وثائق جديدة عن جبران خليل جبران مع ترجمة «هذا الرجل من لبنان»

هدية ثمينة في الذكرى التسعين لغيابه

شبان لبنانيون في بوسطن يحملون نعش جبران خارجين من محطة القطار الجنوبية لدى وصوله من نيويورك
شبان لبنانيون في بوسطن يحملون نعش جبران خارجين من محطة القطار الجنوبية لدى وصوله من نيويورك
TT

وثائق جديدة عن جبران خليل جبران مع ترجمة «هذا الرجل من لبنان»

شبان لبنانيون في بوسطن يحملون نعش جبران خارجين من محطة القطار الجنوبية لدى وصوله من نيويورك
شبان لبنانيون في بوسطن يحملون نعش جبران خارجين من محطة القطار الجنوبية لدى وصوله من نيويورك

كان لا بد من مرور تسعين سنة على وفاة جبران خليل جبران، لنرى كتاب «هذا الرجل من لبنان» الذي كتبته باربره يونغ بالإنجليزية، وقد ترجم إلى العربية في نسخة أنيقة وترجمة بلغة ممتازة وسلسة أنجزها الشاعر اللبناني هنري زغيب. ويونغ هي الشاعرة الأميركية التي رافقت جبران في السنوات السبع الأخيرة من حياته، وكان يملي عليها، ويروي لها، ويسر، حتى باتت تعرف دقائق وتفاصيل حياته. وهي التي رافقت جثمانه من أميركا إلى لبنان، ليرتاح في بلدته بشري كما أحب، ويتحول المكان الذي وُري فيه، وهو دير مار سركيس إلى متحف وقبلة للزائرين. وفي لبنان وضعت يونغ هذا الكتاب الذي أصبح بين أيدينا اليوم.
وقد قام «مركز التراث اللبناني» في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت، بمبادرة تثمن حين أجرى اتصالاته قبل سنوات مع دار النشر الأميركية «كنوف»، وحصل على الحقوق، ليصدر النص بالعربية، غنياً بالحواشي، والمعلومات، مضافة إليه عدد من النصوص التي كتبت حول جبران، ووثائق جديدة أميركية ولبنانية، بعضها يطلع عليها القارئ للمرة الأولى.
الكتاب كان قد ترجم في ستينات القرن الماضي، دون إذن أو شراء حقوق، وتاهت تلك الترجمة، ولم يعد يسمع بها أحد. لذلك فإن الترجمة الحالية مع الإضافات والإيضاحات والشروحات التي زود بها الكتاب، تقدم للباحث مادة دقيقة ودسمة حول أدب جبران وحياته، وما رافق إصدار العديد من كتبه التي أملاها على الشاعرة باربره يونغ، «رمل وزبد»، و«يسوع ابن الإنسان»، و«آلهة الأرض»، و«حديقة النبي». هذا الكتاب الأخير توفي جبران قبل أن ينهي إملاءه عليها، لهذا يقال إنها أضافت من عندياتها. على هذا يجيب الشاعر هنري زغيب «أن ملازمة يونغ للشاعر طوال سنوات، جعلها ماهرة في التماهي مع أسلوبه، وقادرة على جمع نثار أوراقه وسد ثغراتها».
كتاب «هذا الرجل من لبنان» مؤلف من ثلاثة أجزاء، الأول منه هو نص باربره يونغ، أما الثاني فهو مجموعة نصوص متفرقة عن جبران صدرت في نيويورك بعد وفاته، تحكي عن: مأتمه في بوسطن ونقل رفاته إِلى لبنان، وندوات لاحقة حول كتاباته ولوحاته، وذكريات رفاقه عنه في «الرابطة القلمية»، ووصْف «صومعته» في نيويورك، وانكشاف رسائل الحب بينه وبين ماري هاسكل، وقصائد لجبران بالإنجليزية غير منشورة (مع ترجمتها). وفي هذا الجزء معلومات موثقة عن دير مار سركيس وكيفية تحويله متحفاً وضريحاً، إضافة إلى مسرحيتين بالإنجليزية غير معروفتين لجبران، ومعلومات جديدة عن فرجينيا حلو مكتشفة رسائل جبران وماري هاسكل في جامعة نورث كارولاينا، ومقال جديد غير معروف لميخائيل نعيمة سنة 1964 عن «النبي»، وكتابات ونصوص أخرى بالإنجليزية والعربية غير معروفة لجبران وعنه. وعدد مهم من هذه النصوص جمعت من مجلات في المهجر. أما الجزء الثالث من الكتاب فيضم مجموعة من نحو 100 صورة ووثيقة جديدة عن جبران تصدر للمرة الأُولى، منها طبعات كتبه العربية الأُولى، وبطاقة أميركية رسمية تثبت أنه لم يطلب الجنسية الأميركية، وصور فوتوغرافية وثائقية غير معروفة.
ومن خلال النصوص المنشورة عن جبران التي جمعت في القسم الثاني، نعرف أن جثمان جبران وصل إلى مرفأ بيروت، صباح الجمعة 21 أغسطس (آب) من عام 1931، مغطى بعلم لبنان، وكان في استقباله وفد رسمي. وعند وصول النعش أرض الميناء، «تقدم وزير المعارف جبران تويني وعلق على صدر الشاعر وسام الفنون الجميلة الذي منحته إياه الحكومة بمرسوم خاص بعد وفاته، ثم تهيأ ليدخل عاصمة بلاده». ومن المرفأ نقل الجثمان إلى الكاتدرائية المارونية في بيروت، وتلاقت الجموع لاستقبال جبران العائد، في تقدير يصفه الكتاب بأنه «لم يسبق له مثيل». وأقيم له إضافة إلى الاحتفال الديني، احتفال آخر في «التياترو الكبير»، قبل أن ينتقل النعش إلى بشري وسط حشود اجتمعت لوداعه في كل بلدة مر بها.
وكان جبران قد دفن مؤقتاً في بوسطن، قبل أن يتم نقل جثمانه إلى لبنان على متن الباخرة بروفيدنس. تفاصيل التفاصيل في الكتاب، صورة للسفينة، وأخرى لأعضاء لجنة التكريم عند وصول الجثمان، وكذلك صورة من الاحتفال في التياترو الكبير. ومن لطيف ما نقرأه، برنامج كل حفل تأبين أقيم للراحل في بيروت وبشري وأسماء المتحدثين ووفق أي ترتيب.
وبالعودة إلى نص يونغ الذي يستغرق أكثر من 200 صفحة من أصل ما يقارب 600 يتكون منها المؤلف، فهو حقاً عن حياة جبران، وحميمات كثيرة عايشتها يونغ مع كاتبها الذي نظرت إليه كصاحب عبقرية استثنائية. وهي لا تكتب فقط عن الفترة التي عايشته خلالها بل عن طفولته وعائلته، ووطنيته، ومزاجه، وكيف كان يكتب، وعلاقته بالأديان.
ويصف هنري زغيب نص يونغ بأنه عبارة عن «هاجيوغرافيا» لا «بيوغرافيا»، ويقصد بذلك أنها كتبت عن جبران كما يكتب عن القديسين، وأحاطته بهالة من التعظيم والتسامي والرفعة. ويشرح ذلك بالقول إنها «من هيبته أمامها ورهبتها أمامه، رأت فيه متفوقاً أعلى من إنسان عادي ونبوياً أبعد من رجل بشري، فقاربته هاجيوغرافياً».
تحكي يونغ عن صدور «الأرواح المتمردة»، عندما كان جبران لا يزال في مطلع العمر. وتصف الكتاب بأنه كان «أول قبضة حرية» رفعها الشاب في وجه الدولة العثمانية، وكانت النتيجة أنه أحرق في بيروت، وهذا لم يعن له شيئاً، باستثناء «أنه سبب ممتاز ليصار إلى إصدار طبعة جديدة من الكتاب». وغضبت الكنيسة أيضاً، وعاقبت جبران بالحرم الكنسي، وأصدرت الدولة أمراً بنفيه، سقط تلقائياً عام 1908 مع تشكيل حكومة جديدة في تركيا. وتلك لم تكن الحملات الوحيدة التي تعرض لها جبران فقد انفلتت تكراراً حملات قاسية ضده حتى في أميركا، وسئل ذات مرة: «ما الذي أنت محاولاً إنشاءه؟ طقس عبادة جديد؟»، وكانت الإجابة دائماً هي قناعة بوحدة الطريق إلى الإيمان.
أما أول كتاب صدر له بالإنجليزية فكان «المجنون» سنة 1918، وهو في 70 صفحة جزء منه كتبه بالعربية أولاَ قبل أن يترجمه إلى الإنجليزية، وفيه نصوص وقصص، كتبها في مطلع شبابه، لذا فإن روح الشرق هي الغالبة على الكتاب.
