«الملامح المصرية» مطلع القرن الماضي في معرض استثنائي

يضم نحو 100 صورة نادرة من مقتنيات علوي فريد

TT

«الملامح المصرية» مطلع القرن الماضي في معرض استثنائي

لا يوجد أفضل من الصورة في تسجيل الأحداث واستحضار اللحظات الحياتية المختلفة المسكونة برحيق الماضي وعبق الذكريات، ففي معرض استثنائي بغاليري «ليوان» بالقاهرة تكشف نحو مائة صورة فوتوغرافية قديمة من المجموعة الخاصة للمقتني علوي فريد، الكثير من ملامح روح مصر وشخصيتها عبر ما تتضمنه من تفصيلات ومفردات تتعلق بحقبة تاريخية تمتد من بداية القرن العشرين حتى منتصفه تبلورت وتشكلت خلالها حياة اجتماعية شديدة العمق والثراء والتطور.
يمنح المعرض المستمر حتى 12 مايو (أيار) الحالي، الزائر فرصة الاطلاع على جانب من الثروة الاجتماعية الثقافية لأحد أهم جامعي التراث في المنطقة العربية، وهو المقتني علوي فريد، الذي تملكته نزعة تجسيد ملامح وطنه بمفرداتها ومؤثراتها وخصوصيتها ما جعله يسعى وراء كل صورة أو قطعة عتيقة تسجل طيفاً من تاريخ مصر، لا سيما خلال عقود النصف الأول من القرن الماضي، حتى بات بيته متحفاً يضم مقتنيات ضخمة ونادرة منها نحو 6 آلاف صورة فوتوغرافية لمجموعة من المصورين الأجانب والمصريين، منهم بلينرت ولاندروك وألبان ورياض شحاتة وعزيز وأليس وأرمان.
يقول علوي فريد لـ«الشرق الأوسط»، «بدأ ولعي باقتناء التراث العائلي المصري منذ نحو 35 سنة، انطلاقاً من أن هذا التراث يُعد توثيقاً وتسجيلاً للمجتمع المصري ككل، ومن ذلك الصور التي تفصح عن لحظات عزيزة من الجمال والأصالة نحتفي باستحضارها في شغف وشوق شديدين».
ينقل المعرض المقام تحت عنوان «ملامح مصرية» الزائر بسلاسة إلى عمق المجتمع خلال ما يطلق عليه علوي فريد «الحقبة المصرية الرومانسية»، فبعد أن سمح لبعض الصور بمغادرة جدران منزله وصناديقه المغلقة إلى جدران القاعة الفنية أصبح للزائر أن يعيش وسط أطياف المجتمع المصري من مثقفين وزعماء ووزراء وأمراء ورجال أعمال وتجار ومهنيين وفلاحين ممن برع المصورون الأرمن والإيطاليون والفرنسيون والمصريون في تصويرهم: «كان إبداعاً وليس مجرد أداء تصويري عادي، هؤلاء المصورون نجحوا أن يقدموا لنا ما كان يدور في أعماق الشخوص، ويجعلونا نقترب من أفكارهم ومشاعرهم، وكأنهم كانوا يصورون روحهم التي هي في الواقع (روح مصر)، بل كما لو كانوا يعرفون أن هناك أجيالاً ستشعر بعد عقود طويلة بحنين جارف لهذا الزمن المسكون بالرقي».
لكن لم يكن إبداع المصور فقط هو سر صدق هذه الصور وقدرتها على الانتقال بالزائر إلى قلب المجتمع بناسه وأحداثه أو العودة النوستالجية إلى الماضي، إنما كان هناك أيضاً سر آخر، وهو البساطة المطلقة لأبطالها، فحين تشاهدها تكتشف خلوها من أي مسببات للإزعاج البصري أو الازدحام الشكلي خلال تأملها وفحص تفاصيلها، فلا وجود لأي افتعال أو تصنع في طريقة وقوف الشخوص أو جلوسهم أو نظراتهم أو تصاميم ملابسهم أو استخدام مستحضرات التجميل، حتى ما يخص تصوير حفلات العرس، يقول علوي في سياق حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «من أكثر ما يستوقفني زمان صور العروسين؛ لأنها بمثابة (قص شريط الأسرة المصرية)، إنها بداية حياة أسرة ستشهد حكايات وأحداثاً ولحظات وأشخاصاً جدداً، ومن اللافت أن هذه الصور التي أصبحت الآن رمزاً للتكلف والتصنع كانت زمان الأكثر هدوءًا وأناقة».
يمكن للمتلقي أن يستشعر المعنى الذي تطرق إليه المقتني عند دخوله قسم «الحريم» بالمعرض على وجه التحديد، وهو عبارة عن قاعة صغيرة بالغاليري تم تخصيصها للصور التي تقتصر على السيدات وحدهن، فتبهرك الأناقة اللاتي كن يتمتعن بها، إنه «الجمال الهادئ»، على حد تعبير علوي.
وفي كشف عن نوع آخر من الجمال وبساطة الحياة، تحمل الصور مشاهد غير تقليدية من الريف المصري ربما لا يعرفها إلا من عاش هذه الحقبة، أو فتش جيداً داخل تفاصيل هذه الصور، ومن أبرزها صور ما يمكن أن نطلق عليه «مجلس إدارة القرية»، التي تكشف عن تقليد قديم كان يتبعه مجموعة من مسؤولي القرية، وهي التصوير عند انضمام فرد جديد إليهم، مع تدوين أسماء ووظيفة الأشخاص الذين تم تصويرهم أسفل أو في ظهر الصورة، يقول علوي: «هذه الصور كانت تضم شيخ البلد والعمدة وطبيب الوحدة الصحية والطبيب البيطري ومهندسي الري والزراعة ومأمور القسم وناظر المدرسة وهم في الواقع من كانوا يديرون القرية»، ويتابع: «وتكشف مجموعات أخرى من الصور عما كان يحدث بينهم من صداقات قوية وحالات نسب وما يتبع ذلك من حكايات عائلية وترابط أسري كان نواة لاستقرار المجتمع»، حسب وصفه.
ولا يتوقف انسياب الملامح المصرية على الشخوص والأحداث، إذ تستحوذ الأمكنة على مكانة خاصة بالمعرض، فيبدو أن مجموعة علوي فريد قد فتحت شهية صاحب الغاليري مصطفى عز الدين، للتنقيب في مجموعته الفوتوغرافية الخاصة، ليستخرج عدداً محدوداً من الصور لكنها كانت مهمة من حيث استكمال المشهد المصري لاحتفائها بالمكان، لا سيما حي مصر الجديدة بعراقته ورقيه، من أبرزها وأكثرها ندرة صورة لقصر البارون عند بنائه (1910) وتظهر المنطقة المحيطة به، حيث تُعد من أوائل الصور التي تم التقاطها بالطيران الشراعي الذي دخل مصر في العام نفسه. يقول عز الدين لـ«الشرق الأوسط»: «تحمل الصور أسرار المكان، وتبرز أمكنة اندثرت وأخرى اختلفت معالمها بشكل جذري، ومن ذلك صورة للملاهي التي أنشأها البارون وكان يمنح سكان الحي فقط تذاكر مجانية لدخولها ومكانها الآن نادي الليدو، ومنطقة سباق الخيل التي تم تحويلها إلى حدائق الميرلاند، ويفاجئك أن مصر كان بها مدرسة علمية سابقة لعصرها اسمها (الغازات السامة) تكشف عنها صورة تعود إلى سنة 1936».



«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)

أطلق «موسم الرياض» نسخته السابعة بفعاليات وتجارب ترفيهية وبطولات رياضية عالمية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية متنوعة، استعرضها المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية (GEA)، في مقطع فيديو نشره على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

وأعلن آل الشيخ عودة «موسم الرياض» بفعاليات وتجارب ترفيهية متنوعة، وبطولات رياضية استثنائية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية مختلفة فيها، مثمناً دعم وتمكين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لقطاع الترفيه.

وتضمن الفيديو لقطات لأبرز البطولات والأحداث الرياضية التي يشهدها الموسم، وفي مقدمتها بطولة «Six Kings Slam» للتنس، التي تجمع نخبة من أبرز نجوم اللعبة عالمياً، ونزالات «Mexico vs. The World»، حيث يتصدرها النزال المرتقب بين الملاكم المكسيكي كانيلو ألفاريز والفرنسي كريستيان مبيلي.

ويشهد الموسم بطولات «Zuffa Boxing» التي تقدم مواجهات احترافية في الملاكمة، و«UFC» للفنون القتالية المختلطة، وعرض «WWE Crown Jewel» الذي يجمع أبرز نجوم المصارعة العالمية.

كما يضم فعالية «Power Slap» التي تجمع نخبة من المتنافسين في هذه الرياضة، ومهرجان الإثنوسبورت الثقافي الذي يسلط الضوء على الرياضات والألعاب التقليدية، ويقدم منافسات وأنشطة ثقافية مصاحبة.

واستعرض الفيديو مجموعة من مناطق الموسم ووجهاته الترفيهية، بينها «بوليفارد وورلد» التي تجمع ثقافات وتجارب مستوحاة من دول العالم، وتشهد هذا العام إضافة 4 دول جديدة هي أوزبكستان واليمن وهولندا والبرتغال، في حين تقدم «وندر جاردن» ألعاباً وتجارب ترفيهية متنوعة في أجواء مستوحاة من عالم الخيال والطبيعة.

وتجمع منطقة «بوليفارد سيتي» العروض المسرحية والتجارب التفاعلية والمطاعم والمقاهي، بينما يقدم «سوق المزارعين» المنتجات الزراعية والمحلية، وتقام تجربة «متاهة الحصن» تقام لأول مرة بتحديات تفاعلية ومغامرات داخلها، كذلك تحتوي وجهة «سفن الحمراء» الترفيهية على تجارب وأنشطة متنوعة.

وشملت اللقطات منطقة «شتاء الديرة» التي تقدم تجارب ثقافية وتراثية تستحضر تاريخ الرياض وأسواقها القديمة، فيما تجمع «فيا رياض» المطاعم الراقية والتسوق والتجارب الفاخرة، وتتيح «ذا جروفز» تجربة حديقة مفتوحة تضم المطاعم والمقاهي والعروض الحية والأنشطة الترفيهية.

ويُمكن لزوار «حديقة الحيوان» في الرياض مشاهدة أنواع متعددة من الحيوانات والاستمتاع بالتجارب العائلية، بينما تحتضن «حديقة السويدي» سبع ثقافات من حول العالم، تشمل اليمن وباكستان والسودان والفلبين وإندونيسيا وبنغلاديش والهند، عبر العروض الفنية والمأكولات الشعبية والمنتجات التقليدية والتجارب الثقافية المتنوعة.

وتطرق الفيديو إلى حفلات غنائية يحييها أشهر الفنانين على مسارح الرياض، وعروض مسرحية متنوعة يقدمها نخبة من أبرز نجوم المسرح العربي، ضمن برنامج ترفيهي يجمع مختلف الفنون والتجارب التي تلبي اهتمامات شرائح واسعة من الجمهور.

ورحّب آل الشيخ بالجمهور، قائلاً: «أهلاً وسهلاً بكم في موسم الرياض»، الذي تشهد نسخته السابعة برنامجاً متنوعاً من الفعاليات والتجارب المحلية والعالمية، بما يعزز مكانة العاصمة السعودية كوجهة عالمية رائدة للترفيه.


وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)
TT

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)

توفي الممثل توم سكيريت، الحائز جائزة إيمي، الذي اشتهر بأداء أدوار شخصيات تتسم بالرصانة والسلطة الممزوجة بالسخرية، سواء في دور مدرب الطيران في فيلم «توب جن»، أو قائد الشرطة الحازم والمنصف في المسلسل التلفزيوني «بيكيت فنسز» أو قائد المركبة الفضائية الذي يلقى حتفه في فيلم «إليان» عن عمر 93 عاماً.

وقالت عائلة سكيريت في بيان إنه توفي أمس الأربعاء لأسباب طبيعية. وجاء في البيان: «بينما عرفه العالم من خلال مسيرته التمثيلية الاستثنائية، عرفناه نحن بروح دعابته وفضوله وحكمته وكرمه والحب الذي غمرنا به في حياتنا».

وتم ترشيح سكيريت مرتين لجائزة إيمي، في المرتين عن دوره في مسلسل «بيكيت فنسز» وفاز عام 1993 بجائزة أفضل ممثل رئيسي في مسلسل درامي.

ومن أبرز محطات مسيرته الفنية أيضاً تجسيده دور الزوج المتفهم للممثلة شيرلي ماكلين في فيلم » تيرنينج بوينت» أو (نقطة تحول).


لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.