المراوغات الحوثية... قصة 16 عاماً من الانقلاب على الاتفاقات

جانب من مراسم توقيع اتفاق استوكهولم اليمني نهاية عام 2018 (غيتي)
جانب من مراسم توقيع اتفاق استوكهولم اليمني نهاية عام 2018 (غيتي)
TT

المراوغات الحوثية... قصة 16 عاماً من الانقلاب على الاتفاقات

جانب من مراسم توقيع اتفاق استوكهولم اليمني نهاية عام 2018 (غيتي)
جانب من مراسم توقيع اتفاق استوكهولم اليمني نهاية عام 2018 (غيتي)

رغم الآمال التي تشكلت حول المبادرة الأممية لوقف الحرب في اليمن والدعم الكبير الذي أظهرته الولايات المتحدة لهذه الخطة، التي عززت بمبادرة سعودية تلتقي معها في كثير من بنودها، فإن تمسك الميليشيات الحوثية باستمرار الحرب وتعظيم المأساة الإنسانية التي يعيشها ملايين اليمنين منذ بدء الانقلاب، يشكل الوجه الآخر للمراوغات وعدم الالتزام بالالتفافات منذ بداية التمرد على السلطة في منتصف العام 2004، وحتى اليوم.
تصم المراوغات تاريخ الحوثيين مع أي محادثات؛ سواء الاتفاقات التي أبرمتها السلطات اليمنية مع الميليشيات منذ بداية التمرد وحتى اتفاق استوكهولم، بشأن الانسحاب من موانئ ومدينة الحديدة مروراً باتفاق السلم والشراكة، فحين أفاق اليمنيون على نبأ تجريد حملة عسكرية للقبض على حسين بدر الدين الحوثي، وحتى مقتله، بعد نحو ثمانين يوماً من المعارك، في مرتفعات منطقة مران غرب محافظة صعدة، حيث اشترطت السلطات حينها انتقال والده بدر الدين الحوثي للعيش في صنعاء، والتوقف عن أي استهداف للقوات. إلا أنه تنصل من الاتفاق وعاد إلى صعدة بعد شهرين معلناً بذلك مرحلة جديدة من التمرد.
ويقول عارف العمري الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الدينية إن عودة بدر الدين الحوثي إلى صعدة كان هدفها قطع الطريق أمام تزعم عبد الله الرزامي للتنظيم السري، ولهذا عمل بهدوء على إيجاد القيادة البديلة في أسرته، واستطاع خلال فترة بسيطة وبعد مشاورات ولقاءات داخل التنظيم السري ولقاءات مع قبائل خولان بن عامر أن ينقل القيادة لابنه، عبد الملك، الذي كان حينها صغيراً في السن، واستمر هو إلى جواره إلى حين وفاته الغامضة.
من جهته، يقول مسؤول رفيع في الحكومة اليمنية حينها إنه ورغم الشكوك بوجود تنظيم سري فلم نتوقع أن عودة الحوثي الأب إلى صعدة كانت بهدف إعادة تنظيم وترتيب صفوف هذا التنظيم تحت قيادة ابنه الآخر، بعد قيادة الرزامي لبقايا الميليشيات، ومع ذلك أصدر الرئيس السابق علي عبد الله صالح، في مايو (أيار) من عام 2005، من جديد عفواً رئاسياً، واشترط أن يسلم المتمردون أنفسهم، ويوقفوا إطلاق النار، لكنهم ردوا بالرفض.
المسؤول الذي يعيش في مناطق سيطرة الحوثيين بعد أن أبعد من عمله ذكر لـ«الشرق الأوسط» (مشترطاً عدم الكشف عن هويته) أنه وبعد هذا الموقف بدأت تتكشف للسلطات العليا ملامح مشروع ميليشيات الحوثي وجاهزيتهم، بعد أن ظل بدر الدين الحوثي يعمل عليه منذ عام 1985، عقب أول زيارة له إلى مدينة قم الإيرانية، ويضيف: «شهدت هذه المرحلة تحولاً في الاستهداف، حيث استهدفت ميليشيات الحوثي زعماء القبائل الذين كانوا يشكلون ركيزة حضور السلطة المركزية في المحافظة، ولكن اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية دفع بالسلطات إلى إعلان وقف جديد لإطلاق النار، وإطلاق سراح مجموعة من المعتقلين الحوثيين».
ومع دخول عام 2007، انتقلت المواجهات إلى الجولة الرابعة، ومعها توسعت مطامع ميليشيات الحوثي، حيث هاجمت نقطة تفتيش قرب الحدود مع السعودية، وقتلت ستة جنود، واستمرت الحرب حتى 16 يونيو (حزيران)، حيث توقفت هذه المرة بوساطة قطرية، أصدر بموجبها يحيى بدر الحوثي بياناً أعلن فيه قبول المتمردين بوقف إطلاق النار، وخروج أخيه عبد الملك الحوثي وآخرين للإقامة في قطر، مقابل الإفراج عن مساجين حوثيين، لكنهم عادوا بعد أيام وتنصلوا من الاتفاق بأكمله.
وفي حين كانت الدوحة تواصل مساعيها لإنجاح اتفاق وقف القتال، بعد استبعاد شرط خروج زعيم الميليشيات من اليمن، جاء الهجوم الإرهابي على مسجد سلمان وسط مدينة صعدة، الذي كان يرتاده كبار ضباط الجيش حينها، حيث انفجرت قنبلة في 2 مايو (أيار) بعد صلاة الجمعة، فقُتل 15 شخصاً، وجُرح 55 آخرون، ليشعل القتال من جديد، لكنه توقف في 17 يوليو (تموز) 2008. واستمرت الوساطة قطرية ومعها لجنة رئاسية يمنية بغرض تطبيع الأوضاع وتنفيذ الاتفاق، واستمرت هناك لعدة أسابيع ولم تحقق شيئاً، حيث كانت الميليشيات تعلن القبول بوقف إطلاق النار وشروط السلطات لكسب المزيد من الوقت وإعادة تنظيم صفوفها والحصول على أسلحة، لتعود المواجهات من جديد، ويتضح هذا بجلاء في 7 من أغسطس (آب) من العام ذاته، حين أعلن عبد الملك الحوثي التزامه الكامل بوقف إطلاق النار وإنهاء المظاهر المسلحة في جميع مديريات صعدة وتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة التي بحوزة اتباعه إلى الدولة، والسماح بعودة النازحين إلى قراهم، وعدم التعرض لهم، بالإضافة إلى فتح الطرقات وإزالة الألغام والنزول من الجبال، وبذلك أسدل الستار على الجولة الخامسة من الحرب.
ومن جديد، لم تلتزم الميليشيات بأي اتفاق، حيث بدأت بنصب نقاط تفتيش في مناطق كثيرة من صعدة، بهدف قطع الإمدادات عن القوات هناك، وبلغت الأزمة ذروتها باختطاف ستة أجانب من الجنسية الألمانية كانوا يعملون في إحدى البعثات الطبية.
ومع بداية أغسطس من عام 2009، اندلعت أولى شرارات الحرب في أكثر من منطقة بمحافظات صعدة وعمران والجوف، إذ إن الميليشيات استعلت فترة الهدنة التي قاربت على العام وإعادة ترتيب صفوفها ونشر عناصرها وحشد المنتمين لنفس السلالة في محافظتي عمران والجوف، خلفت المواجهات عشرات القتلى والجرحى، فضلاً عن مئات المشردين.
استمرت المعارك بشكل متقطع إلى أن توقفت في 12 فبراير (شباط) من العام التالي، حيث أعلنت ميليشيات الحوثي مرة أخرى قبولها بالشروط التي وضعتها الحكومة، بعد أن تمركزت في منطقة مطرة الجبلية، واتخذت منها مركزاً للقيادة لما تتمتع به من تضاريس جبلية يصعب استهدافها بالطيران أو اقتحامها دون تضحيات كبيرة، وفي يوليو من العام ذاته، توفي بدر الدين الحوثي. ولم تنفذ الميليشيا أي بند من البنود التي التزمت بها، وأعقب ذلك بداية الأزمة السياسية بين المعارضة ونظام حكم الرئيس السابق حول تعديل الدستور والانتخابات الرئاسية. واستغلّت الميليشيات ذلك، وتوسعت في السيطرة على المواقع والمعسكرات في صعدة، وحتى منطقة حرف سفيان في محافظة عمران.
ويعتقد الباحث العمري ومعه كثيرون أن «الحروب في صعدة تحولت إلى تصفية حسابات داخل السلطة اليمنية»، ويقول إن شروط الحكومة كانت تشكل قارب نجاه للحوثيين، وبالتالي مع أول فرصة يرى الحوثيون أن لديهم من القوة البشرية والمادية ما يكفي يدشنون جولة جديدة من الصراع، وهم مطمئنون أن أي تقدم للجيش سيوقفه إعلان حكومي مشروط لوقف النار.


مقالات ذات صلة

وكيل محافظة شبوة: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

خاص وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

وكيل محافظة شبوة: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

حذّر فهد الخليفي وكيل محافظة شبوة من أن جماعة الحوثي زوّدت بعض التنظيمات الإرهابية بتقنيات الطائرات المسيّرة في إطار ما وصفه بالتخادم الجاري بين الجانبين

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص أكد شاو تشنغ أن الصين تتابع التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن من كثب (تصوير: نايف العتيبي)

خاص بكين: مستعدون لفتح تحقيق في وصول مكونات عسكرية للحوثيين بالتعاون مع الحكومة اليمنية

رفض شاو تشنغ، القائم بأعمال السفارة الصينية لدى اليمن، التقارير التي تتحدث عن وصول معدات ومكونات مرتبطة ببرامج الصواريخ لدى جماعة الحوثيين

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي متحدثاً خلال المؤتمر الصحافي في الرياض الخميس (أ.ب) p-circle

المالكي: على الحوثيين قراءة بيان التحالف وما بين السطور جيداً

حذّر اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، الميليشيا الحوثية من عواقب استهداف المدنيين والمنشآت المدنية في السعودية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)

الحكومة اليمنية تطالب بتحرك أممي عاجل لفك حصار تعز

دعت الحكومة اليمنية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة وفعّالة لفك الحصار الخانق الذي تفرضه الميليشيا الحوثية على تعز، وينذر بكارثة إنسانية.

«الشرق الأوسط» (تعز)
المشرق العربي رئيس مجلس القيادة الدكتور رشاد العليمي متحدثاً للشعب اليمني بمناسبة ذكرى «ثورة 14 أكتوبر» الثلاثاء (سبأ)

العليمي: لا رجوع عن قرار إنهاء الانقلاب الحوثي

أكد رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي مُضي عملية «فجر اليمن» نحو هدفها النهائي المتمثل بإنهاء الانقلاب الحوثي، ولا رجعة عن ذلك مهما كانت التضحيات.

«الشرق الأوسط» (عدن)

استهداف حوثي لمطاري عدن والمكلا

جانب من انتشار القوات الحكومية اليمنية في جبهة جبل هان غرب محافظة تعز (أ.ف.ب)
جانب من انتشار القوات الحكومية اليمنية في جبهة جبل هان غرب محافظة تعز (أ.ف.ب)
TT

استهداف حوثي لمطاري عدن والمكلا

جانب من انتشار القوات الحكومية اليمنية في جبهة جبل هان غرب محافظة تعز (أ.ف.ب)
جانب من انتشار القوات الحكومية اليمنية في جبهة جبل هان غرب محافظة تعز (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية هجماتها على المنشآت الحيوية في اليمن، مستهدفةً مطاري عدن الدولي والريان في المكلا بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، بالتزامن مع احتدام المعارك في تعز وغرب لحج، واستمرار عملية «فجر اليمن» في استنزاف قدراتها العسكرية والبشرية.

وأفادت معلومات رسمية بسقوط صاروخ باليستي في محيط مطار عدن، فيما تعرض مطار الريان بمحافظة حضرموت لهجوم صاروخي وجوي، لم يسفر عن خسائر بشرية، وفق السلطة المحلية. كما استهدفت الجماعة مصنعاً للإسفنج في منطقة بير باشا في مدينة تعز، في تصعيد طال مرافق مدنية وحيوية.

وقال المتحدث باسم الجيش اليمني إن الجماعة التي تتهم خصومها بفرض الحصار، تمارسه عملياً على السكان عبر استهداف المطارات والمنشآت والبنية التحتية ومنافذ السفر ومصادر الرزق، معتبراً أن هذه الهجمات تعكس نهجاً يتصاعد كلما تعرضت لضغوط ميدانية.


«ندوة جماهيرية» إريترية في القاهرة لمناقشة «أوضاع المنطقة»

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)
TT

«ندوة جماهيرية» إريترية في القاهرة لمناقشة «أوضاع المنطقة»

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)

تتواصل تحركات إريتريا الرافضة للمساس بسيادتها من جانب إثيوبيا، وأعلنت سفارتها في القاهرة عقد اجتماع وصفته بـ«العاجل» للجالية المقيمة في مصر، في ظل تصعيد مع أديس أبابا منذ مطلع الشهر الحالي، ومخاوف دولية من تجدد الحرب بينهما.

ويرى الباحث السوداني في الشأن الأفريقي، عبد المنعم أبو إدريس، أن «اجتماع السفارة الإريترية في القاهرة يعد «تحركاً داخل عاصمة حليفة لأسمرة، في ظل وجود جالية إريترية كبيرة، والواضح أن السفارة تريد شرح وجهة نظر الحكومة ومخاوفها من أن تشن إثيوبيا حرباً عليها بعد أن أصبحت قوات الحكومة الفيدرالية على مقربة من الحدود بين البلدين».

وليس هذا التحرك الوحيد الذي تتجه إليه أسمرة، في ظل تخوفات متصاعدة بشأن تداعيات التصعيد الإثيوبي، إذ أطلق ناشطون إريتريون في المهجر عريضة عبر منصة «أفاز»، دعوا فيها «المجتمع الدولي إلى حماية سيادة إريتريا وسلامة أراضيها، والتحرك لمنع تصعيد عسكري محتمل في القرن الأفريقي، على خلفية تصريحات مسؤولين إثيوبيين بشأن الوصول إلى البحر الأحمر»، حسب ما نقلته وسائل إعلام إريترية الأربعاء.

وطالبت العريضة، الموجهة إلى الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، بـ«اتخاذ موقف واضح إزاء أي تهديدات تمس السيادة الإريترية، واحترام الحدود الدولية، وتكثيف الجهود الدبلوماسية لتجنب اندلاع نزاع جديد».

كما التقت السفيرة الإريترية لدى الأمم المتحدة، صوفيا تسفاماريام، المندوب الأميركي الدائم لدى المنظمة، مايك والتز، والسفير جيفري بارتوس، ممثل الولايات المتحدة لشؤون الإدارة والإصلاح بالأمم المتحدة، لبحث تطورات القرن الأفريقي والعلاقات بين إريتريا وإثيوبيا.

وقالت تسفاماريام، في منشور على منصة «إكس»، الثلاثاء، إنه لا توجد «أزمة» بين البلدين، متهمةً إثيوبيا بمواصلة التهديدات ضد سيادة إريتريا وسلامة أراضيها في سياق مساعيها للوصول إلى البحر الأحمر، وداعيةً الأطراف الدولية إلى التحرك لمنع تجدد الصراع في المنطقة.

وأضافت أنها أطلعت المسؤولين الأميركيين على طرد إثيوبيا ممثلي إريتريا لدى الاتحاد الأفريقي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، وتدهور العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

دبابة عسكرية إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو في إثيوبيا (رويترز)

والتحركات الإريترية لم تقتصر على القاهرة والأمم المتحدة فقط، «ففي اليومين الماضيين زار وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، العاصمة الكينية نيروبي وتلت ذلك مشاركة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في أحد الأعياد الوطنية الكينية، وهاتان الزيارتان كانتا بغرض بحث وساطة حتى لا يصل الأمر إلى المواجهة المباشرة»، حسب تقديرات عبد المنعم أبو إدريس في حديث لـ«الشرق الأوسط».

تصعيد متبادل

ويأتي ذلك المسار الإريتري، وسط تصاعد التوتر بين أسمرة وأديس أبابا منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وأثارت المعارك التي اندلعت في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي مخاوف من اندلاع حرب إقليمية، إذ اتهمت أديس أبابا أسمرة بدعم المتمردين ونشر آلاف الجنود داخل الأراضي الإثيوبية، قبل أن تقول إنها أجبرتها على التراجع بعد نحو أسبوعين، وهو ما نفته إريتريا.

ونالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000، وشهدت العلاقات بين البلدين تحسناً لفترة وجيزة بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة في 2018، لكنها تدهورت مجدداً، وصولاً إلى قطع العلاقات كلياً مطلع هذا الشهر بسبب النزاع في تيغراي.

وفي 10 أكتوبر طالبت إريتريا، في رسالة إلى مجلس الأمن، بإدانة ما وصفته بأنه إعلان حرب عليها من جانب إثيوبيا، محذرة من أن ذلك سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة. وطالبت باتخاذ «إجراءات ردعية مناسبة» ضد أديس أبابا.

ومساء الاثنين، قال رئيس الوزراء آبي أحمد، منتقداً الأوضاع بأسمرة، إن «الشعب الإريتري فقد كل ما كان يمتلكه بالفترة التي كانت فيها إريتريا جزءاً من إثيوبيا، وتحولت مدنه اليوم إلى ما يشبه القرى البسيطة».

