كيري ولافروف يناقشان الخطة الروسية في جنيف اليوم

أميركيون يستمعون إلى خطاب الرئيس باراك أوباما بشأن سوريا في أحد مطاعم العاصمة واشنطن مساء أول من أمس (أ.ف.ب)
أميركيون يستمعون إلى خطاب الرئيس باراك أوباما بشأن سوريا في أحد مطاعم العاصمة واشنطن مساء أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

كيري ولافروف يناقشان الخطة الروسية في جنيف اليوم

أميركيون يستمعون إلى خطاب الرئيس باراك أوباما بشأن سوريا في أحد مطاعم العاصمة واشنطن مساء أول من أمس (أ.ف.ب)
أميركيون يستمعون إلى خطاب الرئيس باراك أوباما بشأن سوريا في أحد مطاعم العاصمة واشنطن مساء أول من أمس (أ.ف.ب)

لم يفلح خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي ألقاه مساء أول من أمس بشأن سوريا في تغيير رأي الكونغرس والرأي العام الأميركي إزاء القضية برمتها. ووجه بعض الأعضاء انتقادات حادة إلى خطاب أوباما الذي تعهد بالالتزام بسياسة العصا والجزرة إزاء سوريا، من خلال الطرق الدبلوماسية من جهة والتمسك بالخيار العسكري من جهة ثانية. وبينما سلمت روسيا خطتها أو مقترحها حول إعلان سوريا عن ترسانتها من الأسلحة الكيماوية مقابل وقف جهود الضربة العسكرية لواشنطن، يبحث تلك الخطة اليوم وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف في جنيف. وجاء ذلك بينما انتقد الأمين العام للأمم المتحدة موقف الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي تجاه التطورات في سوريا وتحدث عن «فشل جماعي» في حماية المدنيين وتخلي المجتمع الدولي عنهم.
وفي ختام 48 ساعة من النشاط الدبلوماسي المكثف الذي أدى إلى إبعاد خطر شن ضربة عسكرية آنية على سوريا، اعتبر الرئيس الأميركي في خطاب ألقاه مساء أول من أمس أن العرض الروسي بوضع ترسانة الأسلحة الكيماوية السورية تحت رقابة دولية يشكل إشارة «مشجعة».
وقدم أوباما في خطاب إلى الأمة أوضح رد عرضه حتى الآن على هجوم بالأسلحة الكيماوية استهدف مدنيين الشهر الماضي في ريف دمشق، بعد عدة أيام من الدبلوماسية المترددة والرسائل المتناقضة التي صدرت عن إدارته.
وقال متوجها إلى الأميركيين إنه لا يمكنهم الاكتفاء بتحويل أنظارهم فيما يجري قتل مدنيين وأطفال أبرياء بالغازات السامة في هجوم ألقى بمسؤوليته على نظام الرئيس السوري بشار الأسد، سواء لأسباب تتعلق بالأمن القومي أو بالمبادئ الأخلاقية.
وتعهد أوباما في كلمته التي استغرقت 16 دقيقة بإبقاء القوات الأميركية في مواقعها قبالة السواحل السورية لإبقاء الضغط على نظام الأسد فيما تتواصل المساعي الدبلوماسية.
وقد يكون هذا التحذير الحازم موجها أيضا إلى روسيا للتأكيد على أن الولايات المتحدة لن تقبل بتكتيك يهدف إلى المماطلة أو بدبلوماسية طويلة الأمد يعتبر البعض أنها ستكون نتيجة محتومة لمبادرة موسكو. وقال أوباما متوجها إلى الأميركيين من «القاعة الشرقية (ايست روم)، القاعة ذاتها التي أعلن منها لمواطنيه مقتل أسامة بن لادن في عملية نفذتها وحدة كوماندوز أميركية في مايو (أيار) 2011. إنه «من المبكر القول ما إذا كان هذا الطرح سيكلل بالنجاح، وعلى أي اتفاق أن يتحقق من التزام نظام الأسد بتعهداته».
وقال: إنه سيرسل وزير الخارجية كيري إلى جنيف لبحث المسألة مع نظيره الروسي لافروف. كما تعهد بالعمل شخصيا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تتسم علاقته معه بالفتور في ظل تراجع العلاقات بين البلدين إلى أدنى مستوياتها منذ الحرب الباردة.
ووسط الغموض الذي يحيط بحجم أي تدخل عسكري أميركي، حذر من أن النظام السوري سيدفع الثمن غاليا في حال استخدمت القوة العسكرية الأميركية ضده. وقال أوباما «إن القوات الأميركية لا تقوم بعمليات صغرى. حتى ضربة محدودة ستوجه رسالة إلى الأسد لا يمكن لأي بلد آخر توجيهها».
كذلك أوضح أوباما أنه طلب من الكونغرس إرجاء التصويت على طلبه للسماح باستخدام القوة العسكرية في سوريا، لإعطاء فرصة للدبلوماسية.
وفي مؤشر إضافي إلى أن القوات الأميركية لن تشن ضربات جوية في المدى القريب، أكد أوباما أنه لن يجري استخدام القوة إلى أن يصدر مفتشو الأمم المتحدة تقريرهم حول وقائع هجوم 21 أغسطس (آب) الكيماوي في ريف دمشق.
ومع ذلك لم يفلح الرئيس الأميركي في تغيير اتجاهات الرأي العام الأميركي أو أعضاء الكونغرس المعارضين لتوجيه ضربة عسكرية ضد سوريا. واستمر الانقسام بين المشرعين حول أسلوب التعامل مع الوضع السوري، رغم محاولة أوباما تحقيق التوازن بين التهديد بعمل عسكري، وإعلانه الرغبة في متابعة المسار الدبلوماسي.
بعض أعضاء الكونغرس رحبوا بتأجيل التصويت على التدخل العسكري الذي كان مقررا أمس، وإعطاء المسار الدبلوماسي فرصة أكبر، في حين انتقد آخرون النهج المتردد للرئيس أوباما وعدم وجود استراتيجية متكاملة لديه في كيفية التعامل مع سوريا.
وأصدر السيناتور الجمهوري جون ماكين والسيناتور ليندسي غراهام بيانا مشتركا انتقدا فيه خطاب أوباما وقالا «إنه لم يتحدث بقوة أكبر حول الحاجة لزيادة المساعدات العسكرية لقوات المعارضة المعتدلة في سوريا مثل الجيش السوري الحر، ويؤسفنا أنه لم يضع خطة واضحة لاختيار مدى جدية الاقتراح الروسي لإخضاع الأسلحة الكيماوية لدى نظام الأسد للرقابة الدولية، بما في ذلك إعلان كامل ودقيق عن جميع الأسلحة ومنح المراقبين الدوليين حق الوصول غير المقيد إلى جميع المواقع».
وقال السيناتور راند بول (جمهوري) في كلمة ألقاها بعد دقائق من خطاب أوباما إنه غير مقتنع بالحاجة إلى رد عسكري ضد سوريا حتى إذا فشلت الدبلوماسية، منتقدا عدم وجود استراتيجية محددة وواضحة للتعامل مع سوريا.
وقال رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس النواب مايك روجرز (جمهوري) إنه لا يزال متشككا من توسط روسيا للتوصل لاتفاق مع سوريا حول الأسلحة الكيماوية وأبدى اعتراضه على تعجل البيت الأبيض للاستجابة للمقترحات الروسية. واتهمت اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري أوباما واتهمته بالإضرار بمصداقية الولايات المتحدة. وقالت: «ردود الإدارة الأميركية بشأن سوريا عشوائية، وهذه الدبلوماسية، التي لا تستند إلى دفة، أحرجت الولايات المتحدة على الساحة العالمية». فيما رحبت النائبة الديمقراطية نانسي بيلوسي بخطاب أوباما وأشادت بأدائه، واعتبرت اتجاهه للحلول الدبلوماسية يدل على قوة قيادته واستعداده لاستنفاذ كل الحلول قبل استخدام القوة.
ويعمل مجلس الشيوخ على إصدار قرار يدعو الأمم المتحدة إلى التصويت على قرار يتضمن عملية تفتيش ووصول كامل إلى كل مواقع أسلحة الدمار الشامل، وضمان حرية تحرك المفتشين الدوليين، إضافة إلى وضع مهلة محددة ليقوم مجلس الأمن بالتصويت على القرار وتاريخ آخر ليتمكن المفتشين الدوليين من أن النظام السوري قام بالفعل بتدمير ما لديه من الأسلحة الكيماوية.
وأشارت مصادر بالكونغرس أنه في حالة عدم التقيد بهذين الشرطين في الموعدين المحددين، فإن مجلس الشيوخ سيعطي عندنا التفويض للرئيس أوباما بتوجيه ضربة عسكرية إلى سوريا.
وفي غضون ذلك، ذكر مصدر روسي أن مسؤولين روسا سلموا الولايات المتحدة خطة لوضع ترسانة سوريا من الأسلحة الكيماوية تحت إشراف دولي.
ونقلت وكالة إيتار-تاس الروسية للأنباء عن المصدر قوله «لقد سلمنا الأميركيين خطة لوضع الأسلحة الكيميائية السورية تحت إشراف دولي، ونتوقع أن نناقشها في جنيف»، في إشارة إلى لقاء كيري ولافروف اليوم.
وقال مصدر روسي في جنيف بحسب ما أوردت وكالة إيتار-تاس إن هذا اللقاء قد يستمر أكثر من يوم، وأضاف أن «اللقاء سيبدأ على ما يبدو الخميس ويختتم الجمعة لكنه قد يستمر حتى السبت».
وأعلنت روسيا أنها عرضت على حلفائها السوريين وضع مخزونهم من الأسلحة الكيماوية تحت إشراف دولي وتفكيكه، وهو الاقتراح الذي قبلته دمشق الثلاثاء.
وبدوره، قال الأمين العام للأمم المتحدة إن هناك «فشلا جماعيا» في حماية الشعب السوري، داعيا مجلس الأمن الدولي مرة أخرى إلى التحرك بشأن الحرب في سوريا.
وقال بان كي مون في اجتماع للأمم المتحدة حول منع عمليات الإبادة «إن إخفاقنا الجماعي في منع الفظائع والجرائم في سوريا خلال العامين والنصف الماضية سيبقى عبئا ثقيلا على كاهل الأمم المتحدة والدول الأعضاء فيها».
وقال بان كي مون إن على مجلس الأمن الدولي أن يمارس «دورا فعالا في إنهاء المأساة السورية».
وأشار إلى أن قادة العالم تعهدوا التحرك لمنع تكرار عمليتي الإبادة في رواندا في 1994 وفي مدينة سربرينيتسا البوسنية في 1995.
وقال بان كي مون في إشارة إلى الأزمة السورية «ولكن كما نرى من حولنا، فإن الفظائع لا تزال ترتكب».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.