سياسيون يمنيون ينتقدون «تدليل» الحوثيين ويدعون إلى تغيير آليات الشرعية

عقب إفشال اجتماعات مسقط وقرب رحيل غريفيث عن الملف

مارتن غريفيث لدى وصوله إلى صنعاء للحديث مع الحوثيين في مارس 2018 (رويترز)
مارتن غريفيث لدى وصوله إلى صنعاء للحديث مع الحوثيين في مارس 2018 (رويترز)
TT

سياسيون يمنيون ينتقدون «تدليل» الحوثيين ويدعون إلى تغيير آليات الشرعية

مارتن غريفيث لدى وصوله إلى صنعاء للحديث مع الحوثيين في مارس 2018 (رويترز)
مارتن غريفيث لدى وصوله إلى صنعاء للحديث مع الحوثيين في مارس 2018 (رويترز)

انتقد سياسيون يمنيون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» ما وصفوه بـ«التدليل الدولي» للميليشيات الحوثية، بخاصة بعد حرص الجماعة المدعومة من إيران على إفشال المساعي الأممية والدولية لإحلال السلام في اليمن، بما في ذلك اجتماعات مسقط الأخيرة التي قادها المبعوثان الأممي مارتن غريفيث والأميركي تيم ليندركينغ.
وفي حين يوشك الأول أن يغادر الساحة اليمنية إلى مهمة أممية جديدة بعد ثلاث سنوات قضاها من «الحرث في بحر الأزمة اليمنية»، حيث اصطدم طوال هذه الفترة بتعنت الحوثيين ومراوغاتهم في شتى الملفات المطروحة، شدد السياسيون اليمنيون على أهمية أن يتخلى المجتمع الدولي عن سياساته الراهنة لاتخاذ تدابير أكثر حزماً مع الجماعة التي تراهن على الوقت للتمدد عسكرياً في سياق سعيها لإطالة أمد الانقلاب واستكمال «حوثنة» المجتمعات المحلية الخاضعة لها.
- جماعة غير معنية بالسلام
في هذا السياق، يجزم الأكاديمي اليمني والسياسي الدكتور فارس البيل، أن الميليشيات الحوثية ومن ورائها إيران ليست معنية بالسلام ومساراته؛ «لأن السلام والدخول في عملية سياسية يعني القضاء على وجود ومهمة ميليشيا الحوثي العسكرية؛ ولأن إطفاء نار الحرب التي أشعلتها إيران يخمد مشروعها الاستراتيجي للسيطرة والنفوذ في المنطقة»، بحسب ما قاله لـ«الشرق الأوسط».
ويرى البيل، أن ذلك «يفسر بوضوح إفشال كل رؤى السلام ومبادراته لليمن؛ إذ إن إيران لم تنشئ وتدعم ميليشيا الحوثي لتتحول إلى مجرد فصيل سياسي، وإن كانت هذه وسيلتها المرحلية في البدايات، لكنها الآن ترى في الحوثي ذراعها العسكرية الأمكن في المنطقة، وترى أن تراجعها عما حققته من مكاسب عسكرية، هو إخفاق لاستراتيجيتها».
وبما أن هذه الغاية أصبحت واضحة أمام المجتمع الدولي «فعلى المجتمع الدولي - كما يقول البيل - أن يغير من آماله ورؤاه وخططه لتحقيق السلام في اليمن؛ لأن الحوثي لا يعنيه المستقبل السياسي في اليمن بقدر ما يهمه النفاذ في تحقيق مقاصد إيران التوسعية».
ويضيف الدكتور البيل «هذا الرفض الحوثي المستمر جاء رداً على التحركات الكثيفة لتحقيق السلام، كي لا يعود إلى الوراء، وإذا ما رضخ لهذه الضغوط فهو رضوخ مرحلي غير صادق، كما خبرنا ميليشيا الحوثي عبر كل الجهود من بدايات الحرب».
في المقابل يرى البيل، أن «على الحكومة الشرعية أن تدرك هذا الأمر وتتخذ التدابير المناسبة كي لا تجرها ميليشيا الحوثي إلى صفقات مرحلية لا تأتي بسلام حقيقي لليمن، أو أن تفرض الأطراف الوسيطة صيغ سلام منقوصة تؤجل الصراع ولا تحل المشكلة».
ويعتقد أن «تمسك الحكومة بثوابت السلام التي تعلنها دون انتقاص هو المهم الآن، مع ضغط عسكري مستمر وإنقاص لقدرات الحوثي وسيطرته ينبغي أن يتصاعد»، حيث لا يخفي البيل مخاوفه من حلول «ربما تفرض ولا تمنح اليمنيين سلاماً حقيقياً بعد كل هذا العناء، ولا تهزم مآرب الحوثي ومهماته».
- بيدق بيد النظام الإيراني
وكيل وزارة الإعلام اليمنية فياض النعمان لم يستغرب من رفض الجماعة للمقترحات الأممية والدولية وآخرها إفشال اجتماعات مسقط، ويقول لـ«الشرق الأوسط»، «ليس بجديد أن تتعامل الميليشيات الإرهابية الحوثية بهذا الأسلوب غير المسؤول مع جهود السلام الرامية لإنهاء الانقلاب والحرب التي أشعلتها ذراع إيران في اليمن؛ فقد رفضت كل المبادرات المقدمة من قبل السعودية والمجتمع الدولي، وهذا هو مشروعهم ومشروع ممولهم الذي يهدف لاستخدام الملف اليمني خدمة لمشروع إيران النووي مع العالم».
ويصف النعمان رفض الميليشيات الحوثية لكل جهود السلام بأنه «يؤكد المؤكد لدى الشعب اليمني والمجتمع الدولي بأن الجماعة مجرد بيدق بيد مشروع ولاية الفقيه والحرس الثوري الإيراني، وأن قادتها بلا قرار سياسي أو عسكري» فإيران - كما يقول «أفشلت المباحثات والمشاورات في السابق وستستمر في إفشال أي جهود للسلام في اليمن إذا لم تحقق مصالحها في المنطقة».
ويرى النعمان، أن الحكومة اليمنية ومعها التحالف الداعم لها معنيون اليوم «بالضغط على المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن لتنفيذ كل القرارات الدولية الصادرة تحت الفصل السابع بالقوة العسكرية والاتفاقات التي رعتها الأمم المتحدة في استوكهولم وعدم إعطاء أي فرصة للميليشيات الحوثية وإيران للاستمرار في المراوغة والتنصل عن تحقيق السلام وفق المرجعيات».
ويعتقد وكيل وزارة الإعلام اليمنية «أن استمرار التعامل السلبي للأمم المتحدة والمجتمع الدولي مع ميليشيات انقلبت على الدولة والتوافق الوطني لن يحقق سلاماً ولن ينهي الحرب»، كما أن هذا التعامل الذي يصفه بـ«العقيم» لن يستعيد الدولة ولا بد من إجراءات حازمة على الطرف المعرقل للسلام؛ حتى لا تستمر معاناة اليمنيين تحت إشراف الأمم المتحدة ومجلس الأمن».
- التفاوض لكسب الوقت
غير بعيد عن هذا الطرح، يقول الكاتب والصحافي اليمني وضاح الجليل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن «الجماعة الحوثية منذ 2014 وهي تستخدم المشاورات ولقاءات البحث عن حل سلمي للأزمة اليمنية وسيلة لكسب الوقت والتغطية على تحركاتها الميدانية ومحاولة تحقيق تقدم على الأرض».
وفي حين يذهب الجليل إلى أن «هذا الأمر الذي لم تفطن إليه مختلف القوى المعنية بالأزمة اليمنية، أو أنها تعلمه وتساعد الحوثيين على تحقيق أهدافهم»، يتابع بالقول «كل اللقاءات والمشاورات والاتفاقات السابقة باءت بالفشل بسبب رفض الحوثيين تقديم تنازلات حقيقية، وهو الأمر الذي يتماشى مع طبيعة هذه الجماعة الطائفية المناطقية الإرهابية».
