«مذبحة الأطفال» تصب الزيت على نار التصعيد في غزة

«القسّام» تقتل إسرائيلياً في تل أبيب وتقول إنها مستعدة لقصف المدينة 6 أشهر متواصلة

دفن أفراد عائلة أبو حطب في غزة أمس (إ.ب.أ)
دفن أفراد عائلة أبو حطب في غزة أمس (إ.ب.أ)
TT

«مذبحة الأطفال» تصب الزيت على نار التصعيد في غزة

دفن أفراد عائلة أبو حطب في غزة أمس (إ.ب.أ)
دفن أفراد عائلة أبو حطب في غزة أمس (إ.ب.أ)

صبت الجريمة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، وراح ضحيتها 10 أطفال ونساء، بضربة واحدة، الزيت على نار التصعيد في الأراضي الفلسطينية، وجهت معها حركة «حماس» ضربات صاروخية جديدة ومكثفة لتل أبيب ومستوطنة قرب رام الله، فيما تواصل القصف الإسرائيلي المكثف على قطاع غزة وتسبب في تدمير مبنى يضم عدداً من وسائل الإعلام.
وأعلنت «كتائب القسام» التابعة لـ«حماس» أنها وجهت ضربة صاروخية لتل أبيب رداً على مجزرة مخيم الشاطئ في غزة. وتسببت هذه الضربة الواسعة من «حماس» بمقتل إسرائيلي في رمات غان، شرق تل أبيب، وهي جاءت بعد ساعات من ضربة أخرى استهدفت المدن الإسرائيلية من بئر السبع جنوباً وحتى الجديرة شمالاً.
وشوهدت الصواريخ، أمس، تنطلق من غزة نحو تل أبيب وسمعت صفارات الإنذار في مناطق واسعة حول تل أبيب، قبل أن تسمع أصوات انفجارات عنيفة ناجمة عن محاولات القبة الحديدية التصدي للصواريخ أو سقوطها على الأرض. وشملت الصواريخ المنطلقة من غزة أيضاً مستوطنة «موديعين» قرب رام الله، في ضربة قالت «القسام» إنها «هدية لشهداء» الضفة الغربية التي دخلت أيضاً على خط المواجهة مع إسرائيل. وقال الناطق باسم «كتائب القسام» أبو عبيدة، إن الكتائب جهزت نفسها لقصف تل أبيب لـ6 أشهر متواصلة. وأضاف: «إنه بمجرد التلويح بقصف برج مدني في غزة وجهنا قبل دقائق رشقة صاروخية تجاه تل أبيب». ودمرت الطائرات الحربية الإسرائيلية بالفعل لاحقاً برج «الجلاء» وسط مدينة غزة. وذكرت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، أن «طائرات الاحتلال استهدفت برج الجلاء السكني المكون من 12 طابقاً، بسبعة صواريخ، ما أدى إلى تدميره بالكامل وتسويته بالأرض». ويضم البرج مقرات للعديد من وسائل الإعلام العالمية والعربية (مثل الاسوشييتد برس والجزيرة) وأيضاً عيادات ومراكز طبية وشققاً سكنية.
من جانبه، أعلن الجيش الإسرائيلي أن البرج الذي دمره في مدينة غزة بعد ظهر أمس كان أحد مقرات استخبارات «حماس» التي استخدمت وسائل الإعلام الأجنبية التي تعمل انطلاقاً من البرج غطاء لأنشطتها، حسب ما أوردته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية على موقعها الإلكتروني.
وفي جنوب إسرائيل، لم يتوقف دوي صفارات الإنذار ليل الجمعة السبت مع إطلاق نحو 300 صاروخ من غزة، حسب ما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية. وقال الجيش الإسرائيلي إنه تم إطلاق أكثر من ألفي صاروخ على الأراضي الإسرائيلية منذ الاثنين ما أسفر عن مقتل تسعة أشخاص، بينهم طفل وجندي، وإصابة أكثر من 560 آخرين بجروح. وأوضح الجيش أن الدرع الصاروخي (القبة الحديدية) اعترض نحو 90 في المائة من هذه الصواريخ. كما أكد الجيش الإسرائيلي في وقت مبكر من السبت أن طائراته الحربية قصفت ليل الجمعة - السبت «مكتب عمليات» تابعاً لـ«حماس» بالقرب من وسط مدينة غزة، بضربات ليلية إضافية استهدفت ما سماه الجيش «مواقع إطلاق» صواريخ تحت الأرض. كما قصف «موقعاً للاستخبارات العسكرية» و«مواقع إطلاق صواريخ أرض - أرض» و«مجموعتين إرهابيين»، كما كتب الجيش في تغريدة على «تويتر» أوردتها الوكالة الفرنسية.
ورغم الدعوات الدولية لوقف التصعيد، حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، من أن جيشه سيلحق «انتكاسات خطيرة» بحركة «حماس الإرهابية». وقال «إنهم يدفعون وسيواصلون دفع الثمن غالياً. الأمر لم ينته بعد».
كانت الطائرات الإسرائيلية شنت فجر السبت هجوماً على منزل يعود لعائلة أبو حطب في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، أودى بحياة 8 أطفال وامرأتين. واحتاج رجال الإنقاذ وقتاً طويلاً لانتشالهم من تحت الركام في مشهد أدمى قلوب الفلسطينيين. وظهر علاء أبو حطب والد الأطفال وهو يقول إن الله سبحانه وتعالى ترك له رضيعه الصغير (7 شهور) بعدما فقد البقية (الزوجة و4 أطفال) في الضربة، فيما غالبته الدموع وهو يحاول تمالك نفسه ويردد «الحمد لله». والضحايا هم مريم علاء أبو حطب (15 عاماً)، وبلال علاء أبو حطب (10 أعوام)، ويوسف علاء أبو حطب (11 عاماً)، ويامن علاء أبو حطب (5 أعوام)، وياسمين محمد حسان (31 عاماً)، وعبد الرحمن محمد الحديدي (8 أعوام)، وصهيب محمد الحديدي (14 عاماً)، ويحيى محمد الحديدي (11 عاماً)، ومها محمد الحديدي (34 عاماً)، وأسامة محمد الحديدي (11 عاماً).
وقال محمد الحديدي، إن أطفاله «كانوا آمنين في منزلهم ولا يحملون سلاحاً، ولم يطلقوا صواريخ». وأضاف أن الأطفال قتلوا «فيما كانوا يرتدون ملابسهم الجديدة لمناسبة عيد الفطر».
وقصفت إسرائيل المنزل في ليلة مجنونة استهدفت فيها أيضاً مسجداً ومنازل ومؤسسات في قطاع غزة ومجمعاً حكومياً.
ودانت الرئاسة الفلسطينية «الجريمة البشعة التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي، فجر يوم النكبة 15/5، التي راحت ضحيتها عائلة كاملة من أبناء شعبنا». وقالت إنها «جريمة لا يمكن السكوت عليها». وأضافت الرئاسة: «إن الحرب الإسرائيلية مستمرة على الشعب الفلسطيني منذ 73 عاماً، وآخر هذه الجرائم، إبادة عائلة أبو حطب بأطفالها ونسائها وشيوخها، تتحمل حكومة الاحتلال مسؤولية وتداعيات ذلك».
وأضافت الرئاسة: «إن أي دعوات بأن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها هي تحريض على استمرار القتل، وضوء أخضر للعدوان واستمرار عمليات التهجير وتدمير الممتلكات وتشريد المواطنين، وتشجيع للعنف والتطرف ضد الشعب الفلسطيني».
وجددت الرئاسة «التأكيد على ضرورة تدخل المجتمع الدولي وفي مقدمه مجلس الأمن الدولي واللجنة الرباعية الدولية، لتوفير الحماية للشعب الفلسطيني الذي يتعرض لعدوان إسرائيلي غاشم، والضغط على حكومة الاحتلال لوقف عدوانها بشكل فوري، والبدء بالعمل الجاد لإنهاء الاحتلال وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية»، مشددة على أنه من دون دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية «لن يكون هناك سلام أو أمن لأحد».
وقال الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية، نبيل أبو ردينة، إن «هجمات الاحتلال الإسرائيلي على المدنيين ليست دفاعاً عن النفس، ومنع المصلين من الوصول على الأماكن المقدسة ليس حفاظاً على الأمن، وتهجير وتدمير بيوت المواطنين ليس سوى عدوان لا يمكن السكوت عليه».
وأضاف أن حملة التضامن الدولية الداعمة للهبة الفلسطينية في القدس، والرافضة للعدوان على غزة، «دليل واضح على عدالة وقوة قضية فلسطين وشعبها البطل الصامد».
وتابع أبو ردينة أن الشعب الفلسطيني وبعد 73 عاماً يملك العزيمة والإرادة نفسهما، وأن «أرض فلسطين هي أرض مقدسة ستحرق كل من يحاول مسها أو يعتدي أو يتآمر عليها».
وقال «إن ما يجري الآن من صمود وثبات ورفض للعدوان والاستسلام، هو بمثابة رسالة واضحة لإسرائيل والعالم بأسره، بأن هذه الجرائم المستمرة ستضر بمصالح المنطقة والعالم، وأنه لم يعد مقبولاً أن يبقى أحد في موقف المتفرج، فإما سلام يرضى عنه الشعب الفلسطيني أو لا سلام لأحد».
كما قال رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» إسماعيل هنية، إن مجزرة الاحتلال في مخيم الشاطئ هي امتداد لمجازره التي نفذها في مناطق مختلفة من القطاع. وأكد هنية في تصريح أن ارتكاب الاحتلال المجزرة «ناتج عن عجزه وفشله، ويعكس حجم المأزق الذي يعيشه أمام عظمة المقاومة ومفاجآت رجالها الأوفياء».
وحمل هنية الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن استمرار استهداف المدنيين والآمنين، مؤكداً أن «المقاومة ستواصل الدفاع عن شعبها الأبي، وستلحق الهزيمة بجيش العدو وردعه عن الاستمرار في مجازره».
وقال المتحدث باسم الصحة الفلسطينية في غزة الطبيب أشرف القدرة، إن 12 عائلة فلسطينية خرجت من السجل المدني نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة، وبواقع «38 شهيداً». وأضاف القدرة: «هؤلاء الشهداء هم جزء من إجرام العدو الإسرائيلي، حيثُ ركز الاحتلال على المواطنين العزل».
وارتفع إلى أكثر من 140 عدد الذين قتلتهم إسرائيل في قطاع غزة منذ بدء العدوان الاثنين الماضي، بينهم 39 طفلاً و22 سيدة. وأعلنت الأمم المتحدة، أمس، نزوح نحو 10 آلاف فلسطيني جراء الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة. وجاء في بيان نشرته المنسقة الإنسانية الأممية، لين هاستينغز، أن «تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن نحو 10000 فلسطيني اضطروا إلى الرحيل عن منازلهم في غزة بسبب استمرار الأعمال القتالية».
وأضاف البيان: «يتخذ هؤلاء من المدارس والمساجد ومن أماكن أخرى مأوى لهم في ظل جائحة (كورونا) التي تعصف بالعالم، ولا تتيسر لهم سوى إمكانية محدودة للحصول على المياه والغذاء والخدمات الصحية». وتابع البيان أنه ينبغي للاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية السماح على الفور للأمم المتحدة وشركائها الإنسانيين بإدخال الوقود والغذاء واللوازم الطبية ونشر العاملين في المجال الإنساني، مؤكداً ضرورة «التزام جميع الأطراف بالقانون الدولي لحقوق الإنسان».
وكررت هاستينغز الدعوة التي وجهها الأمين العام للأمم المتحدة «لإنهاء التصعيد ووقف الأعمال القتالية في غزة وإسرائيل فوراً. لقد فقد عدد كبير جداً من المدنيين أرواحهم أو أصيبوا بجروح». ومع استمرار انقطاع الكهرباء في غزة، فتحت مصر، السبت، معبر رفح الحدودي مع القطاع للسماح بدخول عشر سيارات إسعاف تنقل فلسطينيين مصابين بجروح خطيرة لتلقي العلاج في مستشفيات مصرية، حسب مسؤولين طبيين.



حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.


البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
TT

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات القيادة السعودية، المُخصصة لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب.

وتأتي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية، وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ودعم التعافي المستدام في اليمن، حيث مثّل وزارة المالية اليمنية مروان بن غانم وزير المالية، فيما مثّل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن المشرف العام السفير محمد آل جابر.

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

ومن المنتظر أن يسهم الدعم في معالجة عجز الموازنة، وتعزيز قدرة الدولة اليمنية على الإيفاء بالتزاماتها ودعم جهود الإصلاح الاقتصادي، ترسيخاً لدعائم الاستقرار المستدام، وينعكس إيجاباً على تعزيز القوة الشرائية، وانتظام الدخل للأسر، وتحسين مستوى المعيشة، وكذلك تنشيط الأسواق التجارية.

كما يساهم الدعم في تعزيز قدرة المؤسسات اليمنية على مواصلة تقديم الخدمات للشعب اليمني، وتخفيف حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، تحقيقاً لمستوى من التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي.

ويُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من المملكة العربية السعودية، وشملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني ومنحاً للمشتقات النفطية، وكذلك مشاريع ومبادرات تنموية عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، وشكّلت إحدى الدعائم الرئيسية نحو التعافي الاقتصادي في اليمن.

كما يمتد دعم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ليشمل مساراً متكاملاً لبناء القدرات المؤسسية، الذي انطلق منتصف عام 2021، واستهدف وزارة التخطيط والتعاون الدولي ووزارة المالية اليمنية، تعزيزاً لقدرات الكوادر اليمنية، وتمكين الجهات الحكومية من تشخيص احتياجاتها، وتقييم قدراتها، والارتقاء بأدائها، بما ينسجم مع أفضل الممارسات.

يُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من السعودية (البرنامج السعودية)

ويساهم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في بناء وتنمية القدرات الحكومية وتطوير الكوادر بمختلف المستويات: المؤسساتية، والفنية، والأصول المجتمعية، عبر نقل الخبرات وتطوير الكفاءات الإدارية والفنية في مختلف القطاعات الأساسية والحيوية، حيث يمثل تعزيز قدرات المؤسسات الحكومية خطوة محورية في تعزيز الاستقرار وتحفيز النمو الاقتصادي.