استطلاع يكشف تراجع شعبية حزب إردوغان... وزعيم مافيا يتهم مقربين منه بالفساد

أكبر المنافسين على الرئاسة بعد إطلاق حزبه الجديد: سنغيّر تركيا

محرم إنجه رئيس حزب «البلد» وزوجته أولكو خلال مهرجان للحزب الجديد في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
محرم إنجه رئيس حزب «البلد» وزوجته أولكو خلال مهرجان للحزب الجديد في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
TT

استطلاع يكشف تراجع شعبية حزب إردوغان... وزعيم مافيا يتهم مقربين منه بالفساد

محرم إنجه رئيس حزب «البلد» وزوجته أولكو خلال مهرجان للحزب الجديد في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
محرم إنجه رئيس حزب «البلد» وزوجته أولكو خلال مهرجان للحزب الجديد في أنقرة أمس (أ.ف.ب)

قال محرم إنجه، رئيس حزب «البلد»، أحدث الأحزاب السياسية في تركيا وأكبر منافسي الرئيس رجب طيب إردوغان في الانتخابات الرئاسية عام 2018، إن السلطة الحالية لا يمكن الوثوق بها أو بقدرتها على تقديم حلول لمشاكل البلاد، بينما أظهر استطلاع للرأي تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم.
في الوقت ذاته، فجّر أحد زعماء المافيا جدلاً واسعاً بعدما كشف عن وقائع فساد تورط فيها وزراء ومقربون من إردوغان.
ودشن إنجه حزبه الجديد رسمياً في تجمع عقده في الهواء الطلق في أنقرة أمس بحضور مؤسسي وأعضاء الحزب الذي أطلق عليه اسم «حزب البلد» نسبة إلى «حركة البلد» التي دشنها العام الماضي في مسعى لجمع التأييد لخوضه الانتخابات الرئاسية مجددا عام 2023.
واتهم إنجه، في كلمة أمام التجمع، حكومة إردوغان بـ«نهب» الدولة، قائلاً «سوف نغيّر تركيا». وأضاف، أنه «لا يمكن الوثوق بالسلطات الحالية في تقديم حل واحد لمشكلات بلدنا».
وعقد مؤسسو الحزب، أول من أمس، الاجتماع الأول لهم، وانتخبوا إنجه رئيساً، بحسب ما أعلنت المتحدثة باسم الحزب غايا أوليصار، النائب البرلمانية التي استقالت الأسبوع الماضي من حزب الشعب الجمهوري. وأعلن إنجه، في 8 فبراير (شباط) الماضي، استقالته رسمياً من «الشعب الجمهوري»، وتأسيس حزب جديد، متعهداً بالفوز بالرئاسة التركية في الانتخابات المقبلة عام 2023. وقال، عقب استقالته، إن حزب الشعب الجمهوري أصبح لا قيمة له الآن، ويعاني من انحرافات آيديولوجية، وإن القائمين عليه تركوا نهج مصطفى كمال أتاتورك ويتوسلون الديمقراطية من أميركا.
وترشح إنجه (56 عاماً) عن حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، وحصل على نحو 30.8 في المائة من الأصوات وخسر أمام إردوغان الذي نال 52.6 في المائة، بعد أن تمكن من تشكيل قاعدة مؤيدين قوية رغم الإعلان عن الانتخابات المبكرة عام 2018 قبل أشهر قليلة على تنظيمها، لكنه اختلف مع قادة حزبه وخسر معركة قيادته أمام رئيسه كمال كيليشدار أوغلو. ولم يخف إنجه طموحاته السياسية منذ أدائه القوي في انتخابات 2018، وروج لنموذجه العلماني القومي في جولة في أنحاء البلاد أطلق عليها «حركة الوطن في 1000 يوم» أطلقها في 4 سبتمبر (أيلول) 2020.
ويكتسب المنافسون السياسيون لإردوغان شعبية بين الناخبين قبل الانتخابات الرئاسية المرتقبة في عام 2023، وفقاً لاستطلاع رأي أجرى الأسبوع الماضي، وأعلنت نتائجه أمس.