ومن بين ما تخبرنا به يونغ، كيف كتب جبران مؤلفه «النبي»، معتبرة أن كتابي «المجنون» و«السابق»، كانا تمهيداً له. تقول يونغ بأن «النبي» يختلف عن سابقاته لأنه لم يبدأه باللغة العربية. «كتبه وهو يذرع محترفه، خطوات ساهمة، متوقفاً أحياناً ليدون على ورقة بيضاء، ثم مواصلاً ذرعه، ومتمشياً ليالي كاملة وسط غابات سنترال بارك في رياح الشمال القاسية، أو صيفاً وسط غابات الشاطئ في منتجع كوهاسيت، محولاً سحر عربية جبران إلى سحر إنجليزيته، ولم يصدر مطبوعاً هذا الكتاب المدهش إلا بعدما خطته يد جبران خمس مرات في خمس سنوات».
وحسبما تشرح الشاعرة، فإن الكتابة بالنسبة لجبران بالإنجليزية مباشرة، كانت أمراً شاقاً، لكنه كان يتغلب على ذلك، بأن يفكر بالعربية ماشياً، ويملي كلماته من دون أن يقطع تفكيره بالجلوس إلى الطاولة.
كتاب «النبي» لم يجد ذاك الصدى الكبير عند صدوره، بل أخذ ينتشر تدريجياً، وبفعل الترويج والجهد المستمرين. ومما ترويه يونغ أيضاً أن مقاطع من الكتاب كانت تقرأ في كنيسة القديس مرقص (الباوري، أسفل مانهاتن) وهي إحدى أقدم الكنائس في المدينة، وكان ذلك يتم في طقس شبه ديني. وفي هذه الكنيسة تحديداً كانت أول قراءة علنية أو جهورية من الكتاب بعيد صدوره. وهناك وعلى صوت موسيقى الأرغن كانت تقام قراءات طقسية مسائية، لما أطلق عليه «أناشيد خليل، شاعرٌ، نبي من لبنان». وهي احتفالات كان ينظمها الدكتور وليم نورمان غثري، الذي تشكل لديه إيمان راسخ بجبران.
ويونغ كشاعرة لا ترى أي وجه شبه بين جبران ووليم بلايك، باستثناء أنهما شاعران ورسامان صوفيان. رغم أن رودان كان قد قال «إن جبران هو وليم بلايك القرن العشرين».
كذلك تتحدث يونغ طويلاً في كتابها، عن جبران الرسام، عن لوحاته، وتتلمذه في باريس، وكواليس رسمه لبعض اللوحات، منها لوحة «الأعمى» التي أراد من خلالها أن يقول بأن الناس في العالم يعانون من فقر مادي وروحي، وما يعنيه هو عميان القلوب والعقول. كانت رغبته «أن يبدع بالكلمات والصور معاً، معنى الجمال، والحقيقة، وجوهر الحياة». وكي يعيش حياة فنية كاملة، حين انتقل من بوسطن إلى نيويورك، اتخذ لها محترفاً في شارع مخصص بأكمله لسكنى وعمل الرسامين والنحاتين.
نادراً ما نقرأ عن علاقة جبران باللغة العربية، وهو ما خصصت له يونغ صفحات حملت عنوان «سحر اللغة العربية» التي لم ينقطع عن الكتابة بها منذ وضع كتابه الأول بالعربية «الموسيقى» حتى وفاته، لكنه أيضاً لم ينقطع عن القراءة بها. «ظل جبران حتى آخر حياته يكتب بلغته الأم الغالية على قلبه ومشاعره. ومع مرور الأشهر كان يحب أن يقرأ بها جهورياً ويلتذ بسماع رنة كلماتها». ومما كان يحلو له فعله أن يقرأ في الكتاب المقدس بالعربية، ويترجم بعض آياته ليقارنها بالترجمة الإنجليزية المتوفرة. وتضيف: «ومما آسف له بكل ندم، أنني لم أدون لحظتئذ ترجمته تلك الآيات من العربية إلى إنجليزية مصقولة، وأحياناً بارعة، كم كنت أود حفظها». فهو بحسب ما تشرح كان يرى أن الترجمة الإنجليزية المتوفرة «تبتعد عن المعاني الأساسية التي كانت ماثلة في باله وهو يؤلف (يسوع ابن الإنسان)».
كتاب غاية في الأهمية، وهدية استثنائية لجبران ومحبيه بعد عشرة عقود على رحيله.



شعراء الحب الجسدي في الجاهلية

صورة متخيلة لامرىء القيس
صورة متخيلة لامرىء القيس
TT

شعراء الحب الجسدي في الجاهلية

صورة متخيلة لامرىء القيس
صورة متخيلة لامرىء القيس

إذا كان للعرب الجاهليين من الأسباب والدوافع وظروف الحياة، ما يجعلهم يرون في المرأة الملاذ الذي يوفر لهم سبل الطمأنينة والبهجة، والماء الذي يعصمهم من الظمأ، فإن نظرتهم إلى الحب وتعبيراته العاطفية والحسية لم تنشأ في فراغ التصورات، بل أملتها عوامل مختلفة بينها علاقتهم الملتبسة بالغيب، وشحّ المصادر المولدة للمتعة في عالمهم المحكوم بالقسوة والشظف والتنازع على البقاء، وصولاً إلى تقاليد القبيلة وأعرافها ونظام قيمها الجمعي. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن المعتقدات والأديان السماوية لم تكن غائبة تماماً عن أذهان الجاهليين، كما هو حال اليهودية والنصرانية والحنفية التي لفحت حياتهم ببعض النسائم الروحية والإيمانية، فإن من غير الجائز أن ننظر إلى تلك الحقبة بوصفها موازية للتحلل الأخلاقي الغرائزي، دون أن نغض النظر بالمقابل عن نزوع الجاهليين إلى «جسدنة» العالم وتسييله في المرئيات، لمعرفته بشكل أفضل.

كما أن الحديث عن الحب في إطار من الثنائية المانوية بين الجسد والروح، هو مجافاة للحقيقة الموزعة بين خانات كثيرة، وللطبيعة البشرية التي يتصارع داخلها الكثير من الميول والنوازع. ففي أعماق كل حب شهواني ثمة رسائل قادمة من جهة الروح، وفي كل حب متعفف ثمة توق جارف لمعانقة الآخر المعشوق واحتضانه وملامسة وجوده المادي. ومع أن أحداً لا ينكر التباين القائم بين طبيعتي الحب الحسية والروحية، إلا أنه تباين في الدرجات والنِّسب وليس في المطلق. صحيح أن هاجس اللذة، وفق ابن الدباغ، يلاحق النفوس على اختلافها، ولكن لكل واحدة من هذه النفوس مفهومها الخاص للذة، فضلاً عن أن النفس تتدرج في مستويات شغفها بالآخر، فهي إذ تمعن بداية في الشهوات البدنية ثم «تتوجه إلى حب اللذات الروحانية ويصير حبها للصفات المعنوية أكثر كمالاً».

طرفة بن العبد (رسم تخيلي)

وإذا كان الجاهليون على نحو عام قد أولوا المرأة عنايةً خاصةً في شعرهم وحياتهم، فهم أظهروا، شأن البشر منذ أقدم العصور، انقساماً واضحاً بين من رفعوا راية التعفف والانقطاع لامرأة واحدة، كما فعل عبد الله بن عجلان وعنترة والمرقّشان الأكبر والأصغر، ومن رفعوا راية الحواس وجنحوا إلى تعدد العلاقات، وأسرفوا في نشدان المتع المبهجة التي يوفرها الجسد الأنثوي، كما كان حال امرئ القيس والأعشى والمنخل اليشكري، دون أن نغفل الرؤية الوجودية العميقة لطرفة بن العبد، الذي لم يجد وسيلة لإبعاد مخاوفه المؤرقة، أفضل من امرأة سمينة يختلي بها في الظلام الممطر.

ولسنا نجافي الحقيقة بشيء إذا اعتبرنا امرأ القيس أحد أكثر الشعراء الجاهليين احتفاء بالمرأة والحياة. وهي ميزة لا تعود أسبابها إلى تكوينه الشخصي وحده، بل أملاها وضعه الاجتماعي المترف، كابن ملك مقتدر، بما يسّر له سبل الانصراف إلى نشدان اللذة وإغواء النساء، بكافة أشكالهن ومواقعهن وأنماط عيشهن. كما أن الفترة القاسية التي أعقبت مقتل أبيه المأساوي، ومحاولاته المضنية للثأرمن القتلة واستعادة ملْكه، لم تقلل من تعلقه بالمرأة، التي رأى فيها الظهير المترع بالرقة الذي يخفف عنه شعوره بالوحشة والخذلان.

ومع أن افتتاحية معلقة الملك الضليل لا تعكس من مشاعره سوى وقوفه الحزين على أطلال فراديسه المنقضية، فإن رغباته الشهوانية الجامحة سرعان ما تكشف عن نفسها في متون المعلقة نفسها، حيث لا يكتفي الشاعر بالكشف عن طرق استدراجه لامرأته المعشوقة، بل عن ميله الملح إلى العلاقات القصيرة والمتعددة. وهو إذ يُظهر خبرة عميقة بطباع النساء، لا يتردد في سرد مغامراته على مسامع حبيباته العديدات، مذكياً نيران الغيرة في دواخلهن، كما فعل مع عنيزة التي لم تكد تبدي القليل من التذمر، بعد أن عقر بعيره ليشاطرها الهودج الضيق، حتى أخذ يتباهى أمامها بمغامراته المتهورة مع النساء الأخريات:

وبيضةِ خدْرٍ لا يُرام خباؤها

تمتعتُ من لهوٍ بها غير مُعجَلِ

فجئتُ وقد نضَّتْ لنومٍ ثيابها

لدى الستر إلا لبْسة المتفضّلِ

فقالت يمينُ الله ما لكَ حيلةٌ

وما أن أرى عنك العمايةَ تنجلي

اللافت أن مملكة امرئ القيس النسائية، لم تكن تقتصر على اثنتين أو ثلاث من النساء، بل تخطت طموحاته هذا العدد بكثير، كما يظهر في سيرته وشعره. وقد عمل بعض النقاد على تعقب النساء اللواتي وردت أسماؤهن في ديوانه، فأحصوا من بينهن أسماء هند وسليمى وماوية وهرّ وفرْتنا وفاطمة وهريرة وليلى وسمية وجُبيْرة وسلمى وأم الحارث وأم الرباب.

الملاحظ أن العديد من الشعراء الجاهليين لم يولوا أهمية تُذكر للأعراف الاجتماعية والأخلاقية، الأمر الذي يفسر تفضيل بعضهم للمرأة المتزوجة على ما عداها من النساء. كأنهم كانوا يجدون في العلاقة المحرمة متعة إضافية لا توازيها المتع السهلة والمشروعة. وهذا النزوع إلى هتك القيم والأعراف السائدة، لم يقتصر على امرئ القيس وحده، بل يكشف عنه الأعشى في العديد من قصائده، ويتحدث في إحداها عن تتبعه المضني لزوج معشوقته الغيور، حتى إذا آنس منه غفلة مؤاتية، أسرع في الحصول على مبتغاه، دون أن يجد حرجاً في تشبيه تلك المعشوقة بالشاة التي غفلت عنها عين الراعي:

فظللتُ أرعاها وظلّ يحوطها

حتى دنوتُ إذ الظلامُ دنا لها

فرميتُ غفلة عينهِ عن شاته

فأصبتُ حبةَ قلبها وطحالّها

حفظَ النهارَ وبات عنها غافلاً

فخلَتْ لصاحب لذةٍ وخلا لها

أما النابغة الذبياني فلم تمنعه سطوة النعمان بن المنذر، من أن ينظم في زوجته الفاتنة قصيدة إباحية يعرض فيها لتفاصيل جسدها العاري، بعد أن سقط ثوبها عنها دون قصد، كما يشير الشاعر، أو بقصد ماكر كما يظهر من شغفها المفرط بالرجال. وإذ أثار تشبيب النابغة بالمرأة شبه العارية، حفيظة النعمان وغضبه الشديد، عمد الشاعر المرتعد خوفاً إلى الفرار بعيداً عن هلاكه المحتوم، قبل أن يستعيد رضا الملك في وقت لاحق. ولا بد لمن يتتبع أبيات القصيدة من الشعور بأنه إزاء رسام بارع يجمع بين التقصي النفسي لأحوال المرأة الماكرة، وبين الوصف التفصيلي لمفاتنها الجسدية.

وإذ افتتن المنخّل اليشكري بدوره بجمال زوجة النعمان، فإن الشاعر المعروف بوسامته، لم يذهب بعيداً في الكشف عن مواصفاتها الجسدية والجمالية، لا بسبب تعففه واحتشامه، بل لأن علاقته الفعلية بالمتجردة جعلته ينصرف عن التغزل النظري بمفاتن خليلته، ليروي وقائع المغامرة الأكثر خطورةً التي قادته إلى حتفه المأساوي.

ولا أستطيع أن أختم هذه المقاربة دون الإشارة إلى نقطتين اثنتين، تتعلق أولاهما بما ذهب إليه الناقد المصري أحمد الحوفي، من أن الغزل الفاحش هو نبتٌ أجنبيٌّ تمّ نقله من الحبشة إلى اليمن وصولاً إلى مناطق الشمال، مدعياً أن الغزل المكشوف لا يمت بصلة إلى أخلاقيات العرب وقينهم وسلوكياتهم المحافظة. وهو تحليل مستهجن ومردود، ليس فقط لأنه يتعارض مع المكونات المشتركة للنفس الإنسانية التي تتشابك في داخلها ثنائيات الجسد والروح، العفة والتشهي، الرذيلة والفضيلة، بل لأنه يعكس بشكل جلي موقفاً إثنياً متعسفاً من الآخر، بوصفه مصدراً للفحش والنزوع الإباحي، مقابل تبرئة الذات الجمعية، أو تقليل حصتها من الدنس.

أما النقطة الثانية فتتمثل في إعادة التأكيد على أن اللبنات الأولى لشعرية المتعة الحسية والعشق الجسدي عند العرب، قد تم تأسيسها في الحقبة الجاهلية بالذات، بحيث تتعذر قراءة عمر بن أبي ربيعة وسحيْم والأحوص والعرجي، إلا في ضوء ما أسس له امرؤ القيس والنابغة والأعشى والمنخل اليشكري وآخرون غيرهم. وهو أمر ينسحب على الحب العفيف أو العذري بالقدر ذاته.