رحلة عبد الملك آل الشيخ... «من الدرعية إلى أميركا»

رحلة عبد الملك آل الشيخ... «من الدرعية إلى أميركا»

لقطات ومواقف وأحداث بقيت في الذاكرة
الخميس - 15 شوال 1442 هـ - 27 مايو 2021 مـ رقم العدد [ 15521]

كتاب «رحلتي من الدرعية إلى أميركا»، للكاتب السعودي عبد الملك بن أحمد آل الشيخ، هو أشبه بسيرة ذاتية، دوّن فيها المؤلف تجربة ثرية وأورد مواقف وأحداثاً لواحد من الشخصيات التي عاشت في بيئة بسيطة بعيدة كل البعد عن تعقيدات المدينة الحديثة... ثم انتقلّ للدراسة في مدينة صاخبة بالنشاط والحركة، هي: نيويورك.

بين نخيل الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى، وأحياء الرياض القديمة، عاش المؤلف، وفيهما عاصر نمو بلاده وزحفها نحو العمران، وتلقى التعليم في مدارسها، ولما لاحت في الأفق فرص الابتعاث قرر أن يكون من أوائل الملتحقين بذلك القطار السريع، وبين غمضة عين رحل إلى أميركا، واضعاً قدمه على أولى درجات سلم الدراسة في الخارج والغربة، وبعد سنوات من التعب ذاق فيها مرارة البعد عن الأهل والأحباب، عاد لبلاده حاصلاً على وظائف ريادية في القطاعين العام والخاص، وبعد أن ترجل من مشواره الوظيفي، استرخى قليلاً وبدأ بقدح ذاكرته، فانثالت منها مشاهد لم تعبرها، ليدوّنها في كتاب عن الرحلة التي مرّت كالطيف.

لقد باحت ذاكرة المؤلف بكل ما اختزلته من مشاهد لم تعبرها من مسقط رأسه ومرتع طفولته، الدرعية، التي ظل يتردد عليها ويأنس في أحضانها أيام الطفولة، إلى مزرعة أخواله المعروفة باسم «أم إجرار» التي شهدت ولادته عام 1955، ثم الانتقال إلى قصر طيني في حي البجيري بالدرعية، الذي أُعيد مؤخراً تأهيله ليصبح متنزهاً ومتنفساً ومعلماً سياحياً لسكان العاصمة، مسهباً في وصف هذا القصر ومنافعه والذي بُني على طراز العمارة النجدية، مروراً بأكبر التحديات أيام الطفولة من خلال عبور الطريق المؤدي من القصر إلى الجهة الأخرى من المزرعة، مروراً بالبِرْكة التي يَصبّ فيها الماء ويتجمع بها، والمعروفة محلياً باسم «اللزا». وعرّج آل الشيخ على مشهد مهم في حياة الأطفال وهو الدكان الذي يتردد عليه الصغار والسكان في الأحياء للتبضع منه بشكل يومي. كانت الحلوى ومتطلبات السفرة ووصايا الأهل جزءاً في المشهد اليومي. وسجل المؤلف معلومات اندثرت إلا من الذاكرة حول عادات الطعام في العقود الماضية سواء في المنازل وأصحاب المزارع، كما حملت ذاكرة المؤلف مشاهد في الدرعية لعل أهمها مشاهدته تنفيذ عقوبة الجَلْد ببائع خمور من المقيمين وذلك في الساحة الرئيسية بالدرعية، عندما تم جلده بعسيب النخل الطري (جريد). ولم ينسَ المؤلف ذلك الحفل الذي أقامه أخواله عام 1961 للملك سعود في بستانهم «أم جرار» في الدرعية ومشاهدتهم لسيارة الملك الكاديلاك الخضراء المتوقفة أمام سرادق الحفل ليتمكن من لمسها دون أن يمنعه الحرس أو يمسكوا به.

وسجل المؤلف لقطات اختزلتها ذاكرته في الدرعية من هوايات الصغار في ذلك الزمن واعتقادات طفولية بحرق إحدى اليدين بالنار المعروفة باسم «اللكمة» ليكون قادراً على التصويب بالمنجنيق الصغير (النباطة) لصيد الطيور. كما سجّل اللعبة المشهورة للأطفال «طاش ما طاش»، حيث تجمع الصغار ويحضرون قارورة إحدى المرطبات بفتحها لتطيش بسبب وجود مادة الصودا فيها، فإذا ظهرت الرغوة خارج القارورة فاز، وإذا لم تظهر يخسر.

وسجل آل الشيخ مشاهداته في الرياض، ذاكراً فيها المنطقة القريبة من الجامع الكبير أو جامع الإمام تركي بن عبد الله، وهي منطقة تجارية، وفيها أسواق متعددة، وما اشتهر به شارعا «الثميري» و«الوزير». كما ذكر حي «دخنة» المعروف بـ«حي العلماء»، ويقع في قلب مدينة الرياض، وسكنه العلماء والقضاة، وفيه منزل الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية، والذي كان يتوافد عليه الأمراء والعلماء والقضاة وعامة الناس، كما وصف المدرسة المحمدية التي تأسست 1953، والتحق بها المؤلف للدراسة، وتقع في شارع سلام الذي كان يقطنه الأمير عبد الله بن عبد الرحمن أخو الملك عبد العزيز، وتقع مزرعته وقصره غرب المدرسة، وتحول قبل سنوات إلى متنزه سلام، ثم التحاقه بالمعهد العلمي في حي البطحاء الذي فيه شارع يحمل اسم الحي ويعد من أعرق الشوارع في الرياض، وتحدث عن الحارات القديمة في الرياض وما يحدث بها من هوايات.

وتستوقف القارئ للكتاب لقطات من المواقف للمؤلف في أثناء دراسته في الولايات المتحدة الأميركية عام 1975، وكانت نيويورك محطته الأولى، حيث وصل إليها يوم جمعة، وهو وقت لم تكن تُفتح فيه قنصلية بلاده السعودية، ويتعين الانتظار حتى يوم الاثنين، مما يعني أنه سيقضي ثلاثة أيام في الفندق طريد الوساوس والهواجس خوفاً من عصابات نيويورك الإجرامية، حسب تصوراته الذهنية عن هذه المدينة. يقول آل الشيخ: «تمثلت صورة رهين المحبسين أبي العلاء المعري أمامي فكنت بين خيارين؛ إما أن أتحصن في غرفتي ولا أخرج منها أبداً، وإما أن أخرج وأواجه ظنوني، وليكن ما يكون، واخترت ألا أرهن أيامي بأوهام، فما تركت بلدي وجئت إلى نيويورك لأحبس نفسي فيها وأعيش فيها حياة السجناء»، واختار أن يخرج ليفاجأ بأن كل ما حمله كان وهماً.

بعد عودته إلى بلاده دخل عالم الوظائف، وكان من بينها تكليفه بتمثيل وزارة العدل في لجنة الحوار الاستراتيجي السعودي - الأميركي، التي شُكلت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001. وكان من نتائج هذه اللجنة فتح باب الزيارات بين منسوبي وزارة العدل والجهات العدلية في البلدين، وكان من ضمن هذه الزيارات المتبادلة قيام المؤلف بصحبة عدد من القضاة والمستشارين بزيارة عدد من المحاكم الأميركية، ومن ضمنها مكاتب الصلح في الولايات المتحدة، وزيارة محكمة مينيسوتا الفيدرالية وأداء الصلاة في قاعتها.

دخل آل الشيخ عالم الكتابة الصحافية بعد أن ترجل من العمل الوظيفي، وانتمى لأسرة كتاب جريدة «الشرق الأوسط».


كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة