كارلوس وكارول غصن... قصة حب بلا حدود

«معاً إلى الأبد» كتاب مشترك لهما فصل له وفصل لها لكنه ضنين بالأسرار

كارلوس وكارول غصن... قصة حب بلا حدود
TT

كارلوس وكارول غصن... قصة حب بلا حدود

كارلوس وكارول غصن... قصة حب بلا حدود

لمن كان يطمع في أن يجد في كتاب كارلوس وكارول غصن ما يشفي غليله من الأسرار التي أحاطت بسقوط أحد أقوى رجال الأعمال في العالم، المتربع لسنوات على قمة تحالف صناعي من 3 شركات مصنعة للسيارات، الذي كان الآمر الناهي، فإن خيبته ستكون كبيرة. ولمن توقع رواية على الطراز الهوليودي أو «الجيمس بوندي»، خصوصاً ما له علاقة بكيفية هروبه من اليابان إلى لبنان مختبئاً في صندوق خشبي كبير مجهز بثقبين لتمكينه من التنفس، سيبقى على عطشه. فكتاب كارلوس وكارول غصن المسمى «معاً إلى الأبد»، الصادر بالفرنسية عن دار «لوبسرفاتوار» في 305 صفحات، ضنين بالأسرار، ولكنه مكثر في وصف الحالة النفسية لهذا الزوجي الذي لا ينفك من الصفحة الأولى حتى الأخيرة عن التعبير عن تمسك كل منهما بالآخر إلى حد الوله، وأين منهما عشق «ليلى ومجنونها»! ولا يتردد المؤلفان اللذان رسما بنية الكتاب بشكل فريد: زمني التسلسل من جهة، ثنائي الصوت من جهة أخرى، بحيث يأتي كل فصل كأنه انعكاس أو تنويع على ما كتبه الآخر: فصل لكارلوس وفصل لكارول. هو يروي تجربته المرة منذ اللحظة التي شعر فيها أن الأرض تتهاوى تحت قدميه لدى وصوله ليل 19 نوفمبر (تشرين الثاني) إلى مطار طوكيو، حيث ألقي القبض عليه، واقتيد إلى السجن؛ وهي تغرق في وصف حالتها النفسية ومشاعرها من اللحظة التي تناهى إليها خبر توقيفه. هو محتجز لأسباب يجهلها، وهي غارقة في يأسها بسبب غياب الرجل الذي تحب، قبل أن تشمر عن ساعديها، وتنزل إلى أرض المعركة الإعلامية، وتتواصل مع كل من بيده ذرة من سلطة تساعدها على استعادة زوجها السجين. لكن هذا لا يعني أن الكتاب لا يثير الاهتمام، ولا يحمل للقارئ قصة علاقتهما، وتفاصيل تعلق كل منهما بالآخر وبعائلته.

تفاصيل السقوط

الكتاب يلقي ضوءاً مباشراً على اليابان، وعلى نظامها القضائي، وعلى الصراعات الكامنة التي تفجرت مع توقيف كارلوس غصن، رئيس تحالف 3 شركات مصنعة للسيارات: «رينو» الفرنسية، و«نيسان» و«ميتسوبيشي» اليابانيتين اللتين يؤكد غصن أنه أنقذهما من الزوال. والكتاب أيضاً، بريشة كارلوس الذي كان قد اتخذ من طائرته الخاصة منزلاً له بسبب تنقلاته التي لا تتوقف بين باريس وطوكيو وبيروت وأمستردام ونيويورك، وغيرها من المدن والعواصم، يصف لنا عالم الأعمال الذي لا يرحم، ومنطق الدول «البارد» الذي يسحق الأفراد، بحيث تطوى صفحتهم، ويتم تناسي ما قدموه، منذ اللحظة التي تتغلب فيها مصلحة الدولة على بؤس الفرد. هذا الرجل ثلاثي الجنسية، فهو لبناني المولد برازيلي النشأة فرنسي الصيت المهني، سقط من عليائه، وكان سقوطه قوياً.
ليس كتاب «معاً إلى الأبد» الأول الذي يغوص في قصة صعود وتهاوي كارلوس غصن، لكنه الأول الذي يروي من الداخل، وبريشة الشخص المعني، تفاصيل هذا السقوط، و«إجرامية» الماكينة القضائية اليابانية التي تقطع من يقع بين براثنها، كبيراً كان أم صغيراً، خصوصاً إذا كان كبيراً أجنبياً.
منذ المقاطع الأولى للكتاب، ينبه كارلوس غصن القارئ لما ينتظره في الصفحات الآتية: «هذا الكتاب يروي قصة الابتعاد التي فرضت علينا (هو وزوجته)، والعاصفة التي عبرناها، كل من جانبه، طيلة ما يقارب العام، هي قصة مقاومتي للظلم، وقصة المعركة التي خاضتها كارول التي لم تتوانَ عن تنبيه وسائل الإعلام حول عمل النظام القضائي الياباني، وهو الفضيحة الإنسانية التي لا يتحدث عنها أحد. وهذا حتى أتهاوى، ولكن ليس كما كان يرغب المدعي العام الياباني، وأقرر الرحيل (الهروب) لملاقاة المرأة التي أحب، رغم أنف الجميع».
في الساعة الرابعة (بتوقيت طوكيو)، هبطت طائرة «غولف ستريم» الخاصة في مطار طوكيو الدولي، بعد 13 ساعة طيران، ومفاجأة غصن كانت أن موظف الجوازات طلب منه الانتظار بسبب بوجود «مشكلة» تتعلق بجوازه، ليقوده لاحقاً إلى مكتب من أجل التحقق. وهناك، وجد 3 رجال، بينهم من سيصبح عدوه الأكبر، وهو المحقق من مكتب الادعاء، واسمه يوشيتاكا سيكي، الذي منعه من استخدام هاتفه الجوال ليتحدث إلى ابنته التي جاءت إلى طوكيو من مدينة سان فرنسيسكو للقائه. ثم اصطحبه الرجال الثلاثة في ممرات مظلمة، ليدخل في ناقلة صغيرة مقفلة إلى سجن «كوسوج» الرهيب، حيث أطلعه المحقق على سبب احتجازه، وهو الشكوى المقامة ضده بسبب إخفاء مداخيل مالية. وعندما طلب غصن حضور محام إلى جانبه، رفض طلبه، لتبدأ بعدها التدابير التي وصفها بـ«المهينة اللاإنسانية». هو حائر لا يدري ما يحصل له في بلد كان ينظر إليه على أنه «المنقذ». طلب منه أن يخلع ثيابه كافة، وأخذت منه ساعته وحزامه وحافظة أوراقه الشخصية. وكتب غصن ما يلي: «هيمن عليّ شعور متفجر بأنني تحولت من كل شيء إلى لا شيء». ثم اقتيد السجين الجديد إلى زنزانة تبلغ مساحتها 6 أمتار مربعة، في إحدى زواياها فراش موضوع على الأرض على الطريقة اليابانية، إضافة إلى أقل ما يمكن من التجهيزات. وسريعاً، انتابه شعور بالبرد، ورأى في ذلك وسيلة لإهانة النزيل، ومنعه من أن يستخدم ذهنه وذكاءه. وقبل أن يرقد في فراشه من غير أن ينام، تدور التساؤلات في ذهنه: من خطط لما أصابه؟ وكيف حصل ذلك؟ إذ ليس سهلاً لرجل يتنقل بين القارات من شقة فارهة إلى فندق «خمس نجوم» أن يجد نفسه سجيناً وحيداً منقطعاً عن العالم وهو الذي احتفل بعيد ميلاده في قصر فرساي الشهير قرب باريس.

المؤامرة

في سجن «كوسوج»، تحول رجل القارات الخمس إلى رقم «2245» الذي يتعين عليه النطق به كلما طلب منه التعريف عن نفسه. ويصف كارلوس غصن بالتفصيل فطوره الأول في زنزانته: بعض الأرز والأعشاب، مع الشاي الأخضر، وانتهى الأمر. ثم تبدأ جلسات الاستجواب مع عدوه الجديد (سيكي) التي لا تنتهي طيلة النهار، وأحياناً مساء وليلاً. ومن تفاصيل الاستجوابات أنه كان يقاد إليها فارغ اليدين: لا ورقة ولا قلم ولا محامين. 4 أو 6 ساعات متواصلة من الأسئلة المتلاحقة حول اتهامات يجيء المحقق على ذكرها، ويعود إليها، لعل إجابات غصن تكشف عن فوارق تفضح دفاعه أو تضعفه.
كارلوس غصن لا يجيد اليابانية، لذا كان صعباً عليه أن يعرف قوانين السجن، ولكنه شيئاً فشيئاً تعرف على بعضها، وهذه بعض الأمثلة: النوم الساعة التاسعة بعد إشارة صوتية، والنهوض السابعة صباحاً. ويتعين على السجين أن يرتب غرفته كل صباح، ولا يحق له التمشي في زنزانته ولا التمدد باستثناء الساعة المحددة المخصصة للقيلولة. كذلك يلزم بأن يبقى جالساً، وأن ينام إما على الظهر وإما على جنبه، شريطة أن يبقى وجهه بيناً ليراه السجان من فتحة الباب، كما أن الأضواء تبقى مضاءة طيلة الليل... وللسجين الحق في أن يستحم مرتين في الأسبوع، وعليه أن يدفع من جيبه ثمن المناشف وفرشاة الأسنان والمعجون المصاحب. وخلاصة غصن الأولى أن للتدابير كافة هدفاً واحداً: تحطيم شكيمة السجين، ومنعه من التواصل مع أي كان، ودفعه للاعتراف بذنبه. ولكن مشكلة غصن أنه يعد أن لا ذنب له، وأنه لم يرتكب أي خطأ، وقد ألقي به في السجن ظلماً. لذا، كان همه الأول أن يكتشف من حاك «المؤامرة» ضده. وبما أن لسفير البلد الذي يحمل السجين جنسيته الحق في القيام بزيارته، فقد زاره سريعاً سفير فرنسا (لوران بيك) الذي أعلمه أن مدير عام شركة «نيسان»، هيروتو سيكاوا، قد انتقد في مؤتمر صحافي أسلوب عمله وحياته، وتفرده باستخدام عدة شقق فارهة عبر العالم، واستخدام طائرة خاصة لتنقلاته... وذلك على حساب الشركة اليابانية. وخيبة كارلوس غصن أنه كان يحضر سيكاوا ليكون خليفته على رأس الشركة، ولذا فإن «خيانته» جاءت أكثر إيلاماً. وأخبره السفير الفرنسي لاحقاً أن شركة «نيسان» أعدت ملفاً ضخماً ضده، وهي المسؤولة عما يحصل له، بدفع من «سيكاوا»، وبالتشارك والتنسيق مع المدعي العام «سيكي»، والإعلام الياباني الذي كان حاضراً في المطار لدى توقيفه، وذلك لمزيد من الإذلال. إذن، قناعة غصن أنه «وقع في فخ»، وأن عليه الخروج منه، لذا فقد رفض المحامي الذي عينته «نيسان» للدفاع عنه، لكنه قبل المحامين الثلاثة الذين كلفتهم بذلك شركة «رينو».
يشكو غصن وزوجته كثيراً من المرات من النظام القضائي الياباني الذي يقوم على الضغوط على المتهم حتى يقر بذنبه، ويؤكد أن 99 في المائة من المتهمين يعدون مذنبين، إذ لا يحترم المحققون قاعدة أن المتهم بريء حتى إثبات أنه مذنب.
ولم تكن خيبة غصن من «نيسان» هي الوحيدة، إذ يشدد على خيبتين إضافيتين: الأولى من قادة شركة «رينو»، والثانية من السلطات الفرنسية، بدءاً من رئيس الجمهورية وصولاً إلى وزير الاقتصاد برونو لو مير. يقول غصن: «(رينو) قررت تركي لمصيري التعيس، من غير أن تأخذ بعين الاعتبار أن أكون بريئاً من التهم» الموجهة إليه. وسريعاً، عمدت «رينو» إلى قلب صفحة رئاسته لها، وهي بذلك اقتفت أثر ما قامت به شركتا «نيسان» و«ميتسوبيشي». وبحسب المؤلف، فإن اليابان لم تكن راغبة بمشروعه الطموح لدمج الشركات الثلاث، لذا، فتشت عن حجة لإطاحته ووأد خططه. ومن جانبه، لم يقم ماكرون بأية بادرة جدية لإخراجه من سجنه. في المقابل، يبدي الثنائي كثيراً من الاحترام للعمل الذي قام به السفير الفرنسي لمؤازرتهما، بعكس لومير، على الرغم من وساطة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي الذي التقى كارول، ومكنها من الاجتماع بوزير الاقتصاد، ومن الوصول إلى الإليزيه. وعمدت كارول إلى إثبات نص رسالة مطولة وجهتها إلى رئيس الجمهورية، ولكنها بقيت من غير رد طويلاً، حتى جاءتها كلمة منه يقول فيها إنه «سيقوم بما هو ممكن» لمساعدة زوجها، ولكنه في الواقع لم يفعل.

«من القبر إلى المنزل»

يضيق المكان لرواية كل ما يحفل به الكتاب من تفاصيل الأشهر الطويلة التي أمضاها كارلوس في اليابان، إن في السجن أو في الإقامة الجبرية، وعلاقته مع محاميه، والمناورات التي لجأ إليها النائب العام لإبقائه لأطول وقت ممكن في السجن، ورفض الإفراج عنه بكفالة، وكيف أن التعبئة الدولية التي وقفت إلى جانبه، من منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان وجمعيات أخرى، دفعت القضاء إلى السماح بإخراجه من السجن، مع حرمانه من ترك اليابان. ويروي كارلوس سيناريو مثوله لأول مرة، بعد شهر ونصف الشهر من سجنه، أمام المحكمة، حيث اقتيد إليها مربوطاً بحبل لف حول خصره، ويمسك به أحد الحرس، كأنه حيوان يقاد إلى الذبح.
ويروي كارلوس كيف اختمرت في ذهنه فكرة الخروج أو الهروب. ونقطة الانطلاق بالنسبة إليه تأكده من أن القضاء ليس منصفاً، وأن الأكثرية الساحقة ممن يمثلون أمام المحاكم يدانون، وبالتالي أخذ يتصور أنه سيمضي سنوات وسنوات في السجن، وأنه لن يكون قادراً على البقاء في اليابان، لأن ذلك سيعني «موته البطيء». ثم هناك دافع آخر يشد من عزيمته للإفلات من قيوده، هو حبه لكارول، وعجزه عن العيش بعيداً عنها. يروي كارلوس بالتفصيل نضوج فكرة الهرب التي يرفض تسميتها هكذا. وبنظره هو لا يهرب من القضاء لأنه دائم الاستعداد لتحمل مسؤولياته، بل يفلت من الظلم اللاحق به، ومن لا إنسانية القضاء، على الرغم من أن اليابان تدعي أنها دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان.
لكن الكتاب في هذا المجال لا يأتي بجديد، إذ لا تفاصيل عن الاتصالات التي قام بها، وكيف تم ذلك، علماً بأنه كان تحت رقابة شديدة.
بقي غصن في اليابان بين السجن والإقامة الجبرية من 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 إلى 30 ديسمبر (كانون الأول) 2019، والتاريخ الأخير هو تاريخ وصوله إلى مطار بيروت بعد رحلة بطائرة خاصة من مطار ياباني مهجور بعيد عن طوكيو إلى إسطنبول، ومنها بطائرة خاصة أخرى إلى مطار بيروت. ويصف غصن رحلته بأنها «من القبر إلى المنزل». ومجدداً يعود إلى كارول: «كلما اقتربت منها، تسارعت نبضات قلبي». ولدى لقائها خارجة من سيارة صديقة لها قريباً من بيتهما في حي الأشرفية في بيروت، يعاجلها بالقول: «أنت لبوئتي، وهذا أجمل يوم في حياتي».
وتركز صفحات الكتاب الأخيرة على تبرير الفرار. ومباشرة بعد وصوله إلى بيروت، اتصل غصن بالرئيس اللبناني ميشال عون لينقل إليه الخبر، ثم زاره في القصر لإطلاعه على التطورات. وحظ غصن أن لبنان يرفض تسليم مواطنيه، غير أن القضاء اللبناني منعه من ترك الأراضي اللبنانية. لكن يؤكد غصن أن أمراً كهذا لا يشكل مصدر إزعاج له، إذ إن تعلقه بلبنان لم يضعف أبداً.

رسائل الحب المتبادلة

> يحفل الكتاب بنص كثير من رسائل الحب المتبادلة بين كارلوس وزوجته. وهذه بعض المقاطع أولاً من كارلوس إلى كارول: «إلى زوجتي الحبيبة، أموت شوقاً لرؤياك وتقبيلك ومعانقتك، أنت يا حبي. أنا أعشقك يا كارول. أفكر فيك كل لحظة، كل ساعة، أنت نور قلبي، ومن أجلك سأواجه كل شيء. أحبك إلى الأبد». ومن كارول إلى كارلوس: «حبيبي كارلوس، أنت حياتي، أشتاق إليك كل لحظة... أن تكون وحيداً أمر يدخلني في عالم الأحزان والغضب... لست وحيداً، فالدعم الاستثنائي يأتيك من نواحي العالم أجمع. أحبك يا حياتي، أنت نور شمسي، أنت ضوئي وسندي. أريدك أن تبقى قوياً. أحتاج إليك، ولا أقوى على العيش من دونك. أرجوك أن تهتم بنفسك. أحبك، كارول».
هذه الرسائل علامات يحفل بها الكتاب فصلاً بعد فصل. والثنائي يدخلنا في صميم علاقاته العائلية. هو لديه 3 بنات وشاب، وهي ابنتان وشاب. وصفحة بعد أخرى، نتعرف على ما يشعر به كل فرد من هذه العائلة الواسعة، وعلى الإعجاب الذي يكنه الجميع لكارلوس الذي يروي في نهاية الكتاب قصة علاقة الحب التي جمعته بكارول التي أصبحت لاحقاً زوجته الثانية، وكيف أنها أعادت إليه إنسانيته.


مقالات ذات صلة

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

كتب هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب،

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب «صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

ليس الكتاب الصوتي نصاً مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى

رشا أحمد (القاهرة)
كتب الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

بيعت نسخة نادرة من الطبعة الأولى لكتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» مقابل 302 ألف جنيه إسترليني، في مزاد أقيم بمدينة دالاس الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من...

ندى حطيط

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.