وفي اعتقاد الكاتب والصحافي وضاح الجليل، فإن «الجماعة لن تقدِم على تقديم تنازلات حقيقية أو الدخول في مفاوضات جدية؛ إلا عندما تجد نفسها تحت ضغط دولي حقيقي يرفع الغطاء عنها، وإجراءات ميدانية تطبق العقوبات المفروضة عليها وأولها وقف تدفق السلاح إليها».
ويضيف «هذه الميليشيا تستثمر في الوقت وتلعب في المساحات التي تتيحها لها الأطراف الدولية، لدرجة أنها تتعامل بشكل مهين مع مبعوث الأمم المتحدة في أكثر من مناسبة وفي أكثر من مكان».
وعن مآلات هذا الرفض الحوثي لمبادرات السلام، يرى الجليل، أن ذلك سيؤدي «إلى تعقيد المشهد الميداني وزيادة العنف، حيث تسعى هذه الميليشيات إلى السيطرة على مأرب في أقرب وقت، فرغم فشلها طوال الأشهر الماضية؛ فإنها لم تيأس بعد، وما زالت تتحرك وكأن لديها ضوءاً أخضر من الأطراف الدولية لحسم المعركة هناك، وبالتالي السيطرة على أهم معاقل الحكومة الشرعية وإزاحتها إلى الهامش، والدخول في عملية تفاوضية جديدة يستطيعون فيها فرض إملاءاتهم وشروطهم المعقدة».
وفيما يتعلق بالسلطة الشرعية يقترح وضاح الجليل أن عليها «دعم الجيش والمقاومة في مأرب وتحويل العملية العسكرية هناك من دفاع إلى هجوم، ودفع الميليشيات بعيداً عن مأرب بما يجعلها محمية من إمكانية اقتحامها، أو حتى تهديدها بالاقتحام أو القصف المدفعي والصاروخي؛ لأن التحول في مسار المعركة على الأرض هو الكفيل بكسر غطرسة الحوثيين وإجبارهم على تقديم التنازلات»، بحسب تعبيره.
- أسباب تكتيكية
من جهته، ينظر الكاتب والإعلامي اليمني أحمد عباس إلى هذا التعنت الحوثي على أنه يحمل «دلالة واضحة تفيد بأن هذه الجماعة لا تريد السلام، فهي لا تؤمن به أصلاً ولا ترى إلا ما يوافق مصالحها».
ويشرح عباس في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أسلوب الجماعة مع المفاوضات ويقول «في أوقات سابقة ولأسباب تكتيكية كانت الحركة الحوثية توافق على الذهاب للمشاورات كما رأينا في مباحثات جنيف ومشاورات الكويت؛ لأنها كانت في موقف ضعف وتتعرض لضغوطات قوية، وما إن تخف هذه الضغوط أو ترى الجماعة نفسها في موقف قوة، إلا وترفض كل المبادرات كما هو الحال في رفضها المبادرة السعودية والمبادرات الأممية والأميركية؛ لأنها ترى نفسها الآن في موقع الهجوم، وتفسر كل تلك المواقف والمبادرات على أنها إشارات إيجابية واعتراف بالواقع، كما أن شطبها من قوائم الإرهاب جعلها تتعنت بشكل كبير وترفض كل مساعي السلام».
ولا يستبعد الكاتب والإعلامي اليمني أحمد عباس، أن تكون الجماعة وصلت إلى يقين بأنها باتت بعيدة عن العقاب وأن المجتمع الدولي سيدللها ولن يتخذ مواقف حازمة تجاهها.
لذلك؛ يعتقد عباس أن على الحكومة الشرعية - وهي المعول عليها بدحر الانقلاب واسترداد مقدرات الدولة من أيدي هذه الميليشيا - «ألا تكون مواقفها عبارة عن ردود أفعال تجاه ما يقوم به الحوثي على المستوى العسكري أو السياسي، ويجب عليها ألا تعول كثيراً على المجتمع الدولي والأمم المتحدة التي تحولت مهمتها في اليمن إلى تغيير مبعوث تلو آخر، وفي كل مرة يبدأ من الصفر للشروع في تجربة فاشلة جديدة».


مقالات ذات صلة

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.