تنافس بين دمشق والقامشلي على محصول القمح السوري

TT

تنافس بين دمشق والقامشلي على محصول القمح السوري

جفت عشرات الآلاف من الهكتارات من الأراضي الزراعية في شمال شرقي سوريا، جراء انعدام الهطولات المطرية الموسمية، وتضرر موسم القمح والشعير المروية بعلاً على سلة سوريا الغذائية، ما ينذر بانخفاض كبير في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية ومرور عام قاسٍ على سكان المنطقة وعموم سوريا.
وتحولت من دولة مكتفية ذاتياً بالقمح والخبز إلى جائعة تزامنا مع استمرار الأزمة الاقتصادية، وتذبذب أسعار صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة السورية، لتسجل هذه الأيام بحدود 3100 ألف ليرة للدولار.
وخرج نحو 265 ألف هكتار مخصصة لزراعة القمح من الموسم، من أصل 390 ألف من بين إنتاج العام الجاري، إضافة إلى تضرر موسم الشعير بعد خروج نحو 400 ألف هكتار من الموسم البعل من خطة الإنتاج، مع بقاء 125 ألف هكتار من القمح المروي و20 ألف هكتار من الشعير المروي ضمن خطة الإنتاج، وقد تكون المساحات أكثر من ذلك إذ تقدر المساحات القابلة للزراعة في محافظة الحسكة نحو مليون هكتار، دون وجود معطيات كاملة حول حجم الضرر النهائي بإنتاج هذا الموسم إلى حين انتهاء الحصاد.
ورغم هذه الأرقام المتدنية وتوقعات بربع الإنتاج إلى ما دون نصف مليون طن من مادة القمح وربع مليون طن من مادة الشعير، دخلت «الإدارة الذاتية»، والحكومة السورية في مضمار المنافسة لشراء إنتاج هذا العام، وحجبت الجهتان تحديد أسعار القمح والشعير بانتظار انتهاء موسم الحصاد وتحديد كميات الإنتاج.
وقال سلمان بارودو رئيس هيئة الاقتصاد والزراعة في «الإدارة» لـ«الشرق الوسط» إنها أتمت كافة الاستعدادات لتسلم مادتي القمح والشعير من الفلاحين والمزارعين وشراء محاصيلهم. وقال: «قمنا بإصدار التعميم حفاظاً على إنتاج الموسم لأن مناطق الإدارة بأمس الحاجة لها، ومن خلال هذا التعميم يمنع نقل مادتي الشعير والقمح حتى بين مناطق الإدارات نفسها»، مشيراً إلى أن الصوامع الخاضعة لسيطرة الإدارة بحالة جيدة وتم تعقيمها والتأكد من جاهزيتها بشكل كامل، وعن الهدف من قرارات منع تجارة القمح ونقله بين مناطق الإدارة أوضح قائلاً: «بهدف الحفاظ على البذور للسنوات القادمة ومن أجل توزيع مادة الطحين على الأفران العامة والخاصة بشكل عادل، دون حدوث أزمات كالتي شهدتها المنطقة بالآونة الأخيرة».
بالتوازي، أعلنت المؤسسة العامة السورية للحبوب والبذور الحكومية، تخصيص 450 مليار ليرة سورية (ما يعادل مليونا ونصف مليون دولار أميركي) لتسديد ثمن محصول القمح للعام الجاري دون تحديد سعره. وقال مدير المؤسسة يوسف قاسم في إفادة صحافية نشرتها وكالة الأنباء الرسمية (سانا) الأربعاء: «سيتم تسديد ثمن المحاصيل عبر المصارف الزراعية خلال 48 ساعة من تاريخ تسليم المحصول»، مشيراً إلى وجود 46 مركزا لشراء محصول في كل المحافظات السورية، إلى جانب وجود 5 صوامع تم تجهيزها وتأهيل صومعتين معدنيتين في محافظتي الرقة وحلب، والعمل على تأهيل صومعتين بنفس المنطقة. وأضاف أن «المراكز في أتم الجاهزية للمباشرة في عملية التسلم كما يمكن افتتاح مراكز مؤقتة حسب الحاجة الفعلية وبما يتوافق مع الإنتاج المتوقع».
4 ملايين طن
باتت سوريا مقسمة بين ثلاث مناطق نفوذ بين جهات دولية وإقليمية ومحلية متصارعة، حيث تحتاج مناطق النظام إلى مليوني طن من القمح سنوياً لتأمين حاجتها من الخبز، إضافة إلى 360 ألف طن من البذور، ونحو 800 ألف طن للاستخدامات الأخرى من صناعة البرغل، والمعكرونة، والفريكة، والسميد، وغيرها، بحسب إحصاءات وزارة الزراعة، ومجموعها يزيد على 3 ملايين طن.
أما مناطق الإدارة الذاتية الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من واشنطن، تحتاج إلى 600 ألف طن لطحين الخبز وبذور العام القادم، ونفس الرقم تحتاجه مناطق المعارضة السورية المسلحة الواقعة شمال غربي البلاد، حيث تنتشر فيها قواعد وجنود من الجيش التركي وتدعم فصائل مسلحة موالية.
تتوقع هيئة الاقتصاد لدى الإدارة أن إنتاج القمح خلال هذا الموسم لن يتجاوز بأفضل حال ٤٠٠ ألف طن بحسب تقارير من هيئات ولجان الاقتصاد المتابعة لخطة الإنتاج، وتشجيعاً لتسليم الموسم إلى سلطات الإدارة نقل سلمان بارودو: «سنقدم للإخوة الفلاحين كافة مستلزمات الزراعة من سماد ومبيدات وأدوية ومحروقات بالسعر المناسب للعام القادم، وسنسهل عملية تسليم محاصيلهم، وسندعم المشاريع الخاصة للراغبين بإنشاء محالج أقطان ومستودعات أعلاف». حيث أنتجت مناطق الإدارة الذاتية من محصول القمح 900 ألف طن عامي 2019 و2020 منها 600 ألف طن تم تخزينها للبذور وصناعة الخبز، أما موسم هذا العام وبحسب تقديرات خبراء اقتصاديين ومسؤولي الإدارة سيكون ربع إنتاج كل عام، بعد خروج المساحات المزروعة وتحولت مرعى للأغنام.
وأشار أكرم حسو الذي ترأس المجلس التنفيذي لإقليم الجزيرة عدة سنوات إلى «عجز الإدارة عن دعم القطاع الزراعي ودخوله مرحلة الموت السريري»، وطالب برفع سعر شراء سعر كيلو القمح إلى عتبة 50 سنتاً لتعويض التكاليف والخسائر التي يتكبدها المزارعون والفلاحون.
فيما يرى الخبير الزراعي محمد فتاح أن انعدام الهطولات المطرية الموسمية وتراجع كميات الإنتاج يهددان الأمن الغذائي للمنطقة خصوصاً وباقي أرجاء سوريا عموماً، وقال: «كان بالإمكان تدارك خسارة المواسم الزراعية لو بذل جهد إضافي بوضع خطة استراتيجية بعيدة المدى، كتخزين كميات من المياه خلف السدود للاستفادة منها خلال سنوات الجفاف»، لافتاً أن غالبية الأراضي الزراعة البعلية تحولت إلى مساحة لرعاة الأغنام، وأشار إلى أن نسبة الضرر الزراعي وصلت إلى 90 في المائة نتيجة انحسار الأمطار بشكل عام.
وهذه الخسارة ستنعكس سلباً على الآلاف من الفلاحين والعمال الذين يكسبون عيشهم من خلال العمل في المحاصيل الزراعية الموسمية، إضافة إلى سقاية وجني المحاصيل ومنها العطرية والبقوليات والعمل في التعبئة والنقل وعمال وسائقي الجرارات والحصادات الزراعية، وأعرب فتاح عن أمله أن تكون المساحات المروية على الآبار البحرية «طوق النجاة» للقطاع الزراعي.
وتقول منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو» في تقرير صدر عنها العام الماضي إن سوريا باتت تنتج من القمح ثلث الكمية مقارنة مع إنتاج القمح في عام 2019 والذي قدر بنحو 2.2 مليون طن مقابل 1.2 مليون طن لعام 2018، بينما قدر إنتاج سوريا من القمح قبل عام 2010 بنحو 4.1 مليون طن.
وكان وزير الاقتصاد السوري محمد سامر الخليل كشف في تصريحات صحافية أن سوريا تستورد ما بين 180 ألفاً و200 ألف طن من القمح شهرياً بتكلفة 400 مليون دولار أميركي، بينما رفعت سلطات الإدارة الذاتية العام الفائت سعر شراء محصول القمح المحلي وربطته بقيمة الدولار وبلغ آنذاك 17 سنتاً أميركياً للكيلوغرام الواحد، مما أثار الشكوك حيال الكميات التي سيكون بوسع الحكومة شراؤها، وشدد مسؤولو الإدارة على أن خطتها للعام الجاري تستهدف تخزين ما يكفي 18 شهراً وعدم السماح بالبيع إلى الحكومة إلا إذا توافر فائض.
يذكر أن معدل هطول الأمطار هذا العام وصل بشكل نسبي إلى ما يقارب 140 ملم، وهي كمية غير كافية لإنتاج موسم زراعي مقبول إذ كانت المعدلات في الأعوام السابقة تراوحت وسطياً إلى 400 ملم.
إلى ذلك، رفعت «الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا» أسعار المحروقات بنسب فاقت المائة في المائة، وتعد الأعلى التي تقرها حتى الآن، وهو ما أثار انتقادات حادة.
وبموجب القرار 119، رُفعت أسعار عدد من المشتقات النفطية بنسب تراوحت بين المائة والـ300 في المائة.
وحسب القرار حددت الإدارة سعر ليتر البنزين بـ410 ليرات سورية، ارتفاعاً من 210 ليرات، بينما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي من 2500 ليرة إلى 8000 ليرة، وارتفع سعر مثيله المخصص للمنشآت الصناعية والتجارية من 5 آلاف ليرة إلى 15 ألف ليرة.
كذلك أسعار المازوت شهدت ارتفاعات بنسب متفاوتة، إذ حددت الإدارة سعر المازوت المخصص للتدفئة والزراعة بـ250 ليرة، ارتفاعاً من 75 ليرة لكل ليتر، أما سعر مثيله المخصص للمطاحن والأفران فارتفع من 75 ليرة إلى 100 ليرة، بينما ارتفع سعر المخصص منه لمكتب الصناعة والخدمات إلى 300 ليرة من 150 ليرة.
ولم تذكر «الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي لشمال وشرق وسوريا» مسوغات القرار الذي قوبل بانتقادات شديدة، واكتفت بالإشارة إلى أنه جاء بناء على مقترح إدارة المحروقات العامة، وعلى «مقتضيات المصلحة العامة».



الأمم المتحدة ترصد جيوب مجاعة في مناطق شمال اليمن

تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن (الأمم المتحدة)
تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن (الأمم المتحدة)
TT

الأمم المتحدة ترصد جيوب مجاعة في مناطق شمال اليمن

تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن (الأمم المتحدة)
تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن (الأمم المتحدة)

كشفت بيانات أممية حديثة عن بدء ظهور جيوب مجاعة في مناطق سيطرة الحوثيين شمال اليمن، في ظل تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية، وتراجع حاد في التمويل الإنساني، ما يهدد بانزلاق ملايين اليمنيين إلى مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي.

وأكدت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) أن اليمن لا يزال يسجل أعلى معدل عالمي للسكان الواقعين في المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (حالة الطوارئ)، وسط تحذيرات من اتساع نطاق المجاعة إذا استمرت أزمة التمويل وتعثر وصول المساعدات الإنسانية.

وذكرت المنظمة في تقرير حديث أن وضع الأمن الغذائي في اليمن لا يزال «مقلقاً للغاية»، متوقعة أن يواجه نحو 18.7 مليون شخص، أي ما يعادل 53 في المائة من السكان، مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد حتى نهاية العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

اضطرابات الملاحة الإقليمية رفعت أسعار الوقود والسلع (إعلام محلي)

وأوضح التقرير الخاص بالتوقعات قصيرة المدى وتداعياتها على الأمن الغذائي، أن اليمن يتحمل حالياً أعلى عبء عالمي للسكان المحاصرين في المرحلة الرابعة من التصنيف؛ إذ تشمل هذه الفئة نحو 17 في المائة من السكان، وهي مرحلة يرتفع فيها خطر الوفيات المرتبطة بالجوع وسوء التغذية بصورة متزايدة.

مؤشرات مجاعة

أشار التقرير الأممي إلى بدء ظهور جيوب معزولة من الظروف الكارثية المصنفة ضمن المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي المرحلة المرتبطة بالمجاعة؛ خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وأرجعت الأمم المتحدة هذا التدهور إلى تداخل عوامل عدة، أبرزها استمرار حالة عدم الاستقرار، والنقص الحاد في التمويل الإنساني؛ إذ لم تُغطَّ سوى 13 في المائة من الاحتياجات الإنسانية حتى مايو (أيار) الحالي، إلى جانب تداعيات التوترات الجيوسياسية الإقليمية.

