ما الصواريخ التي تمتلكها فصائل غزة؟ وما مدى قوتها؟

إطلاق صواريخ من جنوب قطاع غزة باتجاه إسرائيل (أ.ف.ب)
إطلاق صواريخ من جنوب قطاع غزة باتجاه إسرائيل (أ.ف.ب)
TT

ما الصواريخ التي تمتلكها فصائل غزة؟ وما مدى قوتها؟

إطلاق صواريخ من جنوب قطاع غزة باتجاه إسرائيل (أ.ف.ب)
إطلاق صواريخ من جنوب قطاع غزة باتجاه إسرائيل (أ.ف.ب)

سلّطت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية الضوء على الصواريخ التي أطلقتها الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة طوال الأيام الماضية على العديد من المدن الإسرائيلية.
وبدأ التصعيد، الاثنين، بإطلاق «حماس» أول دفعة من الصواريخ بعد أيام من مواجهات بين قوى الأمن الإسرائيلية وفلسطينيين في القدس الشرقية، لا سيما في محيط المسجد الأقصى، على خلفية تهديد عائلات فلسطينية بإخلاء منازلها في حي الشيخ جراح في القدس لصالح مستوطنين يهود.
وقالت الصحيفة إن إسرائيل قامت بقصف القطاع رداً على الصواريخ التي صدت معظمها المنظومة الدفاعية (القبة الحديدية)، إلا أن بعض الصواريخ سقطت بالفعل في مدن إسرائيلية، وقتلت سبعة أشخاص، بحسب الجيش الإسرائيلي، فيما أسفرت الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة عن مقتل 83 فلسطينياً وإصابة 487 بجروح، بحسب السلطات الفلسطينية.
وذكرت الصحيفة الأميركية أن الصواريخ الفلسطينية دمرت سيارات ومنازل ودفعت الإسرائيليين إلى البحث عن ملاجئ، وقال محللون إن هذا القصف الصاروخي يبدو أنه يهدف إلى تخويف إسرائيل واختبار «القبة الحديدية».
ونقلت الصحيفة عن فابيان هينز، محلل استخبارات ومتخصص في الصواريخ بمنطقة الشرق الأوسط: «لديك الآن طرف غير حكومي قادر على ضرب أهداف في تل أبيب باستخدام وسائل ينتجها بنفسه»، وأضاف أن «هذا التحول العسكري التكنولوجي لا بأس به».
وطرحت «واشنطن بوست» تساؤلاً بشأن ماهية الأسلحة التي تمتلكها حركة «حماس»، ونقلت الصحيفة عن محللين قولهم إن الصواريخ التي أطلقتها الحركة مؤخراً استُخدمت فيها تكنولوجيا مألوفة خلال عملية قصف المدن الإسرائيلية، بما في ذلك الصواريخ التي استخدمت خلال الاشتباكات بين إسرائيل و«حماس» التي وقعت في عام 2014، ولكن ربما تغيرت طريقة استخدامها.
وقال عوزي روبين، الذي كان يرأس سابقاً منظمة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية، إن الصواريخ التي يستخدمها الفلسطينيون الآن لا تختلف تكنولوجياً عن تلك المستخدمة في عام 2014، ولكنها تختلف في الحجم، حيث تحمل رؤوساً حربية أثقل.
ولفتت الصحيفة إلى أن المتحدث باسم «كتائب القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» أبو عبيدة قال، أمس (الخميس)، إن الحركة استخدمت صاروخاً جديداً يسمى «عياش 250» يبلغ مداه أكثر من 150 ميلاً.
وعن حجم مخزون الصواريخ الذي تمتلكه «حماس»، ذكر مايكل هيرزوغ، وهو عميد متقاعد في الجيش الإسرائيلي وزميل في معهد واشنطن، أن الحركة يمكن أن تمتلك ما بين 8 آلاف إلى 10 آلاف صاروخ.
ولكن بعض المحللين قالوا إنه من الصعب معرفة حجم الصواريخ التي لدى «حماس» و«الجهاد الإسلامي» بالضبط، لكن يبدو أنها زادت.
وذكر روبين: «مخزون الصواريخ لدى (حماس) أكبر مما كان عليه في 2014، رغم أنه كان كبيراً بما يكفي حتى في ذلك الوقت».
وقال هرتزوغ إن معظم الصواريخ ربما تكون قصيرة المدى ما بين 6 و12 ميلاً فقط، لكنّ جزءاً كبيراً من صواريخ «حماس» بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى المراكز السكانية الرئيسية في جميع أنحاء إسرائيل.
وذكر المحلل هينز أنه رغم أن «حماس» والفصائل الأخرى كانت على ما يبدو تحاول وضع أنظمة توجيه دقيقة إلى صواريخها، فإنه لا يوجد دليل على نجاحها، وقال: «هناك بعض الصواريخ التي أصابت أهدافهم بشكل جيد، ولكن من الممكن أن تكون محظوظة».
وحول كيفية حصول «حماس» على الصواريخ، قال هينز إن الحركة حصلت على بعضها من الخارج، بما في ذلك صواريخ «فجر 3» و«فجر 5» من إيران وصواريخ M302 من سوريا.
وتابع أن حركة «حماس» قادرة الآن على إنتاج صواريخ محلياً بمدى يصل إلى 100 ميل تقريباً، ما يضع معظم الأراضي الإسرائيلية ضمن نطاق الصواريخ من الناحية الفنية.