وشدد آبي أحمد على أن «الخيار الأجدى هو حسن الجوار والصداقة»، محذراً من أن «تجاهل الدعوات إلى الشراكة التنموية بدلاً من الانجرار إلى خدمة أجندات الأعداء ينطوي على مخاطر جسيمة وعواقب وخيمة»، حسب مقابلة نقلها تلفزيون «فانا» الإثيوبي ووكالة الأنباء الرسمية للبلاد.

وإزاء تلك التطورات، يعتقد الخبير في الشؤون الأفريقية عبد المنعم أبو إدريس أنه «ليس من مصلحة الدولتين والإقليم بأكمله اندلاع حرب إثيوبية إريترية»، مضيفاً: «ولا أظن ذلك سيحدث».


منشآت الصحة والطواقم الطبية في تعز أهداف للقصف الحوثي

طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)
طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)
TT

منشآت الصحة والطواقم الطبية في تعز أهداف للقصف الحوثي

طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)
طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)

تتسع التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في محافظة تعز اليمنية، مع تواصل القصف على الأحياء السكنية واستهداف المنشآت الصحية وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية، بالتزامن مع تشديد الحصار وإغلاق الطرق وعرقلة وصول الإمدادات الأساسية، في وقت وثّقت فيه جهة حقوقية مقتل 8 مدنيين وإصابة 26 آخرين خلال 48 ساعة، وحذرت السلطات الصحية من انهيار قدرة المستشفيات على التعامل مع المرضى والجرحى.

وتزامن هذا التصعيد مع إصابة عدد من الفتيات بقصف حوثي استهدف أحياء سكنية في مدينة تعز وقرى جبل صبر، ومقتل فتاة وإصابة 8 مدنيين من أسرة واحدة جراء قصف صاروخي شمل منزلاً في منطقة الرجم، وفق بيانات محلية رسمية، بينما جدّدت الحكومة اليمنية مطالبتها بتحرك دولي عاجل لوقف الاعتداءات ورفع الحصار.

وقال مدير مكتب الصحة العامة والسكان في تعز، الدكتور فهد النظاري، إن الاعتداءات المستمرة على المنشآت الصحية والطواقم الطبية وسيارات الإسعاف، إلى جانب منع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، تهدد قدرة المرافق الصحية على مواصلة تقديم خدماتها، خصوصاً في المناطق التي تشهد مواجهات أو تخضع لسيطرة الحوثيين.

دخان يتصاعد من وسط الأحياء السكنية في تعز جراء قصف حوثي (إعلام محلي)

وأوضح النظاري، في تصريح رسمي أن 5 مستشفيات ومراكز صحية تعرضت لأضرار متفاوتة جراء القصف والاستهداف، بينها هيئة مستشفى الثورة العام ومستشفى الصفوة، والمركز الصحي في منطقة العروس بجبل صبر، ومركز صحي في مديرية الوازعية، وآخر في مديرية المواسط.

وأضاف أن مرافق صحية أخرى تعرضت لأضرار جراء القذائف المباشرة وغير المباشرة، وأن عمليات الحصر والتوثيق لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن القطاع الصحي فقد 15 سيارة إسعاف تابعة للمستشفيات ومكاتب الصحة، قال إن الحوثيين نهبوها، فضلاً عن نهب أجهزة ومعدات طبية من مستشفيات في المخا والتربة.

وأكد أن هذه الاعتداءات أضعفت قدرة المرافق الصحية على الاستجابة للحالات الطارئة ونقل المصابين والمرضى، واتهم الجماعة باستخدام مرافق صحية لأغراض عسكرية، من خلال تحويل بعضها إلى مواقع لتجمع عناصرها أو مراكز لقيادة العمليات والاحتماء بها، ونشر أطقم عسكرية داخلها.

الحوثيون يقصفون أحياء تعز بشكل عشوائي (إعلام محلي)

وحذّر النظاري من أن استمرار استهداف المنشآت الصحية والطواقم الطبية ومنع الإمدادات يفاقمان معاناة آلاف المرضى، خصوصاً المصابين بالسكري وأمراض الكلى والسرطان والأمراض المزمنة، مطالباً بإيصال الأدوية والوقود بصورة عاجلة، وضمان حماية المستشفيات وسيارات الإسعاف والعاملين الصحيين وتمكينهم من أداء مهامهم الإنسانية دون عوائق.

