في نهاية أبريل (نيسان) 2001، وهي التالية...
- في مايو (أيار) 2004، عملية «قوس قزح».
- في سبتمبر (أيلول) 2004، عملية «أيام الندم».
- في 2005. انسحبت إسرائيل فعلاً من قطاع غزة ضمن خطة عُرفت آنذاك بـ«خطة فك الارتباط الأحادي الجانب»، ولكن في 25 سبتمبر 2005 شنت عملية «أول الغيث» وهي أول عملية بعد خطة فك الارتباط بأسبوعين.
- في يونيو 2006 عملية «سيف جلعاد».
- في فبراير (شباط) 2008، عادت من جديد لتنفذ عملية «الشتاء الساخن». وفي نهاية العام، وتحديداً في 27 ديسمبر (كانون الأول) 2008، شنت إحدى كبرى عملياتها العسكرية على غزة وأكثرها دموية، هي «الرصاص المصبوب».
- عام 2012. عملية «عمود السحاب».
- عام 2014. حرب «الجرف الصامد» التي طالت 51 يوماً، وخلفت أكثر من 1000 قتيل فلسطيني ودماراً كبيراً.
- في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 خاضت إسرائيل جولة قاسية مع «حماس».
- هذا الشهر، مايو (أيار) دخلت «حماس» وإسرائيل أحدث الجولات القتالية.



لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين البلدين. وقال روبيو خلال حفل التوقيع الذي رفعت فيه أعلام الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل جنباً الى جنب «يسرنا الاعلان عن اتفاق إطار بين الحكومة اللبنانية ذات السيادة وبالطبع حكومة إسرائيل، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة»، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار الى أن هذا الاتفاق يمّهد الطريق «لإطار من أجل سلام دائم وأمن».وتناولت جولة المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة، الانتقال من البحث في وقف النار إلى مناقشة نموذج ميداني يفترض أن تنسحب بموجبه إسرائيل تدريجياً من أراضٍ تحتلها في جنوب لبنان، ليتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها ويمنع عودة الوجود العسكري لـ«حزب الله».

الفريق الأميركي في المفاوضات ممثلاً بوزير الخارجية روبيو يحط به السفير الأميركي لدى لدى ميشال عيسى (يمين الصورة) والمسؤول في الخارجية مايكل نيدهام (غيتي/آ ف ب)

وخلف الأبواب وقبيل توقيع الاتفاق وفي غمرة الضجيج الإعلامي الصادر من طهران وأذرعها حول «الانتصارات والمقاومة»، تكشف التفاصيل المسرّبة من غرف التفاوض المغلقة في العاصمة الأميركية واشنطن وسويسرا عن مشهد مغاير تماماً. إنه مشهد تتقاطع فيه الضغوط الأميركية الحازمة مع رغبة إسرائيلية في انتزاع مكاسب أمنية جوهرية، وتنازلات إيرانية هيكلية تعيد صياغة نفوذها الإقليمي من بيروت إلى بغداد.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن الطرفين الإسرائيلي واللبناني أحرزا تقدماً وباتا قريبين جداً من «التزام نيات» (كلامه هذا جاء قبل إعلان الاتفاق الإطاري الجمعة). في حين أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات تتناول الإجراءات الأمنية اللازمة لإعادة الاستقرار وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً. غير أن مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين نفوا كلاماً أميركياً عن انسحاب من جزء من «المنطقة العازلة» باعتباره «بادرة حسن نية».

هذه الفجوة لا تلغي أهمية الجولة، لكنها تحدد طبيعتها؛ فما تحقق هو تفاهم أوّلي على الاتجاه، لا اتفاق على التنفيذ. لذا تبدو الجولة بداية مسار سياسي وأمني جديد أكثر منها خاتمة لمسار عسكري قائم.

والأهم أن المفاوضات اللبنانية باتت متصلة، من دون أن تكون مندمجة بالكامل، بالتفاوض الأميركي مع إيران؛ إذ تصر واشنطن على أن مستقبل لبنان يناقش مع حكومته، لكنها تحمّل طهران في الوقت نفسه مسؤولية ضبط «حزب الله» ووقف تمويله وتسليحه، بما يجعل الجولة جزءاً من اختبار أوسع لترتيب إقليمي مختلف عمّا ساد قبل الحرب.

من «التزام النيات» إلى اختبار الانسحاب

أبرز ما خرجت به الجولة هو قبول مبدئي بفكرة «المناطق النموذجية» أو «التجريبية». وتقوم الخطة على اختيار مساحة محدّدة تنسحب منها القوات الإسرائيلية بعد التحقق من إزالة البنية العسكرية لـ«حزب الله»، ثم تدخلها وحدات من الجيش اللبناني وتتولّى تأمينها، قبل تكرار النموذج في مناطق أخرى. وهذه صيغة تجمع بين المطلب اللبناني بالانسحاب واستعادة السيادة، والمطلب الإسرائيلي بضمان ألا تتحوّل الأرض المُخلاة إلى منصّة يعيد الحزب منها بناء قدراته.

لكن عبارة «التزام نيات» التي استخدمها روبيو تكشف عن حدود الإنجاز بقدر ما تعكسه؛ فهي تشير إلى توافق على الهدف العام، من دون أن تعني اتفاقاً على الخرائط والجداول الزمنية وقواعد المراقبة.

كذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول موقع المنطقة الأولى: هل تبدأ من مساحة تقع شمال الليطاني، كما أفادت معلومات لبنانية، أم من داخل «المنطقة العازلة» التي أقامتها إسرائيل؟

وهل يكون الانسحاب خطوة نحو خريطة شاملة، أم قراراً منفصلاً يخضع في كل مرة إلى تقييم أمني إسرائيلي؟

لقد جاء الالتباس حول الانسحاب ليؤكد أن هذه الأسئلة لم تحسم بعد؛ فالمسؤول الأميركي قال إن إسرائيل «سحبت قوات من جزء من المنطقة»، من دون تحديد مساحته أو موقعه. وفي المقابل، بينما قال مسؤول أمني إسرائيلي إن الجيش لم ينسحب، أفاد مسؤول لبناني كبير بأن بيروت لا تعلم شيئاً عن الخطوة. وقد يعني ذلك أن واشنطن أعلنت عن موافقة سياسية إسرائيلية قبل تنفيذها، أو أن ما جرى إعادة انتشار محدودة لا تعدّها إسرائيل انسحاباً ولا تملك بيروت معلومات عملياتية عنها.

في الحالتين، تحاول الإدارة الأميركية، على ما يبدو، منع انهيار المفاوضات تحت ضغط المناوشات والضربات. فالجنوب لا يزال منطقة حرب فعلية بالنسبة إلى عشرات آلاف النازحين الذين لا يستطيعون العودة، إما بسبب بقاء القوات الإسرائيلية وإما بسبب الدمار الواسع، ولذلك تقاس قيمة الجولة بقدرتها على إنتاج أول تسليم واضح وموثق للأرض إلى الجيش.

«المناطق النموذجية»

تختلف دلالة الخطة باختلاف الطرف الذي ينظر إليها؛ فبالنسبة إلى لبنان، ينبغي أن تكون «المنطقة النموذجية» أول حلقة في مسار ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، ووقف الغارات والاغتيالات، وعودة السكان، وانتشار الدولة حتى الحدود الدولية.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهي «اختبار لقدرة» الجيش اللبناني على إزالة منشآت «حزب الله»، وضبط طرق الإمداد، ومنع عودة عناصر الحزب بصفة مدنية أو عبر هياكل محلية.

لذلك تتمسك إسرائيل بمقاربة «منطقة بعد أخرى»؛ لأنها لا تريد الالتزام سلفاً بخريطة انسحاب شاملة قبل أن ترى نتائج المرحلة الأولى. كما أنها تربط أي تراجع بنزع سلاح الحزب أو، في الحد الأدنى، بتجريد المنطقة المعنية من البنية العسكرية والأسلحة القادرة على تهديد مستوطنات الشمال. في المقابل، تخشى بيروت أن تتحوّل الخطة إلى «إعادة تنظيم للاحتلال»، بانسحاب من نقاط ثانوية والإبقاء على شريط أمني أضيق.

هذا الخلاف يترك سؤالاً أساسياً بلا جواب: ما المقصود حقاً بنزع سلاح «حزب الله»؟ هل يقتصر في المرحلة الأولى على إبعاد السلاح والمقاتلين عن المناطق التي ستنتشر فيها الدولة؟ أم يشمل ترسانة الحزب على مستوى لبنان؟

وما الأولوية بين الصواريخ الدقيقة والبعيدة، والطائرات المسيّرة، والدفاعات الجوية، والصواريخ المضادة للدروع، والأنفاق ومراكز القيادة؟

المُعلن حتى الآن لا يثبت اتفاقاً نهائياً على نوع السلاح أو جدول جمعه. والأرجح أن واشنطن تحاول «تفكيك» المشكلة إلى مراحل: تثبيت مناطق خالية من الوجود العسكري أولاً، ثم الانتقال إلى السلاح الثقيل والاستراتيجي، مع ترك ملف السلاح الفردي والبنية التنظيمية إلى عملية لبنانية أطول. لكن بينما تقول إسرائيل إنها تخشى أن يمنح التدرّج الحزب وقتاً لإعادة التموضع، يخشى لبنان صداماً داخلياً يعجز الجيش عن احتوائه.

«الضمانة الأميركية»

هنا تبرز أهمية الضمانة الأميركية؛ فنجاح النموذج يتطلب آلية تحقق تحدّد من يقرّر أن المنطقة أصبحت خالية من السلاح، وكيف ترصد الخروق، وما الذي يحدث إذا حاول الحزب العودة إليها، وما حدود الحق الإسرائيلي في التحرك. ذلك أنه من دون اتفاق على هذه القواعد، قد يصبح كل خرق ذريعة لاستئناف الغارات، وكل غارة سبباً لعودة لقتال.

فصل مسار لبنان ومسؤولية إيران

للوهلة الأولى، تبدو السياسة الأميركية حيال لبنان «مزدوجة».

وزير الخارجية روبيو يؤكد أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل «منفصلة» عن المباحثات مع إيران؛ لأن لبنان دولة ذات سيادة، ولديه حكومة تتعامل واشنطن معها مباشرة. لكن نائب الرئيس جي دي فانس يقود في موازاة ذلك مساراً تفاوضياً مع طهران يتضمّن وقف القتال في لبنان، وبين هذا وذاك، يهدد الرئيس دونالد ترمب بضرب إيران مجدداً إذا لم تمنع «حزب الله» من «إثارة المتاعب».

غير أن هذا «التعدّد» قد يكون توزيعاً للأدوار أكثر منه تناقضاً. فمسار روبيو يحدد صاحب الحق في القرار... أي الحكومة اللبنانية، لا إيران ولا «حزب الله». أما مسار فانس فيتعامل مع الطرف القادر على تعطيل القرار عبر التمويل والتسليح والتوجيه السياسي. وبهذا المعنى، تحاول واشنطن الفصل بين «شرعية» التفاوض و«مسؤولية» التخريب: إنها تتفاوض على مستقبل لبنان مع بيروت، لكنها تتفاوض مع طهران على وقف دعم القوة التي تستطيع إفشال أي ترتيب. ومن ثم، تستخدم الإدارة حاجة طهران إلى تثبيت وقف الحرب وتخفيف العقوبات للضغط عليها في ملف «حزب الله»، من دون منحها وصاية على لبنان.

لذلك تبدو تصريحات ترمب أكثر من تهديد عابر؛ فهي تنقل المسؤولية عن عمليات الحزب من مستوى التنظيم المحلي إلى الدولة الراعية، وتقول عملياً إن استمرار العنف في لبنان قد تكون له كلفة مباشرة على إيران.

بيد أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة واضحة؛ فإدراج لبنان في «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية» يمنح طهران ورقة للقول إن انسحاب إسرائيل تحقق نتيجة ضغطها ومفاوضاتها، لا نتيجة المسار اللبناني. وأيضاً، يثير خشية في بيروت وتل أبيب من أن تصبح تفاصيل الأمن اللبناني جزءاً من مساومات تتعلق بالنووي والعقوبات ومضيق هرمز. ولهذا يصرّ روبيو على الفصل العلني، حتى وهو يقرّ بأنه لا يمكن تجاهل البُعد الإيراني بسبب علاقة طهران بـ«حزب الله».

من هنا، يرى البعض أن واشنطن لا تستطيع الفصل الكامل بين المسارين، لكنها تمنع دمجهما سياسياً، وأن نجاحها يتوقّف على قدرتها على استخدام النفوذ الإيراني لضبط الحزب من دون تحويل إيران إلى شريك في تقرير شكل الدولة اللبنانية أو حدود الترتيبات مع إسرائيل.

