برنامج «شوستر لايف» الأكثر إثارة للجدل على الشاشتين الروسية والأوكرانية

برنامج «شوستر لايف» الأكثر إثارة للجدل على الشاشتين الروسية والأوكرانية

المقدم الشهير قال لمعارضيه في أوكرانيا: لو كان غوبلز حيًا لاستضفته
الاثنين - 5 جمادى الأولى 1436 هـ - 23 فبراير 2015 مـ
سافيك شوستر

لم يكن برنامج «شوستر لايف» قد استعاد مكانته لدى الأوساط السياسية والإعلامية الأوكرانية حتى داهمته السلطات الرسمية بقرار إلغائه جزاء خروجه على قواعد اللعبة، وتصديق ما يقال حول «حرية الكلمة» و«التزام كييف بقواعد الديمقراطية». فقد اتخذت قناة «24» الأوكرانية قرارها بإغلاق برنامجه الأسبوع الماضي، ولم يكن قد استكمل فترة بث أولى حلقاته المباشرة بسبب استضافته لمعلق روسي من أصول أوكرانية لم يلتزم بما كانت حددته السلطة الأوكرانية من قواعد وحدود تتفق مع ثوابت سياساتها.
وللإحاطة بكل جوانب هذه القصة الإعلامية المثيرة للجدل، نعيد إلى الأذهان بعضا من تاريخ صاحبها الذي طالما «تقلب» بين أحضان مختلف «الإذاعات والقنوات بمختلف توجهاتها وتخصصاتها في بلدان الشرق والغرب على حد سواء».
إنه سافيك شوستر الذي كان حمل عند مولده اسم شيفيليس ميخايلوفيتش شوستيريس. وكان سافيك الذي ولد في ليتوانيا «السوفياتية» في عام 1952 وكان يحمل الجنسية الروسية قبل تحوله إلى الجنسية الأوكرانية في عام 2012. وما بين التاريخين عمل الصحافي والتلفزيوني المعروف في إذاعة «سفوبودا» في ميونيخ في عام 1988. وحتى انتقل منها إلى موسكو مشرفا على مكتبها الجديد الذي تمكنت من افتتاحه فيها في موسكو في مطلع تسعينات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
ومن «سفوبودا» التي انتقلت إلى براغ، تحول سافيك إلى العمل في قناة «إن تي في» التي افتتحها الملياردير اليهودي فلاديمير جوسينسكي «إمبراطور الإعلام الروسي» إبان سنوات حكم الرئيس الأسبق بوريس يلتسين، لتكون على رأس قوته الإعلامية الضاربة التي حددت ملامح سياسات وتوجهات الكرملين على مدى سنوات طويلة، حتى جاء زعيم روسيا الجديد فلاديمير بوتين ليحد من الكثير من عبثية «إعلام القطاع الخاص» في مطلع القرن الحالي. ولعل ذلك تحديدا ما لم يسمح لسافيك بالاستمرار طويلا في الساحة الإعلامية الروسية ليضطر إلى الانتقال إلى أوكرانيا بعد نجاح «ثورتها البرتقالية» وليستأنف نشاطه «المثير للجدل»، متكئا على ما يملكه من قدرات وخبرات إعلامية هائلة، وهو الذي يتقن الكثير من اللغات ومنها الروسية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والليتوانية والأوكرانية!. افتتح سافيك باكورة برامجه الحوارية في أوكرانيا ببرنامجه السياسي الأسبوعي «حرية الكلمة» في سبتمبر (أيلول) 2005 على قناة «ICTV»، لكنه سرعان ما انتقل منها إلى قناة «إنتر» الأوكرانية الخاصة في أغسطس (آب) 2007 ليقدم برنامجه الجديد التسمية القديم المضمون تحت اسم «الحرية مع سافيك شوستر».
وتتوالى البرامج وتختلف التسميات والقنوات التي كانت تفتح أبوابها لاستقبال «المشاكس الدائم»، لكنها سرعان ما كانت تتبرم وتتأفف لتعلنه في نهاية المطاف بأنها لا تستطيع رفع سقفها بما يتناسب مع طموحاته الليبرالية التي يكتنفها الكثير من الغموض والريبة.
