كارلوس وكارول غصن... قصة حب بلا حدود

«معاً إلى الأبد» كتاب مشترك لهما فصل له وفصل لها لكنه ضنين بالأسرار

كارلوس وكارول غصن... قصة حب بلا حدود
TT

كارلوس وكارول غصن... قصة حب بلا حدود

كارلوس وكارول غصن... قصة حب بلا حدود

لمن كان يطمع في أن يجد في كتاب كارلوس وكارول غصن ما يشفي غليله من الأسرار التي أحاطت بسقوط أحد أقوى رجال الأعمال في العالم، المتربع لسنوات على قمة تحالف صناعي من 3 شركات مصنعة للسيارات، الذي كان الآمر الناهي، فإن خيبته ستكون كبيرة. ولمن توقع رواية على الطراز الهوليودي أو «الجيمس بوندي»، خصوصاً ما له علاقة بكيفية هروبه من اليابان إلى لبنان مختبئاً في صندوق خشبي كبير مجهز بثقبين لتمكينه من التنفس، سيبقى على عطشه. فكتاب كارلوس وكارول غصن المسمى «معاً إلى الأبد»، الصادر بالفرنسية عن دار «لوبسرفاتوار» في 305 صفحات، ضنين بالأسرار، ولكنه مكثر في وصف الحالة النفسية لهذا الزوجي الذي لا ينفك من الصفحة الأولى حتى الأخيرة عن التعبير عن تمسك كل منهما بالآخر إلى حد الوله، وأين منهما عشق «ليلى ومجنونها»! ولا يتردد المؤلفان اللذان رسما بنية الكتاب بشكل فريد: زمني التسلسل من جهة، ثنائي الصوت من جهة أخرى، بحيث يأتي كل فصل كأنه انعكاس أو تنويع على ما كتبه الآخر: فصل لكارلوس وفصل لكارول. هو يروي تجربته المرة منذ اللحظة التي شعر فيها أن الأرض تتهاوى تحت قدميه لدى وصوله ليل 19 نوفمبر (تشرين الثاني) إلى مطار طوكيو، حيث ألقي القبض عليه، واقتيد إلى السجن؛ وهي تغرق في وصف حالتها النفسية ومشاعرها من اللحظة التي تناهى إليها خبر توقيفه. هو محتجز لأسباب يجهلها، وهي غارقة في يأسها بسبب غياب الرجل الذي تحب، قبل أن تشمر عن ساعديها، وتنزل إلى أرض المعركة الإعلامية، وتتواصل مع كل من بيده ذرة من سلطة تساعدها على استعادة زوجها السجين. لكن هذا لا يعني أن الكتاب لا يثير الاهتمام، ولا يحمل للقارئ قصة علاقتهما، وتفاصيل تعلق كل منهما بالآخر وبعائلته.

تفاصيل السقوط

الكتاب يلقي ضوءاً مباشراً على اليابان، وعلى نظامها القضائي، وعلى الصراعات الكامنة التي تفجرت مع توقيف كارلوس غصن، رئيس تحالف 3 شركات مصنعة للسيارات: «رينو» الفرنسية، و«نيسان» و«ميتسوبيشي» اليابانيتين اللتين يؤكد غصن أنه أنقذهما من الزوال. والكتاب أيضاً، بريشة كارلوس الذي كان قد اتخذ من طائرته الخاصة منزلاً له بسبب تنقلاته التي لا تتوقف بين باريس وطوكيو وبيروت وأمستردام ونيويورك، وغيرها من المدن والعواصم، يصف لنا عالم الأعمال الذي لا يرحم، ومنطق الدول «البارد» الذي يسحق الأفراد، بحيث تطوى صفحتهم، ويتم تناسي ما قدموه، منذ اللحظة التي تتغلب فيها مصلحة الدولة على بؤس الفرد. هذا الرجل ثلاثي الجنسية، فهو لبناني المولد برازيلي النشأة فرنسي الصيت المهني، سقط من عليائه، وكان سقوطه قوياً.
ليس كتاب «معاً إلى الأبد» الأول الذي يغوص في قصة صعود وتهاوي كارلوس غصن، لكنه الأول الذي يروي من الداخل، وبريشة الشخص المعني، تفاصيل هذا السقوط، و«إجرامية» الماكينة القضائية اليابانية التي تقطع من يقع بين براثنها، كبيراً كان أم صغيراً، خصوصاً إذا كان كبيراً أجنبياً.
منذ المقاطع الأولى للكتاب، ينبه كارلوس غصن القارئ لما ينتظره في الصفحات الآتية: «هذا الكتاب يروي قصة الابتعاد التي فرضت علينا (هو وزوجته)، والعاصفة التي عبرناها، كل من جانبه، طيلة ما يقارب العام، هي قصة مقاومتي للظلم، وقصة المعركة التي خاضتها كارول التي لم تتوانَ عن تنبيه وسائل الإعلام حول عمل النظام القضائي الياباني، وهو الفضيحة الإنسانية التي لا يتحدث عنها أحد. وهذا حتى أتهاوى، ولكن ليس كما كان يرغب المدعي العام الياباني، وأقرر الرحيل (الهروب) لملاقاة المرأة التي أحب، رغم أنف الجميع».
في الساعة الرابعة (بتوقيت طوكيو)، هبطت طائرة «غولف ستريم» الخاصة في مطار طوكيو الدولي، بعد 13 ساعة طيران، ومفاجأة غصن كانت أن موظف الجوازات طلب منه الانتظار بسبب بوجود «مشكلة» تتعلق بجوازه، ليقوده لاحقاً إلى مكتب من أجل التحقق. وهناك، وجد 3 رجال، بينهم من سيصبح عدوه الأكبر، وهو المحقق من مكتب الادعاء، واسمه يوشيتاكا سيكي، الذي منعه من استخدام هاتفه الجوال ليتحدث إلى ابنته التي جاءت إلى طوكيو من مدينة سان فرنسيسكو للقائه. ثم اصطحبه الرجال الثلاثة في ممرات مظلمة، ليدخل في ناقلة صغيرة مقفلة إلى سجن «كوسوج» الرهيب، حيث أطلعه المحقق على سبب احتجازه، وهو الشكوى المقامة ضده بسبب إخفاء مداخيل مالية. وعندما طلب غصن حضور محام إلى جانبه، رفض طلبه، لتبدأ بعدها التدابير التي وصفها بـ«المهينة اللاإنسانية». هو حائر لا يدري ما يحصل له في بلد كان ينظر إليه على أنه «المنقذ». طلب منه أن يخلع ثيابه كافة، وأخذت منه ساعته وحزامه وحافظة أوراقه الشخصية. وكتب غصن ما يلي: «هيمن عليّ شعور متفجر بأنني تحولت من كل شيء إلى لا شيء». ثم اقتيد السجين الجديد إلى زنزانة تبلغ مساحتها 6 أمتار مربعة، في إحدى زواياها فراش موضوع على الأرض على الطريقة اليابانية، إضافة إلى أقل ما يمكن من التجهيزات. وسريعاً، انتابه شعور بالبرد، ورأى في ذلك وسيلة لإهانة النزيل، ومنعه من أن يستخدم ذهنه وذكاءه. وقبل أن يرقد في فراشه من غير أن ينام، تدور التساؤلات في ذهنه: من خطط لما أصابه؟ وكيف حصل ذلك؟ إذ ليس سهلاً لرجل يتنقل بين القارات من شقة فارهة إلى فندق «خمس نجوم» أن يجد نفسه سجيناً وحيداً منقطعاً عن العالم وهو الذي احتفل بعيد ميلاده في قصر فرساي الشهير قرب باريس.

المؤامرة

في سجن «كوسوج»، تحول رجل القارات الخمس إلى رقم «2245» الذي يتعين عليه النطق به كلما طلب منه التعريف عن نفسه. ويصف كارلوس غصن بالتفصيل فطوره الأول في زنزانته: بعض الأرز والأعشاب، مع الشاي الأخضر، وانتهى الأمر. ثم تبدأ جلسات الاستجواب مع عدوه الجديد (سيكي) التي لا تنتهي طيلة النهار، وأحياناً مساء وليلاً. ومن تفاصيل الاستجوابات أنه كان يقاد إليها فارغ اليدين: لا ورقة ولا قلم ولا محامين. 4 أو 6 ساعات متواصلة من الأسئلة المتلاحقة حول اتهامات يجيء المحقق على ذكرها، ويعود إليها، لعل إجابات غصن تكشف عن فوارق تفضح دفاعه أو تضعفه.
كارلوس غصن لا يجيد اليابانية، لذا كان صعباً عليه أن يعرف قوانين السجن، ولكنه شيئاً فشيئاً تعرف على بعضها، وهذه بعض الأمثلة: النوم الساعة التاسعة بعد إشارة صوتية، والنهوض السابعة صباحاً. ويتعين على السجين أن يرتب غرفته كل صباح، ولا يحق له التمشي في زنزانته ولا التمدد باستثناء الساعة المحددة المخصصة للقيلولة. كذلك يلزم بأن يبقى جالساً، وأن ينام إما على الظهر وإما على جنبه، شريطة أن يبقى وجهه بيناً ليراه السجان من فتحة الباب، كما أن الأضواء تبقى مضاءة طيلة الليل... وللسجين الحق في أن يستحم مرتين في الأسبوع، وعليه أن يدفع من جيبه ثمن المناشف وفرشاة الأسنان والمعجون المصاحب. وخلاصة غصن الأولى أن للتدابير كافة هدفاً واحداً: تحطيم شكيمة السجين، ومنعه من التواصل مع أي كان، ودفعه للاعتراف بذنبه. ولكن مشكلة غصن أنه يعد أن لا ذنب له، وأنه لم يرتكب أي خطأ، وقد ألقي به في السجن ظلماً. لذا، كان همه الأول أن يكتشف من حاك «المؤامرة» ضده. وبما أن لسفير البلد الذي يحمل السجين جنسيته الحق في القيام بزيارته، فقد زاره سريعاً سفير فرنسا (لوران بيك) الذي أعلمه أن مدير عام شركة «نيسان»، هيروتو سيكاوا، قد انتقد في مؤتمر صحافي أسلوب عمله وحياته، وتفرده باستخدام عدة شقق فارهة عبر العالم، واستخدام طائرة خاصة لتنقلاته... وذلك على حساب الشركة اليابانية. وخيبة كارلوس غصن أنه كان يحضر سيكاوا ليكون خليفته على رأس الشركة، ولذا فإن «خيانته» جاءت أكثر إيلاماً. وأخبره السفير الفرنسي لاحقاً أن شركة «نيسان» أعدت ملفاً ضخماً ضده، وهي المسؤولة عما يحصل له، بدفع من «سيكاوا»، وبالتشارك والتنسيق مع المدعي العام «سيكي»، والإعلام الياباني الذي كان حاضراً في المطار لدى توقيفه، وذلك لمزيد من الإذلال. إذن، قناعة غصن أنه «وقع في فخ»، وأن عليه الخروج منه، لذا فقد رفض المحامي الذي عينته «نيسان» للدفاع عنه، لكنه قبل المحامين الثلاثة الذين كلفتهم بذلك شركة «رينو».
يشكو غصن وزوجته كثيراً من المرات من النظام القضائي الياباني الذي يقوم على الضغوط على المتهم حتى يقر بذنبه، ويؤكد أن 99 في المائة من المتهمين يعدون مذنبين، إذ لا يحترم المحققون قاعدة أن المتهم بريء حتى إثبات أنه مذنب.
ولم تكن خيبة غصن من «نيسان» هي الوحيدة، إذ يشدد على خيبتين إضافيتين: الأولى من قادة شركة «رينو»، والثانية من السلطات الفرنسية، بدءاً من رئيس الجمهورية وصولاً إلى وزير الاقتصاد برونو لو مير. يقول غصن: «(رينو) قررت تركي لمصيري التعيس، من غير أن تأخذ بعين الاعتبار أن أكون بريئاً من التهم» الموجهة إليه. وسريعاً، عمدت «رينو» إلى قلب صفحة رئاسته لها، وهي بذلك اقتفت أثر ما قامت به شركتا «نيسان» و«ميتسوبيشي». وبحسب المؤلف، فإن اليابان لم تكن راغبة بمشروعه الطموح لدمج الشركات الثلاث، لذا، فتشت عن حجة لإطاحته ووأد خططه. ومن جانبه، لم يقم ماكرون بأية بادرة جدية لإخراجه من سجنه. في المقابل، يبدي الثنائي كثيراً من الاحترام للعمل الذي قام به السفير الفرنسي لمؤازرتهما، بعكس لومير، على الرغم من وساطة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي الذي التقى كارول، ومكنها من الاجتماع بوزير الاقتصاد، ومن الوصول إلى الإليزيه. وعمدت كارول إلى إثبات نص رسالة مطولة وجهتها إلى رئيس الجمهورية، ولكنها بقيت من غير رد طويلاً، حتى جاءتها كلمة منه يقول فيها إنه «سيقوم بما هو ممكن» لمساعدة زوجها، ولكنه في الواقع لم يفعل.

«من القبر إلى المنزل»

يضيق المكان لرواية كل ما يحفل به الكتاب من تفاصيل الأشهر الطويلة التي أمضاها كارلوس في اليابان، إن في السجن أو في الإقامة الجبرية، وعلاقته مع محاميه، والمناورات التي لجأ إليها النائب العام لإبقائه لأطول وقت ممكن في السجن، ورفض الإفراج عنه بكفالة، وكيف أن التعبئة الدولية التي وقفت إلى جانبه، من منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان وجمعيات أخرى، دفعت القضاء إلى السماح بإخراجه من السجن، مع حرمانه من ترك اليابان. ويروي كارلوس سيناريو مثوله لأول مرة، بعد شهر ونصف الشهر من سجنه، أمام المحكمة، حيث اقتيد إليها مربوطاً بحبل لف حول خصره، ويمسك به أحد الحرس، كأنه حيوان يقاد إلى الذبح.
ويروي كارلوس كيف اختمرت في ذهنه فكرة الخروج أو الهروب. ونقطة الانطلاق بالنسبة إليه تأكده من أن القضاء ليس منصفاً، وأن الأكثرية الساحقة ممن يمثلون أمام المحاكم يدانون، وبالتالي أخذ يتصور أنه سيمضي سنوات وسنوات في السجن، وأنه لن يكون قادراً على البقاء في اليابان، لأن ذلك سيعني «موته البطيء». ثم هناك دافع آخر يشد من عزيمته للإفلات من قيوده، هو حبه لكارول، وعجزه عن العيش بعيداً عنها. يروي كارلوس بالتفصيل نضوج فكرة الهرب التي يرفض تسميتها هكذا. وبنظره هو لا يهرب من القضاء لأنه دائم الاستعداد لتحمل مسؤولياته، بل يفلت من الظلم اللاحق به، ومن لا إنسانية القضاء، على الرغم من أن اليابان تدعي أنها دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان.
لكن الكتاب في هذا المجال لا يأتي بجديد، إذ لا تفاصيل عن الاتصالات التي قام بها، وكيف تم ذلك، علماً بأنه كان تحت رقابة شديدة.
بقي غصن في اليابان بين السجن والإقامة الجبرية من 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 إلى 30 ديسمبر (كانون الأول) 2019، والتاريخ الأخير هو تاريخ وصوله إلى مطار بيروت بعد رحلة بطائرة خاصة من مطار ياباني مهجور بعيد عن طوكيو إلى إسطنبول، ومنها بطائرة خاصة أخرى إلى مطار بيروت. ويصف غصن رحلته بأنها «من القبر إلى المنزل». ومجدداً يعود إلى كارول: «كلما اقتربت منها، تسارعت نبضات قلبي». ولدى لقائها خارجة من سيارة صديقة لها قريباً من بيتهما في حي الأشرفية في بيروت، يعاجلها بالقول: «أنت لبوئتي، وهذا أجمل يوم في حياتي».
وتركز صفحات الكتاب الأخيرة على تبرير الفرار. ومباشرة بعد وصوله إلى بيروت، اتصل غصن بالرئيس اللبناني ميشال عون لينقل إليه الخبر، ثم زاره في القصر لإطلاعه على التطورات. وحظ غصن أن لبنان يرفض تسليم مواطنيه، غير أن القضاء اللبناني منعه من ترك الأراضي اللبنانية. لكن يؤكد غصن أن أمراً كهذا لا يشكل مصدر إزعاج له، إذ إن تعلقه بلبنان لم يضعف أبداً.

رسائل الحب المتبادلة

> يحفل الكتاب بنص كثير من رسائل الحب المتبادلة بين كارلوس وزوجته. وهذه بعض المقاطع أولاً من كارلوس إلى كارول: «إلى زوجتي الحبيبة، أموت شوقاً لرؤياك وتقبيلك ومعانقتك، أنت يا حبي. أنا أعشقك يا كارول. أفكر فيك كل لحظة، كل ساعة، أنت نور قلبي، ومن أجلك سأواجه كل شيء. أحبك إلى الأبد». ومن كارول إلى كارلوس: «حبيبي كارلوس، أنت حياتي، أشتاق إليك كل لحظة... أن تكون وحيداً أمر يدخلني في عالم الأحزان والغضب... لست وحيداً، فالدعم الاستثنائي يأتيك من نواحي العالم أجمع. أحبك يا حياتي، أنت نور شمسي، أنت ضوئي وسندي. أريدك أن تبقى قوياً. أحتاج إليك، ولا أقوى على العيش من دونك. أرجوك أن تهتم بنفسك. أحبك، كارول».
هذه الرسائل علامات يحفل بها الكتاب فصلاً بعد فصل. والثنائي يدخلنا في صميم علاقاته العائلية. هو لديه 3 بنات وشاب، وهي ابنتان وشاب. وصفحة بعد أخرى، نتعرف على ما يشعر به كل فرد من هذه العائلة الواسعة، وعلى الإعجاب الذي يكنه الجميع لكارلوس الذي يروي في نهاية الكتاب قصة علاقة الحب التي جمعته بكارول التي أصبحت لاحقاً زوجته الثانية، وكيف أنها أعادت إليه إنسانيته.


مقالات ذات صلة

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

انطلقت، الجمعة، فعاليات «مهرجان الكُتّاب والقُرّاء» في نسخته الثالثة، وذلك في متنزه الردف بمحافظة الطائف (غرب السعودية)، تحت شعار «حضورك مكسب».

«الشرق الأوسط» (الطائف)
كتب هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا.

لطفية الدليمي
كتب لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي

رشا أحمد (القاهرة)

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟
TT

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا. هذه الميتة الناجزة تملك مسوّغاتها الكاملة، وليست محض تمنّيات منشودة أو رغبات متفلّتة. ربّما الكياسةُ وحدها هي التي دفعتني لأن أجعل العنوان بصيغة تساؤل يحتملُ التشكيك. أنا من جانبي لا أميلُ للتشكيك، بل لتعضيد فكرة موت الناقد الأدبي.

ربّما في دوائر صناعة الأدب الغربية بات واضحاً أنّ الناقد الأدبي مات، وإن لم يُصرّحْ بهذه الحقيقة، مثلما جرى التصريح بموت المؤلّف. المعضلة تكمنُ فينا؛ فالنقد الأدبي، كما يُمارَسُ في شكله التقليدي، ما زال يقاتِلُ من أجل الاحتفاظ بهالته السلطوية، كأنّما الزمن لم يتزحزحْ عن ستينات وسبعينات القرن الماضي، وكأنّما القرّاء لم يصبحوا شركاء كاملين في إنتاج المعنى، وكأنّما النصوص لم تتفلّتْ منذ زمن بعيد من يد الكاهن الذي يحتكرُ قراءتها وتفسيرها.

تقوم فكرةُ مداخلتي هذه على دحض القناعة الراسخة بأنّ الناقد الأدبي يمتلك سلطة مرجعية تُخوّلُهُ تحديد ما يُعدّ أدباً جيداً وما ليس كذلك. تلقّى القارئ العربيُّ، لعقود طويلة، خطاباً نقدياً يجعل من الناقد الأدبي حارساً للهيبة الأدبية، يستدعي معايير قديمة، ويُصدِرُ الأحكام، ويتصرّف كما لو أنّ ذائقته محمولةٌ على يقين معرفي لا يتزعزع. هذا الخطاب، إذا ما تعهّدناه بما يكفي من المُدارسة والتنقيب المعرفي، سننتهي إلى وضع اليد على هشاشته المؤكّدة؛ إذ يقوم على افتراضٍ غير معلن جوهرُهُ أنّ الناقد يمتلك موقعاً معرفياً أرفع من موقع القارئ العادي. هذا الافتراض ربما كان له شيءٌ من مقبولية في أزمان سابقة؛ لكنّه لم يَعُد اليوم مقبولاً في زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعّت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّبَ طويلاً.

يمكنُ عدّ الناقد الأدبي قارئاً بصوتٍ أعلى من القارئ العادي، وهذا الصوت العالي جاء من تمكين وسائل النشر وسلطة الذيوع الأكاديمي أو الصحافي. سيكون أمراً مشروعاً أن نتساءل: ما الذي يميّز الناقد الأدبي ويمنحُهُ عُلْوية ثقافية فوق القارئ؟ هل يمتلك أدوات قراءة تتمنّعُ عن أيُّ قارئ شغوف لا يحيدُ عن موارد الرصانة الفكرية؟ هل يحتكر الناقد الأدبيُّ مسافة من الفهم لا تُنالُ إلّا عبر طقسٍ سري؟ الجواب ببساطة: لا. الناقد الأدبيّ، مهما امتلك من معرفة، ليس سوى قارئ يشكّلُ رأيه تبعاً لمرجعياته الثقافية، وتربيته الجمالية، وميوله الشخصية، ومواقفه الآيديولوجية. رأيُ الناقد الأدبيّ ليس «حقيقة مكتشفة» بل «موقف مُنتَج أو مصنوع»، وإذا كان كذلك فلماذا نمنحه سلطة غير مسوّغة ليكون رقيباً ومبشّراً ونذيراً؟

القراءةُ ليست حقلاً يمكن لأحد أن يحتكر فيه «الصواب»، وكلّ محاولة لإضفاء صفة المرجعية المطلقة على الناقد الأدبيّ ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج سلطة المثقف التقليدي، ذلك الذي كان يتكلّم باسم الآخرين، ويُفكّر نيابة عنهم، ويصادرُ الحقّ الطبيعي للقُرّاء في أن يفهموا النصوص برُؤاهم الخاصة.

*****

يموت الناقد الأدبي اليوم لأنّ شروط وجوده القديمة تفسّخت: تغيّرت الوسائط، وتغيّرت طرق تلقّي الأدب، وتحوّلت القراءة من نشاط نخبوي ضيّق إلى ممارسة يومية واسعة. منصّات التواصل الاجتماعي وحدها كفيلةٌ بخلخلة سلطة ناقد أدبي كان يُحسَبُ كلامُهُ كأنّه «القول الفصل». اليوم، منشورٌ على منصّة تواصل اجتماعي قد يوجّهُ دفّة الاهتمام الأدبي أكثر مما يفعله مقالٌ نقدي مطوّل في مجلة ثقافية. هذه حقيقة لا يصحّ، ولن نستطيع، أن نتغافلها.

يموت الناقد الأدبي أيضاً لأنّ النصوص ذاتها تغيّرت: لم تعُدْ تُنتَجُ لتُقرأ بعينٍ واحدة بل بعيون كلّ قارئ. الأدب المعاصر -وبخاصّة في عصر السرد المتشظّي إلى ألوان أدائية عصية على التوصيف الدقيق- لم يَعُدْ يحتمل قارئاً واحداً يقرّر معناه تحت سلطة النقد الأدبي؛ بل يفرض تعدّدَ القراءات، وتفكّكَ سلطة المؤلّف، و«ديمقراطية التأويل». لك -إنْ شئت- أن تنفر من هذا الوضع وأن لا تطيقه؛ لكن لن يفيدك نفورُك في تغيير مسار العجلة.

من المثير تاريخياً أن نشير إلى حقيقة مغيّبة: حين أعلن رولان بارت موت المؤلف، كان يُشير إلى تفكّك سلطة المؤلّف المركزية داخل النص: سلطة المعنى. الجيل النقدي القديم قاوم هذه الفكرة بشراسة، لا لأنّه كان متيّماً بعشق المؤلّف؛ بل لأنّه أدرك -وإنْ من غير تصريح- أنّ موت المؤلف يعني أيضاً تخلخل أساس سلطته؛ فالناقد الأدبي الذي كان يستند في قراءته إلى سلطة المؤلف واعتباره خالقاً مركزياً للنص، وجد نفسه (أعني الناقد الأدبي) ليس أكثر من قارئ آخر، لا يحقّ له ادعاءُ امتلاك الحقيقة، بل تقديم قراءة من بين أعداد هائلة من القراءات الممكنة. هنا صار الناقد الأدبي أسير مساءلة مُرْهِقَة: كيف يمكن للناقد الأدبي أن يمضي في تعزيز سلطته وهو يفقد الموقع الاعتباري الذي يُشرعنُ وجودَهُ؟ وإذا كان المؤلف -بهيبته ورمزيته- قد مات؛ فكيف يظلُّ حيّاً مَن كان يتحدّث باسمه أو يتربّع على عرش تأويله أو يدور في مدارات صنائعه الإبداعيّة؟

موتُ الناقد الأدبيّ ليس ظاهرة منفردة مستقلّة؛ بل هو الوجه الآخر المتعشّقُ عضوياً مع موت المؤلّف، وكلاهما جزء من حركة ثقافية واسعة تُعيدُ تعريف السلطة داخل النص الأدبي. النصّ لم يَعُدْ «موقعاً يُدارُ من الأعلى»، بل «فضاءٌ مفتوحٌ يشارك في تشكيله القرّاء».

هل يعني موت الناقد الأدبي انتصار الرثاثة؟ سيدافع كثيرٌ من النُقّاد عن حصونهم، وهذا أمر متوقّع. سيدبّجون المقالات، ويُحاضرون، ويُسفّهون فكرة موتهم، وسيعتبرونها جزءاً من «انحطاط الذائقة العامّة». أعرف هذا تماماً. سيتحدّثون عن الفوضى، والانهيار، وسقوط المعايير؛ لكنّما العجلة دارت، وما مِنْ سبيلٍ لإيقافها. يبدو أمراً محتّماً أنّ الناقد الأدبيّ التقليدي يشرع في مقاربته الدفاعية من مواضعة، يراها راسخة، مفادُها أنّه كان دوماً المدافع الشرس عن الجودة الأدبية. التاريخ الأدبيّ مليء بالنقّاد الذين احتفوا بأعمال متواضعة وحاربوا نصوصاً عظيمة. هل آتي بأمثلة: الرفض النقدي الطويل لكافكا، واستقبال بودلير العاصف، والهجوم العنيف على نيتشه، والسخرية من شعراء الحداثة العرب في بداياتهم. ثمّ دارت الأيام دورتها وأعيد تقييمُ كلّ شيء.

لم يكن الناقد حارساً للجودة الأدبيّة، بقدر ما كان حارساً لذائقته الخاصة ولذيوع سطوته في الحلقات الثقافية. موت الناقد الأدبي لا يعني موت الذائقة، بل تحريرها. لا يعني سقوط معايير الجودة، بل تعدّدها. لا يعني شيوع الرثاثة، بل إزاحة الحاجز الذي كان يشكّلُ حائط صدّ أمام القرّاء يردعهم عن إثبات جدارتهم.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى كتاب «The Death of the Critic» للكاتب البريطاني رونان ماكدونالد (Ronan McDonald)، وهو عمل حديث نسبيّاً، نُشِر عام 2007، وتُرجِمَ إلى العربية عام 2014. هذا الكتاب أعاد بقوة طرح السؤال حول جدوى النقد الأدبي التقليدي.

يرى ماكدونالد أنّ سلطة الناقد تتآكل في ظلّ تعدّد الأصوات الثقافية وتحوّل القرّاء إلى مستهلكين/ منتجين للمعنى، وهو ما ينسجم تماماً مع واقعنا العربي والعالمي اليوم.

فضلاً عن ذلك يقدّمُ ماكدونالد في كتابه هذا قراءة عميقة لتحوّلات المؤسسة النقدية الأدبية في العصر الحديث، موضحاً كيف تراجعت سلطة الناقد التقليدي لصالح أصوات القرّاء، ووسائط الإعلام الجديدة، والمنصّات الرقمية التي منحت الجميع حقّ التعبير عن رأيهم في النصوص الأدبية. يرى ماكدونالد أنّ النقد لم يَمُتْ بوصفه ممارسة فكرية؛ بل ماتت سلطته القديمة التي كانت تجعل منه مرجعية أولى للحُكْم على القيمة الأدبية. الكتاب يكشف تعاظم «ديمقراطية القراءة»، ويرصد صعود أشكال جديدة من التلقّي تُقصي الناقد الأدبي الكلاسيكي من موقعه الكهنوتي.

*****

المُشْتَغِل الثقافي (Cultural Worker) هو العنوان الأكثر مقبولية وملاءمة لعصرنا من عنوان الناقد الأدبي، ويبدو أكثر تلاؤماً مع تاريخ التطوّر الطبيعي والثقافي. المشتغل الثقافي يتحرّكُ في فضاء أوسع من حدود النص ومرجعياته الجمالية الكلاسيكية، ويمتدُّ في وسائله التشريحية إلى قراءة سياق إنتاج العمل الثقافي، لا الأدبي فحسب، وأنماط تلقّيه، وصِلاتِهِ بالبنى الاجتماعية والسياسية والمعرفية. فضلاً عن ذلك في استطاعة «المشتغل الثقافي» تقديمُ قراءة مركّبة، بعيداً عن مرجعيات سلطوية مفترضة أو متوقّعة، تعيدُ إطلاق حيوية الأدب كتيّار في الثقافة البشرية هو أبعد ما يمكن عن نمط التمارين الأكاديمية المعزولة عن الحراك العالمي في كلّ ألوانه.

ما الذي يبقى بعد موت الناقد الأدبي؟ يبقى القارئ الشغوف، ويبقى النصّ الخلّاق، ويبقى الاشتغال الثقافي الحيوي، ويبقى الحوار المفتوح الذي لا يحتاج رمزيّة كهنوتية سلطوية مغلقة كي تُشَرْعِنَهُ.


لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟
TT

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي هي في جوهرها معركة ثقافية تتعلق بتزييف الوعي العام وخداع الجماهير العريضة عبر «شعارات زائفة وأفكار مغلوطة» تبثها دوائر رأسمالية تستهدف تحقيق أرباح خرافية على حساب سلامة كوكب الأرض وموارده، دون أن تبدو هى في الصورة نهائياً.

ويقول أرنو توريا كلوتييه وفردريك لوغو وآلان سافار في الكتاب، الذي ترجمته أماني مصطفى، إن جميع من في العالم أصبحوا من أصحاب «التوجه الأخضر» بما في ذلك شركتا «كوكاكولا» و«توتال» على نحو يوحي أن البيئة هي «الفطرة السليمة الجديدة» وأننا يجب أن نسعد بهذا، لكن الحقيقة على عكس ذلك.

إن لديهم أسباباً وجيهة للقلق؛ فإذا كان الجميع ذوي توجه أخضر، فكيف نبرر الكارثة البيئية وتوابعها حيث تعاني الإنسانية بالفعل من عنف الاضطرابات المناخية، مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات والأعاصير المدمرة؟ البيئة هي ساحة معركة ثقافية بالأساس، ففيها نجد حلفاء حقيقيين ولكننا نجد أيضاً أعداء شرسين، والمدهش أنه حتى المرتزقة، عديمو الرحمة، يتخفون وراء شعارات نبيلة يأتي في مقدمتها اللون الأخضر.

ويوضح العلماء الثلاثة أن البيئة ليست مسألة بسيطة تتعلق بقناعات أخلاقية أو سياسية، كما أنها وقبل كل شيء نتاج القيود الاقتصادية تلك المفروضة على معظمنا للعمل لمصلحة شركة كبيرة ملوثة للبيئة، أو استخدام سيارة للذهاب إلى العمل أو شراء أغذية غير عضوية لأنها أرخص، أو المعاناة من التلوث الناتج عن منجم أو ازدحام السيارات أو الإسراف في استخدام الطاقة لتدفئة المساكن السيئة العزل، بل أيضاً القيود المفروضة على معظم الشركات لخفض التكاليف عن طريق زيادة التلوث وتحقيق الأرباح، والتميز في المنافسة من خلال إغفال هذه القيود وكيفية تطبيقها بلا مساواة، ومن ثم قد ينتهي بنا الأمر إلى الاعتقاد بأننا جميعاً في القارب نفسه. هذا الوهم جميل بقدر ما هو خطير.

إن المصدر الرئيس للأزمة البيئية هو أننا نستهلك كثيراً، فإذا تمكنا من استهلاك ما هو ضروري فقط لتلبية احتياجاتنا واستهلكنا بطريقة أكثر ذكاء فسوف نتمكن من حل الأزمة البيئية. يجري هذا الكلام على لسان الجميع إلى درجة أنه يصعب علينا أحياناً التخلص من الشعور بالذنب إزاء إقدامنا على شراء ملابس جديدة، فهم يودون أن يضعوا كل ثقل خيارات الاستهلاك على عاتق المستهلكين وحدهم كأفراد يتمتعون بسلطة شرائية معينة وليس لكونهم مواطنات ومواطنين يتمتعون أيضاً بسلطة اجتماعية.

ويلفت العلماء إلى أنه في جوهر هذه الحجة تكمن فكرة تفترض أن المستهلك ستكون لديه السلطة والسيادة أو حتى السيطرة الكاملة على الاقتصاد، حيث يقال لنا إن الشراء اختيار، فالشركات بعد كل شيء تخدم فقط احتياجات المستهلكين، أليس كذلك؟

من وجهة نظر أخلاقية يمكن أن تمتد مسؤولية المستهلك قدر الإمكان إلى المعلومات والسلطة الشرائية التي يمتلكها، لكن من المغالطة والتضليل تحميلنا نحن المستهلكين العاديين مسؤولية انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بإنتاج القلم الذي نشتريه لأمر مضلل لأنه من المستحيل في أغلب الأحيان معرفة الانبعاثات الناتجة عن إنتاجه، فضلاً عن الظروف البيئية والاجتماعية التي أنتج فيها. وقبل كل شيء فإنه من المستحيل أيضاً ممارسة سيطرة حقيقية على هذا الإنتاج فتظل هذه المعلومات وهذه السلطة في الأساس ملكاً للشركة، إذ يكون الزبون بعيداً جداً عن أن يكون المالك.

والمؤكد أن الاستهلاك ليس بالضرورة عملاً من أعمال الحرية، ففي أميركا الشمالية أصبح شراء سيارة ضرورة في بيئة تهيمن عليها الطرق السريعة والضواحي دون وجود شبكة نقل عام كبيرة، ففي ثلاثينات القرن العشرين قلصت شركات «ستاندرد أويل» و«جنرال موتورز» و«فايرستون» للإطارات خيارات النقل بشدة بعد شراء شبكة النقل العام للترام الكهربائي وتفكيكها في 45 مدينة بالولايات المتحدة. وهو ما يثبت أن الخضوع لقرارات عدد قليل من الشركات الكبرى ليس بالأمر النادر بل إنه اتجاه قوي في السوق يفضل تركيز رؤوس الأموال ومركزيتها من خلال السباق المستمر لتحقيق الأرباح.

كما أن جزءاً لا بأس به من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة باستهلاكنا غير مرغوب فيها بقدر ما هي مقيدة، خاصة بالنسبة للفئات الأشد فقراً، حيث يفرض تنظيم الساحات والنقل على أعضائه استخدام السيارة للوصول إلى أعمالهم خاصة إذا كانوا يعيشون خارج المراكز الرئيسة، كما أن الدخل المحدود يجبر هذه الأسرة الفقيرة أو تلك على اختيار طراز سيارة اقتصادي وهي ليست بالضرورة الأكثر صداقة للبيئة.

وخلافاً للفرد الثري الذي يسافر عدة مرات في السنة بالطائرة، فإن الانبعاثات الصادرة عن الأشخاص الأقل حظاً ليست من باب الرفاهية، لكنها في كثير من الأحيان ضرورة في الواقع، فمن يستطيع شراء سيارة كهربائية اليوم حيث تتطلب نفقات مرتفعة للغاية؟ لا يمكننا أيضاً إلقاء اللوم على أفراد هذه الأسرة لعدم شراء المنتجات العضوية عندما تكون خارج ميزانيتهم في ظل خضوع المواد الغذائية لديناميكيات السوق التي تهيمن عليها الشركات الكبرى.

ويخلص العلماء الثلاثة إلى أنه بالطريقة نفسها فإن الأسر ذات الدخل المنخفض التي تكون من فئة المستأجرين عموماً نادراً ما تتحكم في تدفئة منازلها وتضطر أحياناً إلى التعاون مع أنظمة التدفئة الملوثة التي تعمل بالمازوت أو الغاز.

وفي كثير من الأحيان تكون مبانيها معزولة عزلاً سيئاً، فضلاً عن أنه نادراً ما يكون من الممكن لها اختيار شركة الكهرباء التي قد تعمل بالفحم أو الغاز، كما يمكن أن تؤدي معايير البناء المطبقة حالياً أيضاً إلى ارتفاع استهلاك الطاقة.


شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى
TT

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

عبر 21 نصاً مشحوناً بالمشاعر والمفارقات الإنسانية، ترسم الكاتبة المصرية نرمين دميس عالماً من الأسى أبطاله أبطال مهزومون، ومصائر عنوانها العريض العزلة والدموع الصامتة، وذلك في مجموعتها القصصية «صندوق أرابيسك» الصادرة أخيراً في القاهرة عن دار «الأدهم».

فضلاً عن أن النصوص تطمح في مجملها لأن تكون لسان حال الشخصيات الصامتة، معبرةً عن أحلامها وصدماتها الدفينة التي يبدو أنها استقرت في «صندوق» مغلق لم يعد بإمكان أحد أن يطلع عليه، وما يزيد الأمر صعوبة وتعقيداً هو أن تلك الشخصيات أدمنت السكوت واعتادت التجاهل من الآخرين، حتى أصبحت العزلة خيارها المفضل على طريقة «مجبر أخاك لا بطل».

على هذه الخلفية، تتعدد النماذج المثيرة للتأمل بين دفتي المجموعة مثل العجوز البسيطة ذات الملابس المهترئة التي تريد أن تصبح واحدة من «حفيدات السندريلا»، والأب الذي يشعر بالعجز وهو يطالع عبر واجهات المحال أسعار الملابس الضرورية لابنته، فضلاً عن البيت الذي يتحول إلى سجن، والمطر الذي يطلق طاقة تحرر داخلية والخوف الذي يصبح إدماناً والدموع التي تصدر عن شخص يحترف مهنة إسعاد الآخرين.

تتعدد التقنيات السردية في المجموعة ومنها «الأنسنة»، أي خلع صفات إنسانية على الأشياء والجمادات، واعتماد المراسلات كأداة لعرض الحدث، فضلاً عن اللجوء إلى التصوير الفانتازي الذي يتجاوز حدود العقل والمنطق ليسبح في حالة شعورية من الانطلاق.

ويبدو أن اسم المجموعة «صندوق أرابيسك» يكتسب دلالته ورمزيته من حالة التعقيد والتشابك، كما في فن الأرابيسك، التي تعكس واحدة من تجليات النفس البشرية والقصص المتداخلة داخل المجموعة، وكذلك حالة التكتم والسرية لهواجس الإنسان المؤلمة التي لا تظهر لنا لأنها استقرت داخل صناديق مزخرفة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«وسط ظلام ليلة عاصفة تنازل فيها القمر عن عرش السماء، وقفت وحيدة مذعورة يلفها الصقيع ويتسلل إلى داخلها، يزلزلها، يكاد يقتلعها من مكانها، تحاول التشبث بالفراغ من حولها فلا يغيثها، تخور قواها وتخمد مقاومتها وتتساءل... كيف تبدل حالها هكذا ما بين عشية وضحاها؟ بالأمس القريب، كانت تستيقظ على زقزقة العصافير وعبير الأزهار، تؤنسها ضحكات الأطفال، تتردد أصداؤها في الفضاء الفسيح، يعانقونها ويختبئون خلف جسدها فتبادلهم العناق كأم حنون. كم من أسرار حفظتها وأطبقت عليها بين الضلوع، لطالما لاذ بها المتعب حتى يستريح، الجائع حتى يشبع، والظمآن حتى يرتوي، شاركت الأحباب أوج الغرام ودمعت معهم لحظة الفراق.

كانت جميلة فتية، لا تكسرها ريح ولا يسكن قلبها برد، تتدثر بردائها الأخضر النضر وأنفاس ساكنيه الدافئة في أعشاشها، تستمتع بزخات السماء، تمنحها سر الحياة. أما اليوم فزال عنها الرداء، وهجرها الأحباب، صارت قاحلة المحيا بذراعين مصلوبتين تستميتان من أجل البقاء، يمزق نياط قلبها إعراض الناس عنها حتى أصبحت كيتيمة تفتقد السكن والونس، تقتلها نظرات التجاهل تلك، يكاد صراخها المكتوم يشق عنان السماء هاتفاً:

- ما زلت على قيد الحياة، لم أمت بعد!».