وأضاف التقرير أن اضطرابات الملاحة والتجارة الإقليمية أسهمت في رفع تكاليف الوقود، الأمر الذي انعكس على أسعار النقل والمواد الغذائية والمدخلات الزراعية، وزاد الضغوط على الأسر اليمنية التي تعاني أصلاً من تراجع القدرة الشرائية.

غرق أكثر من نصف سكان اليمن في دائرة انعدام الغذاء (إعلام محلي)

وحذرت «فاو» من أن استمرار تعثر وصول المساعدات الإنسانية، وعدم توفير تمويل عاجل ومتعدد السنوات، قد يدفع البلاد إلى الانزلاق نحو ظروف كارثية أوسع نطاقاً ضمن المرحلة الخامسة المرتبطة بالمجاعة.

وعلى الرغم من تسجيل الحد الأدنى لسعر سلة الغذاء انخفاضاً سنوياً بنسبة 26 في المائة، وبنسبة 9 في المائة مقارنة بمتوسط السنوات الثلاث الماضية، أكد التقرير أن القدرة الفعلية على الحصول على الغذاء لا تزال محدودة، بسبب عدم انتظام صرف الرواتب العامة، واستمرار آثار التضخم المتراكم خلال السنوات الماضية.

ضغوط اقتصادية

حسب التقرير الأممي، فإن الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة دفعت تكاليف الوقود إلى الاقتراب من متوسطها خلال السنوات الثلاث الماضية، مع ارتفاع طفيف في أسعار الديزل، ما أعاد الضغوط على الأسر والأنشطة الاقتصادية.

وفيما يتعلق بواردات الغذاء والوقود خلال أبريل (نيسان) الماضي، أظهرت البيانات الأممية تبايناً بين المناطق اليمنية؛ إذ ارتفعت واردات القمح والدقيق عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين، في حين تراجعت بصورة حادة في الموانئ التابعة للحكومة.

كما ارتفعت واردات الوقود إلى مناطق سيطرة الحوثيين بنسبة 71 في المائة على أساس شهري، عقب استئناف العمل في ميناء رأس عيسى النفطي، بعد فترة توقف بسبب الغارات الإسرائيلية.

وأكد التقرير أن الضغوط الاقتصادية المتراكمة، إلى جانب تداعيات الصراع الممتد والصدمات المناخية المتزايدة، ألحقت أضراراً واسعة بمصادر دخل الأسر اليمنية وأصولها الإنتاجية، وأسهمت في غرق أكثر من نصف السكان في دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد، ودفع الملايين نحو الفقر المدقع.

وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن أسعار المواد الغذائية الأساسية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة ظلت مستقرة نسبياً، وانخفضت بنسبة تراوح بين 22 و30 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بدعم من تحسن قيمة العملة المحلية واستقرار سعر الصرف.

إلا أن المنظمة الأممية حذرت من هشاشة هذا الاستقرار، مؤكدة أن أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو تكاليف الشحن والنقل قد يعيد الضغوط التصاعدية على أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة.

وفيما يخص سوق العمل، أوضح التقرير أن الأجور الزراعية بقيت مستقرة عند مستويات أعلى بنسبة 6 في المائة على أساس سنوي، بينما تراجعت أجور العمالة المؤقتة بنسبة 11 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في مؤشر على استمرار ضعف فرص الدخل خارج القطاع الزراعي.


عيد ثقيل عاشه النازحون في مناطق سيطرة الحوثيين

أسرة يمنية نازحة تفترش أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)
أسرة يمنية نازحة تفترش أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

عيد ثقيل عاشه النازحون في مناطق سيطرة الحوثيين

أسرة يمنية نازحة تفترش أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)
أسرة يمنية نازحة تفترش أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)

حلّ عيد الأضحى المبارك هذا العام على آلاف الأسر اليمنية النازحة في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية وسط أوضاع إنسانية ومعيشية قاسية، جعلت من مظاهر الفرح المرتبطة بالمناسبة حلماً بعيد المنال لكثير من العائلات التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وفي حين استقبل السكان الميسورون في مناطق سيطرة الجماعة العيد بالأضاحي والملابس الجديدة والزيارات العائلية، عاش النازحون في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وسط تفاقم الفقر والجوع وانعدام مصادر الدخل.

وتعيش فئة النازحين داخلياً في مناطق سيطرة الحوثيين مأساة إنسانية معقدة، نتيجة استمرار تداعيات الصراع الدامي والانهيار الاقتصادي الحاد في اليمن لسنوات طويلة.

وتشير التقارير الأممية والدولية إلى أن ملايين اليمنيين يواجهون ظروفاً معيشية وصحية كارثية داخل هذه المناطق، حيث تفتقر مخيمات ومواقع النزوح العشوائية والمكتظة إلى أدنى مقومات الحياة الأساسية مثل المياه الصالحة للشرب، الكهرباء، والخدمات الطبية.

ملايين اليمنيين فقدوا أعمالهم وسبل العيش نتيجة الصراع (الشرق الأوسط)

وتتضاعف معاناة هؤلاء النازحين في ظل الارتفاع الحاد لمعدلات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية وخطر طرد الأسر العاجزة عن دفع إيجارات المساكن. كما يواجه العمل الإغاثي في هذه المناطق قيوداً وعوائق شديدة يفرضها الحوثيون والتي تشمل التضييق على المنظمات الدولية والمحلية، وفرض شروط مشددة على حركة المساعدات وحرية تنقل العاملين الإنسانيين، بالإضافة إلى حملات الاعتقال التي استهدفت موظفي الأمم المتحدة.

وأدى هذا الوضع المتأزم إلى تقليص حاد في البرامج الإغاثية وشح المساعدات الغذائية والدوائية، الأمر الذي وسّع فجوة الاحتياجات الإنسانية ودفع نحو ربع النازحين، البالغ عددهم قرابة 2.5 مليون شخص، إلى مواجهة خطر الجوع الحاد، وفقاً لمصادر أممية.

أحلام مؤجلة

وتحدث نازحون في صنعاء ومدن أخرى لـ«الشرق الأوسط» عن أن الأولوية هذا العام لم تعد لشراء الملابس الجديدة أو الأضاحي كما كان الحال قبل الانقلاب الحوثي بل لتوفير الحد الأدنى من الغذاء وسداد إيجارات المساكن وتكاليف المواصلات وغيرها من المتطلبات الضرورية. ويؤكدون أن العيد فقد معناه المعتاد داخل كثير من المخيمات، بعدما تحولت أيامه إلى امتداد لمعاناة يومية متواصلة.

تقول أم أحمد، وهي نازحة من محافظة الحديدة وتقيم في أحد المخيمات على أطراف صنعاء، إن العيد لم يعد يشبه ما كان عليه في السابق، موضحة أنها اكتفت هذا العام بشراء ملابس مستعملة لطفلين من أبنائها، بينما تعتمد أسرتها على مساعدات يقدمها أقارب لتأمين احتياجات الطعام.

المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وأضافت أن الأسرة لم تتذوق اللحوم منذ أشهر بسبب ارتفاع الأسعار وغياب أي مصدر ثابت للدخل، مشيرة إلى أنهم كانوا في السابق يشترون ملابس لجميع الأطفال ويذبحون الأضاحي، أما اليوم فأقصى ما يتمنونه أن تمر أيام العيد بأقل قدر من الأعباء.

وتعكس هذه القصة واقع آلاف الأسر النازحة التي تعيش أوضاعاً متدهورة بفعل تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع الأسعار وغياب فرص العمل، إضافة إلى استمرار أزمة الرواتب في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وفي أحد مخيمات النزوح بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) يجلس عبد الله، النازح مع أسرته من محافظة تعز، أمام خيمته المتواضعة بينما يتحدث أطفاله عن ملابس العيد والألعاب التي شاهدوها في الأسواق. ويقول بحسرة: «لم نفكر في شراء ملابس أو أضحية، كل ما نريده هو فرصة عمل تساعدنا على توفير الطعام لأطفالنا».

غلاء وغياب للمساعدات

يؤكد سكان في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين أن أسعار الأضاحي شهدت ارتفاعاً كبيراً هذا العام بالتزامن مع زيادة أسعار المواد الغذائية والملابس، الأمر الذي جعل شراء الأضحية خارج متناول شريحة واسعة من السكان، ولا سيما النازحين الذين يعتمد كثير منهم على المساعدات الإنسانية المحدودة.

كما يشكو تجار ومواطنون من الجبايات والرسوم المفروضة على الأسواق وتجارة المواشي، مؤكدين أنها أسهمت في زيادة أسعار الأضاحي وأثرت سلباً في القدرة الشرائية للأسر.

أناس في سوق شعبية بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (إ.ب.أ)

ويرى اقتصاديون أن تراجع القدرة الشرائية يعود إلى استمرار الانقلاب الحوثي وندرة فرص العمل وتآكل قيمة الدخول أمام الارتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية، مؤكدين أن الأزمة الاقتصادية والإنسانية حولت كثيراً من المناسبات الدينية إلى عبء إضافي على الأسر الفقيرة بدلاً من أن تكون موسماً للفرح والتكافل.

وتشير منظمات يمنية محلية إلى أن انخفاض التمويل الإنساني خلال السنوات الأخيرة انعكس مباشرة على أوضاع النازحين، خصوصاً مع تقليص برامج المساعدات الغذائية والنقدية، ما دفع كثيراً من الأسر إلى المطالبة بدعم استثنائي يساعدها على مواجهة احتياجات موسم العيد.

ويقول عاملون في المجال الإغاثي إن كثيراً من الأسر باتت تلجأ إلى وسائل تكيف قاسية، مثل تقليص عدد الوجبات اليومية أو بيع بعض الممتلكات البسيطة لتغطية النفقات الأساسية.


انفراجة كبيرة بأزمة جوازات السفر في اليمن

انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
TT

انفراجة كبيرة بأزمة جوازات السفر في اليمن

انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)

شهدت أزمة استخراج جوازات السفر في اليمن انفراجاً ملحوظاً بعد سنوات من التكدس والمعاناة، إثر إعلان مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية إنهاء معظم المعاملات المتراكمة في المحافظات المحرَّرة، بعدما كان المواطنون ينتظرون ما بين سبعة وثمانية أشهر للحصول على جواز السفر، وهو ما تسبب في حرمان آلاف اليمنيين من فرص الدراسة والعمل والعلاج والسفر.

وأكدت المصلحة وصول عدد من فروعها إلى ما يُعرف بـ«مرحلة المعاملة صفر»، في إشارة إلى إنهاء جميع الطلبات المتراكمة، باستثناء فرع محافظة تعز الذي لا يزال يشهد ضغطاً كبيراً وتأخراً في إصدار الجوازات.

ومع تولي اللواء طارق النسي رئاسة المصلحة، جرى توفير نحو ثلاثة ملايين دفتر جواز سفر؛ الأمر الذي ساعد على معالجة الاختناقات المتراكمة وتسريع وتيرة الإنجاز. كما أعلن مكتب المصلحة في العاصمة المؤقتة عدن الانتهاء من طباعة جميع طلبات الجوازات المتأخرة، بما فيها معاملات مضى على بعضها عدة أشهر.

وأفاد فرع مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في مديرية خور مكسر بوصوله إلى «مرحلة المعاملة صفر»، بعد استكمال طباعة جميع معاملات جوازات السفر المتراكمة الخاصة بعام 2025، وحتى الشهر الحالي، في خطوة عكست تحسناً في مستوى الأداء وتسريع إنجاز الخدمات للمواطنين.

تزايد الإقبال وتأخر وصول الجوازات تسبب في تراكم المعاملات لنصف عام (إعلام محلي)

وأكد مدير الفرع، العميد صالح الحكمي، أن تسلم الجوازات أصبح متاحاً للمواطنين الذين استكملوا إجراءاتهم، مشيراً إلى أن المعاملات الجديدة يتم إنجازها خلال أيام معدودة وفق إجراءات قانونية وإدارية منظمة.

وأوضح أن قسم التسليم سيواصل عمله خلال إجازة عيد الأضحى على فترتين، صباحية ومسائية، بما يضمن استمرارية الخدمة وتسهيل حصول المواطنين على جوازاتهم دون تأخير.

إجراءات رقابية

شدد الحكمي على استمرار الإجراءات الصارمة لمكافحة التزوير والابتزاز، وإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة، مؤكداً تخصيص قنوات رسمية لتلقي شكاوى المواطنين ومقترحاتهم عبر تطبيق «واتساب» والبريد الإلكتروني، في إطار تعزيز التواصل المباشر وتحسين جودة الخدمات.

وفي السياق نفسه، أعلنت جوازات الحديدة استكمال طباعة جميع الجوازات التي كانت بحوزتها قبل إجازة عيد الأضحى، مؤكدة خلو سجلاتها حالياً من أي معاملات متراكمة، ودعت المواطنين إلى الحضور لتسلم جوازاتهم.

كما أكد مكتب جوازات محافظة مأرب الانتهاء من طباعة جميع الجوازات الموجودة لديه قبل بدء إجازة العيد، فيما لم تُسجل أي تأخيرات في مكاتب المصلحة بساحل ووادي حضرموت ومحافظتي شبوة والمهرة، إضافة إلى مكتب جوازات المخا في الساحل الغربي.

استمرار معاناة تعز

في المقابل، أعلن فرع مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في تعز استكمال طباعة جوازات السفر الخاصة بشهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بإجمالي 26 ألفاً و685 جوازاً، إضافة إلى تصفية جميع المعاملات العالقة الخاصة بالعام الماضي.

وأرجع الفرع أسباب التأخير إلى الكثافة الكبيرة والاستثنائية في أعداد المتقدمين للحصول على الجوازات، موضحاً أنه يستقبل أعداداً تفوق ما تستقبله بقية الفروع على مستوى البلاد؛ الأمر الذي أدى إلى تضخم حجم المعاملات، وأطال المدة الزمنية اللازمة للطباعة والإنجاز.

كثير من اليمنيين عانوا من استخراج جواز سفر في الوقت المناسب (إعلام حكومي)

وبحسب قيادة الفرع، فإن التأخير لم يكن نتيجة توقف أعمال الطباعة أو قصور في الأداء، بل بسبب الحجم الكبير للطلبات الواردة مقارنة ببقية الفروع، مع استمرار الجهود الرامية إلى تحسين مستوى الخدمة وتسريع الإجراءات.

ورغم ذلك، لا تزال شكاوى المواطنين تتصاعد في تعز بسبب استمرار التكدس وتأخر تسلم الجوازات؛ حيث أكد مواطنون أن التأخير تسبب في ضياع فرص دراسية ومنح تعليمية ووظائف خارج البلاد، فضلاً عن تعثر سفر مرضى ومسافرين اضطر بعضهم إلى الانتظار لأكثر من سبعة أشهر.

دعم حكومي

على وقع هذه التطورات، أشاد رئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في الحكومة اليمنية بالإجراءات التي اتخذها فرع عدن لمكافحة التزوير والابتزاز، مشدداً على ضرورة مواصلة تطبيق القانون بحزم وإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة.

وخلال زيارته للفرع، أثنى اللواء طارق النسي على جهود الموظفين وروح الانضباط والمسؤولية التي أسهمت في رفع كفاءة الأداء وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، مؤكداً أن الكوادر الوطنية تمثل الركيزة الأساسية لتطوير العمل المؤسسي.

كما اطّلع على التجهيزات التقنية والإدارية في الفرع، مشيداً بخطط تحديث البنية التحتية التي تهدف إلى تسريع إجراءات إصدار الجوازات وتقليص الوقت والجهد على المواطنين، وضمان أعلى معايير الدقة والموثوقية في المعاملات.

تخصيص مكاتب لذوي الاحتياجات وكبار السن والمرضى (إعلام حكومي)

وكان رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين، شائع الزنداني، قد دعا إلى إحداث نقلة نوعية في مستوى الأداء المؤسسي وتعزيز مبادئ الشفافية والكفاءة، بما يسهم في تخفيف الأعباء عن المواطنين وتحسين مستوى الخدمات الحكومية.

ووجّه الزنداني بضرورة تعزيز التنسيق مع الجهات ذات العلاقة والتوسع في الخدمات الإلكترونية، بما ينسجم مع توجهات الحكومة نحو تحديث مؤسسات الدولة والارتقاء بالأداء الحكومي.

وخلال لقائه برئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية، أكد الزنداني أهمية الدور الحيوي الذي تضطلع به المصلحة، مشدداً على حرص الحكومة على تقديم الدعم اللازم لتذليل الصعوبات، وتمكينها من أداء مهامها بكفاءة وفاعلية.

كما ناقش آلية العمل في قطاعات الهجرة والجوازات والإجراءات المتخذة لتحسين جودة الخدمات وتسهيل إنجاز معاملات المواطنين، خصوصاً ما يتعلق بإصدار الجوازات والوثائق الرسمية، إلى جانب جهود التحول الرقمي وتحديث البنية التحتية التقنية.