وثائق جديدة عن جبران خليل جبران مع ترجمة «هذا الرجل من لبنان»

هدية ثمينة في الذكرى التسعين لغيابه

شبان لبنانيون في بوسطن يحملون نعش جبران خارجين من محطة القطار الجنوبية لدى وصوله من نيويورك
شبان لبنانيون في بوسطن يحملون نعش جبران خارجين من محطة القطار الجنوبية لدى وصوله من نيويورك
TT

وثائق جديدة عن جبران خليل جبران مع ترجمة «هذا الرجل من لبنان»

شبان لبنانيون في بوسطن يحملون نعش جبران خارجين من محطة القطار الجنوبية لدى وصوله من نيويورك
شبان لبنانيون في بوسطن يحملون نعش جبران خارجين من محطة القطار الجنوبية لدى وصوله من نيويورك

كان لا بد من مرور تسعين سنة على وفاة جبران خليل جبران، لنرى كتاب «هذا الرجل من لبنان» الذي كتبته باربره يونغ بالإنجليزية، وقد ترجم إلى العربية في نسخة أنيقة وترجمة بلغة ممتازة وسلسة أنجزها الشاعر اللبناني هنري زغيب. ويونغ هي الشاعرة الأميركية التي رافقت جبران في السنوات السبع الأخيرة من حياته، وكان يملي عليها، ويروي لها، ويسر، حتى باتت تعرف دقائق وتفاصيل حياته. وهي التي رافقت جثمانه من أميركا إلى لبنان، ليرتاح في بلدته بشري كما أحب، ويتحول المكان الذي وُري فيه، وهو دير مار سركيس إلى متحف وقبلة للزائرين. وفي لبنان وضعت يونغ هذا الكتاب الذي أصبح بين أيدينا اليوم.
وقد قام «مركز التراث اللبناني» في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت، بمبادرة تثمن حين أجرى اتصالاته قبل سنوات مع دار النشر الأميركية «كنوف»، وحصل على الحقوق، ليصدر النص بالعربية، غنياً بالحواشي، والمعلومات، مضافة إليه عدد من النصوص التي كتبت حول جبران، ووثائق جديدة أميركية ولبنانية، بعضها يطلع عليها القارئ للمرة الأولى.
الكتاب كان قد ترجم في ستينات القرن الماضي، دون إذن أو شراء حقوق، وتاهت تلك الترجمة، ولم يعد يسمع بها أحد. لذلك فإن الترجمة الحالية مع الإضافات والإيضاحات والشروحات التي زود بها الكتاب، تقدم للباحث مادة دقيقة ودسمة حول أدب جبران وحياته، وما رافق إصدار العديد من كتبه التي أملاها على الشاعرة باربره يونغ، «رمل وزبد»، و«يسوع ابن الإنسان»، و«آلهة الأرض»، و«حديقة النبي». هذا الكتاب الأخير توفي جبران قبل أن ينهي إملاءه عليها، لهذا يقال إنها أضافت من عندياتها. على هذا يجيب الشاعر هنري زغيب «أن ملازمة يونغ للشاعر طوال سنوات، جعلها ماهرة في التماهي مع أسلوبه، وقادرة على جمع نثار أوراقه وسد ثغراتها».
كتاب «هذا الرجل من لبنان» مؤلف من ثلاثة أجزاء، الأول منه هو نص باربره يونغ، أما الثاني فهو مجموعة نصوص متفرقة عن جبران صدرت في نيويورك بعد وفاته، تحكي عن: مأتمه في بوسطن ونقل رفاته إِلى لبنان، وندوات لاحقة حول كتاباته ولوحاته، وذكريات رفاقه عنه في «الرابطة القلمية»، ووصْف «صومعته» في نيويورك، وانكشاف رسائل الحب بينه وبين ماري هاسكل، وقصائد لجبران بالإنجليزية غير منشورة (مع ترجمتها). وفي هذا الجزء معلومات موثقة عن دير مار سركيس وكيفية تحويله متحفاً وضريحاً، إضافة إلى مسرحيتين بالإنجليزية غير معروفتين لجبران، ومعلومات جديدة عن فرجينيا حلو مكتشفة رسائل جبران وماري هاسكل في جامعة نورث كارولاينا، ومقال جديد غير معروف لميخائيل نعيمة سنة 1964 عن «النبي»، وكتابات ونصوص أخرى بالإنجليزية والعربية غير معروفة لجبران وعنه. وعدد مهم من هذه النصوص جمعت من مجلات في المهجر. أما الجزء الثالث من الكتاب فيضم مجموعة من نحو 100 صورة ووثيقة جديدة عن جبران تصدر للمرة الأُولى، منها طبعات كتبه العربية الأُولى، وبطاقة أميركية رسمية تثبت أنه لم يطلب الجنسية الأميركية، وصور فوتوغرافية وثائقية غير معروفة.
ومن خلال النصوص المنشورة عن جبران التي جمعت في القسم الثاني، نعرف أن جثمان جبران وصل إلى مرفأ بيروت، صباح الجمعة 21 أغسطس (آب) من عام 1931، مغطى بعلم لبنان، وكان في استقباله وفد رسمي. وعند وصول النعش أرض الميناء، «تقدم وزير المعارف جبران تويني وعلق على صدر الشاعر وسام الفنون الجميلة الذي منحته إياه الحكومة بمرسوم خاص بعد وفاته، ثم تهيأ ليدخل عاصمة بلاده». ومن المرفأ نقل الجثمان إلى الكاتدرائية المارونية في بيروت، وتلاقت الجموع لاستقبال جبران العائد، في تقدير يصفه الكتاب بأنه «لم يسبق له مثيل». وأقيم له إضافة إلى الاحتفال الديني، احتفال آخر في «التياترو الكبير»، قبل أن ينتقل النعش إلى بشري وسط حشود اجتمعت لوداعه في كل بلدة مر بها.
وكان جبران قد دفن مؤقتاً في بوسطن، قبل أن يتم نقل جثمانه إلى لبنان على متن الباخرة بروفيدنس. تفاصيل التفاصيل في الكتاب، صورة للسفينة، وأخرى لأعضاء لجنة التكريم عند وصول الجثمان، وكذلك صورة من الاحتفال في التياترو الكبير. ومن لطيف ما نقرأه، برنامج كل حفل تأبين أقيم للراحل في بيروت وبشري وأسماء المتحدثين ووفق أي ترتيب.
وبالعودة إلى نص يونغ الذي يستغرق أكثر من 200 صفحة من أصل ما يقارب 600 يتكون منها المؤلف، فهو حقاً عن حياة جبران، وحميمات كثيرة عايشتها يونغ مع كاتبها الذي نظرت إليه كصاحب عبقرية استثنائية. وهي لا تكتب فقط عن الفترة التي عايشته خلالها بل عن طفولته وعائلته، ووطنيته، ومزاجه، وكيف كان يكتب، وعلاقته بالأديان.
ويصف هنري زغيب نص يونغ بأنه عبارة عن «هاجيوغرافيا» لا «بيوغرافيا»، ويقصد بذلك أنها كتبت عن جبران كما يكتب عن القديسين، وأحاطته بهالة من التعظيم والتسامي والرفعة. ويشرح ذلك بالقول إنها «من هيبته أمامها ورهبتها أمامه، رأت فيه متفوقاً أعلى من إنسان عادي ونبوياً أبعد من رجل بشري، فقاربته هاجيوغرافياً».
تحكي يونغ عن صدور «الأرواح المتمردة»، عندما كان جبران لا يزال في مطلع العمر. وتصف الكتاب بأنه كان «أول قبضة حرية» رفعها الشاب في وجه الدولة العثمانية، وكانت النتيجة أنه أحرق في بيروت، وهذا لم يعن له شيئاً، باستثناء «أنه سبب ممتاز ليصار إلى إصدار طبعة جديدة من الكتاب». وغضبت الكنيسة أيضاً، وعاقبت جبران بالحرم الكنسي، وأصدرت الدولة أمراً بنفيه، سقط تلقائياً عام 1908 مع تشكيل حكومة جديدة في تركيا. وتلك لم تكن الحملات الوحيدة التي تعرض لها جبران فقد انفلتت تكراراً حملات قاسية ضده حتى في أميركا، وسئل ذات مرة: «ما الذي أنت محاولاً إنشاءه؟ طقس عبادة جديد؟»، وكانت الإجابة دائماً هي قناعة بوحدة الطريق إلى الإيمان.
أما أول كتاب صدر له بالإنجليزية فكان «المجنون» سنة 1918، وهو في 70 صفحة جزء منه كتبه بالعربية أولاَ قبل أن يترجمه إلى الإنجليزية، وفيه نصوص وقصص، كتبها في مطلع شبابه، لذا فإن روح الشرق هي الغالبة على الكتاب.
ومن بين ما تخبرنا به يونغ، كيف كتب جبران مؤلفه «النبي»، معتبرة أن كتابي «المجنون» و«السابق»، كانا تمهيداً له. تقول يونغ بأن «النبي» يختلف عن سابقاته لأنه لم يبدأه باللغة العربية. «كتبه وهو يذرع محترفه، خطوات ساهمة، متوقفاً أحياناً ليدون على ورقة بيضاء، ثم مواصلاً ذرعه، ومتمشياً ليالي كاملة وسط غابات سنترال بارك في رياح الشمال القاسية، أو صيفاً وسط غابات الشاطئ في منتجع كوهاسيت، محولاً سحر عربية جبران إلى سحر إنجليزيته، ولم يصدر مطبوعاً هذا الكتاب المدهش إلا بعدما خطته يد جبران خمس مرات في خمس سنوات».
وحسبما تشرح الشاعرة، فإن الكتابة بالنسبة لجبران بالإنجليزية مباشرة، كانت أمراً شاقاً، لكنه كان يتغلب على ذلك، بأن يفكر بالعربية ماشياً، ويملي كلماته من دون أن يقطع تفكيره بالجلوس إلى الطاولة.
كتاب «النبي» لم يجد ذاك الصدى الكبير عند صدوره، بل أخذ ينتشر تدريجياً، وبفعل الترويج والجهد المستمرين. ومما ترويه يونغ أيضاً أن مقاطع من الكتاب كانت تقرأ في كنيسة القديس مرقص (الباوري، أسفل مانهاتن) وهي إحدى أقدم الكنائس في المدينة، وكان ذلك يتم في طقس شبه ديني. وفي هذه الكنيسة تحديداً كانت أول قراءة علنية أو جهورية من الكتاب بعيد صدوره. وهناك وعلى صوت موسيقى الأرغن كانت تقام قراءات طقسية مسائية، لما أطلق عليه «أناشيد خليل، شاعرٌ، نبي من لبنان». وهي احتفالات كان ينظمها الدكتور وليم نورمان غثري، الذي تشكل لديه إيمان راسخ بجبران.
ويونغ كشاعرة لا ترى أي وجه شبه بين جبران ووليم بلايك، باستثناء أنهما شاعران ورسامان صوفيان. رغم أن رودان كان قد قال «إن جبران هو وليم بلايك القرن العشرين».
كذلك تتحدث يونغ طويلاً في كتابها، عن جبران الرسام، عن لوحاته، وتتلمذه في باريس، وكواليس رسمه لبعض اللوحات، منها لوحة «الأعمى» التي أراد من خلالها أن يقول بأن الناس في العالم يعانون من فقر مادي وروحي، وما يعنيه هو عميان القلوب والعقول. كانت رغبته «أن يبدع بالكلمات والصور معاً، معنى الجمال، والحقيقة، وجوهر الحياة». وكي يعيش حياة فنية كاملة، حين انتقل من بوسطن إلى نيويورك، اتخذ لها محترفاً في شارع مخصص بأكمله لسكنى وعمل الرسامين والنحاتين.
نادراً ما نقرأ عن علاقة جبران باللغة العربية، وهو ما خصصت له يونغ صفحات حملت عنوان «سحر اللغة العربية» التي لم ينقطع عن الكتابة بها منذ وضع كتابه الأول بالعربية «الموسيقى» حتى وفاته، لكنه أيضاً لم ينقطع عن القراءة بها. «ظل جبران حتى آخر حياته يكتب بلغته الأم الغالية على قلبه ومشاعره. ومع مرور الأشهر كان يحب أن يقرأ بها جهورياً ويلتذ بسماع رنة كلماتها». ومما كان يحلو له فعله أن يقرأ في الكتاب المقدس بالعربية، ويترجم بعض آياته ليقارنها بالترجمة الإنجليزية المتوفرة. وتضيف: «ومما آسف له بكل ندم، أنني لم أدون لحظتئذ ترجمته تلك الآيات من العربية إلى إنجليزية مصقولة، وأحياناً بارعة، كم كنت أود حفظها». فهو بحسب ما تشرح كان يرى أن الترجمة الإنجليزية المتوفرة «تبتعد عن المعاني الأساسية التي كانت ماثلة في باله وهو يؤلف (يسوع ابن الإنسان)».
كتاب غاية في الأهمية، وهدية استثنائية لجبران ومحبيه بعد عشرة عقود على رحيله.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي