الشيخ جراح: البداية مع «الأبارتهايد»... النهاية مع الصواريخ

الشيخ جراح: البداية مع «الأبارتهايد»... النهاية مع الصواريخ

الثلاثاء - 30 شهر رمضان 1442 هـ - 11 مايو 2021 مـ
فلسطينيون في بيت لحم يشاركون في احتجاجات دعماً لإخوانهم المقيمين بحي الشيخ جراح بالقدس (أ.ف.ب)

الحقيقة البسيطة: أهالي حي الشيخ جراح في القدس المحتلة يتعرضون لحملة تنكيل مُركبة يتضافر فيها عُدوان المستوطنين تساندهم الشرطة والبلدية التي يسيطر عليها اليمين المتطرف والحكومة والقضاء.

وسائل الإعلام الإسرائيلية تصور القضية كنزاع قانوني على ملكية عقارات تذكر «أصحابها» اليهود المطالبة باستعادتها من شاغليها الفلسطينيين. وإذا كان الحال على ما تقدم، يستغرب مساندو الاستيطان هذين الضجة والتوتر المتصاعدين ودخول قوى من خارج «الخلاف العقاري» الذي يجب أن يكون مكانه قاعات المحكمة وليس ساحات المسجد الأقصى.

تسطيح المسألة واختزالها على هذا النحو سار فيه رئيس الوزراء المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو، بتشديده على حق إسرائيل في البناء في عاصمتها «مثل كل دول العالم». لكن القدس وإسرائيل والفلسطينيين ليسوا مثل كل دول العالم. فالمستوطنون يستطيعون التقدم بدعاوى لاستعادة ما يقولون إنه أرض اشتروها قبل حرب 1967. لكن المقدسيين ممنوعون من رفع دعاوى مشابهة تتعلق بأراضيهم في القدس الغربية التي طردوا منها في 1948 وانتقلوا ليقطنوا في شرق المدينة.

يتأسس الخلاف، إذن، على تباين في الموقع القانوني لكل من المستوطنين والمقدسيين أمام القضاء الذي لن يكون إلا منحازاً لمن صِيغ القانون لحمايته ولتوسيع ملكيته العقارية ولطرد خصمه الذي لا يأبه للعروض المالية المغرية بالتعويض عليه مقابل خروجه من بيته. المواجهة غير منصفة منذ بدايتها. فالقانون الواحد يتعامل بطريقتين مختلفتين مع وضعين متطابقين، لأن واحداً من كل من المتخاصمين ينتمي إلى قومية ودين وعرق. بكلمات ثانية، يُطبق القانون الإسرائيلي التعريف المدرسي للتمييز العنصري. ولو شرعَ أي برلمان في العالم مثل هذا القانون لاعتبر فضيحة ووسماً بعدم مراعاة المساواة بين المتقاضين على ما تفترض بداهات الممارسة الحقوقية. قانون إسرائيلي آخر من فصيلة قوانين الأبارتهايد.

ويتوجه المقدسيون إلى القضاء الإسرائيلي، وهم على علم مسبق بالقانون الجائر الذي يميز ضدهم. كل ما يلي هذا التمييز العنصري ضد الفلسطينيين سيكون نتيجة لهذه المقدمة.

يُفتح هنا الباب واسعاً لدخول المقدسيين في متاهة تُشكل تجسيداً لكل مظاهر انعدام العقلانية في السياسة الإسرائيلية: نتنياهو، السياسي الفاسد والانتهازي والخاسر في الانتخابات لا يمانع في دفع أعداد من غلاة المتطرفين من أمثال النائب في الكنيست إيتمار بن غفير لاستفزاز أهالي الشيخ جراح، حيث توعدهم النائب بنقل مكتبه إلى أحد بيوتهم بعد طرد سكانه منه. استغلال صدام بين اليمين المتطرف الديني والمقدسيين قد يخدم نتنياهو الباحث عن طريقة يعود فيها إلى السلطة بعد فشله في تشكيله الحكومة وتكليف يائير لبيد بهذه المهمة، خصوصاً أن الأميركيين حذروه من الاستثمار في ضرب أهداف إيرانية أثناء المفاوضات الجارية في فيينا.

يتزامن ذلك مع تصعيد الإجراءات الأمنية للاحتلال في محيط المسجد الأقصى بمناسبة شهر رمضان واقتراب إحياء ليلة القدر، وتصبح نهاية صلاة العشاء والتراويح فرصة لدعوة المصلين للتوجه إلى الشيخ جراح للاعتصام دعماً لأهله، وهو ما لا يتأخر المشاركون في الصلاة عنه.

بذلك يكون نتنياهو وبلدية القدس وغلاة المستوطنين افتتحوا حلبة لمواجهات تمتد من باحات الأقصى إلى الشيخ جراح، مع كل ما تختزنه الحلبة هذه من إمكانات للتمدد إلى خارج القدس وجذب لاعبين وقوى تبحث عن مخارج لمآزقها ومشكلاتها. فالسلطة الفلسطينية بعد أن صرفت النظر عن إجراء الانتخابات التشريعية بسبب رفض إسرائيل مشاركة أهالي القدس فيها، وجدت في اندلاع المواجهات منقذاً من الاستعصاء السياسي وعودة إلى نوع تعرفه جيداً من الصراع مع الإسرائيليين: تنديد بالقمع في الإعلام وتنسيق أمني على الأرض.

ولا ريب في أن اقتحام الجنود الإسرائيليين بكامل عتادهم للمسجد الأقصى وإطلاق قنابل الغاز والرصاص المطاط على المتظاهرين، وإصابة المئات، واعتقال العشرات، شكل ضغطاً على «حماس» وحلفائها ودفعها إلى مواجهة اتهامات فلسطينية بالعجز وتجاهل ما يجري في العاصمة الفلسطينية وفي الأماكن المقدسة الإسلامية. وحمل إطلاق «حماس» صواريخها كما في كل مرة يحصل ذلك، الإشكالات المعروفة، التي تزيد من صعوبة الخروج من المتاهة. فما هي الفائدة التي سيجنيها المقدسيون من هذا النوع من الدعم؟ ألا يشكل ذلك مساعدة غير مباشرة لإخراج إسرائيل من الزاوية التي دفعت نفسها إليها من خلال تحويل المواجهة إلى قصف صاروخي، يُرد عليه بغارات جوية تودي بحياة العشرات من الغزيين؟ مع كل ما يرافق ذلك من دعاية مجانية لمحور إيران المتخصص في المزايدة والمهرجانات الإعلامية الصاخبة ولو على دماء الفلسطينيين؟ ثم ما هي محصلة هذا التراشق بالقصف غير وقف لإطلاق النار يتوسط فيه أوروبيون وعرب وغيرهم، وتطمس في نهايته قضية الشيخ جراح؟

لكن، في المقابل، هل يمكن أن يبقى أي طرف يملك قدرة عسكرية ولو محدودة غافلاً عما يدور، ولا يلجأ إلى استخدام الردع، ولو من باب القول إن استباحة القدس لا يمكن أن تكون مجانية؟ وهل كانت حكومة إسرائيل التي تضم بعضاً من أكثر العنصريين تطرفاً في العالم (والذين كان من المستحيل أن تضمهم حكومة تحترم نفسها في أي دولة غير إسرائيل) لتبالي بالتظاهرات السلمية للشبان المقدسيين واحتجاجاتهم غير العنفية، أم أنها كانت ستعمل على تصعيد العنف وصولاً إلى إطلاق الرصاص في جبهة المتظاهرين، كما توعد نائب رئيس بلدية القدس أحد الناشطين الفلسطينيين؟

حق سكان الشيخ جراح الواضح ما كان لينجو من هذه المتاهة التي تتبارى فيها أطراف وشخصيات عاتية القوة، قليلة الأخلاق، لا تحركها إلا مصالحها الآنية. ما يعيد الصراع إلى مكانه الأصلي بين أصحاب الأرض ومستوطنين مشبعين بأمراض القوة القاهرة.


فلسطين النزاع الفلسطيني-الاسرائيلي

اختيارات المحرر

فيديو