البلدان الغنية تحوز 87 % من التلقيح حول العالم

«كوفاكس» لا يزال بعيداً عن هدفه بتوزيع 2.5 مليار جرعة

طابور في نيودلهي للحصول على تلقيح «كورونا» (أ.ف.ب)
طابور في نيودلهي للحصول على تلقيح «كورونا» (أ.ف.ب)
TT

البلدان الغنية تحوز 87 % من التلقيح حول العالم

طابور في نيودلهي للحصول على تلقيح «كورونا» (أ.ف.ب)
طابور في نيودلهي للحصول على تلقيح «كورونا» (أ.ف.ب)

أخفق برنامج «كوفاكس» الذي تشرف عليه منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة وتحالف اللقاحات في توزيع الجرعات الموعودة، بحيث أصبح 87 في المائة من الذين تلقوا اللقاح في العالم هم من سكان البلدان الغنية، فيما لم تصل نسبة الذين تناولوه في الدول الأقل نمواً إلى 0.2 في المائة. وعلى الرغم من أنه وزع حتى الآن 40 مليون جرعة لقاح على أكثر من 100 دولة، فإنه لا يزال بعيداً جداً عن الهدف الذي وضعه لهذا العام، بتوزيع 2.5 مليار جرعة.
كذلك، فإنه لم يتمكن من تحقيق هدف المباشرة بحملات التلقيح في 220 دولة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي. ويعترف خبراء البرنامج بأنه، إلى جانب الإجحاف الفاضح في توزيع اللقاحات المتوفرة في الوقت الراهن، هناك كميات كبيرة من الجرعات الفائضة عن احتياجات الدول الغنية التي يمكن توزيعها على البلدان الفقيرة. وحصل التحالف عند تأسيسه مطلع العام الماضي على تمويل لمختلف أنشطته بقيمة 14 مليار دولار. وبعد عام على انطلاقه، وتقويم الموارد التي يحتاج إليها، تبين أنه يواجه عجزاً بمقدار 19 مليار دولار حتى نهاية العام الحالي.

تشكيل التحالف
وعندما اجتاحت جائحة نقص المناعة المكتسب (إيدز) العالم في مطالع ثمانينيات القرن الماضي، انتظرت البلدان الفقيرة أكثر من 10 سنوات، قبل أن تصل إليها المضادات الفيروسية، بعد أن كان الوباء قد فتك بمئات الآلاف من مواطنيها. وعندما ظهرت جائحة «كوفيد - 19» أوائل العام الماضي، دبت الخشية في الأوساط العلمية من الوقوع في الخطأ الفادح نفسه، وتكرار المشهد ذاته على نطاق أوسع، فتداعت 9 منظمات دولية تعنى بالصحة إلى تشكيل تحالف خيري، تحت عنوان «مسرع الحصول على وسائل مكافحة (كوفيد - 19)» (ACT – Accelerator)، بهدف تطوير أدوات تشخيصية وأدوية ولقاحات فعالة، وتوزيعها بالإنصاف بين الدول الفقيرة والغنية.
ونعرف اليوم أن فيروس كورونا المستجد أوقع ما يزيد على 3 ملايين ضحية، وأصاب ما لا يقل عن 150 مليون شخص، استناداً إلى الأرقام الرسمية التي يجمع الخبراء على أنها دون الواقع بكثير، وأنه دفع بأكثر من 100 مليون نسمة بين براثن الفقر، وأن الاقتصاد العالمي نزف 9 آلاف مليار دولار، فهل نجح التحالف في تحقيق الأهداف التي قام لأجلها؟
تقول فرنسواز فاني، مديرة العلاقات الخارجية في الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، وهي إحدى المنظمات المنضوية تحت التحالف: «أعتقد أن الوضع كان يمكن أن يكون أسوأ بكثير مما هو عليه اليوم. في العام الماضي، لم نكن نعرف شيئاً عن هذا الفيروس، ولم تكن توجد آليات للعمل بصورة جماعية، فضلاً عن عدم وجود لقاحات أو أدوية فعالة. تقدمنا كثيراً، لكن المصالح السياسية والتجارية حالت دون العمل بمزيد من الوحدة وتحقيق الأهداف المنش ودة».ويقوم هذا التحالف على 3 ركائز: التشخيص، والعلاج، والتلقيح. وكلٌّ منها تشرف على إدارته عدة منظمات دولية، مثل منظمة الصحة واليونيسيف ومؤسسة «مليندا وبيل غيتس» وتحالف اللقاحات (غافي). وفي التقرير الأخير الذي يصدر قريباً حول نشاط الصندوق وتداعياته، والذي اطلعت عليه «الشرق الأوسط»، عرضٌ لإنجازات التحالف، وما تعذر عليه تحقيقه حتى الآن.
يقول سرجيو كارمونا، المدير العام لمؤسسة وسائل التشخيص المبتكرة: «في الأسابيع الأولى من الجائحة، كانت أسواق الحصول على هذه الوسائل الأساسية في حال انهيار تام، وأقرب ما تكون من ميدان حرب بين الدول الغنية القادرة على شرائها وتلك التي لا تملك هذه القدرة. وكان لا بد من إطار للتعاون بين البلدان، فتكون التحالف، وساعد على توفير 120 مليون فحص سريع للبلدان الفقيرة، إضافة إلى 32 مليون فحص (PCR)، ودورات تأهيلية خاصة بـ(كورونا)، استفاد منها 23 ألف ممرض وطبيب في 200 دولة».

عقار «دكساميتازون»
لكن الهدف الذي وضعته منظمة الصحة لهذه السنة هو توفير 900 مليون فحص سريع للبلدان النامية التي ما زال معظمها يفتقر إلى هذه الوسيلة الأساسية التي تشكل الخطوة الأولى لمكافحة الوباء. وتقدر المنظمة الدولية أن كل فحص سريع في البلدان النامية اليوم يقابله 80 في الدول الغنية، إذ تقول خبيرة الوبائيات ريبيكا مونتي إن «الدول الفقيرة تواجه الوباء كما لو كانت معصوبة العينين؛ لا تعرف من هم المصابون أو إذا كانت هناك طفرات جديدة. هذه مشكلة صحية عالمية لأن عدم معرفة ما يحصل في بلد معين هو كعدم معرفة ما يحصل في العالم».
وتلخص فاني حصيلة هذه السنة من الحرب على «كوفيد - 19» بأولوية واحدة، وهي الإنصاف في توزيع الموارد، وتقول: «في حين يمكنني هنا في جنيف أن أدخل إلى الصيدلية، وأحصل على 5 فحوصات سريعة مجاناً كل شهر، فإنه في البلدان الفقيرة لم يحصل سوى 11 في المائة من السكان على هذه الفحوصات».
وعلى الصعيد العلاجي، وفر التحالف 2.9 مليون جرعة من عقار «دكساميتازون»، الوحيد الذي وافقت منظمة الصحة على استخدامه، وأجرى عشرات البحوث في 47 دولة، شملت 85 ألف حالة، لكن التحدي الأكبر يبقى إيجاد العلاج النهائي لـ«كوفيد - ١٩». وقد ساهمت الجهود الدبلوماسية التي بذلها التحالف في انضمام 190 دولة إلى برنامج «كوفاكس». وإلى هذه الركائز، أضيفت مؤخراً ركيزة أخرى يوليها التحالف اهتماماً متزايداً، هي النظم الصحية الأساسية لاستخدام هذه الوسائل التشخيصية والعلاجية بفاعلية. والنظم الصحية تقوم على أفراد الطواقم الطبية والإسعاف والعناية الاجتماعية، إضافة إلى المختبرات وسلاسل التوريد ونظم مراقبة الجائحة التي لم تعطَ الأهمية الكافية في المراحل الأولى. وهذا ما تبين بشكل مأساوي في المشهد الوبائي الذي تعانيه الهند حالياً.البلدان



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended