كارلوس وكارول غصن... قصة حب بلا حدود

«معاً إلى الأبد» كتاب مشترك لهما فصل له وفصل لها لكنه ضنين بالأسرار

كارلوس وكارول غصن... قصة حب بلا حدود
TT

كارلوس وكارول غصن... قصة حب بلا حدود

كارلوس وكارول غصن... قصة حب بلا حدود

لمن كان يطمع في أن يجد في كتاب كارلوس وكارول غصن ما يشفي غليله من الأسرار التي أحاطت بسقوط أحد أقوى رجال الأعمال في العالم، المتربع لسنوات على قمة تحالف صناعي من 3 شركات مصنعة للسيارات، الذي كان الآمر الناهي، فإن خيبته ستكون كبيرة. ولمن توقع رواية على الطراز الهوليودي أو «الجيمس بوندي»، خصوصاً ما له علاقة بكيفية هروبه من اليابان إلى لبنان مختبئاً في صندوق خشبي كبير مجهز بثقبين لتمكينه من التنفس، سيبقى على عطشه. فكتاب كارلوس وكارول غصن المسمى «معاً إلى الأبد»، الصادر بالفرنسية عن دار «لوبسرفاتوار» في 305 صفحات، ضنين بالأسرار، ولكنه مكثر في وصف الحالة النفسية لهذا الزوجي الذي لا ينفك من الصفحة الأولى حتى الأخيرة عن التعبير عن تمسك كل منهما بالآخر إلى حد الوله، وأين منهما عشق «ليلى ومجنونها»! ولا يتردد المؤلفان اللذان رسما بنية الكتاب بشكل فريد: زمني التسلسل من جهة، ثنائي الصوت من جهة أخرى، بحيث يأتي كل فصل كأنه انعكاس أو تنويع على ما كتبه الآخر: فصل لكارلوس وفصل لكارول. هو يروي تجربته المرة منذ اللحظة التي شعر فيها أن الأرض تتهاوى تحت قدميه لدى وصوله ليل 19 نوفمبر (تشرين الثاني) إلى مطار طوكيو، حيث ألقي القبض عليه، واقتيد إلى السجن؛ وهي تغرق في وصف حالتها النفسية ومشاعرها من اللحظة التي تناهى إليها خبر توقيفه. هو محتجز لأسباب يجهلها، وهي غارقة في يأسها بسبب غياب الرجل الذي تحب، قبل أن تشمر عن ساعديها، وتنزل إلى أرض المعركة الإعلامية، وتتواصل مع كل من بيده ذرة من سلطة تساعدها على استعادة زوجها السجين. لكن هذا لا يعني أن الكتاب لا يثير الاهتمام، ولا يحمل للقارئ قصة علاقتهما، وتفاصيل تعلق كل منهما بالآخر وبعائلته.