ولفتت الصحيفة إلى أنه رغم صعوبة الحصول على أسلحة مجمعة بالكامل من الخارج، فإن قادة «حماس» تفاخروا في برنامج لقناة «الجزيرة» في سبتمبر (أيلول) بأنهم تمكنوا من تهريب صواريخ «فجر» وقذائف «كورنيت» الروسية المضادة للدبابات إلى غزة عبر البر والبحر، بحسب تقرير لموقع «مونيتور».
وتابعت الصحيفة الأميركية أن «حماس» تنتج حالياً الجزء الأكبر من أسلحتها في غزة باستخدام مواد محلية الصنع ومهربة من إيران و«حزب الله» اللبناني.
وقال إيان ويليامز، الزميل في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ونائب مدير مشروع الدفاع الصاروخي، إن إطلاق الصواريخ من غزة خلال الأيام الماضية يكشف عن أثر أكبر لإيران على برنامج التسليح لـ«حماس».
وتابع: «نحن نرى هذا فقط في الصواريخ الذي تستطيع (حماس) إنتاجها وشدتها، وهي أكبر مما رأيناه في الماضي».
وتساءلت الصحيفة عن حجم الخسائر التي يمكن أن تتسبب فيها صواريخ «حماس»، وقالت إنه خلال السنوات الأخيرة، سقطت القذائف التي أطلقت من غزة غالباً في حقول غير مأهولة، ولكنها الآن تطول أماكن أبعد.
وذكرت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي كان يعلم أن «حماس» قادرة على استهداف القدس، لكن قدرة الحركة على قصف 7 صواريخ، يوم الاثنين، فاجأ المسؤولين الإسرائيليين.
وكانت «حماس» قصفت تل أبيب، يومي الثلاثاء والأربعاء، بعدد أكبر من الصواريخ.
وقال هرتزوغ إنه يبدو أن حركة «حماس» أطلقت الكثير من الصواريخ في فترة قصيرة في محاولة التغلب على «القبة الحديدية» التي يبلغ معدل فاعليتها النموذجية نحو 90 في المائة، وتعاني حالياً مع هجمات «حماس».
وذكرت «واشنطن بوست» أن التصدي للصواريخ الفلسطينية مكلف، حيث تنفق إسرائيل عشرات الآلاف من الدولارات على كل صاروخ اعتراضي تطلقه «القبة الحديدية».
وقال مايكل أرمسترونغ، الأستاذ المساعد في جامعة «بروك» في كندا، الذي درس فاعلية «القبة الحديدية»، إنه وفقاً لأرقام الجيش الإسرائيلي، فإن ما يقرب من نصف الصواريخ الفلسطينية قد تعرضت لمحاولة اعتراض إسرائيلية، وهي نسبة أعلى كثيراً من مثيلتها في المواجهات خلال 2019 و2014.
وقالت الصحيفة إن الصواريخ تمكنت، رغم محاولات «القبة الحديدية»، من ضرب مناطق مأهولة بالسكان، بما في ذلك مواقع في تل أبيب، أكبر مدينة في إسرائيل، وبالقرب من مطار بن غوريون، ما تسبب في إغلاق المطار مؤقتاً وإعادة توجيه الرحلات الجوية.
وقدر أرمسترونغ أن «حماس» تمكنت من زيادة معدل الوفيات لكل صاروخ بحلول يوم الأربعاء، إلى حالة وفاة لكل 142 صاروخاً، مقارنة بوفاة واحدة لكل 1484 صاروخاً تم إطلاقها في 2014.
ولفتت «واشنطن بوست» إلى أن إسرائيل ردت على الصواريخ بشن ضربات جوية قالت إنها قتلت بعض أعضاء برامج التطوير لدى «حماس»، رغم أن محللين قالوا إنه من غير الواضح إلى أي مدى سيؤثر ذلك على الصواريخ.
وقالت الصحيفة إن حركة «حماس» يبدو أنها تحاول تقديم نفسها كمدافع عن القدس وزعيمة شرعية للفلسطينيين، ونقلت عن خالد الحروب، الخبير في حركة «حماس» والأستاذ في جامعة نورث وسترن في قطر، إن ذلك يمثل استراتيجية جديدة للحركة.
وقال: «هذه نقطة تحول في استراتيجية (حماس) السياسية والعسكرية التي من خلالها تتعامل مع القضايا الوطنية بنفسها، متجاوزة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وتتحدى إسرائيل بشكل أكبر».
ونقلت الصحيفة عن محللين قولهم إن «حماس» تعرف أن القوة العسكرية الإسرائيلية تتفوق عليها، لكن تلك الاستراتيجية قد تكون مثمرة سياسياً للحركة، خصوصاً بعد أن ألغى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الذي يرأس حركة «فتح» المنافسة، في الانتخابات التي كان من المقرر إجراؤها هذا الشهر، وهي خطوة أحبطت العديد من الفلسطينيين.
لكن المحللين قالوا إن الوقت ليس في صالح «حماس»، لأنها تحرق مخزونها من الصواريخ، فيما لا تظهر إسرائيل أي إشارة على أنها ستتراجع عن هجومها على غزة.
وقال هرتسوغ إن «حماس» أجبرت على إطلاق صواريخ من مخابئ نظراً لمراقبة إسرائيل القطاع بالدرون، ومع تصاعد الضغوط من الجيش الإسرائيلي، سيصبح تحريك الصواريخ وإطلاقها أكثر صعوبة.
وأضاف: «سيخسرون الكثير، لأنه كلما استمر إطلاق الصواريخ، زاد فقدانهم لمخزونهم منها».



إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.