وأظهر الاستطلاع، الذي أجرته جمعية «إسطنبول الاقتصادية»، حصول رئيس بلدية أنقرة، المنتمي إلى حزب الشعب الجمهوري، منصور ياواش بنسبة 52.5 في المائة من الناخبين مقارنة بـ38.1 في المائة لصالح إردوغان، بينما حصل رئيس بلدية إسطنبول المنتمي إلى الحزب ذاته، أكرم إمام أوغلو، على دعم 51.4 في المائة مقابل 39.9 في المائة.
كما انخفض الدعم الشعبي لـ«تحالف الشعب» المكون من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية إلى نحو 32 في المائة، وقال 26.6 في المائة فقط، إنهم سيصوتون لصالح حزب العدالة والتنمية برئاسة إردوغان إذا أجريت الانتخابات في مايو (أيار) الحالي، بينما أيّد 6 في المائة فقط حزب الحركة القومية، الشريك الانتخابي لإردوغان.
وفاز «تحالف الشعب» بنسبة 54 في المائة من الأصوات في الانتخابات العامة لعام 2018، بنحو 43 في المائة و11 في المائة على التوالي.
وكشف مجموع استطلاعات الرأي في وقت سابق من العام الحالي عن انخفاض ثابت في دعم «تحالف الشعب» في الأشهر الثلاثة الأولى من العام، كما أظهرت أن الأداء الاقتصادي الضعيف ومزاعم سوء الإدارة المالية والفشل في التعامل مع وباء كورونا كانت من بين العوامل التي قوضت الثقة في الحكومة.
على صعيد آخر، فجّر زعيم المافيا التركي، سادات بكير، جدلاً واسعاً بعد نشره 5 تسجيلات مصورة عبر قناته في «يوتيوب»، وجه فيه اتهامات «مثيرة للجدل» لوزراء ومقربين من إردوغان بالوقوف وراء أعمال غير قانونية، وأخرى تتعلق بانتهاكات وممارسات غير مشروعة.
وتحدث زعيم المافيا البارز، الهارب خارج تركيا والذي كان مقرباً في السابق من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، عن كشف «خفايا لا يعرفها المواطنون». وقال بكير، المطلوب أمنياً بنشرة حمراء عمّمتها السلطات التركية منذ أكثر من عام بتهم تتعلق بـ«الجريمة المنظمة» وتجارة وتهريب المخدرات، بالإضافة إلى استهداف شخصيات أكاديمية ومدنية، إنه سيعرض الأشخاص الذين يستهدفهم إلى «هزيمة نكراء».
واستهدف بكير، للمرة الأولى، شخصيات بارزة، من بينها وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو وجهات إعلامية مثل «مجموعة البجع»، أو كما تسمى باللغة التركية «مجموعة بليكان» المقربة من حزب العدالة والتنمية، والتي تدير جيشه الإلكتروني.
كما استهدف بكير باتهاماته برات البيراق، صهر إردوغان، وشقيقه سرهات، مالك مجموعة «تركواز» الإعلامية، ووزير الداخلية الأسبق محمد أغار ونجله النائب في حزب العدالة والتنمية طولجا أغار.
وأقدم بكير على هذه الخطوة بعد عملية أمنية واسعة للسلطات التركية في التاسع من أبريل (نيسان) الماضي استهدفت العشرات من الأشخاص المتهمين بالتبعية له في ولايات متفرقة، وبالأخص في ولاية إسطنبول، وتم خلالها مداهمة فيلا مملوكة له، وتم خلال العملية اعتقال 52 شخصاً في العديد من المحافظات، واتهمتهم السلطات بالارتباط به.
وفي السنوات التي سبقت هربه من تركيا، في فبراير 2020، عرف زعيم بكير بقربه من الأوساط الحاكمة، سواء حزب العدالة والتنمية أو حليفه حزب الحركة القومية، وهو ما بدا في تصريحات متفرقة له، إلى جانب صور وثقت دعمه لهذين الحزبين. حيث كان يرفع بيده اليمنى شعار «بوزكورت» للذئب الرمادي الذي تتبناه الحركات اليمينية القومية وبيده اليسرى «شعار رابعة» الذي تتبناه أوساط «العدالة والتنمية».
وزعم بكير أن العلاقات مع عائلته هي التي ساعدت الوزير سليمان صويلو على الصعود في صفوف حزب «الطريق القويم» اليميني، قبل أن ينضم إلى «العدالة والتنمية» في عام 2012، وقال، إن «صويلو ساعدني في تجنب ملاحقة الشرطة لي من خلال إخطاره بأنه يجري التحضير للتحقيق معي» وأن صويلو أخبر الناس سابقاً أنه «يحبه».
ورد صويلو، الذي ذكر بالاسم في التسجيلات الخمسة، ببيان عبر «تويتر» قال فيه «ليثبت مزاعمه، وأنا جاهز لكرسي الإعدام». كما قدم شكوى إلى مكتب المدعي العام في أنقرة من خلال محاميه، بدعوى «الإهانة والافتراء».
ووصفت وزارة الداخلية المزاعم التي أثارها بكير في مقاطع الفيديو بأنها «تشهير واتهام». وقالت إن «الافتراءات والاتهامات التي وجهها للشخص المذكور في المنشورات التي أصدرها على مواقع التواصل الاجتماعي من الخارج تعتبر نشاطاً إجرامياً جديداً ضد قواتنا الأمنية ودولتنا».
وعلق رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كليتشدار أوغلو، بأن تهديدات بكير تعبر عن «أزمة إدارة»، متهماً حكومة إردوغان بالتسليم والخضوع لإملاءات بعض الأطراف.
وقالت رئيسة حزب «الجيد»، ميرال أكشنار، إن «الادعاءات التي يسوقها سادات بكير فظيعة ووخيمة للغاية... الفضائح التي ظهرت وصمة عار بكل معنى الكلمة. لا يمكن أن تكون هناك دولة عميقة وأخرى ضحلة... الدولة لا يمكن أن تخرج عن الإطار القانوني».
ورأى زعيم حزب «الديمقراطية والتقدم»، علي باباجان، أن «المشهد الذي أظهرته تصريحات بكير تذكر بتسعينات القرن الماضي، حيث كانت العلاقات بين الدولة والسياسة والمافيا متشابكة جداً»، قائلاً إن «تكرار هذه الأحداث بعد 4 عقود من الزمان أمر باعث على الحزن والأسى».
وقال رئيس حزب «المستقبل»، أحمد داود أوغلو، إن «علاقات المافيا السياسية ظاهرة تقوض الدولة. إننا نشهد شبكة علاقات مماثلة دمرت كرامة مؤسسات دولتنا وسياستها في التسعينات».
وحظي سادات بكير في أثناء وجوده داخل الأراضي التركية وعقب هربه منها بـ«شعبية»، حتى أنه لقب لفترات طويلة بـ«الرئيس سادات بكير»، وفي يونيو (حزيران) 2020 نشر مجموعة من الجنود تسجيلاً مصوراً من ثكناتهم على موقع «تويتر»، هنأوا فيه بكير بعيد ميلاده، قائلين «عيد ميلاد سعيد يا رئيس. نقبل يديك... اليوم هو عيد ميلاد قائدنا سادات بكير، عيد ميلاد سعيد يا قائدنا، نتمنى لك حياة هانئة».
ونشرت أخبار وصور عبر وسائل إعلام تركية، في ربيع عام 2018، حول تقديم بكير عدداً من سيارات الدفع الرباعي ودروع واقية من الرصاص للفصائل السورية التي تدعمها تركيا في ريف حلب الشمالي، لقاء ما قدموه في عمليتي «درع الفرات» و«غصن الزيتون».
وبكير من مواليد ولاية سكاريا (غرب) عام 1971، ودخل السجن وخرج منه مرات عدة أعوام 1971، و2005، و2007، و2017. وبرّأته محكمة تركية مؤخراً من تهمة تهديد مجموعة أكاديميين بالقتل، بسبب دعوتهم للتفاوض وإيجاد حل سلمي لملف الأزمة الكردية.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...