استهداف المسعفين

ومن أبرز الوقائع التي أشار إليها المسؤول الصحي تعذّر الوصول إلى رجل وابنته أُصيبا برصاص قناصة حوثيين داخل منزلهما في منطقة الشقب بمديرية صبر الموادم، بعد استهداف المسعفين وسيارة الإسعاف، ما حال دون إسعافهما وانتشال جثمانيهما، وفق روايته.

وفي حادثة أخرى، وثّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات استهداف سيارة إسعاف بقذيفة مدفعية في منطقة صبر، ما أدى إلى مقتل سائقها وإصابة الطبيب المرافق وتدمير السيارة.

وقالت الشبكة إنها وثّقت 109 جرائم وانتهاكات خلال 48 ساعة في محافظة تعز، إلى جانب إطلاق نحو 147 مقذوفاً بصورة عشوائية، استهدف معظمها الأحياء السكنية، وإطلاق صاروخين باليستيين على حي صينة وسط المدينة.

وحسب تقرير الشبكة، شملت الحصيلة مقتل 8 مدنيين، بينهم 3 نساء و3 أطفال، وإصابة 26 آخرين، بينهم 7 نساء و4 أطفال، فضلاً عن اختطاف 24 مواطناً ونقلهم إلى جهات مجهولة، ومداهمة نحو 23 منزلاً، وتضرر 17 منزلاً جراء القصف، إلى جانب تضرر 11 مركبة خاصة.

مئات الآلاف من سكان تعز تحت وطأة القصف والحصار (إعلام محلي)

وذكر التقرير أن الانتهاكات شملت القتل والإصابة بالقصف والقنص، والاختطاف والإخفاء القسري، ومداهمة المنازل، واستهداف سيارات الإسعاف والفرق الطبية، واقتحام مراكز لتحفيظ القرآن الكريم ودور عبادة، وقطع الطرق العامة، واستمرار الحصار المفروض على المحافظة.

ورصدت الشبكة إطلاق قذائف هاون وصواريخ كاتيوشا وقذائف مدفعية، إلى جانب استخدام طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية، مشيرة إلى أن القصف تركز في مناطق الشقب والمسراخ والأقروض، ومناطق شمالية غربية وشرقية، وأحياء المسبح وصينة، ومنطقة الضبة بمديرية التعزية، ومنطقة الظهر بمديرية جبل حبشي، ومناطق أخرى في المدينة وريفها.

تحرك أممي

في سياق التحركات الدبلوماسية، بحث مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، في نيويورك، مع مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ونائب منسق الإغاثة في حالات الطوارئ، محمد يحيى، تطورات الأوضاع الإنسانية في اليمن، وتداعيات التصعيد العسكري الحوثي، وسبل تعزيز الاستجابة الإغاثية، وحشد الموارد اللازمة لمواجهة احتياجات السكان المتضررين والنازحين.

واستعرض السعدي تداعيات الهجمات على المدنيين والأعيان المدنية ومؤسسات الدولة، خصوصاً في تعز ومأرب وعدن، وما خلفته من ضحايا ونزوح وتعطيل للخدمات الأساسية والعمليات الإنسانية. وسلط الضوء على تدهور الأوضاع في تعز جراء القصف والحصار وإغلاق الطرق وعرقلة وصول الإمدادات، وما ترتب على ذلك من نقص في الغذاء والدواء والوقود والمياه، وتهديد لاستمرار الخدمات الصحية.

كومة من القمامة في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الجماعة الحوثية (رويترز)

ودعا إلى تحرك دولي منسق لإنهاء الحصار وفتح الطرق وضمان حرية حركة المدنيين ووصول المساعدات والسلع الأساسية، مطالباً بتكثيف التمويل الإنساني وإعطاء الأولوية للمساعدات الغذائية والصحية والإيوائية، ومواجهة مخاطر الأوبئة وسوء التغذية في مواقع النزوح.

ونسب الإعلام الرسمي اليمني إلى المسؤول الأممي محمد يحيى أنه أكد التزام الأمم المتحدة بمواصلة تقديم المساعدات الإنسانية للشعب اليمني رغم نقص التمويل والتحديات الأمنية والقيود المفروضة على الوصول.

كما أعرب يحيى عن القلق إزاء التداعيات الإنسانية للتصعيد، مشيراً إلى نزوح أكثر من ربع مليون شخص والتدهور السريع للأوضاع في مدينة تعز، ومجدداً الدعوة إلى حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وضمان المرور الآمن والمستدام للمساعدات والخدمات والسلع التجارية.