على أن سافيك شوستر لم يكن ليستسلم أمام مضايقات و«تعسف» كبار المنتجين والمليارديرات ممن كانوا حجر عثرة على طريق تنفيذ مشروعاته «الطموحة» والمثيرة دائما للجدل، وهو ما دفعه إلى تسجيل مؤسسته الإعلامية المستقلة التي حملت اسمه، وكذلك برنامجه «شوستر لايف»، الذي كان ينتقل به ومعه من قناة إلى أخرى حتى وجد له منفذا من خلال شاشة تلفزيون القناة «24» في مطلع فبراير (شباط) الجاري.
وحين حان الوقت المحدد يوم الجمعة قبل الماضي لبدء الحلقة التي طال انتظارها، واستقر ضيوف البرنامج في مواقعهم، ومعهم من استضافهم سافيك من معلقين ومتابعين داخل الاستوديو، وتحلق المشاهدون حول شاشات تلفزيون «24»، في انتظار الرأي والتعليق حول ما احتدم من جدل بشأن تباين الرؤى والتوجهات بشأن الأحداث في جنوب شرقي أوكرانيا ومدى التزام الأطراف المعنية ببنود اتفاق «مينسك - 2» الذي توصل إليه زعماء «رباعية نورماندي»، حتى انفجر الموقف، وحدث ما لم يكن أحد يتوقع حدوثه بمثل هذه السرعة على خلفية ما قاله ضيف البرنامج من موسكو ماكسيم شيفتشينكو المعروف بمواقفه القومية المتشددة والذي كان زار كثيرا مناطق جنوب شرقي أوكرانيا انطلاقا من مواقف مؤيدة لتوجهاتها حول الانفصال عن أوكرانيا.
وكانت القناة «24» هي القناة الوحيدة التي قبلت بث برنامج «شوستر لايف» من إنتاج مؤسسته الإعلامية، إلى جانب قناة «112» التي نقلت برنامج شوستر عنها. لكنها أيضا ربما تكون القناة الوحيدة التي حسمت قرارها يوم الأربعاء الماضي، لتقرر وقف هذا البرنامج ولم يكن قد رأى النور لأكثر من حلقته الأولى على شاشتها. أما عن السبب فقد عزاه الكثيرون ومعهم السلطات الرسمية الأوكرانية إلى استضافة سافيك شوستر لماكسيم شيفتشينكو أحد أبرز الإعلاميين والسياسيين القوميين المتشددين في روسيا رغم أصوله الأوكرانية.
ورغم أن مشاركة شيفتشينكو في البرنامج كانت عبر «سكاي بي»، فإنه استطاع «إفحام» و«إحراج» كبار السياسيين الأوكرانيين ممن استضافهم البرنامج بما قاله حول «العمليات التنكيلية» للجيش الأوكراني، و«الحرب التي تدور بين الأشقاء» في جنوب شرقي أوكرانيا، وهو ما اعتبرته السلطات الرسمية «ترديدا للقوالب الإعلامية الدعائية المعادية لأوكرانيا من جانب العاصمة الروسية». ومن المعروف أن السلطات الرسمية وأجهزتها الإعلامية في أوكرانيا تصور المقاتلين من جنوب شرقي أوكرانيا بوصفهم عملاء لروسيا وإرهابيين متمردين يناهضون سلطات الدولة وينتهكون قوانينها بعد أن أعلنوا الانفصال عن أوكرانيا.
إزاء كل ذلك وحول كل ذلك، احتدم الجدل في الساحة الإعلامية والسياسية الأوكرانية، واشتعلت المعارك الكلامية وانزلقت الأطراف الرئيسية في الساحة السياسية الأوكرانية إلى تبادل الاتهامات.
وكانت القناة «24» المسؤولة عن بث برنامج «شوستر لايف»، استهلت ردودها وتفسيراتها لما جرى من وقائع خلال ذلك البرنامج هذه المعارك، بالإعراب عن سخطها إزاء استضافة ماكسيم شيفتشينكو. وقالت إن «الصحافي الروسي راح يردد ويدافع عما تروجه الأجهزة الدعائية الروسية من قوالب دعائية حول (الحملات التنكيلية) و(الحرب بين الأشقاء)، وهو ما يعتبر في وقت الحرب أمرا معاديا لأوكرانيا، لا يمكن أن يكون له موقع على الشاشات الأوكرانية، ويؤسفنا أن ذلك جرى من خلال شاشتنا». وقد انضم إعلاميون أوكرانيون آخرون إلى هذا الموقف، ما دفع شوستر إلى سرعة الانضمام إلى هذه الحملة كاملة العدد من خلال رسالة مفتوحة قال فيها في معرض تبريره لدعوة الضيف الروسي إلى برنامجه رغم معرفته بموقفه القومي المتشدد:
«إنني لو قُيض لي العيش قبل ذلك الزمن لكنت دعوت ملك الدنمارك وجوزيف غوبلز (وزير الدعاية الهتلرية إبان سنوات الحرب العالمية الثانية)». وكان سافيك شوستر حاول في هذه الرسالة دغدغة مشاعر الأوكرانيين من خلال عدد من التساؤلات حول ما إذا كانوا يريدون العيش في ظل ما وصفها بـ«ديكتاتورية قوانين بوتين أو زاخارتشينكو»، فيما اتهم ضيفه الروسي شيفتشينكو بالعداء لأوكرانيا. ومضى شوستر في رسالته ليكيل الاتهامات لحكام منطقة الدونباس في جنوب شرقي أوكرانيا بانتهاج سياسات وأساليب تنظيمات إرهابية على غرار «داعش».
ومن اللافت أن هناك في أوكرانيا ومن القوميين المتشددين من وجد في هذه «القصة» مبررا لاتهام الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو بمحاولة فرض الديكتاتورية وخنق حرية الكلمة وإقرار «الرقابة» على الإعلام مثل أوليغ لياشكو زعيم الحزب الراديكالي القومي المتشدد وهو أمر يثير الكثير من الدهشة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن لياشكو خاض الانتخابات البرلمانية حليفا لبوروشينكو ضمن «ائتلاف الرئيس».
ولعل مثل هذا الموقف من جانب شوستر والقوميين الأوكرانيين هو ما دفع الصحافي الروسي ماكسيم شيفتشنكو إلى الرد والتعليق في رسالة مفتوحة أودعها صفحاته في مواقع التواصل الاجتماعي ونشرتها الصحف الروسية والأوكرانية، وكان قال فيها إن إثارة الضجيج حول برنامج تلفزيوني يمكن أن تكون مسألة سخيفة لا قيمة لها على خلفية استمرار الحرب الأهلية في أوكرانيا التي مات وجرح فيها عشرات الألوف من المواطنين الأوكرانيين، فيما اضطر الملايين إلى الرحيل بحثا عن الملجأ والمأوى في المناطق المجاورة. وأضاف أنه لا يستطيع التزام الصمت تجاه محاولات اجتزاء مقاطع من حديثه الذي لم يستمر أكثر من 3 دقائق ضمن برنامج استمر لما يزيد على الساعة، خارج سياقها من جانب سافيك شوستر الذي يتشدق بالحديث عن حرية الفكر وكان قضى الكثير من سنوات عمره عاملا في إذاعة «سفوبودا». ونفى شيفتشينكو أنه استخدم عبارات معادية لأوكرانيا، وإن اعترف بحدة نبرته في الحديث، فيما توعد من وصفهم بطواغيت المال من مصاصي الدماء بمحاكمات عسكرية بسبب دورهم في الزج بالشعب الأوكراني إلى أتون الحرب الأهلية.
على أن هناك في أوكرانيا من يواصل محاولاته من أجل الحيلولة دون حجب برنامج شوستر والسماح له بمواصلة حلقاته إيمانا من جانبهم بضرورة إعلاء «حرية التعبير» وعدم فرض الرقابة مستشهدين بالكثير من أجواء الماضي القريب والتي يعترفون بأنها طالما شهدت الكثير من الحرية الإعلامية إبان سنوات حكم الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش الذي جرت الإطاحة به في إطار «انقلاب غير معلن» في 23 فبراير من العام الماضي.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة