تنافس بين دمشق والقامشلي على محصول القمح السوري

TT

تنافس بين دمشق والقامشلي على محصول القمح السوري

جفت عشرات الآلاف من الهكتارات من الأراضي الزراعية في شمال شرقي سوريا، جراء انعدام الهطولات المطرية الموسمية، وتضرر موسم القمح والشعير المروية بعلاً على سلة سوريا الغذائية، ما ينذر بانخفاض كبير في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية ومرور عام قاسٍ على سكان المنطقة وعموم سوريا.
وتحولت من دولة مكتفية ذاتياً بالقمح والخبز إلى جائعة تزامنا مع استمرار الأزمة الاقتصادية، وتذبذب أسعار صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة السورية، لتسجل هذه الأيام بحدود 3100 ألف ليرة للدولار.
وخرج نحو 265 ألف هكتار مخصصة لزراعة القمح من الموسم، من أصل 390 ألف من بين إنتاج العام الجاري، إضافة إلى تضرر موسم الشعير بعد خروج نحو 400 ألف هكتار من الموسم البعل من خطة الإنتاج، مع بقاء 125 ألف هكتار من القمح المروي و20 ألف هكتار من الشعير المروي ضمن خطة الإنتاج، وقد تكون المساحات أكثر من ذلك إذ تقدر المساحات القابلة للزراعة في محافظة الحسكة نحو مليون هكتار، دون وجود معطيات كاملة حول حجم الضرر النهائي بإنتاج هذا الموسم إلى حين انتهاء الحصاد.
ورغم هذه الأرقام المتدنية وتوقعات بربع الإنتاج إلى ما دون نصف مليون طن من مادة القمح وربع مليون طن من مادة الشعير، دخلت «الإدارة الذاتية»، والحكومة السورية في مضمار المنافسة لشراء إنتاج هذا العام، وحجبت الجهتان تحديد أسعار القمح والشعير بانتظار انتهاء موسم الحصاد وتحديد كميات الإنتاج.
وقال سلمان بارودو رئيس هيئة الاقتصاد والزراعة في «الإدارة» لـ«الشرق الوسط» إنها أتمت كافة الاستعدادات لتسلم مادتي القمح والشعير من الفلاحين والمزارعين وشراء محاصيلهم. وقال: «قمنا بإصدار التعميم حفاظاً على إنتاج الموسم لأن مناطق الإدارة بأمس الحاجة لها، ومن خلال هذا التعميم يمنع نقل مادتي الشعير والقمح حتى بين مناطق الإدارات نفسها»، مشيراً إلى أن الصوامع الخاضعة لسيطرة الإدارة بحالة جيدة وتم تعقيمها والتأكد من جاهزيتها بشكل كامل، وعن الهدف من قرارات منع تجارة القمح ونقله بين مناطق الإدارة أوضح قائلاً: «بهدف الحفاظ على البذور للسنوات القادمة ومن أجل توزيع مادة الطحين على الأفران العامة والخاصة بشكل عادل، دون حدوث أزمات كالتي شهدتها المنطقة بالآونة الأخيرة».
بالتوازي، أعلنت المؤسسة العامة السورية للحبوب والبذور الحكومية، تخصيص 450 مليار ليرة سورية (ما يعادل مليونا ونصف مليون دولار أميركي) لتسديد ثمن محصول القمح للعام الجاري دون تحديد سعره. وقال مدير المؤسسة يوسف قاسم في إفادة صحافية نشرتها وكالة الأنباء الرسمية (سانا) الأربعاء: «سيتم تسديد ثمن المحاصيل عبر المصارف الزراعية خلال 48 ساعة من تاريخ تسليم المحصول»، مشيراً إلى وجود 46 مركزا لشراء محصول في كل المحافظات السورية، إلى جانب وجود 5 صوامع تم تجهيزها وتأهيل صومعتين معدنيتين في محافظتي الرقة وحلب، والعمل على تأهيل صومعتين بنفس المنطقة. وأضاف أن «المراكز في أتم الجاهزية للمباشرة في عملية التسلم كما يمكن افتتاح مراكز مؤقتة حسب الحاجة الفعلية وبما يتوافق مع الإنتاج المتوقع».
4 ملايين طن
باتت سوريا مقسمة بين ثلاث مناطق نفوذ بين جهات دولية وإقليمية ومحلية متصارعة، حيث تحتاج مناطق النظام إلى مليوني طن من القمح سنوياً لتأمين حاجتها من الخبز، إضافة إلى 360 ألف طن من البذور، ونحو 800 ألف طن للاستخدامات الأخرى من صناعة البرغل، والمعكرونة، والفريكة، والسميد، وغيرها، بحسب إحصاءات وزارة الزراعة، ومجموعها يزيد على 3 ملايين طن.
أما مناطق الإدارة الذاتية الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من واشنطن، تحتاج إلى 600 ألف طن لطحين الخبز وبذور العام القادم، ونفس الرقم تحتاجه مناطق المعارضة السورية المسلحة الواقعة شمال غربي البلاد، حيث تنتشر فيها قواعد وجنود من الجيش التركي وتدعم فصائل مسلحة موالية.
تتوقع هيئة الاقتصاد لدى الإدارة أن إنتاج القمح خلال هذا الموسم لن يتجاوز بأفضل حال ٤٠٠ ألف طن بحسب تقارير من هيئات ولجان الاقتصاد المتابعة لخطة الإنتاج، وتشجيعاً لتسليم الموسم إلى سلطات الإدارة نقل سلمان بارودو: «سنقدم للإخوة الفلاحين كافة مستلزمات الزراعة من سماد ومبيدات وأدوية ومحروقات بالسعر المناسب للعام القادم، وسنسهل عملية تسليم محاصيلهم، وسندعم المشاريع الخاصة للراغبين بإنشاء محالج أقطان ومستودعات أعلاف». حيث أنتجت مناطق الإدارة الذاتية من محصول القمح 900 ألف طن عامي 2019 و2020 منها 600 ألف طن تم تخزينها للبذور وصناعة الخبز، أما موسم هذا العام وبحسب تقديرات خبراء اقتصاديين ومسؤولي الإدارة سيكون ربع إنتاج كل عام، بعد خروج المساحات المزروعة وتحولت مرعى للأغنام.
وأشار أكرم حسو الذي ترأس المجلس التنفيذي لإقليم الجزيرة عدة سنوات إلى «عجز الإدارة عن دعم القطاع الزراعي ودخوله مرحلة الموت السريري»، وطالب برفع سعر شراء سعر كيلو القمح إلى عتبة 50 سنتاً لتعويض التكاليف والخسائر التي يتكبدها المزارعون والفلاحون.
فيما يرى الخبير الزراعي محمد فتاح أن انعدام الهطولات المطرية الموسمية وتراجع كميات الإنتاج يهددان الأمن الغذائي للمنطقة خصوصاً وباقي أرجاء سوريا عموماً، وقال: «كان بالإمكان تدارك خسارة المواسم الزراعية لو بذل جهد إضافي بوضع خطة استراتيجية بعيدة المدى، كتخزين كميات من المياه خلف السدود للاستفادة منها خلال سنوات الجفاف»، لافتاً أن غالبية الأراضي الزراعة البعلية تحولت إلى مساحة لرعاة الأغنام، وأشار إلى أن نسبة الضرر الزراعي وصلت إلى 90 في المائة نتيجة انحسار الأمطار بشكل عام.
وهذه الخسارة ستنعكس سلباً على الآلاف من الفلاحين والعمال الذين يكسبون عيشهم من خلال العمل في المحاصيل الزراعية الموسمية، إضافة إلى سقاية وجني المحاصيل ومنها العطرية والبقوليات والعمل في التعبئة والنقل وعمال وسائقي الجرارات والحصادات الزراعية، وأعرب فتاح عن أمله أن تكون المساحات المروية على الآبار البحرية «طوق النجاة» للقطاع الزراعي.
وتقول منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو» في تقرير صدر عنها العام الماضي إن سوريا باتت تنتج من القمح ثلث الكمية مقارنة مع إنتاج القمح في عام 2019 والذي قدر بنحو 2.2 مليون طن مقابل 1.2 مليون طن لعام 2018، بينما قدر إنتاج سوريا من القمح قبل عام 2010 بنحو 4.1 مليون طن.
وكان وزير الاقتصاد السوري محمد سامر الخليل كشف في تصريحات صحافية أن سوريا تستورد ما بين 180 ألفاً و200 ألف طن من القمح شهرياً بتكلفة 400 مليون دولار أميركي، بينما رفعت سلطات الإدارة الذاتية العام الفائت سعر شراء محصول القمح المحلي وربطته بقيمة الدولار وبلغ آنذاك 17 سنتاً أميركياً للكيلوغرام الواحد، مما أثار الشكوك حيال الكميات التي سيكون بوسع الحكومة شراؤها، وشدد مسؤولو الإدارة على أن خطتها للعام الجاري تستهدف تخزين ما يكفي 18 شهراً وعدم السماح بالبيع إلى الحكومة إلا إذا توافر فائض.
يذكر أن معدل هطول الأمطار هذا العام وصل بشكل نسبي إلى ما يقارب 140 ملم، وهي كمية غير كافية لإنتاج موسم زراعي مقبول إذ كانت المعدلات في الأعوام السابقة تراوحت وسطياً إلى 400 ملم.
إلى ذلك، رفعت «الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا» أسعار المحروقات بنسب فاقت المائة في المائة، وتعد الأعلى التي تقرها حتى الآن، وهو ما أثار انتقادات حادة.
وبموجب القرار 119، رُفعت أسعار عدد من المشتقات النفطية بنسب تراوحت بين المائة والـ300 في المائة.
وحسب القرار حددت الإدارة سعر ليتر البنزين بـ410 ليرات سورية، ارتفاعاً من 210 ليرات، بينما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي من 2500 ليرة إلى 8000 ليرة، وارتفع سعر مثيله المخصص للمنشآت الصناعية والتجارية من 5 آلاف ليرة إلى 15 ألف ليرة.
كذلك أسعار المازوت شهدت ارتفاعات بنسب متفاوتة، إذ حددت الإدارة سعر المازوت المخصص للتدفئة والزراعة بـ250 ليرة، ارتفاعاً من 75 ليرة لكل ليتر، أما سعر مثيله المخصص للمطاحن والأفران فارتفع من 75 ليرة إلى 100 ليرة، بينما ارتفع سعر المخصص منه لمكتب الصناعة والخدمات إلى 300 ليرة من 150 ليرة.
ولم تذكر «الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي لشمال وشرق وسوريا» مسوغات القرار الذي قوبل بانتقادات شديدة، واكتفت بالإشارة إلى أنه جاء بناء على مقترح إدارة المحروقات العامة، وعلى «مقتضيات المصلحة العامة».



الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
TT

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)

تتسع مظاهر التضييق الحوثي على السكان في ريف محافظتَي تعز ولحج (جنوب غربي اليمن)، مع تفجير طرق وعبّارات تربط القرى بمراكز المديريات، وإقامة متاريس وخنادق عسكرية، بالتزامن مع حملات اختطاف ومداهمات لمنازل النازحين، واعتداءات على مصادر مياه الشرب، في ممارسات تعطل حياة السكان وتثير مخاوف من موجات نزوح جديدة.

وتتركز الانتهاكات الحوثية بشكل جلي في مديريات: الشمايتين والمواسط التابعتين لتعز، والمقاطرة المجاورة لها في لحج، والتي ترتبط بجغرافيا استراتيجية واسعة ومهمة وتعداد سكاني كبير. وتتناقض تلك الممارسات مع مساعي الجماعة لتطبيع الحياة وإقناع السكان بنفوذها وإجراءاتها، ومحاولات استقطاب المتعاونين وتجنيد مقاتلين، باستخدام وسائل إغراء متعددة.

وأعلن محور طور الباحة التابع للجيش اليمني، السبت الماضي، عن مقتل 8 جنود من قواته في مديرية المقاطرة بقصف حوثي دون إيراد تفاصيل بشأن الواقعة، في حين كشفت مصادر محلية عن أن عناصر الجماعة الحوثية في مديرية الشمايتين استهدفوا بقذيفة مدفعية تجمعاً لجنود المحور في أحد المقار العسكرية.

وذكر سكان في المقاطرة لـ«الشرق الأوسط» أن مسلحي الجماعة الحوثية أقدموا على تخريب عدد من الطرق التي تربط قراهم بالشمايتين ومدينة التربة.

الحوثيون يلجأون إلى تفجير الطرق لفرض عقاب جماعي على سكان تعز ولحج (إكس)

وبتفجيرها عدداً من العبّارات، الأحد الماضي، أغلقت الجماعة الحوثية بشكل نهائي، طريق «هيجة العبد»، وهي الطريق الرئيسية التي تربط محافظة تعز بمحافظتَي لحج وعدن؛ مما اضطر المسافرين وسائقي الشاحنات إلى سلوك طريق «الصُحى كَربة».

وشهدت هذه الطريق البديلة، الثلاثاء، انقلاب 5 شاحنات محملة بالبضائع والسلع الأساسية، متسببة في إيقاف الحركة ساعات عدة، وتعرض كثير من السلع للتلف؛ في ظل نقص حاد بالمواد التموينية تشهده المناطق بعد سيطرة الجماعة عليها.

وكانت الحكومة اليمنية أجرت عملية تهيئة لطريق «الصُحى كَربة» لتكون بديلة لطريق «هيجة العبد» التي تشهد حالات إغلاق متكررة بسبب الاعتداءات الحوثية والسيول، إلا إن وعورة الطريق وضيق مساراتها يَحولان دون تَحوّلها بديلاً دائماً.

عزل القرى

فجّرت الجماعة الحوثية، أيضاً، عبّارات أخرى في طريق «نقيل مُصَير» الرابطة بين قرى غرب المديرية ومدينة التربة؛ مركز مديرية الشمايتين، مما اضطر السكان إلى الذهاب للتسوق وقضاء أغراضهم مشياً على الأقدام، في حين لم يعد بإمكان السيارات الانتقال إلى المدينة إلا عبر طريق كربة التي يحتاج الوصول إليها 3 ساعات على الأقل في طرق وعرة.

مناطق ريف تعز ولحج تشكل جغرافيا استراتيجية واسعة ومهمة وتعداداً سكانياً كبيراً (خرائط غوغل)

كما تعمدت الجماعة تخريب طريق «نقيل الخَزِرة»، وهي عبارة عن سلم حجري يربط بين قرية الشرف ومنطقة الجاهلي في الشمايتين وقرى في الجهات الشرقية من المقاطرة، بتفجير جزء منها؛ ما يعرقل حركة السكان وتنقلهم، ويضطرهم إلى التوجه نحو طرق بعيدة.

و«النقيل» تسمية يمنية للطريق الجبلية المتعرجة التي تربط أعالي الجبال بالسفوح والمنخفضات، وينشئ السكان سلالم حجرية طويلة لتسهيل الحركة عليها.

وتسببت التفجيرات في سقوط كتل صخرية ضخمة على المدرجات الزراعية وتخريبها، إلى جانب إصابات تعرضت لها المنازل.

وذكر سكان في المديريتين لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الجماعة الحوثية أنشأوا متاريس وثكنات وحفروا خنادق على كل الطرق الرابطة بين المديريتين، ونصبوا أسلحة متنوعة باتجاه مديرية المقاطرة؛ مما جعل الأهالي هناك في حالة قلق من استهدافهم تحت أي مبرر.

ولم تتقدم الجماعة الحوثية في مديرية المقاطرة إلا بضعة كيلومترات على طريق «هيجة العبد» للسيطرة عليها وتفجير العبّارات، إلى جانب سيطرتها على الأجزاء الشرقية من المديرية.

الحوثيون فجروا عدداً من الطرق الريفية بعد أن قضى السكان سنوات طويلة في إنشائها (فيسبوك)

ويرى مراقبون أن الجماعة تَعدّ سيطرتَها على المرتفعات كافة في الشمايتين المطلة على المقاطرة كافيةً في هذا الوقت، حيث تضعها تحت سيطرتها النارية، وتتمكن عبرها من مراقبة أي تحركات عسكرية قريبة.

إرهاب السكان

اختطفت الجماعة الحوثية نحو 20 شخصاً من منطقة قَدَس، التابعة لمديرية المواسط، بعد حريق تعرضت له سيارة تخص ما تُعرف بـ«لجنة الدعوة» التابعة للحوثيين، التي تعمل على مخاطبة الأهالي لإقناعهم بمشروع الجماعة وتوجهاتها الطائفية.

واتهمت الجماعة سكان قرية المكيشة بإحراق السيارة، وبدأت ملاحقتهم وفرض إجراءات أمنية مشددة في المنطقة، نشرت خلالها عشرات المسلحين واستحدثت نقاط تفتيش أجبرت المارة على فتح هواتفهم والإفصاح عن أسباب تحركاتهم وتنقلهم.

إطلالة من مدينة التربة في تعز على الطرف الشمالي الغربي من مديرية المقاطرة (فيسبوك)

ونهب مسلحو الجماعة في منطقة العلقمة غرب مديرية الشمايتين منازل السكان الذين نزحوا من جراء المواجهات العسكرية التي جرت هناك بعد تقدم الجماعة الحوثية من اتجاه مديرية الوازعية.

ووفق سكان المنطقة، فقد اقتحمت الجماعة منازل النازحين بعد كسر أبوابها، بحجة البحث عن أسلحة، متهمة مالكي المنازل بالتعاون مع الجيش اليمني و«تحالف دعم الشرعية»، إلا إن الاقتحام لم يقتصر على التفتيش، بل جرى الاستيلاء على المحتويات ونقلها على سيارات إلى خارج المنطقة.

وتزداد المخاوف في ريف محافظة تعز من تصاعد الممارسات الحوثية واتساع رقعة حملات المداهمة والاختطاف؛ مما قد يدفع بالمئات من السكان إلى النزوح خارج مناطقهم باتجاه محافظتي لحج وعدن.


تحذير دولي: الحوثيون وضعوا تعز على حافة الكارثة

سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
TT

تحذير دولي: الحوثيون وضعوا تعز على حافة الكارثة

سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)

دفعت القيود التي تفرضها الجماعة الحوثية على مدينة تعز اليمنية ومحيطها، مع تصاعد الهجمات على الأحياء السكنية وقَطع الطرق الحيوية، الأوضاع الإنسانية إلى مزيد من التدهور، وسط تحذيرات منظمة العفو الدولية من نقص الغذاء والمياه والأدوية، وتوثيق مقتل وإصابة 51 مدنياً خلال أسبوع واحد.

وقالت منظمة العفو الدولية: «على سلطات الحوثيين فتح الطرق الحيوية في تعز ومحيطها فوراً»، محذِّرة من أن إغلاق المنافذ وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية يعرّضان مئات الآلاف من السكان لمخاطر جسيمة، في ظلِّ تجدُّد الاشتباكات مع القوات الحكومية واقتراب المواجهات من المناطق المكتظة بالسكان.

وأوضحت المنظمة أن الجماعة شدَّدت سيطرتها على محيط المدينة، عقب قَطع الطريق الرئيسي الذي يربط تعز بعدن في أكتوبر (تشرين الأول)، ما فاقم المخاوف من وقوع كارثة إنسانية حادة، خصوصاً مع صعوبة وصول السكان إلى الإمدادات الأساسية والخدمات الصحية.

وقالت هبة مرايف، المديرة الإقليمية لمنظمة العفو الدولية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن سكان تعز، ثالث أكبر مدن اليمن، يعانون منذ سنوات تداعيات النزاع، مشيرة إلى أن المدينة تستضيف أكبر عدد من النازحين داخلياً في البلاد.

جهود حكومية لرفع أكوام القمامة من شوارع تعز بعد إغلاق الحوثيين منافذها (رويترز)

وأضافت أن الحوثيين حاصروا المدينة في مراحل مختلفة منذ عام 2015، وأغلقوا طرقاً رئيسية تربطها بالمدن والبلدات الأخرى، ما اضطر المدنيِّين إلى استخدام طرق جبلية خطرة وسيئة الصيانة. وحذَّرت من أن السكان يواجهون مجدداً نقصاً حاداً في السلع الأساسية، بما فيها الغذاء والمياه والأدوية.

وشدَّدت مرايف على أن القانون الدولي يلزم أطراف النزاع بتيسير وصول المساعدات الإنسانية المحايدة إلى المدنيِّين المحتاجين بسرعة ودون عوائق، والسماح للمدنيِّين الراغبين في المغادرة بالخروج بحرية وأمان، وضمان حرية حركة العاملين في مجال الإغاثة.

ودعت المجتمع الدولي والدول المانحة إلى تكثيف الدعم الإنساني لليمن، وممارسة ضغوط عاجلة ومتكررة لفتح الطرق المؤدية إلى تعز، والإفراج عن المحتجزين تعسفياً بمَن فيهم العاملون في المجال الإنساني، محذِّرة من أن تراجع التمويل الإغاثي، وتدهور الاقتصاد، وتصاعد القتال، عوامل تزيد هشاشة الأوضاع المعيشية.

51 ضحية خلال أسبوع

بالتوازي مع التحذيرات الدولية، وثَّقت منظمة «رصد» للحقوق والحريات مقتل وإصابة 51 مدنياً في محافظة تعز خلال الفترة من 14 إلى 20 أكتوبر الحالي، جراء القصف والقنص والاستهدافات التي طالت الأحياء والقرى السكنية.

وأوضحت المنظمة، في بيان، الخميس، أنَّ الهجمات أسفرت عن مقتل 9 مدنيِّين، بينهم 6 نساء و3 رجال، وإصابة 42 آخرين، بينهم 12 طفلاً و12 امرأة و18 رجلاً.

هجمات الحوثيين تسببت في نزوح نحو 260 ألف يمني نصفهم في محافظة تعز (إعلام محلي)

من جهته، أفاد المكتب الحكومي المعني بشؤون الحصار في تعز، في تقريره الأسبوعي، بأن القصف المدفعي والصاروخي والطائرات المسيّرة والألغام طالت مناطق سكنية متفرقة، مطالباً المنظمات الدولية والأممية بالتدخل العاجل لحماية المدنيِّين ووقف الهجمات.

وحذَّرت منظمة «رصد» من أن الهجمات المُتعمَدة على المدنيِّين والأعيان المدنية قد ترقى إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة، داعية إلى تحقيقات مستقلة وشفافة تحدد المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى المتضررين دون عوائق.

وتواجه تعز، التي تعاني من إغلاق طرق رئيسية منذ سنوات، تحديات متفاقمة في حركة السكان وإيصال الإمدادات، في وقت تزداد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار المواجهات وعرقلة المساعدات إلى تعميق الأزمة الإنسانية في المدينة ومناطقها الريفية.


جبهات تعز تستبسل في كبح الهجمات الحوثية على المدينة

جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
TT

جبهات تعز تستبسل في كبح الهجمات الحوثية على المدينة

جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)

استبسلت القوات الحكومية اليمنية والمقاومة الشعبية، الخميس، في صد الهجمات الحوثية على جبهات مدينة تعز المحاصرة، وسط معارك عنيفة تركزت غرب المدينة وجنوبها، بالتزامن مع إسناد جوي مكثف ضمن عملية «فجر اليمن» التي دخلت يومها الثامن عشر، فيما أنذرت وزارة الدفاع اليمنية السكان في مناطق سيطرة الجماعة من المشاركة في تجمعات التحشيد، محذرة من أنها ستُعد أهدافاً عسكرية مشروعة.

وتشير المصادر الميدانية إلى أن المواجهات تتركز في محيط المطار القديم ومناطق مدرات وجبل هان والضباب غرب تعز، وصولاً إلى جبهات الشقب والأقروض والمسراخ جنوباً، وسط مقاومة شرسة لمحاولات التقدم الحوثية.

وكان المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري أكد أن المعارك غرب المدينة استمرت أكثر من ست ساعات، مشيراً إلى تكبد الجماعة خسائر خلال محاولاتها الهجومية، بدعم من الطيران الحربي والطائرات المسيّرة التابعة للقوات الحكومية.

وأحبطت القوات الحكومية، وفق مصادر محلية، سلسلة هجمات استهدفت معسكر اللواء 35 مدرع في محيط المطار القديم، ومناطق مدرات وصبر الموادم والمسراخ، فيما شنت المقاتلات غارات على تجمعات وآليات وتعزيزات ومنصات إطلاق صواريخ في محيط جبل هان ومدرات والربيعي والأقروض، إضافة إلى منطقة الجند شرق تعز.

دخان يتصاعد من موقع قصفه الحوثيون في مدينة تعز (أ.ف.ب)

وتأتي هذه التطورات وسط استمرار الجماعة في الدفع بمقاتلين وتعزيزات عسكرية إلى جبهات القتال، في محاولة لزيادة الضغط على المدينة المحاصرة، بينما تواصل القوات الحكومية التصدي للهجمات ومنع الحوثيين من استعادة المواقع التي خسروها.

ضربات على عدة جبهات

في إطار عملية «فجر اليمن»،كان المتحدث العسكري باسم الجيش اليمني ماجد النزيلي أعلن تنفيذ 835 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، قال إنها أسفرت عن تحييد نحو 285 عنصراً وقيادياً حوثياً، وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية وعربة ووسيلة عسكرية، بينها طائرات مسيّرة.

وأوضح النزيلي أن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية أحبطت محاولات حوثية لاستعادة مواقع في تعز، بينما استمرت الضربات الجوية ضد تحركات الجماعة وتحصيناتها في غرب مأرب وشمالها وشرقها.

دخان يتصاعد من موقع قصفه الحوثيون في مدينة تعز (أ.ف.ب)

وحسب تقارير الجيش اليمني، بلغت العمليات المنفذة ضد الحوثيين منذ بدء عملية «فجر اليمن» في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، نحو 20 ألف عملية برية وجوية وسط تقديرات بسقوط أكثر من 15 ألف عنصر حوثي بين قتيل وجريح.

وذكرت المصادر العسكرية أن الطيران الحربي شنّ خلال الساعات الماضية سلسلة غارات على تعزيزات حوثية في منطقة النشمة، إلى جانب غارات في الأقروض والبركاني جنوب تعز والعرسوم شمالها. وأفادت المصادر العسكرية بأن الضربات خلفت قتلى وجرحى، ودمرت عتاداً عسكرياً.

وفي جبهة كهبوب غرب محافظة لحج، أحبطت القوات الحكومية هجوماً حوثياً جديداً، كما تصدت لمحاولة تقدم في جبهة الكعللة التابعة لمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت تتواصل فيه المواجهات على أكثر من محور بالتزامن مع تكثيف الضربات الجوية ضد التعزيزات والتحركات العسكرية للجماعة.

إنذار من التحشيدات

في تطور يعكس مخاوف الحكومة اليمنية من توسيع الجماعة الحوثية عمليات التعبئة والتجنيد لتعويض خسائرها في الجبهات، حذرت وزارة الدفاع، المواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين من المشاركة في التجمعات التي تنظمها الجماعة تحت أسماء النكف القبلي والاحتشاد الجماهيري والدورات الثقافية.

وقالت الوزارة إن الحوثيين يستغلون هذه التجمعات لتحشيد الأطفال والشباب والمغرر بهم، والزج بهم في العمليات القتالية، داعية السكان إلى الابتعاد عنها وعدم السماح باستغلال أبنائهم وتعريض حياتهم للخطر. وأكدت أن التجمعات من هذا النوع ستُعد أهدافاً عسكرية مشروعة.

مقاتلون من القوات الحكومية اليمنية يستقلون شاحنة صغيرة خلال معارك ضد الحوثيين غرب تعز (أ.ف.ب)

ويأتي التحذير بالتزامن مع استمرار عملية «فجر اليمن» التي أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أنها لن تتوقف قبل تحقيق أهدافها، بما في ذلك استعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.

وكان العليمي دعا، خلال لقاءات مع سفراء أجانب معتمدين لدى اليمن، إلى دعم مساعي تصنيف الجماعة الحوثية منظمة إرهابية، ومنع تدفق الأسلحة والتقنيات إليها وتجفيف مصادر تمويلها.

كما شدّد على أن الهجمات على المطارات المدنية والأحياء السكنية، وتهديد الملاحة الدولية يستدعيان انتقال المجتمع الدولي من الإدانة إلى إجراءات عملية لمواجهة مصادر الخطر.