رواتب القطاع العام اللبناني تستهلك 86 % من مداخيل الدولة

TT

رواتب القطاع العام اللبناني تستهلك 86 % من مداخيل الدولة

مع الأزمة الاقتصادية الاجتماعية المتفاقمة في لبنان التي أدت إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، ارتفعت الأصوات المطالبة بزيادة الرواتب، فيما أظهرت دراسة قامت بها «الدولية للمعلومات» أن هذا المطلب، تحديداً من قبل العاملين في القطاع العام الذين سبق أن أعلنوا إضراباً ليومين، وإن كان محقاً، فإن هناك استحالة في تحقيقه لأنه يؤدي إلى مزيد من التضخم.
وفي تقريرها، لفتت «الدولية للمعلومات» إلى مطالبة العاملين في القطاع العام بزيادة رواتبهم وأجورهم وتحسين قدرتهم الشرائية التي تآكلت بفعل التضخم وارتفاع الأسعار وانهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار، مشيرة إلى أنه ليس هناك إحصاء رسمي دقيق حول عدد العاملين في مؤسسات الدولة لأسباب عدة منها تعدد التسميات الوظيفية، وأوضحت أن هذه التسميات تتراوح بين «موظف ومتعاقد وأجير ومتعامل، وغيرها»، لافتة إلى أن «الرقم يقدّر بنحو 320 ألفاً يتوزعون: 120 ألفاً في القوى الأمنية والعسكرية من جيش وقوى أمن داخلي وأمن عام وأمن دولة وشرطة مجلس النواب، و40 ألفاً في التعليم الرسمي، و30 ألفاً في الوزارات والإدارات العامة، و130 ألفاً في المؤسسات العامة والبلديات، ويضاف إلى هؤلاء نحو 120 ألفاً من المتقاعدين أكثريتهم من العسكريين والمدرسين».
وذكّر التقرير بأنه لدى إقرار سلسلة الرواتب (زيادة الرواتب) في عام 2017، كانت كلفة العاملين في القطاع العام نحو 8300 مليار ليرة (نحو 5.3 مليار دولار وفقاً لسعر الصرف الرسمي). وبعد إقرار السلسلة وإجراء توظيفات جديدة لنحو 9 آلاف موظف وزيادة الرواتب بفعل زيادة سنوات الخدمة، أصبحت كلفة رواتب وأجور العاملين والمتقاعدين حالياً نحو 12 ألف مليار ليرة سنوياً، أي ما كان يوازي 8 مليارات دولار، أي نحو 1000 مليار ليرة شهرياً، وهذه الكلفة المرتفعة تشكل نسبة 86 في المائة من إجمالي واردات الدولة اللبنانية البالغة نحو 14 ألف مليار ليرة.
ولفت التقرير إلى أنه «نتيجة الانهيار المالي والاقتصادي الذي يعيشه اللبنانيون تراجعت قدرتهم الشرائية بنسبة 85 في المائة، خصوصاً الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم وأجورهم بالليرة اللبنانية»، مشيراً بذلك إلى أن «تصحيح الرواتب والأجور وتحسين القدرة الشرائية مطلب محق وضروي، فلا يمكن لأحد العمل بأجر زهيد لا يساوي كلفة المعيشة سوى لبضعة أيام، ولكن زيادة الرواتب في القطاع العام تواجه صعوبات كثيرة».
ويلخص التقرير هذه الصعوبات بـ«ضخامة عدد العاملين، فقبل أي زيادة يجب خفض عدد العاملين ربما إلى النصف، وهذا الأمر مستحيل في ظل الأوضاع الحالية وعدم توافر فرص عمل وارتفاع في نسبة البطالة»، معتبراً أن «أي زيادة لا توازي قيمة التضخم الحاصل تكون دون جدوى، وبالتالي لو تم اعتماد نصف نسبة التضخم أي 43 في المائة فإن كلفة الزيادة قد تصل إلى 5000 مليار ليرة، لتصبح الكلفة الإجمالية للعاملين في القطاع العام نحو 17 ألف مليار ليرة، أي ما يشكل نسبة 120 في المائة من واردات الدولة».
ولفت إلى أن «هذه الزيادة يفترض أن تتم تغطيتها، إما من خلال فرض الضرائب والرسوم، وهذا غير ممكن في اقتصاد منهك ومدمر، وإما من خلال الاستدانة وزيادة الدين العام الذي ناهز 97 مليار دولار، وحتى هذه الاستدانة غير ممكنة، لأن المصارف لم تعد تملك السيولة الكافية فتصبح الاستدانة من مصرف لبنان هي الحل، وهذا يعني مزيداً من التضخم وتآكل القدرة الشرائية».
انطلاقاً من كل ذلك، يخلص التقرير إلى أن «مطلب الزيادة محق وضروري، ولكن هناك استحالة في تحقيقها، لأنها قد تؤدي إلى مزيد من التضخم وتآكل القدرة الشرائية وتحقق عكس ما هو مأمول منها».
مع العلم أن الحد الأدنى للأجور في لبنان كان محدداً بنحو 675 ألف ليرة (450 دولاراً وفق سعر الصرف السابق 1500 ليرة للدولار)، لينخفض اليوم إلى نحو 50 دولاراً مع ارتفاع سعر صرف الدولار إلى نحو 13 ألف ليرة.