من افتتاح جلسة المفاوضات الخامسة في واشنطن (الوكالة الوطنية للأنباء - لبنان)

مخاوف إسرائيل وامتحان الجيش اللبناني

ينطلق القلق الإسرائيلي من أن التفاهم الأميركي مع إيران قد ينقذ «حزب الله» من نتائج الحرب؛ فمسؤولون إسرائيليون يخشون أن تنتقل الأولوية الأميركية من تفكيك الحزب وإخراج النفوذ الإيراني إلى مجرد وقف النار ومنع الاحتكاك، وأن تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب قبل قيام ضمانات أمنية قادرة على الصمود.

ولهذا تتمسّك إسرائيل بحرية العمل ضد ما تعتبره إعادة تسلح أو تهديداً وشيكاً، وترفض حتى الآن تقديم التزام غير مشروط بالعودة إلى الحدود. وبالفعل، باتت «المنطقة العازلة» ورقة تفاوض وضمانة أمنية؛ وبالتالي، فإن التخلي عنها بلا نزع للسلاح يعرّض نتنياهو لانتقادات داخلية.

في المقابل، يواجه الجيش اللبناني امتحاناً يتجاوز دخول الأرض التي تنسحب منها إسرائيل؛ إذ عليه أن يثبت قدرته على البقاء فيها وضبطها، وأيضاً منع عودة الحزب، والتعامل مع مخازن السلاح والأنفاق، من دون الانجرار إلى مواجهة أهلية. يضاف إلى ذلك أنه يحتاج إلى عديد وتجهيز وتمويل وغطاء سياسي، لا تزال كلها موضع سؤال، خصوصاً مع اتساع الدمار والحاجة إلى حماية عودة السكان وتأمين الحدود.

في هذه الأثناء، تبحث الولايات المتحدة تدريب الوحدات اللبنانية والتحقق من جاهزيتها وموثوقيتها. ولقد تداولت تقارير دوراً محتملاً للقيادة الوسطى الأميركية (سينتكوم) في الإشراف أو المراقبة، لكن لم يصدر حتى الآن أي إعلان نهائي يحدّد ما إذا كانت الـ«سينتكوم» ستتولى تدقيقاً مباشراً في العناصر... أم ستكتفي بالدعم والتنسيق.

محللون يرون أن المشكلة الأعمق هي أن انتشار الجيش ليس مرادفاً لنزع السلاح؛ إذ يمكن للجيش أن يتولى الإشراف على منطقة محدّدة إذا انسحبت إسرائيل منها وتوافرت له المساعدة، لكن تفكيك منظومة «حزب الله» في أنحاء لبنان يحتاج إلى قرار سياسي وطني وآلية تدريجية وضمانات للطائفة الشيعية، إضافة إلى منع إيران من إعادة بناء قنوات التمويل والتسليح.

وإذا حمّلت واشنطن الجيش وحده أكثر مما يستطيع تحمّله، فقد يتحول النموذج من اختبار لسيادة الدولة إلى اختبار يكشف عن حدودها.


عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)
TT

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)

تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً أو «تفرّ مهزومة»؛ في محاولة واضحة لتقديم المسار التفاوضي باعتباره ثمرة صمود محور طهران.

ومع أن تصريح قاآني لا يخفي بأنه خطاب تعبوي موجّه إلى الداخل ولأذرع إيران في المنطقة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن إيران نجحت في إدراج وقف القتال في لبنان ضمن تفاهماتها مع واشنطن، وأنها حافظت على النظام وعلى ورقة تفاوض إقليمية رغم الضربات.

في المقابل، صورة القوة الإيرانية تبدو مختلفة عند قياسها بما اضطرت طهران إلى قبوله. فلبنان يخوض «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل حول انتشار الجيش ونزع سلاح أبرز حلفائها. وواشنطن تحمّل إيران علناً مسؤولية سلوك «حزب الله»، في حين تواجه الفصائل الموالية لطهران في العراق ضغوطاً للاندماج في مؤسسات الدولة أو تقليص مظاهر سلاحها المستقل. وهذا، بجانب أن التفاوض على العقوبات والملف النووي بات مرتبطاً بدرجة ما بقدرة إيران على ضبط شبكتها الإقليمية.

هنا، يرى السفير الأميركي السابق جيمس جيفري في «فورين أفيرز» أن الإخفاق في تحقيق الأهداف القصوى لا يعني انتصار إيران؛ لأن المواجهات منذ 2023 أضعفت قدراتها وشبكة وكلائها وعززت موقع واشنطن. غير أن هذا التقييم يظل موضع نقاش، خصوصاً أن «حزب الله» لم يختف، والفصائل العراقية لم تُنزع أسلحتها، وإيران أظهرت قدرة على استخدام هرمز وملفات المنطقة لفرض تفاوض مباشر.

بناءً عليه، قد يكون من الأدق القول إن المنطقة تدخل «مرحلة انتقال»، لا نهاية مكتملة لمحور إيران. إذ تنتقل طهران من الاعتماد على تنظيمات كبيرة ومعلنة تملك ترسانات واسعة إلى شبكات أصغر وأكثر سرّيّة، أو تقبل بدمج شكلي لبعض الفصائل مع احتفاظها بنفوذ داخل مؤسسات الدولة.

لذلك؛ سيكون نجاح النموذج اللبناني مهماً أبعد من حدوده: فإذا انسحبت إسرائيل، وانتشر الجيش، ومُنع الحزب من استعادة وجوده، يصبح هذا الواقع سابقة لحصر السلاح بيد الدولة. وعندها فقط يمكن القول إن الجولة الخامسة دشّنت مرحلة مختلفة في لبنان والمنطقة. أما إذا بقي الانسحاب معلقاً أو عاد الحزب إلى المناطق المُخلاة، فستتحول الجولة الخامسة هدنة تفاوضية أخرى.


آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
TT

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي والداني بفوزه في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية في كولومبيا قال إن انتصاره يعني «الهزيمة الكاملة لجميع السياسيين والأحزاب التي حكمت البلاد إلى اليوم». ولكن على الرغم من خطاب آبيلاردو دي لا اسبيريلّا، الذي أكّد فيه على امتداد حملة الانتخابات الرئاسية بأنه «نزل إلى الميدان» ليطوي صفحة الماضي إلى غير رجعة، جاء فوزه بفارق صغير جداً على منافسه اليساري، ليضع بلاده كولومبيا ضمن المعسكر اليميني المتطرف الذي انضمت إليه 12 دولة في أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث الماضية.

عندما ظهرت النتائج النهائية للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، معلنة فوز المرشح اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا اسبيريلّا بنسبة 49.66 في المائة من الأصوات مقابل 48.70 في المائة لمنافسه اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي غوستافو بترو، خرج الرئيس المنتخب أمام أنصاره في مدينة بارّانكيّا، ليقول: «أرث بلداً صعباً، بلداً منقسماً على ذاته، مثقلاً بالديون وفي حاجة إلى إعادة الإعمار. لن أعدكم بالمعجزات ولن أخادع الشعب بحلول سحرية. النهوض من الهاوية يقتضي جهداً وتضحيات وانضباطاً ومثابرة». ثم أضاف: «أعرف أننا قد ورثنا كارثة، لكن ما إن أتولى السلطة في السابع من أغسطس (آب) المقبل، سأكشف النقاب عن تسعين مرسوماً في الأمن والاقتصاد والصحة والتعليم، من شأنها أن تغيّر ملامح البلاد إلى الأبد».

وبالمناسبة، فإن بارانكيّا، ميناء البلاد الأول، دارت فيه أحداث رائعة غابرييل غارسيّا ماركيز «وقائع موت معلن»، التي تروي قصة حقيقية بطلها مهاجر متحدر من أصول لبنانية يدعى سانتياغو نصّار.

سياسياً، على رغم التأييد الشعبي الواسع الذي ناله دي لا اسبيريلّا في هذه الانتخابات وناهز 13 مليوناً من الأصوات، أي ربع عدد السكان تقريباً، فإنه كان يعلم أن منافسه اليساري حصد هو أيضاً نسبة عالية من الأصوات تقارب ما حصل عليه هو. ومن ثم، فبرنامجه لتحقيق «المعجزة الكولومبية» الموعودة وتعهده بإحداث تغيير جذري في كل القطاعات، ستكون دونهما عقبات كثيرة ليس أقلّها أن نصف البلاد تقريباً يعارض سياسته بشدة.

البداية والمسيرة

ولد آبيلاردو دي لا اسبيريلّا في بوغوتا عاصمة كولومبيا قبل 47 سنة، وبعد نيله شهادة الحقوق من جامعة بوغوتا أسّس مكتباً للمحاماة سرعان ما اكتسب شهرة واسعة بعدما تولّى الدفاع في قضايا عدة عن متهمين بأعمال احتيال ضخمة واغتيالات تعرّض لها زعماء نقابيون وسياسيون. وكذلك تولّى أيضاً الدفاع عن رجل الأعمال المعروف أليكس صعب الذي كان الذراع المالية لنظام الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.

وإلى جانب نشاطه في المحاماة، خاض دي لا اسبيريلّا أيضاً مجال الأعمال، حيث أسس مؤسسات عدة للملابس الرجالية الفاخرة والمشروبات والمطاعم، إلا أنه بعد فشلها، قرّر إقفالها جميعاً مطالع العام الماضي في أعقاب تسجيلها خسائر تقدّر بملايين الدولارات. كذلك، سبق للرجل دخول مجال الغناء كمغنٍ يؤدي وصلات من الأغاني الشعبية الإيطالية المشهورة والأوبرا.

الترشّح للرئاسة

مطلع الصيف الماضي أعلن دي لا اسبيريلّا عن نيّته الترشّح للانتخابات الرئاسية، علماً بأنه لم يسبق أن تولّى أي وظيفة رسمية، ولم يشارك في أي نشاط سياسي. ولم يطل الوقت حتى أطلق حملة لجمع التواقيع دعماً للتيّار الذي ترشّح باسمه «المدافعون عن الوطن»، وتحالف مع الوزير السابق خوسيه مانويل رستريبو، الذي يحظى بتأييد واسع في الأوساط اليمينية، كمرشح لمنصب نائب الرئيس.

والواقع، أنه عندما أعلن دي لا اسبيريلّا ترشحه الرسمي وكشف عن برنامجه السياسي الذي يتضمّن مقترحات راديكالية لم يسبق أن طرحها أي حزب أو زعيم سياسي في كولومبيا، لم تكن شعبيته تتجاوز 10 في المائة من الناخبين وفق استطلاعات الرأي الأولى. وكان من مقترحات برنامجه: إنهاء جميع عمليات السلام مع الجماعات المسلحة وإلغاء الاتفاقات الموقّعة في إطارها، وترخيص حمل السلاح للمدنيين، وإلغاء عدد من الوزارات والانسحاب من منظمات دولية مثل محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، وترميم العلاقات مع إسرائيل بعدما كان قرّر قطعها الرئيس الحالي غوستافو بترو... بل وفتح سفارة لكولومبيا في مدينة القدس.

«إيمان» متأخر... وتقارب مع إسرائيل

أيضاً، أعلن المرشح اليميني المتطرف أنه سيقارب العلاقات مع «الجارة» فنزويلا، ولكن عن طريق وزارة الخارجية الأميركية لا عن طريق حكومة الرئيسة دلسي رودريغيز. وكان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»، مع الإشارة إلى أنه كان ملحداً حتى عام 2021 عندما أعلن اعتناقه الكاثوليكية. وأيضاً، هناك توعّده الضرب بيد من حديد لمكافحة الجريمة، والدفاع عن الأسرة التقليدية والملكية الخاصة، ومنع الإجهاض والموت الرحيم والسماح للمثليين بالتبنّي، كما تعهد إقفال محكمة السلام التي أسّست لمحاكمة الثوار والعسكريين السابقين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.

من ناحية ثانية، ملفّات كثيرة حول علاقات دي لا اسبيريلّا بأشخاص ضالعين في قضايا فساد وجرائم، أثارت جدلاً واسعاً حول أهليته للترشح في الانتخابات الرئاسية، وأيضاً حيازته الجنسية الأميركية التي نالها خلال فترة قصيرة عندما أقام في ميامي؛ ما أثار شبهات حول الأسباب وراء حصوله عليه بسرعة وسهولة. وتقدّمت جهات عدة بطعون في ترشيحه، لكن القضاء بتّ لصاح أهليته للترشح.

حليف طبيعي لترمب ... ولليمين التقليدي

النتائج النهائية بيّنت أن دي لا اسبيريلّا حصل على تأييد واسع بين الناخبين الذين كانوا دعموا المرشحة المحافظة بالوما فالنسيا في الدورة الأولى. والأخيرة كانت مدعومة بدورها من القيادات اليمينية التقليدية، وبخاصة، الرئيس الأسبق مانويل أوريبي، وأيضاً من مجتمع الأعمال والنخب الاقتصادية الذي كان يخشى ولاية يسارية ثانية بعد الرئيس الحالي بترو.

ولكن، بناءً على كل ما سبق ذكره، لم يكن مستغرباً أبداً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان أول مهنئي الرئيس الكولومبي الجديد. وللعلم، غرّد ترمب على حسابه «تشرّفت كثيراً بدعم (النمر)، وأتطلع إلى العمل معه لبناء علاقة وطيدة بين كولومبيا والولايات المتحدة تعود بالخير والعظمة على البلدين». أيضاً الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلاي، الذي يطلق هو أيضاً على نفسه لقب «الأسد»، صرّح قائلاً: «الأسد والنمر يُسمع زئيرهما الآن في أرجاء أميركا اللاتينية».

أما الرئيس المنتخب نفسه، فقد عرض في تصريحاته الأولى بعد الفوز على منافسه اليساري إيفان سيبيدا توقيع «اتفاق وطني» عوضاً عن فتح جبهة سياسية واجتماعية بينهما، بيد أنه حذّر في الوقت نفسه من أنه لن يتهاون في التعاطي مع التعبئة الشعبية والاحتجاجات والإضرابات التي هددت بها النقابات العمالية والتنظيمات الاجتماعية.

وعود انتخابية ومصاعب معيشية

للتذكير، كان دي لا اسبيريلّا قد وعد بخفض الضرائب وتقديم محفّزات مالية للشركات المنتجة؛ بهدف تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وخفض العجز المالي الذي سجّل ارتفاعاً ملحوظاً خلال ولاية بترو. كان العجز قد ارتفع خصوصاً بسبب المشاريع الاجتماعية التي أقرَّتها حكومة بترو دعماً للطبقات العاملة والفقيرة والمناطق الريفية التي يقطنها السكان الأصليون.

بالتوازي، كان بين التدابير التي وعد بها الرئيس الجديد في برنامجه الانتخابي، ولقيت ترحيباً واسعاً في الأوساط المحافظة، القضاء على زراعة الكوكايين بواسطة رشّ 330 ألف هكتار من المساحات الزراعية بالمبيدات. إلا أنه من المتوقع، في حال تنفيذه هذا الوعد، أن يواجه معارضة شديدة من سكان الريف الذين يعيشون بنسبة كبيرة على هذه الزراعة، ويطالبون بتحويلها إلى الاستهلاك الطبي.

أيضاً، تعهّد دي لا اسبيريلّا في برنامجه ببناء 10 سجون ضخمة في مناطق نائية عن المدن الكبرى، واعتقال 10 من كبار زعماء التنظيمات المسلحة في البلاد وإحالتهم إلى القضاء، واستعادة سيطرة الأجهزة الأمنية ومؤسّسات الدولة على ما أسماه «الأراضي الضائعة»، أي تلك التي تقع تحت سيطرة الجماعات المسلحة منذ عقود.

ومن الأزمات الأخرى المستعصية منذ سنوات في كولومبيا تراجع الخدمات الصحية، خاصة في الأرياف، ونقص الأدوية الأساسية في مرافق كثيرة، ناهيك من هجرة الأطباء سعياً وراء رواتب لائقة. ولقد تعهّد دي لا اسبيريلّا بـ«ضخ ما يلزم من أموال» في القطاع الصحي لإنهاضه، بل وقال إن لديه خطة لتحويل كولومبيا مركزاً إقليمياً لصناعة الأدوية.

المراقبون يرون أن دي لا اسبيريلّا نجح، كما فعل دونالد ترمب في الولايات المتحدة، في تسويق أسلوب عيشه الفاخر كعلامة للنجاح، لكنه سيصطدم قريباً - على الأرجح - بواقع اجتماعي مختلف جداً، وبنقابات عمالية في حال من التعبئة والجهوزية للدفاع عن المكتسبات التي حققتها خلال ولاية بترو.