تشاد... نيران الصراع الداخلي تهدد ليبيا والسودان

وفاة ديبي المفاجئة تُحيط مستقبل المنطقة بـ«الغموض»

إدريس ديبي
إدريس ديبي
TT

تشاد... نيران الصراع الداخلي تهدد ليبيا والسودان

إدريس ديبي
إدريس ديبي

وسط «ساحة الأمة» بالعاصمة التشادية نجامينا، وقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مهدداً كل من يحاول المساس بأمن البلاد التي لطالما كانت حليفته ضد المتشددين في منطقة الساحل الأفريقي، قائلاً إن «فرنسا لن تسمح لأحد اليوم ولا غداً، أن يمس استقرار تشاد ووحدة أراضيه».
كلمات الرئيس الفرنسي جاءت إبّان تشييع جنازة الرئيس التشادي إدريس ديبي إيتنو، الذي توفي في معارك مع المتمردين الشهر الماضي، مخلفاً حالة من الاضطراب في دولة، عانت على مدار السنوات الـ60 الماضية من حروب أهلية ونزاعات المسلحة، امتدت إلى دول الجوار. وحقاً، بادرت هذه الدول إلى الإعراب عن قلقها العميق مما يحدث في الدولة الواقعة وسط القارة السمراء، إذ أصدر قادة السودان والنيجر وليبيا بياناً مشتركاً، دعوا فيه إلى «حوار وطني بين الأطراف المتنازعة، وتغليب مصلحة البلاد». وأعلنوا «تكثيف الجهود لمراقبة الحدود المشتركة بين دولهم وبين تشاد تنفيذاً لاتفاقية نجامينا الموقعة عام 2018»، وتمركزت قوات الجيش الليبي على الحدود مع تشاد في حالة استنفار، لمنع دخول وخروج القوات التابعة للمتمردين التشاديين.

جاءت وفاة الرئيس التشادي السابق إدريس ديبي المفاجئة بعد أيام من فوزه بولاية سادسة، لتفاقم حالة الاضطراب في «مثلث» السودان - تشاد - ليبيا، وهذا بينما تحاول الدول الثلاث التقاط أنفاسها، محاوِلة تنفيذ بنود اتفاقات سلام، كانت رغم هشاشتها المخرج الوحيد الذي وضع حداً لسنوات من القلائل والنزاعات المسلحة. ووسط طموحات الاستقرار بعد فوز ديبي بولاية جديدة، خرج عظيم برماندوا، المتحدث باسم الجيش التشادي، يوم 20 أبريل (نيسان) الماضي، ليعلن مقتل الرئيس المجدّد له خلال المعارك ضد المتمردين، وفجأة خيّمت على المنطقة حالة القلق تخوفاً من انفجار بركان يهدد دول منطقة الساحل الأفريقي، وخاصة السودان وليبيا.

- جماعات عابرة للحدود
سبب الوفاة المعلن قد يكون أحد أسباب القلق، إذ قتل الرئيس خلال معارك مع متمردين تشاديين من «جبهة التغيير والوفاق»، التي تتخذ من ليبيا مقراً لها، لينهي حكم إدريس ديبي الذي استمر 30 سنة، خاض خلالها سلسلة مواجهات مع معارضيه، منذ وصوله إلى سدة الحكم عام 1990. بعدما أطاح بسلفه حسين حبري.
منذ ذلك التاريخ، قاد ديبي عمليات عسكرية كثيرة ضد المتمردين، وكان على رأس القوات في الهجوم ضد تنظيم «بوكو حرام» الإرهابي، في العام الماضي، على شواطئ بحيرة تشاد. وفق ريتشارد مونكريف، مدير «مشروع وسط أفريقيا» في «مجموعة الأزمات الدولية»، كان ديبي «حريصاً على تقديم نفسه للشعب كرجل عسكري يسعى لتأمين البلاد، بهدف دعم سلطته السياسية». وحقاً، هي الصورة التي «تكرست بوفاته وهو يقاتل»، لكن في الوقت ذاته أثارت مخاوف من أن يتزعزع مجدداً استقرار تشاد التي عانت منذ استقلالها عن فرنسا، عام 1960، من نزاعات وحروب أهلية، وربما كانت فترة حكم ديبي هي الأكثر هدوءاً.
من جانبها، قالت السفيرة منى عمر، مساعدة وزير الخارجية المصري السابق، لـ«الشرق الأوسط» معلّقة: «ما يحدث في تشاد سيكون له تأثير بالتأكيد على الدول المجاورة. ذلك أن المتمردين والمرتزقة التشاديين على الحدود الليبية مارسوا أنشطة كانت سبباً في مقتل ديبي، والأوضاع حالياً مقلقة». وحقاً، تعتبر حالة الانفلات الأمني في ليبيا، بما فيها انتشار السلاح والمرتزقة، من العوامل التي تنذر بانفجار الأوضاع. وهنا يقول الدبلوماسي السوداني الدكتور علي يوسف، رئيس «اللجنة التنفيذية للمبادرة السودانية لتعزيز العلاقات مع مصر»، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «اتفاق السلام في ليبيا ينص على عودة الجنود المرتزقة إلى دولهم. هذا أمر سهل في السودان حيث سيندمج الجنود العائدون في الجيش السوداني، إلا أن الوضع مختلف بالنسبة لجنود تشاد، ولا سيما أنهم دخلوا في معارك مسلحة شرسة ضد الجيش التشادي... كان الرئيس التشادي نفسه أحد ضحاياها».
ما يستحق الإشارة، أن اتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا وقّع خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بين «حكومة الوفاق الوطني» التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، وقوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة خليفة حفتر، ومقره شرق ليبيا. ومن بين بنود الاتفاق الدعوة إلى رحيل القوات المسلحة الأجنبية، وبينها القوات الآتية من تشاد، والتي «قاتلت بالوكالة لسنوات دعماً لحفتر»، وفق ما تُقدر كلوديا غازيني، الخبيرة في الشأن الليبي بـ«مجموعة الأزمات الدولية». وهي توضح هنا: «ربما يكون ذلك سبباً في محاولة (جبهة التغيير والوفاق) التوغل في تشاد بعد تجميعها ترسانة من الأسلحة أثناء فترة عملها مع الجيش الوطني الليبي، إذ تظهر الأحداث الأخيرة في تشاد أن تسليح القوات الأجنبية في ليبيا ستكون عواقبه خطيرة على استقرار المنطقة بأكملها».

- التُبو والنزاع الحدودي
ووفقاً لغازيني، فإن أحد أسباب النزاع في المنطقة الحدودية بين تشاد وليبيا أنها غنية بالذهب، بينما يحظى المتمردون بتعاطف ودعم من بعض ليبيّي الجنوب، خاصة قبائل التُبو. ومن ثم تتساءل إلى «أي مدى ستستمر المواجهة وحرية حركة الجماعات المسلحة العابرة للحدود»، وتضيف أن «ما سيحدث (مستقبلاً) يتوقف على الوضع في ليبيا نفسها على الصعيد السياسي».
حالة القلق هذه يقابلها شيء من التفاؤل داخل تشاد، حتى إن كانت هناك حركات مسلحة عابرة للحدود. إذ يرى الدكتور صالح أبو بكر، أستاذ العلوم السياسية ورئيس مركز البحوث والدراسات الإقليمية والدولية في تشاد، أن «هذه الحركات تظل حركات تشادية، حتى لو كان مركزها ليبيا». ويتابع في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الأمور الآن تحت السيطرة، ولا يتوقع أن تكون لها ارتدادات خارج الحدود... فالحياة تسير بشكل طبيعي في تشاد، والعمل منضبط بعد تشكّل الحكومة الانتقالية».
هذا، وتتخذ جبهة «التغيير والوفاق»، التي أسسها اللواء محمد مهدي علي، عام 2016 في تانوا، بشمال تشاد، من ليبيا مركزاً لها، مع جماعات تشادية أخرى عابرة للحدود. وتقدر كلوديا غازيني أعداد هؤلاء بنحو 2000 شخص، وجدوا في ليبيا مكاناً مناسباً لهم، بعدما طُردوا من إقليم دارفور بغرب السودان عقب توقيع اتفاق السلام بين السودان وتشاد عام 2010، ومن ثم ساهم الانفلات الأمني في أعقاب ثورة عام 2011 في خلق بيئة خصبة لهم، سمحت لهم بالعمل والحركة والتسلح.

- أهمية دارفور
لقد مكّن اتفاق السلام التشادي - السوداني الدولتين من التركيز على المخاطر الأخرى التي تهدد حدودهما، خاصة في أعقاب حقبة ما بعد حكم معمر القذافي في ليبيا. وكانت الدولتان تدعمان أطرافاً متعارضة في ليبيا، فبينما تحاول السودان إيجاد نظام ليبي صديق، ركّزت تشاد على منع الجماعات المسلحة من استغلال حالة الانفلات الأمني في ليبيا واختراق حدودها. وفي الوقت نفسه، ثبتت الجماعات المسلحة من تشاد والسودان أقدامها في ليبيا، وعبرت جماعات المعارضة المسلحة من تشاد وإقليم دارفور وميليشيات «الجنجويد» السودانية الحدود بشكل منتظم. ووفق دراسة صادرة عام 2017 عن «مشروع الأسلحة الصغيرة» في سويسرا؛ «تعتبر الإخفاقات المتكررة لاتفاقيات السلام وعمليات إعادة دمج المتمردين، وقلة الفرص الاقتصادية، وغياب البدائل السياسية في تشاد، والاضطرابات في ليبيا، واستمرار العنف في دارفور... من العوامل الرئيسة المفضية إلى تدويل الفصائل المسلحة في المنطقة».
تزوج إدريس ديبي عام 2012 من أماني هلال، ابنة أهم قادة ميليشيات «الجنجويد» السودانية، وكان نزاع دارفور سبباً في توتر العلاقات بين الدول الثلاث، عندما دعم القذافي متمردي دارفور، وزوّدهم بالسلاح عبر تشاد، وكانت الهويات المشتركة والروابط العائلية وانتماء ديبي لقبائل الزغاوة سبباً في دعم متمردي دارفور، إذ أعلن ديبي رسمياً ذلك عام 2005، وهو ما دفع الرئيس السوداني السابق عمر البشير إلى الرد بدعم المعارضة التشادية المسلحة من قبائل التبو التي تسكن في شمال تشاد.
الأزمة الأخيرة في تشاد تزامنت مع مشكلة مدينة الجنينة السودانية، بغرب دارفور على الحدود بين البلدين. وفيها نشب نزاع قبلي بين قبيلتين عربية وزنجية راح ضحيته 150 شخصاً. ويقول يوسف إن «الاضطراب في أي من البلدين يهدد البلد الآخر». إلا أنه في الوقت الحالي يستبعد أن «تعود الأوضاع للتأزم في إقليم دارفور، الذي يشهد الآن حالة من الاستقرار بعد توقيع اتفاق جوبا»، مؤكداً أن «السنوات الماضية أثبتت إمكانية معالجة مشكلات الحدود بين البلدين من خلال التعاون». ثم يشرح: «كان التداخل العرقي وعلاقات النسب التي تجمع بين القبائل التشادية ومثيلتها السودانية في دارفور من أبرز الأسباب في نزاعات الماضي، خاصة أن الرئيس الراحل ديبي نفسه كان متزوجاً من سودانية». وهذا أمر تؤكده السفيرة عمر بقولها إن «الوضع في دارفور الآن شأن داخلي، ولن يكون لتشاد تأثير عليه».

- «المجلس العسكري» الانتقالي
بعد وفاة ديبي شكّل الجيش التشادي «مجلساً عسكرياً» انتقالياً سيحكم البلاد لمدة 18 شهراً، ويضم 15 عضواً برئاسة محمد إدريس ديبي (37 سنة)، نجل الرئيس الراحل. ومع أن «المجلس العسكري» تعهد بإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وعرضت المعارضة الهدنة، رفض «المجلس» قائلاً: «لن نجلس مع إرهابيين». وفي المقابل، شككت المعارضة في نيات «المجلس» وتخوفت من أن يستولي على الحكم. وخرجت مظاهرات في شوارع تشاد، سقط على إثرها 6 ضحايا على الأقل، وهو ما دفع الرئيس الفرنسي للتنديد بقمع المظاهرات، رغم دعمه للمجلس العسكري.
ولم يقتصر الأمر على مظاهرات المعارضة، بل تسعى الجماعات المسلحة لاستغلال الوضع، ما يهدد بدخول البلاد في حرب أهلية جديدة، إذ قال كينغابي أوغوزيمي دي تابول، المتحدث باسم «جبهة التغيير والوفاق»، إن «الجبهة تخطط لمواصلة الهجوم». وأعلن مجلس «القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية»، التي تتمركز في ليبيا، عن دعمه لـ«جبهة التغيير والوفاق». وفي محاولة لاحتواء الموقف والسيطرة على الأوضاع المتفجرة، شكّل «المجلس العسكري» حكومة «وحدة وطنية» تضم 40 عضواً.
في هذه الأثناء، تعرضت فرنسا، التي كانت تعتبر ديبي «فتاها المدلّل» لانتقادات بسبب موقفها من تشاد، إذ يرى مراقبون أن رغبة فرنسا في الحفاظ على مصالحها في واحدة من مستعمراتها القديمة، جعلتها تدعم ديبي باعتباره رمزاً للاستقرار في وجه خطر الفوضى. وبعد وفاته، دعمت فرنسا «المجلس العسكري» للأسباب ذاتها. ويذكر أن «المجلس الأطلسي الأميركي» أصدر ورقة بحثية، نهاية الشهر الماضي، طالب فيها الولايات المتحدة بـ«لعب دور في أزمة تشاد»، وحمّل فرنسا «مسؤولية تردي الأوضاع في ليبيا وتشاد ومنطقة الساحل».
وبعكس المعارضة، يرى أنصار إدريس ديبي أن «المجلس العسكري» هو الطريقة الوحيدة للتعامل مع الظروف الاستثنائية التي تمر بها تشاد، ويتفق معهم الدبلوماسي السوداني علي يوسف، قائلاً إن «المجلس العسكري هو الخطوة الوحيدة التي تجنب تشاد الانهيار والدخول في حرب أهلية، والحفاظ على استقلال السلطة المركزية وتماسك الجيش، خاصة بعد تشكيل حكومة مدنية». ويعرب يوسف عن أمله في أن «تنجح تشاد في تبني النموذج السوداني الذي يوازن بين حكومة مدنية ومجلس عسكري»، وتتفق معه منى عمر بأن «الوضع حالياً تحت السيطرة بعد تشكيل الحكومة الانتقالية التي تضم ممثلين عن مختلف حركات المعارضة التشادية. وهو ما سيؤدي إلى استقرار الوضع خلال الفترة القليلة المقبلة، ولو ظلت هناك اعتراضات من المعارضة على أداء الحكومة، وشكل الانتخابات».

- تشاد... وموقعها الجغرافي الحساس
تقع تشاد في وسط أفريقيا، وتحدّها ليبيا من الشمال، والسودان من الشرق، وجمهورية أفريقيا الوسطى من الجنوب، والكاميرون ونيجيريا من الجنوب الغربي، والنيجر من الغرب. وتنقسم البلاد جغرافياً إلى قسمين؛ شمالي صحراوي قاحل، وجنوبي استوائي خصب، ويقدّر عدد سكانها بـ16 مليون نسمة، وفقاً لإحصائيات البنك الدولي، ويتكلمون نحو 100 لغة ولهجة محلية. وتضم البلاد أكثر من 260 قبيلة، بينها 25 قبيلة عربية.
وتلعب تشاد دوراً مهماً في منظمة «مجموعة دول الساحل»، التي أسست عام 2014. وتضم 5 دول، هي موريتانيا ومالي وتشاد والنيجر وبوركينافاسو. وتساهم تشاد بحوال 1400 جندي في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي، إضافة إلى 1200 جندي في منطقة الحدود الثلاثية غير المضطربة بين بوركينا فاسو ومالي والنيجر. وهناك مخاوف من أن يؤدي تأزم الوضع الداخلي في تشاد إلى سحب هذه القوات للمساعدة في معالجة المشكلات الداخلية، ما يجعل وفاة إدريس ديبي «ضربة قاسية لها»، بحسب مونكريف.
من جهة أخرى، تحصل مجموعات المتمردين التشاديين على دعم من مجموعات المعارضة في ليبيا، وهو ما يجعل اللحظة الحالية مليئة بالمخاطر والفرص. أما المخاطر فتكمن في احتمال توغل متمردي الشمال نحو الجنوب والسيطرة على العاصمة نجامينا، بجانب أن هناك مخاوف من احتمال انقسام الجيش، فليس الجميع سعداء بأعضاء «المجلس العسكري». وأخيراً من المحتمل أن يرفض «المجلس» نقل السلطة لمدنيين، وهذا هو سبب المظاهرات الحالية في الشوارع.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.