الحوثيون يفرضون مقرراً دراسياً يُضفي القداسة على زعيمهم

شقيق زعيم الجماعة الحوثية يشرف على طباعة الكتب الدراسية (إعلام حوثي)
شقيق زعيم الجماعة الحوثية يشرف على طباعة الكتب الدراسية (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون يفرضون مقرراً دراسياً يُضفي القداسة على زعيمهم

شقيق زعيم الجماعة الحوثية يشرف على طباعة الكتب الدراسية (إعلام حوثي)
شقيق زعيم الجماعة الحوثية يشرف على طباعة الكتب الدراسية (إعلام حوثي)

ازدادت مساحة التدخلات الحوثية في صياغة المناهج الدراسية وحشوها بالمضامين الطائفية التي تُمجِّد قادة الجماعة وزعيمها عبد الملك الحوثي، مع حذف مقررات ودروس وإضافة نصوص وتعاليم خاصة بالجماعة. في حين كشف تقرير فريق الخبراء الأمميين الخاص باليمن عن مشاركة عناصر من «حزب الله» في مراجعة المناهج وإدارة المخيمات الصيفية.

في هذا السياق، كشف ناشطون يمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي عن أعمال تحريف جديدة للمناهج، وإدراج المضامين الطائفية الخاصة بالجماعة ومشروعها، واستهداف رموز وطنية وشعبية بالإلغاء والحذف، ووضع عشرات النصوص التي تمتدح قادة الجماعة ومؤسسيها مكان نصوص أدبية وشعرية لعدد من كبار أدباء وشعراء اليمن.

إلى ذلك، ذكرت مصادر تربوية في العاصمة المختطفة صنعاء أن الجماعة الحوثية أقرّت خلال الأسابيع الأخيرة إضافة مادة جديد للطلاب تحت مسمى «الإرشاد التربوي»، وإدراجها ضمن مقررات التربية الإسلامية للمراحل الدراسية من الصف الرابع من التعليم الأساسي حتى الثانوية العامة، مع إرغام الطلاب على حضور حصصها يوم الاثنين من كل أسبوع.

التعديلات والإضافات الحوثية للمناهج الدراسية تعمل على تقديس شخصية مؤسس الجماعة (إكس)

وتتضمن مادة «الإرشاد التربوي» -وفق المصادر- دروساً طائفية مستمدة من مشروع الجماعة الحوثية، وكتابات مؤسسها حسين الحوثي التي تعرف بـ«الملازم»، إلى جانب خطابات زعيمها الحالي عبد الملك الحوثي.

وبيّنت المصادر أن دروس هذه المادة تعمل على تكريس صورة ذهنية خرافية لمؤسس الجماعة حسين الحوثي وزعيمها الحالي شقيقه عبد الملك، والترويج لحكايات تُضفي عليهما هالة من «القداسة»، وجرى اختيار عدد من الناشطين الحوثيين الدينيين لتقديمها للطلاب.

تدخلات «حزب الله»

واتهم تقرير فريق الخبراء الأمميين الخاص باليمن، الصادر أخيراً، الجماعة الحوثية باعتماد تدابير لتقويض الحق في التعليم، تضمنت تغيير المناهج الدراسية، وفرض الفصل بين الجنسين، وتجميد رواتب المعلمين، وفرض ضرائب على إدارة التعليم لتمويل الأغراض العسكرية، مثل صناعة وتجهيز الطائرات المسيّرة، إلى جانب تدمير المدارس أو إلحاق الضرر بها أو احتلالها، واحتجاز المعلمين وخبراء التعليم تعسفياً.

تحفيز حوثي للطلاب على دعم المجهود الحربي (إكس)

وما كشفه التقرير أن مستشارين من «حزب الله» ساعدوا الجماعة في مراجعة المناهج الدراسية في المدارس الحكومية، وإدارة المخيمات الصيفية التي استخدمتها للترويج للكراهية والعنف والتمييز، بشكل يُهدد مستقبل المجتمع اليمني، ويُعرض السلام والأمن الدوليين للخطر.

وسبق لمركز بحثي يمني اتهام التغييرات الحوثية للمناهج ونظام التعليم بشكل عام، بالسعي لإعداد جيل جديد يُربَّى للقتال في حرب طائفية على أساس تصور الجماعة للتفوق الديني، وتصنيف مناهضي نفوذها على أنهم معارضون دينيون وليسوا معارضين سياسيين، وإنتاج هوية إقصائية بطبيعتها، ما يُعزز التشرذم الحالي لعقود تالية.

وطبقاً لدراسة أعدها المركز اليمني للسياسات، أجرى الحوثيون تغييرات كبيرة على المناهج الدراسية في مناطق سيطرتهم، شملت إلغاء دروس تحتفي بـ«ثورة 26 سبتمبر (أيلول)»، التي أطاحت بحكم الإمامة وأطلقت الحقبة الجمهورية في اليمن عام 1962، كما فرضت ترديداً لـ«الصرخة الخمينية» خلال التجمعات المدرسية الصباحية، وتغيير أسماء المدارس أو تحويلها إلى سجون ومنشآت لتدريب الأطفال المجندين.

مواجهة حكومية

في مواجهة ما تتعرض له المناهج التعليمية في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية من تحريف، تسعى الحكومة اليمنية إلى تبني سياسات لحماية الأجيال وتحصينهم.

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

ومنذ أيام، أكد مسؤول تربوي يمني عزم الحكومة على مواجهة ما وصفه بـ«الخرافات السلالية الإمامية العنصرية» التي تزرعها الجماعة الحوثية في المناهج، وتعزيز الهوية الوطنية، وتشذيب وتنقية المقررات الدراسية، وتزويدها بما يخدم الفكر المستنير، ويواكب تطلعات الأجيال المقبلة.

وفي خطابه أمام ملتقى تربوي نظمه مكتب التربية والتعليم في محافظة مأرب (شرق صنعاء) بالتعاون مع منظمة تنموية محلية، قال نائب وزير التربية والتعليم اليمني، علي العباب: «إن ميليشيات الحوثي، تعمل منذ احتلالها مؤسسات الدولة على التدمير الممنهج للقطاع التربوي لتجهيل الأجيال، وسلخهم عن هويتهم الوطنية، واستبدال الهوية الطائفية الفارسية بدلاً منها».

ووفقاً لوكالة «سبأ» الحكومية، حثّ العباب قيادات القطاع التربوي، على «مجابهة الفكر العنصري للمشروع الحوثي بالفكر المستنير، وغرس مبادئ وقيم الجمهورية، وتعزيز الوعي الوطني، وتأكيد أهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر (تشرين الأول) المجيدتين».

قادة حوثيون في مطابع الكتاب المدرسي في صنعاء (إعلام حوثي)

ومنذ أيام توفي الخبير التربوي اليمني محمد خماش، أثناء احتجازه في سجن جهاز الأمن والمخابرات التابع للجماعة الحوثية، بعد أكثر من 4 أشهر من اختطافه على خلفية عمله وزملاء آخرين له في برنامج ممول من «يونيسيف» لتحديث المناهج التعليمية.

ولحق خماش بزميليه صبري عبد الله الحكيمي وهشام الحكيمي اللذين توفيا في أوقات سابقة، في حين لا يزال بعض زملائهم محتجزين في سجون الجماعة التي تتهمهم بالتعاون مع الغرب لتدمير التعليم.

وكانت الجماعة الحوثية قد أجبرت قبل أكثر من شهرين عدداً من الموظفين المحليين في المنظمات الأممية والدولية المختطفين في سجونها على تسجيل اعترافات، بالتعاون مع الغرب، لاستهداف التعليم وإفراغه من محتواه.