مصادر سياسية عراقية تكشف خفايا جديدة عن النفوذ الإيراني

عزت غياب بغداد عن مؤتمر واشنطن للتطرف إلى عدم دعوة طهران

مصادر سياسية عراقية تكشف خفايا جديدة عن النفوذ الإيراني
TT

مصادر سياسية عراقية تكشف خفايا جديدة عن النفوذ الإيراني

مصادر سياسية عراقية تكشف خفايا جديدة عن النفوذ الإيراني

كشفت مصادر سياسية عراقية في واشنطن الأسباب الحقيقية التي حالت دون مشاركة العراق في المؤتمر الخاص بالتطرف العنيف الذي عقد في العاصمة الأميركية واشنطن أخيرا، وحضره وزراء خارجية عدد كبير من الدول العربية والإسلامية التي تعاني بلدانها من التطرف العنيف والإرهاب، بالإضافة إلى الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي.
وبينت هذه المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن «دولتين عربيتين كانتا مدعوتين للمؤتمر ولم تحضرا، وهما العراق ولبنان»، مشيرة إلى أن «السبب الحقيقي الذي حال دون حضورهما هو عدم توجيه دعوة إلى كل من سوريا وإيران». وأوضحت هذه المصادر أن «قيادات سياسية عراقية عبرت عن انزعاجها من عدم مشاركة العراق لأسباب واهية جدا من حيث الظاهر من بينها عدم تفرغ وزير الخارجية، إبراهيم الجعفري، في حينها، بينما كان ينبغي أن يمثل العراق بوزير آخر أو حتى بسفيره في واشنطن أو الأمم المتحدة حتى لا تكون لعدم الحضور تفسيرات أخرى، منها كون العراق، وبسبب عدم دعوة إيران وسوريا، أصبح جزءا من المحور الإيراني - السوري - اللبناني (ممثلا بـ«حزب الله»)». وأضاف: «السبب الظاهر الذي أعطي كتبرير لعدم المشاركة هو حضور إسرائيل فيه في قت شارك العراق في مؤتمرات دولية تشارك فيها إسرائيل، وهي كل مؤتمرات الأمم المتحدة، بالإضافة إلى مؤتمر دافوس وغيرها».
ومضت المصادر المطلعة إلى ما هو أبعد من ذلك حين أفادت أنه «لدى الاستفسار من وزير الخارجية الجعفري عن سبب عدم مشاركته أشار إلى أن جواز سفره كان مفقودا أثناء انعقاد المؤتمر».
وأكدت المصادر ذاتها أن عدم مشاركة العراق في المؤتمر المذكور وزيارة نائب الرئيس الإيراني إسحاق جهانغيري إلى العراق قبل أسبوع وزيارة وزير الخارجية محمد جواد ظريف إليه، أول من أمس، كل هذه التطورات «توحي بأن العراق أصبح ضمن المحور الإيراني». وأشارت هذه المصادر إلى أن «الهدف من هذه الزيارات هو إعطاء إشارات للأميركيين بأن العراق بات جزءا من محيط السياسية الإيرانية وقدرتها على التأثير في كل الملفات المطروحة بما فيها ملف (داعش)، وبالتالي فإنه يتعين على الولايات المتحدة الأميركية مراجعة المباحثات النووية مع إيران في ضوء خطر (داعش) وإن إيران هي اللاعب الأهم في مواجهة التنظيم».
بدوره، قال مثال الآلوسي، زعيم حزب الأمة ورئيس كتلة التحالف المدني الديمقراطي في البرلمان العراقي، لـ«الشرق الأوسط»، عبر الهاتف من أربيل، إن «إيران مندفعة في العراق وفقا لكل الآليات المقبولة وغير المقبولة، وبالتالي هناك أجندة إيرانية واضحة في العراق بخلاف الدول الأخرى المهتمة بالتدخل في الشأن العراقي؛ حيث إن تدخلها لو صح لا يرتبط بأجندة محسوبة». ويضيف الآلوسي أنه «بات من الواضح أن هناك توافقا إيرانيا - أميركيا يلوح في الأفق بحيث يعطي مساحة لإيران في العراق ضمن صفقة في إطار مباحثات (5 +1)». ويوضح الآلوسي أن «الأمور لا لبس فيها؛ حيث إن إيران وبشكل سافر تقول نحن موجودون وكأنه لا وجود لدولة اسمها العراق، وهي تعلن بشكل واضح أن لديها خلايا نائمة في العراق والكثير من دول المنطقة تستطيع بموجبها أن تشوش على الآخرين، كما أنها بدأت توحي بأنها هي التي تواجه (القاعدة) و(داعش)».
ويشكل الدعم الإيراني للعراق ضد «داعش» مثالا واضحا لحجم نفوذ طهران في العراق. فالمسلحون الشيعة الذين تدعمهم طهران أصبحوا القوة الرئيسية التي تتصدى لـ«داعش» منذ أن هرب جنود الجيش العراقي من الخدمة بأعداد كبيرة في الصيف الماضي. واتحدت عشرات من الجماعات شبه العسكرية في كيان تكتنفه السرية تابع للحكومة العراقية تحت اسم لجنة الحشد الشعبي.
وحتى الآن لم يعرف الكثير عن هذه اللجنة. ولكن في سلسلة من المقابلات مع وكالة رويترز تحدثت شخصيات عراقية بارزة من اللجنة بالتفصيل عن سبل تعاون الفصائل شبه العسكرية وبغداد وإيران والدور الذي يلعبه مستشارون إيرانيون داخل هذه اللجنة وعلى خطوط المواجهة.
وقال هادي العامري زعيم منظمة بدر إن أغلبية أعضاء المنظمة «الكثير منا يعتقد أن السيد خامنئي متوفرة به شروط القيادة الإسلامية. ولذلك هو قائد ليس للإيرانيين وإنما قائد للأمة الإسلامية. أنا معتقد ذلك وأفتخر بهذا الاعتقاد». وأصر على أنه ليس هناك تضارب بين دوره كزعيم سياسي عراقي وقائد عسكري وولائه الديني لخامنئي، مضيفا أن خامنئي «يضع مصلحة العراق كعراقي مقدمة على كل شيء».
ويرأس هيئة الحشد الشعبي جمال جعفر محمد الملقب بأبي مهدي المهندس وهو قائد سابق في منظمة بدر. ويقول مسؤولون عراقيون إن المهندس هو الذراع الأيمن لقاسم سليماني قائد فيلق القدس وهو جزء من الحرس الثوري الإيراني. وقال معين الكاظمي أحد قادة منظمة بدر في غرب بغداد إن الصداقة التي تربط بين المهندس وسليماني والعامري منذ 20 عاما «ساعدت بشكل كبير في تنظيم صفوف الحشد الشعبي وإنشاء قوة عملت على تحقيق نصر عجز عن تحقيقه 250 ألف جندي عراقي و600 ألف شرطي من وزارة الداخلية». وأضاف أن فريق القيادة الرئيسي يتشاور عادة لمدة 3 أو 4 أسابيع قبل أي حملات عسكرية كبيرة. وتابع أن سليماني «يشارك في مركز قيادة العمليات من وقت ابتداء المعركة وحتى انتهائها وآخر شيء يفعله هو زيارة جرحى المعارك في المستشفى».
وأرسل الإيرانيون أيضا قوات. وقال مسؤولون أكراد إنه عندما اقترب مقاتلو «داعش» من الحدود مع إيران الصيف الماضي أرسلت طهران وحدات مدفعية لقتالهم. وقال فريد اسرسد، المسؤول الكبير في إقليم كردستان العراق، إن القوات الإيرانية كثيرا ما تعمل مع القوات العراقية مضيفا أن جنود البيشمركة الأكراد في شمال العراق تعاملوا «مع الأمور الفنية مثل التعرف على الأهداف في المعركة ولكن الإيرانيين كانوا يتولون أمر إطلاق الصواريخ ونيران المدفعية».
بدوره، قال الكاظمي إن المستشارين الإيرانيين في العراق ساعدوا في كل شيء من التكتيكات إلى تزويد الفصائل شبه العسكرية بقدرات خاصة مثل الطائرات بلا طيار والاتصالات بما في ذلك المراقبة الإلكترونية والاتصالات اللاسلكية، مضيفا أن «الأميركيين كانوا موجودين طيلة هذه السنين مع الجيش العراقي ولم يعلموهم مطلقا كيفية استخدام الطائرات المسيرة أو كيفية استعمال وتشغيل شبكة متطورة من الاتصالات أو كيفية اعتراض اتصالات العدو».
من بين الفصائل الشيعية التي تظهر نفوذ إيران في العراق «سرايا الخراساني» التي تشكلت عام 2013 استجابة لدعوة خامنئي للقتال في سوريا ثم بعد ذلك في العراق. ويقع مقر سرايا الخراساني في شرق بغداد داخل مجمع حكومي يضم مكاتب وزراء وأعضاء في البرلمان. ويصف قائدها علي الياسري الجماعة ومنظمة بدر وجماعات أخرى بـ«روح» لجنة الحشد الشعبي العراقية.
لكن لا يتفق الجميع معه في الرأي. فقد انتقد مسؤول شيعي كبير في الحكومة العراقية سرايا الخراساني وجماعات أخرى قائلا إنها ليست سوى أدوات في يد طهران. وأضاف: «إنها جماعة إيرانية الصنع (..) وهي فعالة للغاية بسبب علاقاتها الوثيقة بالإيرانيين من أجل الحصول على أسلحة وذخيرة».



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.