رئيس «يونيتاد» لـ«الشرق الأوسط»: «داعش» دولة لا إسلامية... وما زال يشكل خطراً

كريم خان قال في حوار موسع إن الجماعة استهدفت محو مجموعات بأكملها

كريم خان في زيارة ميدانية لمدينة الموصل عام 2019 (الأمم المتحدة)
كريم خان في زيارة ميدانية لمدينة الموصل عام 2019 (الأمم المتحدة)
TT

رئيس «يونيتاد» لـ«الشرق الأوسط»: «داعش» دولة لا إسلامية... وما زال يشكل خطراً

كريم خان في زيارة ميدانية لمدينة الموصل عام 2019 (الأمم المتحدة)
كريم خان في زيارة ميدانية لمدينة الموصل عام 2019 (الأمم المتحدة)

في السادس عشر من يونيو (حزيران) 2021، يفتح رجل القانون الدولي البريطاني الجنسية الباكستاني الأصل كريم خان صفحة جديدة من حياته، ويبدأ ممارسة مهامه بصفته ثالث مدع عام للمحكمة الجنائية الدولية التي تأسست قبل 18 عاماً.
وحتى يأتي ذلك اليوم، فإن تركيز الرجل الذي يعيش عامه الحادي والخمسين ينصب على استكمال مهامه، بصفته مستشاراً خاصاً ورئيساً لفريق «يونيتاد» الأممي، وهو اختصار للاسم الرسمي «فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب (داعش)». ويقول: «سأستمر في العمل بأقصى قدر ممكن من الفاعلية حتى نهاية ولايتي، وسأتعامل مع مسؤوليات المحكمة الجنائية الدولية بمجرد أن أتولى تلك المسؤوليات بشكل رسمي».
وقد أطل خان يوم أمس، عبر الفيديو، ليعلن لأول مرة منذ ظهور «داعش» أن ما ارتكبه التنظيم الإرهابي ضد الإيزيديين «جريمة إبادة جماعية»، والفرق بين تحديد هذه الجريمة ومرات أخرى سابقة يتمثل في أن التسمية وردت بصبغة قانونية، وبعد استكمال التحقيقات والقرائن والدلائل، وتثبيت الشهادات بشكل رسمي.
وأجرت «الشرق الأوسط» حديثاً هاتفياً مع رئيس «يونيتاد»، أوضح خلاله أهمية الجانب القانوني، إلى جانب جملة من المسائل الأخرى المتعلقة بتأسيس الفريق وتحدياته وآماله، فضلاً عن رؤية المحامي الذي كان البارحة يحيط مجلس الأمن بتقرير أداء الفريق الذي لم يتولَّ قبل ثلاثة أعوام قيادته وحسب، بل أسسه منذ خروج القرار الأممي (2379) سنة 2018، وحوله من حبر وورق وخمسة موظفين إلى خلية نحل تفوق 200 موظف في 4 مكاتب، أحدها في نيويورك والأخرى في العراق.
وقبل إكمال جوانب الحديث، تجدر الإشارة إلى أمرين لافتين: تكرار كريم خان وصف «داعش» بالدولة «اللاإسلامية»، وأيضاً ضرورة التنبه إلى أن جرائم «داعش» ارتكبت خلال أعوام، والتحقيق في الجريمة الواحدة يحتاج جهداً كبيراً، مستدلاً بقضية المحكمة الخاصة بمقتل رفيق الحريري.
«كنت في لندن حين تلقيت رسالة من الأمين العام بشأن تعييني، ولكن بالطبع قبل ذلك كنت سُئلت عما إذا كنت على استعداد لقبول هذا التكليف، وقلت: نعم. وكما تعلم قبل تولي هذه المهمة في رئاسة فريق التحقيق، كنت أعمل عملاً خاصاً، وهو ما يعني كثيراً من الحرية التي يتيحها العمل الخاص، ونوعية حياة جيدة».
بصوت هادئ أجاب خان عن سؤال حول كيفية تلقيه النبأ، وسبب اختياره طريقاً ليست سهلة، قياساً بالحياة التي كانت تشغل المحامي المعروف عالمياً. وتابع: «لقد فكرت في الأمر من وجهة نظري، بصفتي مسلماً أولاً، وشعرت أن لديّ مسؤولية إضافية تدفعني لأن أترك جودة الحياة تلك قليلاً، كي أتولى هذه المهمة، وأن أقف وأقول بصوتٍ عالٍ إن هذا غير إسلامي، وهذا ليست (الدولة الإسلامية)؛ هذا الأمر كان بمثابة دافع إضافي بشكل شخصي لي».

دولة «لا إسلامية»
«ما رأيناه مع هذه الدولة (اللاإسلامية)، المسماة «داعش»، بين عامي 2014 و2017، كان (نموذجاً للإجرام) في العراق، وأيضاً في المنطقة»، يقول خان موضحاً: «إن الضحايا والناجين -سواء إن كانوا عرباً أو أكراداً أو شيعة أو سنة أو الكاكائيين أو الشبك أو مسيحيين أو تركمان- سلبت حقوقهم على يد (داعش)، ودمرت حياتهم، وأُخضع كثير منهم للعبودية والاغتصاب. أيضاً طفولة صغار السن تعرضت للسرقة من قبل (داعش) الذين جندوا الأطفال إجبارياً بطريقة شنيعة بشعة».
ويؤكد أن الفريق مفوض من قبل مجلس الأمن من أجل «إجراء تحقيقات مستقلة محايدة لتحديد الأفراد الذين كانوا أعضاء في (داعش)، والمسؤولين جنائياً عن أفعال قد تشكل جرائم دولية بمقتضى القانون الجنائي الدولي، وهي: الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب. نحن ننظر إلى تحديد الأفراد الأكثر مسؤولية، والقضايا التي نبنيها تستند إلى أدلة موثوقة... مجلس الأمن لعب دوراً مهماً في تعزيز المساءلة عن جرائم (داعش) من خلال تفويض فريق التحقيق للقيام بذلك».
وأضاف: «لذلك أعتقد أن تفويض فريق التحقيق لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب تنظيم داعش (يونيتاد) من قبل مجلس الأمن كان ضرورياً، وأعتقد أن الفريق عمل بشكل رائع، وبدعم كامل من حكومة العراق، على مدى السنوات الثلاث الماضية، منذ أن تم تعييني رئيساً لفريق التحقيق. ولقد بدأت العمل في العراق في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2018، مع خمسة موظفين، وبات لدينا الآن أكثر من 200 موظف، ولدينا أربعة مكاتب في بغداد وأربيل ودهوك، بالإضافة لنيويورك، ونمضي قدماً في التحقيق في تلك الجرائم بهدف الوصول للمساءلة».
وأشار إلى أن «ذلك العمل يشمل جميع من ارتكبت ضدهم تلك الجرائم، دون تفرقة بين انتماءاتهم. لذا فإن رحلة العمل مستمرة، ولكني أعتقد أننا قطعنا شوطاً كبيراً. وهنا، تجدر الإشارة إلى الدور الكبير للأمم المتحدة في إثبات أن المساءلة يمكن أن تكون أكثر من مجرد حلم بعيد، بل يمكن إحقاقها بصفتها حجر أساس ضروري للسلام والاستقرار، بالإضافة لكونها حقاً للضحايا والناجين».

ماذا عن التحديات؟
«التحديات بالطبع على مستويات كثيرة»، يقول خان موضحاً: «وصلت العراق أحمل قرار مجلس الأمن، ثم كان علينا أن نبدأ من الصفر. لذلك بدأت بمفردي مع بضعة أشخاص، ثم قمت ببناء هذا الفريق بنفسي. كما ذكرت، وصلت إلى العراق في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2018، مع خمسة موظفين، وكان علينا بناء كل شيء؛ كان علينا بناء مكتب، كان علينا بناء علاقات مع السلطات العراقية، ثم كان علينا التعامل مع ما خلفته فوضى إجرام (داعش)؛ أعني أن (داعش) ارتكب جرائم ليس ليوم واحد. إذا جازت المقارنة، يمكن النظر إلى محكمة رفيق الحريري، وما اقتضته من وقت وجهد كبير للتحقيق في جريمة واحدة ارتكبت خلال يوم واحد، بينما احتلت (داعش) مساحات شاسعة من الأراضي توازي حجم المملكة المتحدة على مدار الأعوام 2014 و2015 و2016 و2017. ويمكنك أن تتخيل كل يوم الجرائم التي ارتكبها (داعش)».
ويتابع حديثه قائلاً: «لذلك كان يتعين على الفريق تحديد الأولويات، للتأكد من أنه يمكننا العمل بكفاءة وإحداث أثر (...) لقد فعلنا ذلك من خلال تحديد أولويات للتحقيق، وأيضاً حرصنا على التحدث إلى المجتمعات، والانخراط في الحوار، وبناء الثقة مع المجتمع العراقي».
وهنا تجدر الإشادة بالعراقيين، إذ يعتقد رئيس «يونيتاد» أن «الشعب العراقي ككل شعب رائع؛ أعني أنهم عانوا كثيراً... من جرائم نظام صدام حسين، ثم وطأة حرب الخليج الأولى وحرب الخليج الثانية، وأخيراً عانوا (داعش). وعلى الرغم من وطأة كل تلك المعاناة، فإن لديهم هذه الصلابة في المواصلة والتمسك بالحياة. عندما التقيت بآية الله السيد السيستاني، وقيادات المجمع الفقهي السني، وأيضاً الكاردينال ساكو من المجتمع المسيحي، وسائر القادة الدينيين، كنا نبحث عن الأرضية المشتركة التي اتفق فيها الجميع على أن جرائم (داعش) ليست من الدين في شيء، وهو ما حدث فعلاً».
وزاد: «إن إنفاذ القانون، وحماية الحقوق، وقدسية الحياة، هي مبادئ يجب أن تربط جميع المجتمعات وجميع الأديان معاً. وعلينا أن نستمر على هذا المسار لأن لدينا الآن أساساً جيداً، ولكن لا يزال هناك كثير من العمل يتعين القيام به».

حاجة الأداء الأفضل
سألت «الشرق الأوسط» عن أفضل ما يحسن أداء الفريق، فأجاب خان: «حسناً، أعتقد أولاً أنني سأبدأ بشكل مختلف قليلاً، إذا جاز لي ذلك: هناك شكر واجب لمجلس الأمن، ولكثير من الدول التي تدعم فريق التحقيق (يونيتاد)، فنحن لدينا تحالف واسع من الداعمين دولياً، وأيضاً إقليمياً، ويشمل ذلك كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة وألمانيا وفنلندا والسويد والدنمارك والاتحاد الأوروبي، وأيضاً من الأردن والسعودية والإمارات. من المهم أن نفهم أنه في مجال العلاقات الدولية، يحتاج الأمر إلى العمل بشكل متواصل والمثابرة. نحتاج إلى مواصلة هذا العمل لأن (داعش) ما زال يشكل تهديداً مستمراً، في العراق كما في المنطقة، وأيضاً في أجزاء أخرى من العالم. ولذلك فإن الدعم السياسي يجب أن يستمر. ومع ذلك، أعتقد أن الدعم الذي يتلقاه فريق التحقيق حتى الآن جيد جداً».
وأكد أن الأمر الآخر المهم جداً هو الجانب التشريعي، مبيناً أنه «حتى الآن، لا يوجد قانون في العراق يتيح محاكمة جرائم (داعش)، بصفتها تشكل جرائم إبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب»، مشدداً على أن هذا «أمر ضروري لتحقيق المساءلة التي نعمل من أجلها (...) هناك مشروع قانون أمام البرلمان العراقي قدمه الرئيس برهم صالح، وهناك دعم ممتاز من حكومة إقليم كردستان، ورئيس وزراء الإقليم مسرور بارزاني، لتمرير قانون هناك أيضاً. لذلك آمل أن يسمح الإطار القانوني في العراق في القريب العاجل بمحاكمة هذه الجرائم الفظيعة التي ارتكبت من قبل (داعش)، مع تحري تصنيفها بالوصف القانوني الصحيح، ليس فقط بصفتها إرهاباً، بل بصفتها إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، حسب ما تظهره الأدلة».

ما الفرق بين «الإرهاب» و«الإبادة»؟
«الإرهاب منتشر في كل مكان في العالم، ويجب إدانته أينما كان: حادث بالي مثلاً أو مانشستر، وكثير من الأحداث المنفردة في كل مدينة من مدن العالم الآن»، يقول خان مضيفاً: «للأسف، هذا هو الإرهاب والعنف المتعارف عليه، وعادة ما يكون متقطعاً. ولكن الجرائم التي ارتكبت من قبل (داعش) في العراق -وأيضاً في أماكن أخرى- أركانها مختلفة، وهذه التفرقة مهمة للغاية من أجل حقوق الضحايا والناجين الذين طالتهم تلك الجرائم».
والفرق بين الإبادة الجماعية وأي جريمة أخرى، بحسب رجل القانون الدولي، أننا «يجب أن نثبت وجود نية لتدمير كلي أو جزئي لمجتمع ما؛ أعتقد أنه من المهم جداً معرفة أن بعض أفعال (داعش) استُلهمت ليس لإحداث ضرر عشوائي فحسب، ولكن لمحو وجود مجموعات بعينها من على وجه الأرض، بشكل كلي أو بشكل جزئي. فعندما تكون هنالك جرائم تستهدف المجتمع المسيحي أو الإيزيدي أو الشيعي أو غيرهم، فهذا الوصف القانوني أمر مهم»، مستطرداً: «إذا نظرت إلى جريمة الاضطهاد على أنها جريمة ضد الإنسانية، فإننا نرى أنه حتى العشائر السنية التي تم استهدافها ربما تكون استهدفت من قبل (داعش) لأنهم يرفضون (البيعة) للخليفة المزيف، الشخص المزيف (البغدادي) كما حدث في الموصل، لذا فالقصد والنية وسياق ارتكاب تلك الجرائم مهم جداً، وهو يختلف عن الإرهاب الذي يستهدف ضحاياه بشكل عشوائي».
واستفاض خان في الشرح، قائلاً إن تنظيم «داعش سيطر على منطقة معينة، والجريمة ضد الإنسانية والهجوم واسع النطاق أو المنهجي ضد السكان المدنيين بشكل خاص لم يكن ليوم واحد، بل لعدة سنوات، من 2014 حتى 2017، واقترف كل أنواع الفظائع، من صلب الناس، وحرقهم أحياءً، وإغراقهم، واغتصابهم، إلى جانب إجبار الأطفال القُصر على القتل والإعدام».
وشدد رئيس «يونيتاد» على أنه «يجب تصنيف هذه الجرائم بشكل صحيح، على أنها جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية، أو جرائم حرب، وقد ظهرت جوانب مختلفة من الإجرام هنا. أعتقد أنه من المهم أيضاً بالنسبة لنا أن نظهر أن هذه دولة (لا إسلامية)، وأن ما فعلوه لا يتعارض مع اتفاقيات جنيف أو أنظمة الكراهية أو اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948 فحسب، بل يتعارض أيضاً مع تعاليم القرآن الكريم. فربما أنت تعرف جيداً كم هي جميلة سورة البقرة التي تقول (لا إكراه في الدين). ومع ذلك، فإن ما يسمى (الدولة الإسلامية) كانت تمارس مثل هذه القيم غير الإسلامية، فقد عرفوا أنفسهم من خلال الإكراه (...) ما ارتكبه (داعش) هو إحدى فترات التاريخ المظلمة، وليس له علاقة بالإسلام، وهذا واضح مثل وضوح الليل عن النهار. ولذلك، فإن محاسبة من ارتكبوا تلك الفظائع باسم الدين هو أمر مهم، لتفرقتهم عن هذا الدين الذي يدعون الانتساب إليه. لذا، فإن الحقيقة هي أن هذه الآيديولوجية هي نسخة ملتوية من الإسلام، تسعى إلى استغلال دين اسمه يدل على السلام، وهذا ما يعنيه الإسلام: السلام والاستسلام لمشيئة الله».

طموح «يونيتاد»
بسؤاله عن التحقيقات خارج إطار العراق، الدولة الأبرز التي تنصب فيها غالبية التحقيقات، أجاب رئيس «يونيتاد»: «حسناً، تفويضنا من مجلس الأمن هو أننا نركز تحقيقاتنا المادية في العراق، ولكن لدينا القرار (2379) الذي ينص أيضاً على مسؤولية فريق التحقيق في تعزيز المساءلة، ودعم التحقيق حول جرائم (داعش) في جميع أنحاء العالم. ونعلم أن (داعش) في كل مكان؛ لقد رأينا ذلك في أفغانستان، وفي النيجر، وفي منطقة الساحل بأفريقيا، وفي ليبيا، وغيرها من المناطق. أعتقد أن كل الدول تحتاج إلى أن تتوحد في مواجهة (داعش)، وما دام أن آيديولوجية التطرف هذه تنمو وتتلقى الدعم، فلا أحد في مأمن».
وأضاف: «سنكون بأمان عندما نعود للاعتدال، كما قال نبي الإسلام، فالطريق الوسط هو أفضل طريق: كن معتدلاً، اترك حرية العبادة... السماح للكنائس والمساجد والمعابد اليهودية، فدور العبادة كلها يجب أن تكون محمية؛ هذه هي تعاليم الإسلام. وهذا نقيض ما كان يفعله (داعش). فبدلاً من حماية المساجد والكنائس والمعابد، يقوم (داعش) بتدمير المساجد والمعابد والكنائس»، وتابع خان: «هذا هو السبب في أن فكرة التطرف هذه خطيرة للغاية، ويجب ألا ننتظر حتى تقع مدينة أخرى مثل الموصل في أيدي تنظيم (الدولة اللاإسلامية)؛ يجب أن ندرك أن جميع الدول في خطر، وأن السبيل لمواجهة (داعش) هو الاعتدال، والاحترام وسيادة القانون؛ وهي القيم التي تربط البشرية جمعاء».
ويرى المحامي الدولي أن ما يطمح إليه فريق «يونيتاد» هو القيام ولو بدور صغير «في سبيل هذه الغاية الكبرى، في محاولة الدفاع عن مبادئ تلك الوحدة الإنسانية، وذلك استناداً إلى بعض المبادئ القانونية الأساسية التي تربطنا معاً، الدول والشعوب.



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.