وثائق جديدة عن جبران خليل جبران مع ترجمة «هذا الرجل من لبنان»

هدية ثمينة في الذكرى التسعين لغيابه

شبان لبنانيون في بوسطن يحملون نعش جبران خارجين من محطة القطار الجنوبية لدى وصوله من نيويورك
شبان لبنانيون في بوسطن يحملون نعش جبران خارجين من محطة القطار الجنوبية لدى وصوله من نيويورك
TT

وثائق جديدة عن جبران خليل جبران مع ترجمة «هذا الرجل من لبنان»

شبان لبنانيون في بوسطن يحملون نعش جبران خارجين من محطة القطار الجنوبية لدى وصوله من نيويورك
شبان لبنانيون في بوسطن يحملون نعش جبران خارجين من محطة القطار الجنوبية لدى وصوله من نيويورك

كان لا بد من مرور تسعين سنة على وفاة جبران خليل جبران، لنرى كتاب «هذا الرجل من لبنان» الذي كتبته باربره يونغ بالإنجليزية، وقد ترجم إلى العربية في نسخة أنيقة وترجمة بلغة ممتازة وسلسة أنجزها الشاعر اللبناني هنري زغيب. ويونغ هي الشاعرة الأميركية التي رافقت جبران في السنوات السبع الأخيرة من حياته، وكان يملي عليها، ويروي لها، ويسر، حتى باتت تعرف دقائق وتفاصيل حياته. وهي التي رافقت جثمانه من أميركا إلى لبنان، ليرتاح في بلدته بشري كما أحب، ويتحول المكان الذي وُري فيه، وهو دير مار سركيس إلى متحف وقبلة للزائرين. وفي لبنان وضعت يونغ هذا الكتاب الذي أصبح بين أيدينا اليوم.
وقد قام «مركز التراث اللبناني» في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت، بمبادرة تثمن حين أجرى اتصالاته قبل سنوات مع دار النشر الأميركية «كنوف»، وحصل على الحقوق، ليصدر النص بالعربية، غنياً بالحواشي، والمعلومات، مضافة إليه عدد من النصوص التي كتبت حول جبران، ووثائق جديدة أميركية ولبنانية، بعضها يطلع عليها القارئ للمرة الأولى.
الكتاب كان قد ترجم في ستينات القرن الماضي، دون إذن أو شراء حقوق، وتاهت تلك الترجمة، ولم يعد يسمع بها أحد. لذلك فإن الترجمة الحالية مع الإضافات والإيضاحات والشروحات التي زود بها الكتاب، تقدم للباحث مادة دقيقة ودسمة حول أدب جبران وحياته، وما رافق إصدار العديد من كتبه التي أملاها على الشاعرة باربره يونغ، «رمل وزبد»، و«يسوع ابن الإنسان»، و«آلهة الأرض»، و«حديقة النبي». هذا الكتاب الأخير توفي جبران قبل أن ينهي إملاءه عليها، لهذا يقال إنها أضافت من عندياتها. على هذا يجيب الشاعر هنري زغيب «أن ملازمة يونغ للشاعر طوال سنوات، جعلها ماهرة في التماهي مع أسلوبه، وقادرة على جمع نثار أوراقه وسد ثغراتها».
كتاب «هذا الرجل من لبنان» مؤلف من ثلاثة أجزاء، الأول منه هو نص باربره يونغ، أما الثاني فهو مجموعة نصوص متفرقة عن جبران صدرت في نيويورك بعد وفاته، تحكي عن: مأتمه في بوسطن ونقل رفاته إِلى لبنان، وندوات لاحقة حول كتاباته ولوحاته، وذكريات رفاقه عنه في «الرابطة القلمية»، ووصْف «صومعته» في نيويورك، وانكشاف رسائل الحب بينه وبين ماري هاسكل، وقصائد لجبران بالإنجليزية غير منشورة (مع ترجمتها). وفي هذا الجزء معلومات موثقة عن دير مار سركيس وكيفية تحويله متحفاً وضريحاً، إضافة إلى مسرحيتين بالإنجليزية غير معروفتين لجبران، ومعلومات جديدة عن فرجينيا حلو مكتشفة رسائل جبران وماري هاسكل في جامعة نورث كارولاينا، ومقال جديد غير معروف لميخائيل نعيمة سنة 1964 عن «النبي»، وكتابات ونصوص أخرى بالإنجليزية والعربية غير معروفة لجبران وعنه. وعدد مهم من هذه النصوص جمعت من مجلات في المهجر. أما الجزء الثالث من الكتاب فيضم مجموعة من نحو 100 صورة ووثيقة جديدة عن جبران تصدر للمرة الأُولى، منها طبعات كتبه العربية الأُولى، وبطاقة أميركية رسمية تثبت أنه لم يطلب الجنسية الأميركية، وصور فوتوغرافية وثائقية غير معروفة.
ومن خلال النصوص المنشورة عن جبران التي جمعت في القسم الثاني، نعرف أن جثمان جبران وصل إلى مرفأ بيروت، صباح الجمعة 21 أغسطس (آب) من عام 1931، مغطى بعلم لبنان، وكان في استقباله وفد رسمي. وعند وصول النعش أرض الميناء، «تقدم وزير المعارف جبران تويني وعلق على صدر الشاعر وسام الفنون الجميلة الذي منحته إياه الحكومة بمرسوم خاص بعد وفاته، ثم تهيأ ليدخل عاصمة بلاده». ومن المرفأ نقل الجثمان إلى الكاتدرائية المارونية في بيروت، وتلاقت الجموع لاستقبال جبران العائد، في تقدير يصفه الكتاب بأنه «لم يسبق له مثيل». وأقيم له إضافة إلى الاحتفال الديني، احتفال آخر في «التياترو الكبير»، قبل أن ينتقل النعش إلى بشري وسط حشود اجتمعت لوداعه في كل بلدة مر بها.
وكان جبران قد دفن مؤقتاً في بوسطن، قبل أن يتم نقل جثمانه إلى لبنان على متن الباخرة بروفيدنس. تفاصيل التفاصيل في الكتاب، صورة للسفينة، وأخرى لأعضاء لجنة التكريم عند وصول الجثمان، وكذلك صورة من الاحتفال في التياترو الكبير. ومن لطيف ما نقرأه، برنامج كل حفل تأبين أقيم للراحل في بيروت وبشري وأسماء المتحدثين ووفق أي ترتيب.
وبالعودة إلى نص يونغ الذي يستغرق أكثر من 200 صفحة من أصل ما يقارب 600 يتكون منها المؤلف، فهو حقاً عن حياة جبران، وحميمات كثيرة عايشتها يونغ مع كاتبها الذي نظرت إليه كصاحب عبقرية استثنائية. وهي لا تكتب فقط عن الفترة التي عايشته خلالها بل عن طفولته وعائلته، ووطنيته، ومزاجه، وكيف كان يكتب، وعلاقته بالأديان.
ويصف هنري زغيب نص يونغ بأنه عبارة عن «هاجيوغرافيا» لا «بيوغرافيا»، ويقصد بذلك أنها كتبت عن جبران كما يكتب عن القديسين، وأحاطته بهالة من التعظيم والتسامي والرفعة. ويشرح ذلك بالقول إنها «من هيبته أمامها ورهبتها أمامه، رأت فيه متفوقاً أعلى من إنسان عادي ونبوياً أبعد من رجل بشري، فقاربته هاجيوغرافياً».
تحكي يونغ عن صدور «الأرواح المتمردة»، عندما كان جبران لا يزال في مطلع العمر. وتصف الكتاب بأنه كان «أول قبضة حرية» رفعها الشاب في وجه الدولة العثمانية، وكانت النتيجة أنه أحرق في بيروت، وهذا لم يعن له شيئاً، باستثناء «أنه سبب ممتاز ليصار إلى إصدار طبعة جديدة من الكتاب». وغضبت الكنيسة أيضاً، وعاقبت جبران بالحرم الكنسي، وأصدرت الدولة أمراً بنفيه، سقط تلقائياً عام 1908 مع تشكيل حكومة جديدة في تركيا. وتلك لم تكن الحملات الوحيدة التي تعرض لها جبران فقد انفلتت تكراراً حملات قاسية ضده حتى في أميركا، وسئل ذات مرة: «ما الذي أنت محاولاً إنشاءه؟ طقس عبادة جديد؟»، وكانت الإجابة دائماً هي قناعة بوحدة الطريق إلى الإيمان.
أما أول كتاب صدر له بالإنجليزية فكان «المجنون» سنة 1918، وهو في 70 صفحة جزء منه كتبه بالعربية أولاَ قبل أن يترجمه إلى الإنجليزية، وفيه نصوص وقصص، كتبها في مطلع شبابه، لذا فإن روح الشرق هي الغالبة على الكتاب.
