«القاهرة : كابول»... البدايات القوية تسقط في فخ «الخَطابة»

مؤلف المسلسل: نناقش مفاهيم مغلوطة بلا تعالٍ على الجمهور

بوستر مسلسل «القاهرة: كابول}
بوستر مسلسل «القاهرة: كابول}
TT

«القاهرة : كابول»... البدايات القوية تسقط في فخ «الخَطابة»

بوستر مسلسل «القاهرة: كابول}
بوستر مسلسل «القاهرة: كابول}

يحظى مسلسل «القاهرة : كابول» باهتمام كبير منذ بدء عرضه في موسم دراما رمضان الحالي، فهو من بين الأعمال الرمضانية التي تتناول قضايا التطرف والإرهاب، وأسباب انتشارها خلال العقود الماضية، لكن برؤية مختلفة ومميزة؛ إذ تدور أحداثه بين القاهرة كإحدى العواصم الكبرى التي استهدفها الإرهاب، وكابول عاصمة أفغانستان، التي كان يسيطر عليها بعض التنظيمات المتطرفة، وهو من تأليف عبد الرحيم كمال وإخراج حسام علي. ورغم البدايات القوية للمسلسل، فإنه وقع في فخ «الخطابة» و«الأسلوب المباشر»، بحسب نقاد ومتابعين مصريين، وهو ما رد عليه مؤلف العمل قائلاً «نحن نناقش مفاهيم مغلوطة بلا تعالٍ على الجمهور».
واختار المؤلف أربع شخصيات رئيسية حدد بدقة ملامح كل منها لتنطلق منها الأحداث، وهم «زعيم التنظيم الإرهابي (الشيخ رمزي) - طارق لطفي (الإعلامي طارق كساب) - فتحي عبد الوهاب، و(عادل رجل الأمن) - خالد الصاوي، و(خالد المخرج السينمائي) - أحمد رزق»، ينجح الإعلامي في جمعهم داخل شقته بعد سنوات طويلة من الفراق، ويستعيد العمل عن طريق الفلاش باك طفولتهم في أوائل ثمانينات القرن الماضي بحي السيدة زينب (وسط القاهرة)، حيث يفترشون سطح أحد البيوت ويلتحفون ببطانية ليشرعوا فيما أطلقوا عليه «قَسم البطانية»، حيث أقسموا على حكم العالم واختار كل منهم أغلى شيء لديه ليقسم عليه، فاختار طارق المال، وأقسم عادل بالحق والعدل، وخالد بالسينما، ورمزي بالمصحف والسيف، لكن سرعان ما تحول اللقاء إلى صدام بين رجل الأمن والإرهابي، ومع مشهد مقتل المخرج السينمائي توالت المفاجآت. يشارك في بطولة المسلسل الفنان الكبير نبيل الحلفاوي، وحنان مطاوع، وشيرين، إلى جانب سميرة الأمير من الأردن، ويسرا المسعودي من تونس، وسارة نخلة من سوريا.
شخصيات حقيقية
ورغم أن مقدمة المسلسل تتصدرها عبارة «هذا العمل من وحي خيال المؤلف وأي تشابه بينه وبين الواقع هو محض الصدفة والخيال»، فقد أثار منذ حلقاته الأولى التكهنات بشأن شخصيات أبطاله الحقيقة، ومنهم طارق لطفي (الشيخ رمزي)، الذي رأى البعض أنه يعبر عن شخصية أسامة بن لادن، بينما رأى آخرون أنه يعبر عن شخصية «رمزي بن الشيبة» القيادي البارز في تنظيم «القاعدة»، كما رأى فريق آخر في شخصية الإعلامي طارق كساب التي يجسدها فتحي عبد الوهاب صورة من الإعلامي يسري فودة، المفارقة أن الفنان فتحي عبد الوهاب نشر على صفحته بـ«فيسبوك» مقطع فيديو من حوار سابق ليسري فودة أجرته معه مذيعة أجنبية، وسألته خلاله عمن يرشحه لتجسيد قصة حياته في عمل فني، فأجاب: فتحي عبد الوهاب؛ لأن ملامحه مصرية جداً، وهو ما تؤكده الناقدة خيرية البشلاوي، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا شك أن الإعلامي الذي يجسد دوره فتحي عبد الوهاب يعبر بشكل كبير عن شخصية يسري فودة».
في حين ينفي المؤلف عبد الرحيم كمال ذلك، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط غير حقيقي؛ لأن بن لادن ليس مصرياً، كما أن شخصية الإعلامي لا تنطبق على أحد بعينه، بل هي خلاصة شخصيات خيالية جمعت فكرة الإعلاميين الذين ظهروا في تلك الفترة، فبداخل الشخصية أكثر من إعلامي مثلما تحوي شخصية (الشيخ رمزي) ملامح عدد من الإرهابيين».
بداية صادمة
البداية الصادمة للمسلسل جاءت مع حادث مقتل الشيخ الذهبي وزير الأوقاف المصري عام 1977 على يد «جماعة التكفير والهجرة»، وانتقلت بالمشاهد إلى وقوع عملية انتحارية بأحد المعسكرات الأميركية بأفغانستان، قام بها أحد أتباع الشيخ رمزي، وتخللت اللقطات الأولى من العمل مشاهد وثائقية لجنازة أم كلثوم، وعن طريق الفلاش باك يستعيد المخرج حوار بين الطفل رمزي وجاره الذي يخبره فيه أن الغناء حرام، وكذلك يأتي مشهد اغتيال الرئيس السادات عام 1981 في الحلقة الثانية ليزرع هذا الجار المتطرف في الطفل بذور التطرف، ويبدأ في السيطرة على عقله.
وسيطرت فكرة العمل على تفكير المؤلف منذ سنوات، على حد تعبيره، مضيفاً «منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 وموضوع الإرهاب يشغلني بحثاً وقراءة، حتى وصلت إلى الشخصيات الأربع، الإعلام والسلطة والإرهاب والفن، فهم من شكلوا مسرح الحياة في مصر في تلك الفترة».
يقدم المسلسل بانوراما اجتماعية وسياسية وفكرية مهمة وفق الناقدة خيرية البشلاوي، مؤكدة أن «المؤلف عبد الرحيم كمال مهموم بالواقع الاجتماعي، وهو كمن يقيم بنية تحتية لملابسات الإرهاب مع وعي تام بالتعامل مع شخصياته فيقدم بناءً فكرياً ونفسياً لكل منها، باحثاً عن أسباب التحول، وكيف نمت جذور الإسلام السياسي في المجتمع».
الأسلوب المباشر
وانتقد متابعون توجه حلقات المسلسل الأخيرة إلى الخطابة والأسلوب المباشر في الحوار، وكذلك شخصية مدرس التاريخ التي يجسدها الفنان نبيل الحلفاوي كونها شخصية خيالية ومثالية جدا، وليست واقعية، وهو ما يرد عليه المؤلف قائلاً «المسلسل يناقش أفكاراً ومفاهيم مغلوطة ترسخت في أذهان الكثيرين ونرد الأشياء إلى أصلها، ولا بد أن نناقشها بهدوء وإقناع ومن دون تعالٍ على الجمهور، كما أن الدراما التلفزيونية لها طرق سرد متعددة، لكن الذين اعتادوا على نمط معين قد لا يستسيغون أسلوباً آخر، والمسلسل يتصدى لقضايا فكرية ذهنية مترسخة في عقول الناس وكنت أمشي في كل جملة وراء أشواك؛ لأننا نتناول ما يخص العقيدة والشريعة، والتكفير والإلحاد، وعلاقة المسلمين والمسيحيين، نخاطب ملايين منهم نسبة كبيرة من الأميين».
وأشار إلى أن «مدرس التاريخ رجل عمره 70 عاماً ولديه رؤية للحياة والعالم يختلف معها البعض، والنجاح الجماهيري والنقدي الذي يلاقيه العمل فاق التوقعات، وأنا لا أهتم بالترند ولا يفرق معي لأنه زائف، وأرى أن الترند الحقيقي هو استمرار المسلسل على مر السنين وتأثيره في الناس». وعكست الرؤية البصرية للمخرج حسام علي قوة الحوار الذي يثير فكر المتفرج طوال الوقت، وبحسب البشلاوي «لجأ المخرج إلى التركيز وعدم الاستعراض من خلال تكثيف الأفكار واللقطات التي تربط المتفرج بالشخصية ثم تصدمه على غرار مثل مشهد مقتل المخرج السينمائي الذي أكد أن الفن والأمن أكبر أعداء التطرف لدورهما الفعّال في زرع الوعي بخطورة الإرهاب.
وتطرح الحلقات المقبلة من المسلسل تطورات عديدة ومفاجآت صادمة، كما تحمل الحلقة الأخيرة نهاية غير متوقعة للجمهور، وكما يؤكد المؤلف «الأحداث كلها تدور خلال السنة التي سبقت ثورة 25 يناير 2011، حيث نستعيد ما جرى في مصر خلال العقود الثلاثة التي سبقتها».



«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
TT

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث «غزة في القلب» الذي افتُتح، الخميس، في مركز الهناجر بدار الأوبرا المصرية، بحضور عدد كبير من الكُتَّاب والفنانين المصريِّين والعرب، خصوصاً من فلسطين.

الجدارية الأولى، وهي عبارة عن 30 متراً متصلة، تشغل مساحة حائطين بمركز الهناجر، أما الجدارية الثانية فتصل مساحتها إلى 16 متراً وتضم 8 قطع، طول كل قطعة متران، وفق الفنان عبد الرازق عكاشة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «الجدارية الصغيرة تعبِّر عن يوميات منفصلة، كل لوحة تحكي عن حدث أو حالة معينة. هناك مشهد لشاب وشابة يتزوجان، وفي النشرة التالية وجدتهما قد استُشهدا، وهي لوحة مؤثرة جداً؛ لذلك اخترتها لغلاف كتاب المعرض».

«جدارية غزة» تضمنت مشاهد إنسانية (الشرق الأوسط)

ويضيف: «اللوحة الثانية مشهد لجنازة الشهيد التي تتكرَّر كل يوم، وفي هذه الجنازة هناك نور يخرج من داخل اللوحة، وهناك كثير من المشاهد التي تؤكد أنَّ غزة قضية إنسانية مهمة جداً في ضمير العالم اليوم».

أمام لوحة «على باب مستشفى المعمدان» وقف الروائي المصري الكبير إبراهيم عبد المجيد يتأمل العمل، وكتب معلقاً عليه: «هل تتذكر ما يوحي به اسم المعمدان، هو الملاك المُرسَل قبل المسيح ليمهِّد له الأرض، هو رمز الطهارة والنقاء، مهما نزل به من كوارث»، مضيفاً على صفحته بـ«فيسبوك»: «لوحة تجسِّد جلوس الحزانى، بألوان بين الأسود والأزرق والأحمر، والمزج بين الأزرق والأحمر في لون البنفسج، ونظرات الأعين الصغيرة البارزة وسط الظلام، مؤكدة الأمل».

الروائي إبراهيم عبد المجيد أمام لوحة «مستشفى المعمدان» (صفحته على «فيسبوك»)

وحول الدفقة الشعورية في الأعمال التي اتسمت بالتلقائية الشديدة والحرية والانطلاقة، يؤكد الفنان أنَّ هذه الأعمال جاءت متأثرة بشكل مباشر بالأحداث التي وقعت في غزة وتابعها بحزن شديد، موضحاً: «كنت أشاهد الأخبار المحزنة والمأساوية في غزة وأنا أرسم، ولا أستطيع منع دموعي من النزول على علب الألوان التي أعمل بها».

حالة من المشاعر المتدفقة التي ترصد مأساة غزة، وآثار الحرب، وقصص الناجين من هذه الحرب بطريقة فنية مفعمة بالشجن تُجسِّدها لوحات المعرض، التي تنتقل بين التفاصيل المختلفة للبيوت والوجوه، وحتى الصور الشخصية الخاصة بحياة البسطاء في غزة.

جانب من افتتاح المعرض (صفحة الفنان على «فيسبوك»)

ويلفت الفنان إلى أنَّ غزة بالنسبة له حالة إنسانية، مطالباً بتصحيح المفاهيم والخطاب الذي يُروِّجه البعض عن غزة بوصفها قضيةً لها علاقة بالدين، قائلاً: «أتعامل مع قضية غزة بوصفها قضيةً إنسانيةً، خصوصاً وأنا أوجِّه خطابي للغرب، فمنذ 1993 وأنا أعيش في فرنسا، وأكرس جزءاً كبيراً من أعمالي للتعبير عن القضية الفلسطينية».

جنازة الشهيد مشهد متكرِّر في غزة رصده الفنان (الشرق الأوسط)

ويتابع: «غزة قطعة صغيرة من فلسطين العظيمة بما تمثله من عمق حضاري آشوري وكنعاني تشبه الحضارة المصرية العريقة بالضبط، ففلسطين أرض الحضارة ومهد للديانات، ولكنها أيضاً وطن للإنسانية. الحضور الإنساني في فلسطين هو الجانب الأهم الذي أحب التركيز عليه دوماً».

اللوحات حملت كثيراً من المعاني المُعبِّرة عن مأساة غزة (فيسبوك)

وأشار الفنان إلى ردود فعل كثيرة لمسها من زائرين أجانب من أميركا وفرنسا، وأفراد من البعثة الدبلوماسية اليابانية بمصر، عبَّروا له عن شعورهم بمعنى اللوحات، وما تمثله من تعبير عن مأساة مفجعة للإنسانية، مؤكداً أنَّ الفنَّ قادرٌ على توصيل المعنى والشعور الحقيقي لما حدث ويحدث في غزة، وما يعانيه أهلها من آلام وأوجاع، في مقابل ما تقدمه وسائل الإعلام بشكل غير حقيقي أحياناً.

وهنا يشير الفنان إلى إشكالية مهمة مفادها بأن «الفن ليس قوى ناعمة كما يقولون عنه، ولكنه قوى موازية قادرة على التعبير عن الواقع ورصده، مُحمَّلاً بالمشاعر والأحاسيس الصادقة».


مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
TT

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

أكّد المخرج السويسري مارسيل فايس أنّ فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج، عبر متابعة المعالجين والمرضى من مسافة آمنة، لكن صعوبة العثور على أشخاص مستعدّين للظهور في لحظات ضعف شديدة دفعته إلى إعادة صياغة الفكرة بالكامل.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ التحوّل الحقيقي جاء بالتوازي مع أزمة شخصية عميقة عاشها بعد وفاة شقيقه، حيث سيطر عليه خوف شديد من الموت وشعور مستمرّ بعدم الاستقرار النفسي، مؤكداً أنه بعد أكثر من 20 عاماً من العمل في الأفلام الوثائقية المليئة بمشاعر البوح، شعر أنّ الوقت حان ليضع نفسه في قلب التجربة.

يرصد فيلم «أفتح عقلي» رحلة شخصية عميقة يخوضها فايس بعد وفاة شقيقه، إذ يجد نفسه غارقاً في دائرة من الخوف والقلق، لا سيما الخوف من الموت، إلى جانب ضغوط متزايدة في حياته العائلية.

وتدفعه هذه الأزمة إلى البحث عن طرق غير تقليدية للعلاج، فيقرّر خوض تجربة العلاج باستخدام مواد مؤثّرة على الوعي في إطار علمي وروحي، ويوجّه الكاميرا نحو نفسه لتوثيق هذه الرحلة بكلّ ما تحمله من هشاشة وصدق.

مخرج الفيلم وبطله (الشركة المنتجة)

ويؤكد المخرج أنّ علاقته بفكرة الموت كانت في البداية قائمة على تصور قاسٍ ومجرَّد، وهو ما خلق لديه حالة من الهلع تكاد تشبه الاختناق، مشيراً إلى أنه أدرك لاحقاً أنّ هذا الخوف لم يكن نابعاً فقط من الفقد، بل من الصمت الذي أحاط بموضوع الموت داخل عائلته، حيث لم يكن يُناقش أو يُواجه بشكل مباشر.

وأوضح: «إحدى التجارب التي خضتها في مدينة بازل شكّلت لحظة مفصلية، إذ شعرت خلالها أنّ كلّ الحواس تتجمَّع في نقطة واحدة، في إحساس يُشبه ضوءاً أبيض كثيفاً. ورغم صعوبة وصفه بالكلمات، فإنه منحني شعوراً بالاكتمال والهدوء، وجعلني أنظر إلى الموت بصورة مختلفة».

وقال مارسيل فايس إن «العلاج باستخدام هذه المواد ليس تجربة سهلة أو خالية من المخاطر، إذ يتطلَّب تقييماً دقيقاً قبل الدخول فيه، خصوصاً فيما يتعلّق بالتاريخ النفسي للفرد، مثل وجود حالات ذهان أو فصام، سواء لدى الشخص نفسه أو في العائلة».

ولفت إلى أنّ «الخطّ الفاصل بين الشفاء والخطر يظلُّ هشاً للغاية، وهذه المواد لا تُقدّم حلولاً مباشرة، بل تفتح أبواباً، وما يُفتَح ليس دائماً مريحاً، فقد يكون مخيفاً ومربكاً»، مؤكداً أنّ العامل الحاسم يكمن في السياق، لجهة الإعداد المسبق، وطبيعة البيئة، والدعم المقدَّم، وما يحدث بعد التجربة من عملية استيعاب ودمج.

وأشار إلى أنّ شقيقه الراحل كان حاضراً في كلّ تفاصيل الفيلم، ليس فقط على شكل ذكرى، بل جزء من رؤيته للعالم، وفي مخاوفه وتساؤلاته، موضحاً أنّ هذه المواد كانت بالنسبة إليه مرتبطة بالفقد والدمار، خصوصاً بعد تجربته السابقة في تصوير فيلم عن إدمان شقيقه خلال دراستهما، وهو ما ترك أثراً عميقاً داخله.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأوضح المخرج السويسري أنه واجه خلال رحلته لحظات شعر فيها بأنه قد يفقد السيطرة تماماً، خصوصاً خلال تجربة العلاج في الأمازون، إذ عَلِقَ في دائرة من الأفكار المتكرّرة التي لم يستطع الخروج منها، وهو ما بدأ بشكل عابر ثم تحوَّل إلى شعور بالتهديد والذعر، حتى راوده خوف حقيقي من ألا يعود كما كان، أو أن يفقد قدرته على رعاية أطفاله، لافتاً إلى أنّ التجربة الداخلية كانت شديدة القسوة.

وأكد أن استخدام الرسوم المتحرّكة في الفيلم جاء من الحاجة إلى التعبير عن حالات داخلية لا يمكن تصويرها بالكاميرا التقليدية، موضحاً أنه لم يكن يرغب في تصوير التجربة بشكل مباشر، بل في نقل الإحساس بها، ولذلك عمل مع فريق الرسوم على تحويل مشاعر مثل الخوف والقلق والتوتّر إلى أشكال بصرية محسوسة، بحيث يصبح ما هو غير مرئي قابلاً للإدراك.

وأشار إلى أن «الكاميرا كانت في بعض الأحيان عنصراً مزعجاً، خصوصاً في التجارب الأولى، حيث كنت أشعر بأنها تعوق اندماجي الكامل في التجربة، لكنها في مراحل لاحقة أصبحت أقل حضوراً، بل وأحياناً مصدراً للإحساس بالثبات».

وختم المخرج السويسري بالتأكيد أنه واجه تساؤلات أخلاقية عميقة خلال صناعة الفيلم، لا سيما بما يتعلق بحدود الكشف عن الحياة الشخصية، موضحاً أنه صوَّر كثيراً من المواد التي لم تُستخدم لاحقاً، مثل تلك المتعلّقة بأطفاله، في محاولة لإيجاد توازن بين الصدق والحماية.


دواء جديد يتفوق على العلاج الكيميائي في سرطان الثدي

سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
TT

دواء جديد يتفوق على العلاج الكيميائي في سرطان الثدي

سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)

أظهرت تجربة سريرية عالمية نتائج واعدة لدواء جديد مبتكر لعلاج سرطان الثدي ثلاثي السلبية، أحد أكثر أنواع سرطان الثدي عدوانية وصعوبة في العلاج.

وأوضح الباحثون، بقيادة «المركز الوطني للسرطان» في سنغافورة، أن الدواء الجديد تفوَّق بشكل ملحوظ على العلاج الكيميائي التقليدي في تحسين معدلات البقاء على قيد الحياة وإبطاء تقدُّم المرض، ونُشرت النتائج، الخميس بدورية «Annals of Oncology».

ويُطلق على سرطان الثدي ثلاثي السلبية هذا الاسم؛ لأنَّه يفتقر إلى 3 مستقبلات رئيسية توجد عادة في أنواع أخرى من سرطان الثدي، وهي مستقبلات هرمون الإستروجين، ومستقبلات هرمون البروجستيرون، وبروتين «HER2». ويجعل هذا الغياب المرض غير مستجيب للعلاجات الهرمونية أو العلاجات الموجهة، ما يحدُّ من خيارات العلاج المتاحة ويجعل العلاج الكيميائي الخيار التقليدي الأساسي. ويتميَّز هذا النوع بسرعة النمو والانتشار، وبارتفاع احتمالية عودته بعد العلاج.

وأُجريت الدراسة ضمن تجربة سريرية دولية متعددة المراكز شملت 644 مريضاً من دول عدة حول العالم، من بينها الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وآسيا؛ بهدف تقييم فاعلية الدواء الجديد الذي يحمل اسم «داتوبوتاماب ديروكستيكان» (Dato-DXd).

ويعمل الدواء عبر استهداف بروتين يُعرف باسم «TROP2»، وهو موجود بكثرة على سطح كثير من الخلايا السرطانية. ويرتبط الدواء بهذا البروتين ثم يدخل إلى الخلية السرطانية، حاملاً مادة كيميائية قوية تقتلها من الداخل، مما يتيح توجيه العلاج مباشرة إلى الورم وتقليل الضرر على الخلايا السليمة في الجسم، وبالتالي تحسين الفاعلية، والحد من بعض الآثار الجانبية مقارنة بالعلاج الكيميائي التقليدي.

وأظهرت النتائج أنَّ الدواء الجديد حقَّق تفوقاً واضحاً على العلاج الكيميائي، حيث بلغ متوسط البقاء دون تطوُّر المرض 10.8 شهر مقارنة بـ5.6 شهر مع العلاج الكيميائي. وارتفع متوسط البقاء الكلي إلى 23.7 شهر مقابل 18.7 شهر في مجموعة العلاج التقليدي.

كما سجَّل الدواء معدل استجابة للعلاج بلغ 63 في المائة مقارنة بـ29 في المائة فقط مع العلاج الكيميائي، بينما استمرَّت الاستجابة لمدة أطول بلغت 12.3 شهر مقابل 7.1 شهر.

ومن حيث الأمان، كانت الآثار الجانبية الأكثر شيوعاً مع الدواء الجديد تشمل التهاب الفم، والغثيان، وتساقط الشعر، وانخفاض خلايا الدم البيضاء، إلا أنَّ نسبة المرضى الذين اضطروا إلى إيقاف العلاج كانت أقل بنسبة 4 في المائة مقارنة بالعلاج الكيميائي 7 في المائة.

ويشير الباحثون إلى أنَّ هذه النتائج تُمثِّل تقدماً مهماً في علاج سرطان الثدي ثلاثي السلبية، وهو نوع يرتبط بمعدلات انتكاس مرتفعة واستجابة محدودة للعلاجات التقليدية، خصوصاً لدى المرضى غير المؤهلين للعلاج المناعي أو العلاجات الموجهة.