تفاصيل السقوط

الكتاب يلقي ضوءاً مباشراً على اليابان، وعلى نظامها القضائي، وعلى الصراعات الكامنة التي تفجرت مع توقيف كارلوس غصن، رئيس تحالف 3 شركات مصنعة للسيارات: «رينو» الفرنسية، و«نيسان» و«ميتسوبيشي» اليابانيتين اللتين يؤكد غصن أنه أنقذهما من الزوال. والكتاب أيضاً، بريشة كارلوس الذي كان قد اتخذ من طائرته الخاصة منزلاً له بسبب تنقلاته التي لا تتوقف بين باريس وطوكيو وبيروت وأمستردام ونيويورك، وغيرها من المدن والعواصم، يصف لنا عالم الأعمال الذي لا يرحم، ومنطق الدول «البارد» الذي يسحق الأفراد، بحيث تطوى صفحتهم، ويتم تناسي ما قدموه، منذ اللحظة التي تتغلب فيها مصلحة الدولة على بؤس الفرد. هذا الرجل ثلاثي الجنسية، فهو لبناني المولد برازيلي النشأة فرنسي الصيت المهني، سقط من عليائه، وكان سقوطه قوياً.
ليس كتاب «معاً إلى الأبد» الأول الذي يغوص في قصة صعود وتهاوي كارلوس غصن، لكنه الأول الذي يروي من الداخل، وبريشة الشخص المعني، تفاصيل هذا السقوط، و«إجرامية» الماكينة القضائية اليابانية التي تقطع من يقع بين براثنها، كبيراً كان أم صغيراً، خصوصاً إذا كان كبيراً أجنبياً.
منذ المقاطع الأولى للكتاب، ينبه كارلوس غصن القارئ لما ينتظره في الصفحات الآتية: «هذا الكتاب يروي قصة الابتعاد التي فرضت علينا (هو وزوجته)، والعاصفة التي عبرناها، كل من جانبه، طيلة ما يقارب العام، هي قصة مقاومتي للظلم، وقصة المعركة التي خاضتها كارول التي لم تتوانَ عن تنبيه وسائل الإعلام حول عمل النظام القضائي الياباني، وهو الفضيحة الإنسانية التي لا يتحدث عنها أحد. وهذا حتى أتهاوى، ولكن ليس كما كان يرغب المدعي العام الياباني، وأقرر الرحيل (الهروب) لملاقاة المرأة التي أحب، رغم أنف الجميع».
في الساعة الرابعة (بتوقيت طوكيو)، هبطت طائرة «غولف ستريم» الخاصة في مطار طوكيو الدولي، بعد 13 ساعة طيران، ومفاجأة غصن كانت أن موظف الجوازات طلب منه الانتظار بسبب بوجود «مشكلة» تتعلق بجوازه، ليقوده لاحقاً إلى مكتب من أجل التحقق. وهناك، وجد 3 رجال، بينهم من سيصبح عدوه الأكبر، وهو المحقق من مكتب الادعاء، واسمه يوشيتاكا سيكي، الذي منعه من استخدام هاتفه الجوال ليتحدث إلى ابنته التي جاءت إلى طوكيو من مدينة سان فرنسيسكو للقائه. ثم اصطحبه الرجال الثلاثة في ممرات مظلمة، ليدخل في ناقلة صغيرة مقفلة إلى سجن «كوسوج» الرهيب، حيث أطلعه المحقق على سبب احتجازه، وهو الشكوى المقامة ضده بسبب إخفاء مداخيل مالية. وعندما طلب غصن حضور محام إلى جانبه، رفض طلبه، لتبدأ بعدها التدابير التي وصفها بـ«المهينة اللاإنسانية». هو حائر لا يدري ما يحصل له في بلد كان ينظر إليه على أنه «المنقذ». طلب منه أن يخلع ثيابه كافة، وأخذت منه ساعته وحزامه وحافظة أوراقه الشخصية. وكتب غصن ما يلي: «هيمن عليّ شعور متفجر بأنني تحولت من كل شيء إلى لا شيء». ثم اقتيد السجين الجديد إلى زنزانة تبلغ مساحتها 6 أمتار مربعة، في إحدى زواياها فراش موضوع على الأرض على الطريقة اليابانية، إضافة إلى أقل ما يمكن من التجهيزات. وسريعاً، انتابه شعور بالبرد، ورأى في ذلك وسيلة لإهانة النزيل، ومنعه من أن يستخدم ذهنه وذكاءه. وقبل أن يرقد في فراشه من غير أن ينام، تدور التساؤلات في ذهنه: من خطط لما أصابه؟ وكيف حصل ذلك؟ إذ ليس سهلاً لرجل يتنقل بين القارات من شقة فارهة إلى فندق «خمس نجوم» أن يجد نفسه سجيناً وحيداً منقطعاً عن العالم وهو الذي احتفل بعيد ميلاده في قصر فرساي الشهير قرب باريس.

المؤامرة

في سجن «كوسوج»، تحول رجل القارات الخمس إلى رقم «2245» الذي يتعين عليه النطق به كلما طلب منه التعريف عن نفسه. ويصف كارلوس غصن بالتفصيل فطوره الأول في زنزانته: بعض الأرز والأعشاب، مع الشاي الأخضر، وانتهى الأمر. ثم تبدأ جلسات الاستجواب مع عدوه الجديد (سيكي) التي لا تنتهي طيلة النهار، وأحياناً مساء وليلاً. ومن تفاصيل الاستجوابات أنه كان يقاد إليها فارغ اليدين: لا ورقة ولا قلم ولا محامين. 4 أو 6 ساعات متواصلة من الأسئلة المتلاحقة حول اتهامات يجيء المحقق على ذكرها، ويعود إليها، لعل إجابات غصن تكشف عن فوارق تفضح دفاعه أو تضعفه.
كارلوس غصن لا يجيد اليابانية، لذا كان صعباً عليه أن يعرف قوانين السجن، ولكنه شيئاً فشيئاً تعرف على بعضها، وهذه بعض الأمثلة: النوم الساعة التاسعة بعد إشارة صوتية، والنهوض السابعة صباحاً. ويتعين على السجين أن يرتب غرفته كل صباح، ولا يحق له التمشي في زنزانته ولا التمدد باستثناء الساعة المحددة المخصصة للقيلولة. كذلك يلزم بأن يبقى جالساً، وأن ينام إما على الظهر وإما على جنبه، شريطة أن يبقى وجهه بيناً ليراه السجان من فتحة الباب، كما أن الأضواء تبقى مضاءة طيلة الليل... وللسجين الحق في أن يستحم مرتين في الأسبوع، وعليه أن يدفع من جيبه ثمن المناشف وفرشاة الأسنان والمعجون المصاحب. وخلاصة غصن الأولى أن للتدابير كافة هدفاً واحداً: تحطيم شكيمة السجين، ومنعه من التواصل مع أي كان، ودفعه للاعتراف بذنبه. ولكن مشكلة غصن أنه يعد أن لا ذنب له، وأنه لم يرتكب أي خطأ، وقد ألقي به في السجن ظلماً. لذا، كان همه الأول أن يكتشف من حاك «المؤامرة» ضده. وبما أن لسفير البلد الذي يحمل السجين جنسيته الحق في القيام بزيارته، فقد زاره سريعاً سفير فرنسا (لوران بيك) الذي أعلمه أن مدير عام شركة «نيسان»، هيروتو سيكاوا، قد انتقد في مؤتمر صحافي أسلوب عمله وحياته، وتفرده باستخدام عدة شقق فارهة عبر العالم، واستخدام طائرة خاصة لتنقلاته... وذلك على حساب الشركة اليابانية. وخيبة كارلوس غصن أنه كان يحضر سيكاوا ليكون خليفته على رأس الشركة، ولذا فإن «خيانته» جاءت أكثر إيلاماً. وأخبره السفير الفرنسي لاحقاً أن شركة «نيسان» أعدت ملفاً ضخماً ضده، وهي المسؤولة عما يحصل له، بدفع من «سيكاوا»، وبالتشارك والتنسيق مع المدعي العام «سيكي»، والإعلام الياباني الذي كان حاضراً في المطار لدى توقيفه، وذلك لمزيد من الإذلال. إذن، قناعة غصن أنه «وقع في فخ»، وأن عليه الخروج منه، لذا فقد رفض المحامي الذي عينته «نيسان» للدفاع عنه، لكنه قبل المحامين الثلاثة الذين كلفتهم بذلك شركة «رينو».
يشكو غصن وزوجته كثيراً من المرات من النظام القضائي الياباني الذي يقوم على الضغوط على المتهم حتى يقر بذنبه، ويؤكد أن 99 في المائة من المتهمين يعدون مذنبين، إذ لا يحترم المحققون قاعدة أن المتهم بريء حتى إثبات أنه مذنب.
ولم تكن خيبة غصن من «نيسان» هي الوحيدة، إذ يشدد على خيبتين إضافيتين: الأولى من قادة شركة «رينو»، والثانية من السلطات الفرنسية، بدءاً من رئيس الجمهورية وصولاً إلى وزير الاقتصاد برونو لو مير. يقول غصن: «(رينو) قررت تركي لمصيري التعيس، من غير أن تأخذ بعين الاعتبار أن أكون بريئاً من التهم» الموجهة إليه. وسريعاً، عمدت «رينو» إلى قلب صفحة رئاسته لها، وهي بذلك اقتفت أثر ما قامت به شركتا «نيسان» و«ميتسوبيشي». وبحسب المؤلف، فإن اليابان لم تكن راغبة بمشروعه الطموح لدمج الشركات الثلاث، لذا، فتشت عن حجة لإطاحته ووأد خططه. ومن جانبه، لم يقم ماكرون بأية بادرة جدية لإخراجه من سجنه. في المقابل، يبدي الثنائي كثيراً من الاحترام للعمل الذي قام به السفير الفرنسي لمؤازرتهما، بعكس لومير، على الرغم من وساطة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي الذي التقى كارول، ومكنها من الاجتماع بوزير الاقتصاد، ومن الوصول إلى الإليزيه. وعمدت كارول إلى إثبات نص رسالة مطولة وجهتها إلى رئيس الجمهورية، ولكنها بقيت من غير رد طويلاً، حتى جاءتها كلمة منه يقول فيها إنه «سيقوم بما هو ممكن» لمساعدة زوجها، ولكنه في الواقع لم يفعل.

«من القبر إلى المنزل»

يضيق المكان لرواية كل ما يحفل به الكتاب من تفاصيل الأشهر الطويلة التي أمضاها كارلوس في اليابان، إن في السجن أو في الإقامة الجبرية، وعلاقته مع محاميه، والمناورات التي لجأ إليها النائب العام لإبقائه لأطول وقت ممكن في السجن، ورفض الإفراج عنه بكفالة، وكيف أن التعبئة الدولية التي وقفت إلى جانبه، من منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان وجمعيات أخرى، دفعت القضاء إلى السماح بإخراجه من السجن، مع حرمانه من ترك اليابان. ويروي كارلوس سيناريو مثوله لأول مرة، بعد شهر ونصف الشهر من سجنه، أمام المحكمة، حيث اقتيد إليها مربوطاً بحبل لف حول خصره، ويمسك به أحد الحرس، كأنه حيوان يقاد إلى الذبح.
ويروي كارلوس كيف اختمرت في ذهنه فكرة الخروج أو الهروب. ونقطة الانطلاق بالنسبة إليه تأكده من أن القضاء ليس منصفاً، وأن الأكثرية الساحقة ممن يمثلون أمام المحاكم يدانون، وبالتالي أخذ يتصور أنه سيمضي سنوات وسنوات في السجن، وأنه لن يكون قادراً على البقاء في اليابان، لأن ذلك سيعني «موته البطيء». ثم هناك دافع آخر يشد من عزيمته للإفلات من قيوده، هو حبه لكارول، وعجزه عن العيش بعيداً عنها. يروي كارلوس بالتفصيل نضوج فكرة الهرب التي يرفض تسميتها هكذا. وبنظره هو لا يهرب من القضاء لأنه دائم الاستعداد لتحمل مسؤولياته، بل يفلت من الظلم اللاحق به، ومن لا إنسانية القضاء، على الرغم من أن اليابان تدعي أنها دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان.
لكن الكتاب في هذا المجال لا يأتي بجديد، إذ لا تفاصيل عن الاتصالات التي قام بها، وكيف تم ذلك، علماً بأنه كان تحت رقابة شديدة.
بقي غصن في اليابان بين السجن والإقامة الجبرية من 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 إلى 30 ديسمبر (كانون الأول) 2019، والتاريخ الأخير هو تاريخ وصوله إلى مطار بيروت بعد رحلة بطائرة خاصة من مطار ياباني مهجور بعيد عن طوكيو إلى إسطنبول، ومنها بطائرة خاصة أخرى إلى مطار بيروت. ويصف غصن رحلته بأنها «من القبر إلى المنزل». ومجدداً يعود إلى كارول: «كلما اقتربت منها، تسارعت نبضات قلبي». ولدى لقائها خارجة من سيارة صديقة لها قريباً من بيتهما في حي الأشرفية في بيروت، يعاجلها بالقول: «أنت لبوئتي، وهذا أجمل يوم في حياتي».
وتركز صفحات الكتاب الأخيرة على تبرير الفرار. ومباشرة بعد وصوله إلى بيروت، اتصل غصن بالرئيس اللبناني ميشال عون لينقل إليه الخبر، ثم زاره في القصر لإطلاعه على التطورات. وحظ غصن أن لبنان يرفض تسليم مواطنيه، غير أن القضاء اللبناني منعه من ترك الأراضي اللبنانية. لكن يؤكد غصن أن أمراً كهذا لا يشكل مصدر إزعاج له، إذ إن تعلقه بلبنان لم يضعف أبداً.

رسائل الحب المتبادلة

> يحفل الكتاب بنص كثير من رسائل الحب المتبادلة بين كارلوس وزوجته. وهذه بعض المقاطع أولاً من كارلوس إلى كارول: «إلى زوجتي الحبيبة، أموت شوقاً لرؤياك وتقبيلك ومعانقتك، أنت يا حبي. أنا أعشقك يا كارول. أفكر فيك كل لحظة، كل ساعة، أنت نور قلبي، ومن أجلك سأواجه كل شيء. أحبك إلى الأبد». ومن كارول إلى كارلوس: «حبيبي كارلوس، أنت حياتي، أشتاق إليك كل لحظة... أن تكون وحيداً أمر يدخلني في عالم الأحزان والغضب... لست وحيداً، فالدعم الاستثنائي يأتيك من نواحي العالم أجمع. أحبك يا حياتي، أنت نور شمسي، أنت ضوئي وسندي. أريدك أن تبقى قوياً. أحتاج إليك، ولا أقوى على العيش من دونك. أرجوك أن تهتم بنفسك. أحبك، كارول».
هذه الرسائل علامات يحفل بها الكتاب فصلاً بعد فصل. والثنائي يدخلنا في صميم علاقاته العائلية. هو لديه 3 بنات وشاب، وهي ابنتان وشاب. وصفحة بعد أخرى، نتعرف على ما يشعر به كل فرد من هذه العائلة الواسعة، وعلى الإعجاب الذي يكنه الجميع لكارلوس الذي يروي في نهاية الكتاب قصة علاقة الحب التي جمعته بكارول التي أصبحت لاحقاً زوجته الثانية، وكيف أنها أعادت إليه إنسانيته.


مقالات ذات صلة

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

كتب سفين بيكرت

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم.

ندى حطيط
كتب «أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون.

عمر شهريار
كتب أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت
TT

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم، قدمّه سفين بيكرت، المؤرخ الأميركي (من أصل ألماني) وأستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، مستنداً إلى بحث أرشيفي هائل يغطي القارات الخمس، ليطرح سردية تاريخية تتجاوز المركزية الأوروبية التقليدية، وترسم خريطة لنظام وُلد عالمياً منذ لحظاته الأولى، وتغذى على تحالف وثيق بين «السوق» و«المدفع».

يستهلُّ بيكرت سرديته بجرأة ملحوظة، ليختار عام 1150 وميناء عدن (في اليمن) نقطة لانطلاق الرأسمالية، بدلاً من مصانع مانشستر أو أمستردام كما في الرواية التقليدية، ويرى في شبكات التجار التي ربطت بين القاهرة، وعدن، وتشانغتشو الصينية، وتجار البندقية، جزراً لرأس المال مارست منطق الربح والاستثمار عبر المسافات الطويلة قبل قرون من صعود الغرب. ويؤسس هذا لفكرته المركزية: الرأسمالية نظام عالمي في جوهره، نشأ من تضافر جهود تجارية عابرة للقارات، وتطوَّر عبر آليات ربطت بين المنتِج في أقاصي آسيا والمستهلِك في أوروبا.

ينقّب النص في طبقات التاريخ محاولاً توضيح الكيفيّة التي تحولت بها هذه الجزر المعزولة نظاماً مهيمناً. فمع الربط العظيم الذي تحقق بين الشرق والغرب في القرنين الـ15 والـ16، دمج التجار الأوروبيون قارات العالم الجديد في شبكاتهم، مستفيدين من القوة العسكرية لدولهم. هنا، يبرز دور «رأسمالية الحرب» بوصفها قاطرة للنمو. فالتوسع التجاري تطلب أساطيلَ مسلحة، وحمايةً حكومية، وقدرةً على انتزاع الأراضي والموارد بالقوة.

وثمّة مساحة واسعة مؤلمة في الكتاب لرصد التكلفة البشرية لهذا الصعود، مستخدماً إحصاءات ووثائق تاريخية دقيقة، فيقف مطولاً - على سبيل المثال - عند مدينة بوتوسي (في بوليفيا الحالية) خلال القرن الـ17، التي كانت تنتج 60 في المائة من فضة العالم، ويصفها السكان المحليون بـ«الجبل الذي يلتهم الرجال»، حيث لقي ربع من نزلوا إلى المناجم حتفهم جراء العمل القسري والتسمم بالزئبق، بينما استمتعت نخب المدينة بالبضائع الفاخرة المستوردة من البندقية والصين.

تتجلى وحشية النظام في اعتماد الرأسمالية المبكرة - واللاحقة - على العمل القسري؛ إذ تشير البيانات التي يوردها الكتاب إلى نقل التجار الأوروبيين 4.38 مليون أفريقي مستعبد إلى الأميركيتين قبل عام 1760، وهو رقم يمثل ضعف عدد المهاجرين الأوروبيين في الفترة ذاتها، ويجادل بأن العبودية لم تكن نقيضاً للرأسمالية أو مرحلة سابقة عليها، بل كانت قلبها النابض الذي ضخ الدماء في شرايين الثورة الصناعية، موفرةً المواد الخام (القطن والسكر) والأسواق والتمويل اللازم للتصنيع. وحتى بعد إلغاء العبودية رسمياً، استمرت أشكال القهر عبر أنظمة العمل بالتعاقد التي نقلت ملايين العمال الآسيويين للعمل في ظروف شبيهة بالرق في مزارع المطاط والشاي.

يناهض «الرأسماليّة: تاريخ عالميّ» بقوة فكرة «السوق الحرة» التي تنظم نفسها بنفسها، مؤكداً أن الدولة القوية كانت الشرط المسبق لنجاح الرأسمالية؛ فمن تمويل الحملات الاستعمارية، إلى سن قوانين تجرم التشرد وتجبر الفلاحين على العمل في المصانع، وصولاً إلى التدخلات العسكرية لفتح الأسواق في الصين والهند، لعبت الدولة دور «قابلة توليد» للثروة.

ويستمر هذا الدور في العصر الحديث، حيث يروي المؤلف حكاية صعود النيوليبرالية في تشيلي تحت حكم بينوشيه، واصفاً إياه بـ«لينين النيوليبرالية». ويوضح كيف تطلب فرض آليات السوق الحرة في تشيلي تدخلاً عسكرياً وقمعاً للنقابات العمالية بدعم من المؤسسات الدولية؛ مما يعيد إنتاج نمط «رأسمالية الحرب» في قالب حديث. وفي السياق ذاته، يرى في صعود الصين الصناعي وتطور مناطق مثل شينزين استمراراً لهذا التحالف بين «الدولة ورأس المال»، حيث توفر الدولة البنية التحتية والعمالة المهاجرة من الأرياف (وغالبيتها من النساء) لخدمة سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم الإجماع على القيمة التوثيقية للنصّ، فإن أطروحاته أثارت انقساماً حاداً بين المختصين لناحية كفاءة تفسيره طبيعة الرأسمالية؛ إذ عدّ البعض تعريفه إياها بوصفها تراكماً مستمراً لرأس المال اختزالاً لتعقيدات النظام الرأسمالي والدوافع الفردية البشرية، وإغفالاً لدور ريادة الأعمال والابتكار بوصفهما عاملين ذَوَيْ حيثية. فشخصيات، مثل إيلون ماسك (تيسلا)، وسام والتون (وول مارت)، وجيف بيزوس (أمازون)، لم يحركهم مجرد «التراكم الأعمى» للأموال، بل رغبة في بناء مؤسسات، أو تغيير أنماط الاستهلاك، أو حتى استكشاف الفضاء. الثروة هنا، جاءت نتيجة الفاعلية في تلبية حاجات السوق وتقديم الابتكارات، وليست مجرد عملية استخلاص للقيمة.

الجانب الآخر من الانتقادات عدّ أنه يصور الرأسمالية على أنها «وحش» أو «ذكاء اصطناعي مارق» هدفه الوحيد التوسع دون نهاية؛ مما يغيّب الوجه الآخر لها: الارتفاع الهائل في مستويات المعيشة، وزيادة متوسط العمر المتوقع، والتطور التقني الذي أتاح للبشرية رفاهية غير مسبوقة، فيبدو في بعض فصوله «تاريخاً دون أبطال»، يركز على الهياكل والأنظمة وآليات القهر، ويقلل من شأن الوكالة البشرية والقدرة على الإصلاح من داخل النظام، مثل دور الحركات العمالية ودولة الرفاه في ترويض الرأسمالية خلال القرن الـ20.

ومع ذلك، يظل «الرأسمالية: تاريخ عالمي» عملاً فكرياً ذا ثقل استثنائي، ينجح في زعزعة المسلّمات بشأن نشأة النظام الاقتصادي العالمي وطبيعته، ويقدم سرداً يضج بالحياة والتفاصيل؛ يربط بين عمال المناجم في بوليفيا خلال القرن الـ17 وعمال النسيج في كمبوديا اليوم، موضحاً وحدة المنطق الذي يحكم هذا التاريخ الطويل. ولعل قيمته الكبرى تكمن في شمولية نظرته، وفي تذكيره الدائم بأن الأسواق لا تعمل في فراغ، بل تتشكل عبر موازين القوى السياسية والعسكرية.

وسواء أتفقنا مع رؤية بيكرت للرأسمالية على أنها آلة تراكم وحشية، أم انحزنا إلى رؤية النقاد الذين يبرزون جانبها الإبداعي والتنموي، فإن الكتاب يفرض نفسه مرجعاً أساساً لا غنى عنه لفهم القوى التي شكلت، ولا تزال تشكل، عالمنا المعاصر. إنه كما دعوة مفتوحة للتفكير في تكلفة الرخاء، وفي الجذور الدموية للاقتصاد المًعَوْلَم، وفي مستقبل نظام أثبت قدرة هائلة على التكيف والبقاء رغم كل التنبؤات بنهايته.

* Capitalism: A Global History by Sven Beckert Allen Lane / Penguin Press 2025


«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد
TT

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون، بتحديد الفضاءين الزماني والمكاني اللذين تنطلق منهما الأحداث، إذ ينص في عنوان الفصل الأول على أن الأحداث تدور في المدينة البيضاء عام 2030، فزمن الرواية يتجاوز الزمن الواقعي، ما يجعلها أقرب إلى نبوءة أو استشراف لما يمكن أن يحدث مستقبلاً في هذه المدينة التونسية، والأقرب أنها «سيدي بوسعيد»، المشهورة باسم المدينة البيضاء، لكن السارد لم يسمها بشكل واضح، فتبدو استعارة لكثير من المدن الساحلية التي تشبهها في الوطن العربي كله.

تنطلق الرواية - الصادرة عن دار مسكلياني، وصدرت طبعتها المصرية عن دار صفصافة في 350 صفحة - من مقابر المدينة، التي تبدو مركز ثقل سردي، بكل ما يكتنف المقابر من حمولات تتعلق بالموت، والماضي، والتاريخ الذي انقضى، والبشر الذين رحلوا، والمذاهب والأفكار التي اندثرت.

في المقابر، ووسط صخب استثنائي، تتجمع قوة حكومية لاستخراج جثة مدفونة منذ ما يقارب عقدين من الزمان، لتشريحها ومعرفة سبب الموت الحقيقي، إنها جثة البطل والسارد، مختار الفاطمي، الذي نرى الحكاية كلها من وجهة نظره، حكايته في الماضي القريب، وحكايته مع الماضي البعيد، وحكاية الراهن السردي في عام 2030، وما اكتنف المدينة من تحولات.

مع انفتاح المقبرة واستخراج الصندوق، ينفتح العالم الروائي، وينفتح معه باب الغرابة، فقد استخرجوا الجسد، الذي كان محنطاً وملفوفاً في كتان على طريقة المومياوات الفرعونية، لكن الروح كانت حية، والذاكرة لم تزل نشطة، وكانت تتنصت طوال هذه السنوات لما يحدث خارج القبر، وبمجرد انفتاحه حلقت بعيداً، لتطوف فوق سماء المدينة، لنرى حاضرها بعيني هذه الذاكرة الهائمة وروحها المعذبة، عين مختار الفاطمي، الذي كان باحثاً في التاريخ الإسلامي، وتحديداً تاريخ الدولة الفاطمية، ويسعى عبر دراسة المخطوطات لاكتشاف أسرار اندثار أجداده الفاطميين وآثارهم، وكان هذا شغفه ومشروع حياته، فقد كان منشغلاً بالماضي، والمسكوت عنه فيه، لعله يعثر على أسباب وهن الحاضر، على خلاف والده، الذي كان يحثه على النظر للمستقبل، ولا يحبس نفسه في مقابر التاريخ وأقبيته المعتمة، التي لن تغير من الواقع شيئاً.

رغم تحديد الزمان والمكان في مطلع الرواية، فإن هذه الذاكرة الهائمة، وهي البطل الراوي، تحلق بالقارئ بين زمانين، الأول هو زمن الراهن السردي، في 2030، الذي اندلعت فيه حرب عنيفة، بين القوات النظامية لزعيم لم يسمه السارد، وأعداء الوطن والخونة، هكذا في المطلق، بعد تفشي إنفلونزا الخنازير بشكل وبائي خطير، وهجوم الخنازير على المدينة بشكل كاسح. والزمن الثاني هو زمن ما قبل رحيل مختار، في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، وثورات الربيع العربي، وما هيمن عليها من تحولات عنيفة، عبر استرجاع الذاكرة لأحداث تلك الفترة. فالسرد يراوح بين هذين الزمنين، زمن الحرب الراهن الذي تعاينه الروح وتصفه سردياً، وزمن الثورات الذي تستعيده عبر ذكرياتها عن تلك الفترة وما حدث لها حتى لحظة الرحيل الغامض.

تنفتح الرواية على فضاءات مكانية متعددة، ولا تتوقف عند حدود المدينة البيضاء، إذ يطوف الراوي الباحث الشاب مختار الفاطمي، عبر تقنية الاسترجاع، في شوارع العاصمة المصرية القاهرة، وتحديداً منطقة وسط البلد الشهيرة، التي تمثل مقصداً لكل الباحثين والمثقفين، فقد سافر إلى مصر في بعثة علمية لمدة عام. وتصادف هذا مع اعتلاء جماعة الإخوان سدة الحكم، ومحاولتهم السيطرة على مقاليد الأمور، في مقابل ثورة الشعب عليهم. في هذه الأجواء الملتهبة سياسياً واجتماعياً، يعاين البطل جوهر فكرة الإقصاء والإزاحة، ورفض التعدد، وفرض هيمنة التيارات الدينية المتشددة، التي لا تختلف في مصر عنها في تونس، بما يمنح الرواية أبعاداً تتصل بالنقد الاجتماعي والسياسي، وتتواشج هذه الوقائع مع بحثه في أسباب محو كل أثر للدولة الفاطمية، بما يجعل للإقصاء في الحاضر بعداً تاريخياً قديماً ومتأصلاً في الوعي العربي، وينبئ عن تاريخ طويل من الإقصاء والمحو والإزاحة يعيد إنتاج نفسه، عبر اختلاف الأزمنة والأمكنة على مدار الوطن العربي، زمنياً من الماضي إلى الحاضر، ومكانياً من مصر إلى تونس.

نصف أحداث الرواية يدور في فضاء عالم المثقفين في مصر، بين القاهرة والإسكندرية، في عام حكم الإخوان. ونصفها الآخر تقريباً يدور في المدينة البيضاء، إذ تتحول إلى ديستوبيا حقيقية، مفعمة برائحة الموت ودماء البشر الذين تقتلهم كتائب الزعيم بدم بارد، بمجرد الاشتباه في إصابتهم بعدوى إنفلونزا الخنازير، كما تتحول الشوارع والميادين وحتى محطات القطار والأنفاق والمستشفيات، إلى ساحات حرب حقيقية، بين قوات الزعيم والخنازير التي تتغول، أو يقال إنها تغولت، حتى تحولت إلى عدو افتراضي مجهول، يتم باسمها تجييش أهل المدينة لمحاربتها، بينما رائحة الروث والعفن والجثث الآدمية تملأ كل ركن وشارع وزقاق، بما يشير إلى حمولات رمزية هائلة عن عفن الواقع وأزماته في 2030، الزمن الذي اختاره الراوي ليكون فضاء للأحداث، ويمنحها غرائبيتها.

هذه الغرائبية تحضر منذ أولى صفحات الرواية، عبر الرواي نفسه، الذي يبدو كطيف هائم، وذاكرة عائمة تنظر لكل شيء من علٍ، بدءاً من نظره لجثته نفسها، مروراً برؤيته واسترجاعه لماضيه والشخصيات التي قابلها في القاهرة والإسكندرية، حتى لحظة قتله على يد جماعة الإخوان، الذين قتلوه على هويته الفاطمية، ووصولاً إلى تحديقه في خراب المدينة البيضاء، تحت دعاوى محاربة الخنازير ومن يدعمهم من الخونة. فالرواي هنا مجرد ذاكرة، روح فارقت الجسد، لتروي لنا ما حدث وما يحدث، وربما ما يمكن أن يحدث، كاشفة عن تواطؤ إخوان تونس مع إخوان مصر في التنكيل به حياً وميتاً، ففي مصر قتلوه على هويته، وشحنوه في صندوق إلى وطنه، وهناك في تونس تستر الإخوان الحاكمون وقتها أيضاً على حقيقة قتله، وأعلنوا أنه مات نتيجة صاعقة أصابته في الإسكندرية، وتكتموا على السبب الجنائي، ومنعوا حتى أسرته من رؤية الجثة، فدفنوه بالصندوق الذي أرسل به.

وإذا كانت الرواية تراوح بين زمنين ومكانين، فإنها أيضاً تراوح بين فضح خطابين استبداديين، أحدهما (الإخوان) وسر خراب الماضي والحاضر، يقتل باسم الدين كل من يختلف معه، ويتعاطى مع المختلفين بوصفهم مارقين، والآخر يقتل - باسم الوطن والحفاظ عليه - كل من يعترض على خطابه، ويعدّهم خونة متحالفين مع الخنازير. هذه، إذن، رواية مفعمة بالطرافة، عن روح تحدق في عالمنا وتاريخنا، في واقعنا ومستقبلنا، برشاقة سردية بالغة، وعبر حيلة سردية غرائبية، لكنها رغم هذا المدخل الفانتازي، تبدو مسكونة بالواقع، والآيديولوجيا، ومحاولة الإمساك - فكرياً - بجوهر التخلف ومسبباته، فهي لا تبحث فقط عن الأسرار وراء مقتل البطل وفك لغز الجثة، لكنها تبحث عما هو أعمق، عن سر إعادة إنتاج الاستبداد في واقعنا، وسر خراب الماضي والحاضر رغم مرور السنين واختلاف المدن.


أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا
TT

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا، في نيو جيرسي ونيويورك بالتحديد، من خلال عائلتين، إحداهما هاجرت في منتصف القرن العشرين، والأخرى في بداية الثمانينات بعد أحداث الفتنة الطائفية في منطقة «الزاوية الحمراء» بالعاصمة المصرية، فتضيء بذلك فترة مهمة في التاريخ المصري الحديث.

يتعرَّض «مايكل بشارة»، بعد ثلاثة وأربعين عاماً من هجرته إلى أميركا، لحادث سير في نيويورك، يؤدي إلى إصابته بفقدان ذاكرة كلِّي ينسيه كل ماضيه، ولا يجعله قادراً على تكوين ذاكرة جديدة، مع إشعاعات نادرة تسمح له بالنفاذ إلى مرحلة دراسته الجامعية في نهاية حكم السادات حتى اغتياله على يد أعضاء الجماعات المتطرفة الذين أخرجهم من السجن وسمح لهم بالتمدد. هذه هي الثيمة الأساسية التي تتمحور حولها أحداث الرواية.

تسير الأحداث في خطين زمنيين متوازيين، يفصلهما ثلاثة وأربعون عاماً، الخط الأول في الزمن الراهن، ويرصد مسيرة العائلتين وأحوالهما وعلاقاتهما، خاصَّة شباب الجيلين الثاني والثالث، أما الخط الآخر فيرصد مرحلة الدراسة الجامعية للبطل «مايكل بشارة»، حين كان يدرس الفلسفة في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، مصوِّراً الحركات السياسية التي كانت تعمل في الجامعات وقتها، وصراعاتها.

ورغم أن البطل الرئيسي هو نفسه في المستويين، بكل أفكاره وطموحاته وأحلامه وإحباطاته، فإن وضعهما متجاورين يكشف عن الاختلاف الشاسع بين زمنين، ومكانين: الإسكندرية ونيويورك، لكلٍّ منهما خصوصيته وملامحه المميزة التي تنعكس على تصرفات الشخصيات.

اللغة رصينة تناسب دراسة الشخصية الرئيسية وثقافتها، تميل ناحية الشعر أحياناً من حيث التكثيف، وتستدعي الكثير من الأغنيات والأفلام السينمائية لتضيء بعض المواقف، وتعكس الطريقة التي يفكر بها بعض الأشخاص، والمآزق الحياتية التي يجدون أنفسهم غارقين في تفاصيلها الكثيرة المؤلمة.

المؤلف سمير درويش من شعراء الثمانينات في مصر، أصدر عدداً من الدواوين، منها «قطوفها وسيوفي» 1991 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، و«ديك الجن» عن دار ميريت للنشر 2021. كما أصدر ثلاث روايات من قبل: «خمس سنوات رملية» 2004، و«طائر خفيف» 2006، و«ليس بعيداً عن رأس الرجل - عزيزة ويونس» 2024، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية دورة 2025. كما أصدر كتابين فكريين: «دولة الملتحين» 2014 و«أفول العقل العربي» 2023، إضافة لكتابين في النقد الأدبي، وأصدر الكتاب الأول من سيرته الذاتية بعنوان «العشر العجاف - من الهزيمة إلى النصر» عن دار الآن ناشرون وموزعون بالأردن 2018.