المغامرة الجبرانية بين التمرد على الواقع وتقويض اللغة السائدة

بعد 90 عاماً على رحيل صاحب «النبي»

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران
TT

المغامرة الجبرانية بين التمرد على الواقع وتقويض اللغة السائدة

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران

قلّ أن احتل كاتب من الكتّاب المكانة المرموقة والمتفردة التي احتلها جبران خليل جبران في الوجدان العربي، بل العالمي في الوقت ذاته. وهي مكانة لم يتراجع منسوبها بعد رحيل الكاتب اللبناني عن هذا العالم، كما يحدث لكثير من الكتّاب الذين لا يتغذى بريق أسمائهم من فرادة منجزهم الإبداعي نفسه، بل من الضجيج الزائف للآيديولوجيا أو المكانة الاجتماعية أو الترويج الإعلامي. وإذا كان لتحالف الصدف والحظوظ أن يلعب في بعض الأحيان أدواراً غير قليلة في إعلاء هذا الاسم الأدبي أو طمس مكانة ذاك، لفترات محدودة من الوقت، فإن للزمن قواعده ومعاييره المختلفة التي تعيد الأمور إلى نصابها، ولو بعد حين. ولم يكن لصاحب «النبي» أن يحتفظ بكل ذلك الوهج وتلك الأصداء، لولا اجتراحه الجريء للغة طازجة ومشحونة بالصدق وملفوحة بلهب الشعر.
ومع أننا لا نستطيع التقليل من أهمية الصرخة العاتية التي أطلقها جبران في برية الجهل والخنوع العربيين، ولا من أهمية دعوته الجريئة إلى التحرر السياسي والفكري والاجتماعي، فإن علينا الإقرار بالمقابل بأن مثل هذه الدعوة لم تكن امتيازاً جبرانياً خالصاً، بل كان قد سبقه إليها، رواد نهضويون، من أمثال رفاعة الطهطاوي والكواكبي والأفغاني والشدياق ومارون النقاش وشبلي الشميل واليازجيين والبستانيين، سليمان وبطرس، وكثر غيرهم. لكن ما ميّز صاحب «رمل وزبد» عن سواه، هو انتقاله، كما ورد آنفاً، بلغة الضاد من طور إلى طور، بعد أن تسببت بفقرها المدقع إشاحة الدولة العثمانية المتداعية بوجهها عن كل ما يتصل بإنشاء المدارس والجامعات والصروح التربوية والثقافية، ما أطفأ في متون القصائد والنصوص كل أثر للإبداع، وحوّلها إلى منصات للفراغ والحذلقة واللعب الشكلاني.
قد يكون النص الركيك والمليء بالأخطاء الذي صيغت من خلاله «وثيقة أنطلياس» الموقعة عام 1840 من قبل زعماء الطوائف اللبنانية، المتعاهدين يومها على التآزر في مواجهة قوى الهيمنة الخارجية، ليس سوى الترجمة الفعلية للحالة البائسة التي بلغتها اللغة الفصحى؛ حيث نقرأ في مطلع الوثيقة: «إنه يوم تاريخه قد حضرنا إلى مار إلياس أنطلياس نحن المذكورة أسماؤنا به بوجه العموم من دروز ونصارى ومتوله وإسلام المعروفين بجبل لبنان من كافة القرى وقسمنا يمين على مذبح القديس المرقوم وبأننا لا نخون ولا نطابق بضرر واحد منا كلياً بل يكون القول واحد والري (الرأي) واحد». ويكفي أن يتناول المرء أياً من نصوص جبران اللاحقة، ليتبين له أن ما أضافه جبران إلى العربية، على مستويات الحساسية والمعجم والتخييل المجازي والتركيب النحوي، يحملنا على الاعتقاد بأن لغة أخرى، يانعةً ورشيقة وموصولةً بالشرايين، قد وُلدت على يدي الكاتب اللبناني المهجري. إنها لغة تتوهج في كنف الحياة، لا في كنف التقعر والافتعال والتصحر الروحي. وهي لغة تتفتح في داخلها ضروب الفنون كافة، وبخاصة الموسيقى التي أولاها جبران كل عنايته، والتي خاطبها بالقول: «يا خيالات القلب البشري. يا ثمرة الحزن وزهرة الفرح. يا رائحة متصاعدة من طاقة زهور الشعائر المضمومة. يا صائغة الدموع من العواطف المكنونة. يا موحيةَ الشعراء ومنظمةَ عقود الأوزان».
على أن المشروع النهضوي الجبراني لم يكن له أن يتحقق من خلال الموهبة وحدها، حتى لو تغذت مخيلته الشاهقة من الجذور الينبوعية الموغلة في قِدمها لغابة الأرز، وللمنحدرات السيفية السحيقة لوادي قاديشا، بل من ذلك التكامل الخلاق بين الإقامة والرحيل، بين أمومة الجذور وأنوثة الأمواج ؛ حيث تمكن صاحب «الأرواح المتمردة»، متنقلاً بين بوسطن ونيويورك وباريس وغيرها من المدن، أن يحقق للغة العربية قيامتها الموعودة، وأن يوائم بنجاح بين روحانية الشرق وعقلانية الغرب وكشوفه الثقافية المختلفة. هكذا بدت التجربة الجبرانية، بمثابة دحض تلقائي لمقولة كيبلينغ الشهيرة «الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان»، مؤكدة بذلك على أنه يمكن لشجرة المعرفة الإنسانية أن تعطي أفضل الثمار، في ظل تنوع التربة وتعدد مصادر الغذاء والمناخ والضوء، تماماً كما حدث من قبل مع التجربتين الهيلينية والأندلسية، وما كرسته زمن جبران تجربة الأدب المهجري، وما أكدته في وقت لاحق المغامرة الرائدة لشعر الحداثة العربي.
أما الذين يأخذون على جبران عدم التفاته الكافي إلى موجبات البلاغة العربية التقليدية، وصولاً إلى وقوعه في بعض الأخطاء النحوية والصرفية، فهم يجانبون الحقيقة تماماً، لأن اللغة عند جبران لم تعد معادلاً للتصنيم النحوي والقواعد الجامدة والمحسنات المتعسفة والتنقيط اللفظي البهلواني، بل باتت معادلاً للحياة نفسها في تألقها أو انطفائها، في اكتظاظها بالعتمة والألم، كما في تحالفها مع الفرح والفتنة وبراعم الجمال. وهؤلاء أيضاً ينسون أو يتناسون، أن تجديد اللغات المختلفة لا يتم بالقطع على أيدي النحاة وحراس التنميط البلاغي ومفتي التقعر اللفظي والأسلوبي، بل كان دائماً وما يزال مهمة الشعراء والمبدعين، الذين يختبرون اللغة بالقلب والحدس والحساسية المرهفة. والأدل على هذا الرأي هو ذهاب جبران نفسه في مقالة له إلى الاعتراف بأنه «لم يلجأ إلى القواميس العربية أكثر من مرات ست في حياته، وأنه لم يدرك استخدامه للغة العربية بشكل يختلف عن الآخرين، قبل أن يخبره الآخرون عن ذلك».
لقد عرف جبران كيف يصغى بانتباه شديد إلى تحولات عصره وإيقاعاته وأسئلته المؤرقة. فهو لم يتوانَ، في الشطر المشرقي من التأثرات، عن النهل من ينابيع الكتاب المقدس، وخاصة «نشيد الأناشيد» وبعض أسفار العهد القديم، ومن الصيغ الإنجيلية ومناخات القرآن الكريم. كما لم يتوانَ عن التفاعل، في الجانب الغربي، مع رسوم وليم بلايك وأدبه المناهض لبلادة العقل، والقائم على البصيرة وحدوسها الكاشفة، أو مع الهندسة الجمالية والروحية لمنحوتات رودان، أو مع أدب نيتشه ذي النزوع الديونيزي المعتمد على قوة العصب والانبثاق الفطري للرؤى والأشكال، والمنادي بالنزوع الشهواني ومبدأ الإنسان المتفوق. وهو ما بدت تمثلاته واضحة في كثير من مؤلفات جبران، وخاصة في «العواصف» و«الأرواح المتمردة» و«المجنون». ومع ذلك فجبران الكاره للجمود والباحث عن التحول، لم يكن ليستكين في كنف أحد، حتى كنف منجزه الشخصي السابق. وهو ما يفسر افتراق «النبي» عن «زرادشت» حين قرر النزول عن ظهر الأعاصير، لكي يؤسس مملكة الرجاء الوادع ومدن الهدوء الحكيم. كما أن نقمة جبران على نظام الإكليروس المسيحي وما يستتبعه من مظاهر البذخ والبطش والفساد، لم تجعله بأي حال مناوئاً للمسيح نفسه، كما فعل نيتشه.
ثمة بالطبع من يأخذ على جبران تشتته وترحّله المستمر بين الفنون، ورغبته في أن يكون الناثر والروائي والقاص والرسام والمفكر والفيلسوف والشاعر في آن واحد، الأمر الذي حرمه من التركيز على فن بعينه، وجعله غير قادر على الذهاب بكل منها إلى تخومها الأخيرة. ومع أن هذا التوصيف ليس بعيداً من حيث المبدأ عن الحقيقة، فإن على الآخذين به أن يدركوا بالمقابل، أن الفنون المختلفة التي قاربها جبران كان يحركها لهب واحد، وشغف غير محدود بالخروج من دوامة الانحطاط والتقوقع الظلامي، فضلاً عن أن مثقفاً ومبدعاً متعدد المواهب كجبران، يجب أن ينظر إليه كصاحب مشروع ثقافي وتنويري متعدد الوجوه والتجليات، وكمبتكر لغة وأسلوب جديدين، قبل أي شيء آخر. وهو ما يؤكده قوله عن نفسه في إحدى مقالاته: «أنا لست مفكراً، أنا خالق أشكال».
وككل «خالق أشكال» واجه جبران على امتداد حياته القصيرة كثيراً من العنت والغربة وسوء الفهم. وهو ما عكسه قول ماري هاسكل عنه بأنه «كان يقيم في ظل إله غريب». وإذا كانت الوحشة والمنفى والاغتراب الوجودي، هي من بين العلامات الفارقة لمغامرة الحداثة، فإن في سيرة جبران ونصوصه ومكابداته الروحية القاسية، ما يجعل منه أحد أبرز الرموز المؤسسة للحداثة العربية الأولى، ولاستتباعاتها اللاحقة فيما بعد. وهو ما تؤكده نصوص كثيرة، من بينها قوله في «العواصف»: «أنا غريب في هذا العالم. أنا غريب وقد جبتُ مشارق الأرض ومغاربه فلم أجد مسقط رأسي، ولا لقيت من يعرفني ويسمع بي».
لقد كان جبران في المحصلة الأخيرة أقرب إلى روح الشاعر منه إلى الفيلسوف أو المفكر السياسي والمصلح الاجتماعي. على أن شاعريته العالية، في رأيي، تتبدى عبر نصوصه النثرية المختلفة، أكثر مما تتبدى في قصائده الموزونة التي رغم سلاستها الرشيقة لم تقدم أي إضافة حقيقية إلى شعرية أسلافه أو معاصريه. وهو أمر يمكن تفسيره بأن نثر جبران المفرط في موسيقاه وثرائه التخييلي، لم يترك لشعره المنظوم ما يفعله أو يضيفه إليه. ولا ينأون كثيراً عن الحقيقة أولئك الذين أطلقوا على بعض نصوص جبران النثرية تسمية «الشعر المنثور»، كما فعل جرجي زيدان وميخائيل نعيمة وتوفيق صايغ وآخرون. كما أن بعض الإشراقات الأدبية الجبرانية لم ترهص بقصيدة النثر وحدها، بل أرهصت كذلك بما أُطلق عليه فيما بعد تسمية «النص المفتوح» الذي يصهر الفنون، بقدر ما يصهر الأزمنة كلها، في بوتقة واحدة، كما في قوله مخاطباً الحرية بلسان خليل الكافر: «من منبع النيل إلى مصب الفرات يتصاعد نحوك عويل النفوس، متموجاً مع صراخ الهاوية. ومن أطراف الجزيرة إلى جبهة لبنان تمتد إليك الأيدي مرتعشة بنزع الموت. ومن شاطئ الخليج إلى أذيال الصحراء ترتفع نحوك الأعين مغمورة بذوبان الأفئدة. فالتفتي أيتها الحرية وانظرينا».



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.