ومن بين ما تخبرنا به يونغ، كيف كتب جبران مؤلفه «النبي»، معتبرة أن كتابي «المجنون» و«السابق»، كانا تمهيداً له. تقول يونغ بأن «النبي» يختلف عن سابقاته لأنه لم يبدأه باللغة العربية. «كتبه وهو يذرع محترفه، خطوات ساهمة، متوقفاً أحياناً ليدون على ورقة بيضاء، ثم مواصلاً ذرعه، ومتمشياً ليالي كاملة وسط غابات سنترال بارك في رياح الشمال القاسية، أو صيفاً وسط غابات الشاطئ في منتجع كوهاسيت، محولاً سحر عربية جبران إلى سحر إنجليزيته، ولم يصدر مطبوعاً هذا الكتاب المدهش إلا بعدما خطته يد جبران خمس مرات في خمس سنوات».
وحسبما تشرح الشاعرة، فإن الكتابة بالنسبة لجبران بالإنجليزية مباشرة، كانت أمراً شاقاً، لكنه كان يتغلب على ذلك، بأن يفكر بالعربية ماشياً، ويملي كلماته من دون أن يقطع تفكيره بالجلوس إلى الطاولة.
كتاب «النبي» لم يجد ذاك الصدى الكبير عند صدوره، بل أخذ ينتشر تدريجياً، وبفعل الترويج والجهد المستمرين. ومما ترويه يونغ أيضاً أن مقاطع من الكتاب كانت تقرأ في كنيسة القديس مرقص (الباوري، أسفل مانهاتن) وهي إحدى أقدم الكنائس في المدينة، وكان ذلك يتم في طقس شبه ديني. وفي هذه الكنيسة تحديداً كانت أول قراءة علنية أو جهورية من الكتاب بعيد صدوره. وهناك وعلى صوت موسيقى الأرغن كانت تقام قراءات طقسية مسائية، لما أطلق عليه «أناشيد خليل، شاعرٌ، نبي من لبنان». وهي احتفالات كان ينظمها الدكتور وليم نورمان غثري، الذي تشكل لديه إيمان راسخ بجبران.
ويونغ كشاعرة لا ترى أي وجه شبه بين جبران ووليم بلايك، باستثناء أنهما شاعران ورسامان صوفيان. رغم أن رودان كان قد قال «إن جبران هو وليم بلايك القرن العشرين».
كذلك تتحدث يونغ طويلاً في كتابها، عن جبران الرسام، عن لوحاته، وتتلمذه في باريس، وكواليس رسمه لبعض اللوحات، منها لوحة «الأعمى» التي أراد من خلالها أن يقول بأن الناس في العالم يعانون من فقر مادي وروحي، وما يعنيه هو عميان القلوب والعقول. كانت رغبته «أن يبدع بالكلمات والصور معاً، معنى الجمال، والحقيقة، وجوهر الحياة». وكي يعيش حياة فنية كاملة، حين انتقل من بوسطن إلى نيويورك، اتخذ لها محترفاً في شارع مخصص بأكمله لسكنى وعمل الرسامين والنحاتين.
نادراً ما نقرأ عن علاقة جبران باللغة العربية، وهو ما خصصت له يونغ صفحات حملت عنوان «سحر اللغة العربية» التي لم ينقطع عن الكتابة بها منذ وضع كتابه الأول بالعربية «الموسيقى» حتى وفاته، لكنه أيضاً لم ينقطع عن القراءة بها. «ظل جبران حتى آخر حياته يكتب بلغته الأم الغالية على قلبه ومشاعره. ومع مرور الأشهر كان يحب أن يقرأ بها جهورياً ويلتذ بسماع رنة كلماتها». ومما كان يحلو له فعله أن يقرأ في الكتاب المقدس بالعربية، ويترجم بعض آياته ليقارنها بالترجمة الإنجليزية المتوفرة. وتضيف: «ومما آسف له بكل ندم، أنني لم أدون لحظتئذ ترجمته تلك الآيات من العربية إلى إنجليزية مصقولة، وأحياناً بارعة، كم كنت أود حفظها». فهو بحسب ما تشرح كان يرى أن الترجمة الإنجليزية المتوفرة «تبتعد عن المعاني الأساسية التي كانت ماثلة في باله وهو يؤلف (يسوع ابن الإنسان)».
كتاب غاية في الأهمية، وهدية استثنائية لجبران ومحبيه بعد عشرة عقود على رحيله.



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة