المحاصيل المقاومة للملوحة قد تكون الحل لأحد أهم التحديات العالمية

تطوير زراعة الأرز في الصحراء

بينت الأبحاث أن مورثات محددة في مجموعة الأرز الهندي كانت أكثر تحملاً للملوحة من أصناف الأرز الأخرى
بينت الأبحاث أن مورثات محددة في مجموعة الأرز الهندي كانت أكثر تحملاً للملوحة من أصناف الأرز الأخرى
TT

المحاصيل المقاومة للملوحة قد تكون الحل لأحد أهم التحديات العالمية

بينت الأبحاث أن مورثات محددة في مجموعة الأرز الهندي كانت أكثر تحملاً للملوحة من أصناف الأرز الأخرى
بينت الأبحاث أن مورثات محددة في مجموعة الأرز الهندي كانت أكثر تحملاً للملوحة من أصناف الأرز الأخرى

تعمل جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) على تطوير محاصيل أرز مقاومة للمياه المالحة لزراعتها في البيئات الصحراوية. وبات جزء من مبادرة الزراعة الصحراوية في «كاوست» والابتكارات في زراعة الأرز قاب قوسين أو أدنى من إيجاد حل لأحد أهم التحديات العالمية الذي يتمثل في التغذية المستدامة للسكان الذين تتزايد أعدادهم، محلياً وعالمياً.
وفي ضوء ازدياد عدد سكان العالم من 7.8 إلى 10 مليارات نسمة على مدى الثلاثين عاماً المقبلة، يجب على المزارعين والعاملين في مجالات النباتات أن يبذلوا قصارى جهدهم لإنتاج محاصيل مغذية عالية الإنتاجية، بأثر بيئي أقل في الوقت نفسه. ويضطلع الأرز بدور بالغ الأهمية في تحقيق هذه المعادلة. وفي هذا الصدد، يعمل باحثو «كاوست» على رسم خرائط مجمل التنوع الوراثي لمحاصيل الأرز لاختيار الأصناف وفيرة الغلة التي تتكيف مع ظروف الصحراء السعودية.

إن مجرد التكيف مع الظروف البيئية غير كافٍ، إذ يكتسي التكيف مع المدخلات الزراعية المحدودة أو البديلة أهمية بالغة، فالمياه العذبة في جميع أنحاء العالم مهددة، مما يرجح أن يصبح استخدام مياه البحر في الري من الأدوات المستخدمة في مستقبل الزراعة. وفي الوقت الحالي، تعجز أكثر المحاصيل عن تحمل الملح الموجود في مياه البحر. ويعكف باحثو «كاوست» على إيجاد نباتات يمكنها تحمل المياه المالحة عن طريق مسح آلاف الواسمات الوراثية لإيجاد تلك التي ترتبط بتحمل الملوحة في نباتات الأرز. وقد نجحوا في تحديد مورثات محددة، لا سيما في مجموعة الأرز الهندي، تبين أنها أكثر تحملاً للملوحة من أصناف الأرز الأخرى. ويجري استخدام هذه الأصناف في تجارب الزراعة التي تزيد الإنتاجية العالمية للأرز.
يذكر أن البروفسور رود وينغ، أستاذ علوم النبات في «كاوست» مدير مركز الزراعة الصحراوية، يقود الأبحاث الوراثية على الأرز في الجامعة، لا سيما اكتشاف واستغلال التنوع الطبيعي في صنف «أوريزا» في الأرز. ويركز مختبر وينغ على إنتاج جينومات بأعلى المعايير (معيار البلاتين) للأرز المزروع، وأقاربه ومجموعته البرية، وذلك لإنشاء جينوم شامل للأوريزا يكون بمثابة نموذج لتأسيس بنك جينات رقمي للأرز. وسيُدرس بنك الجينات الرقمي هذا لاكتشاف وتحليل تعدد أشكال النوكليوتيدات المفردة، والاختلاف الهيكلي الموجود في مجمل الجنس (الصنف) بصورة رئيسية. وستربط هذه البيانات مع بيانات التنميط الظاهري عالية الإنتاجية المستمدة من مجموعة عالمية من أصناف الأرز، تضم قرابة ثلاثة آلاف مجموعة متنوعة من سلالات الأرز المزروعة في مواقع متعددة حول العالم على مدار فصول متعددة. ويمكن بعد ذلك استخدام هذه البيانات لتسريع إنتاج أنواع «الأرز الأخضر» التي تتكيف مع الظروف البيئية المختلفة، ومنها البيئات الصحراوية في الشرق الأوسط.
ولقد اكتست أبحاث البروفسور وينغ أهمية خاصة لمشروع «نيوم» الضخم الجديد في شمال غربي المملكة، الذي تبلغ قيمته 500 مليار دولار. ويذكر أن البروفسور وينغ قد عُين مؤخراً في المجلس المؤسس للمنظمة الزراعية المكرسة لتطوير الزراعة في وادي شمّا في نيوم.

مركز الزراعة الصحراوية في «كاوست»

> بدأ مركز الزراعة الصحراوية في «كاوست» بوضع حلول على مستوى العالم لتحدي تأمين التغذية المستدامة لـ10 مليارات نسمة بحلول 2050. ويعمل مركز الزراعة الصحراوية، من خلال الأبحاث التطبيقية وتدريب الطلبة وتوعية المجتمع المحلي والشراكات مع الحكومة والأوساط الأكاديمية والصناعية، على إعداد أنظمة مستدامة لإنتاج المحاصيل في البيئات الصحراوية.
> يُعد نظام الغذاء، سواء في المملكة العربية السعودية أو في العالم، من أكثر الأنشطة البشرية التي تهدد الاستدامة، إذ يستنفد 66 في المائة من إمدادات المياه العالمية، و30 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية، ويشغل 50 في المائة من الأراضي التي يستخدمها البشر، ويؤدي إلى انبعاث 33 في المائة من غازات الدفيئة. ويتعين على السعودية والعالم إنتاج غذاء أكثر على مدى الأعوام الثلاثين المقبلة لتغذية العدد المتنامي لسكان العالم باستدامة، إذ تتوقع الأمم المتحدة أن يزداد عدد سكان المملكة العربية السعودية من 34 مليوناً إلى 39 مليون نسمة بحلول 2030، وإلى 44 مليون نسمة بحلول 2050.
> للتصدي لتحديات الأمن الغذائي، يقود مركز الزراعة الصحراوية القطاع من خلال العلوم المدفوعة بالبيانات والابتكار الذي يركز على المستقبل. ويهدف المركز إلى النهوض بالمعرفة والأدوات الأساسية اللازمة لتحسين أنواع المحاصيل الموجودة، وتدجين محاصيل جديدة، ووضع أنظمة جديدة لإنتاج المحاصيل يمكنها إنتاج غذاء باستدامة في البيئات الصعبة في السعودية وباقي المناطق. وبفريقه الذي يضم علماء ومهندسين عالميي المستوى، يتوخى مركز الزراعة الصحراوية أنظمة لإنتاج محاصيل مستدامة طازجة مغذية عالية القيمة بأثر بيئي منخفض (مثال: مقادير أقل من المياه والأسمدة والمبيدات الحشرية وانبعاثات غازات الدفيئة)، وبالتالي التشجيع على أنماط الحياة الصحية والبيئة النظيفة للأجيال القادمة. وتنسجم أهداف المركز مع كثير من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، ورؤية 2030 في المملكة العربية السعودية الخاصة بالتحول الوطني.
> لدى المركز 3 محاور بحثية أساسية:
1. أنظمة محاصيل حقلية تركز على نخيل التمر، والتدجين الجديد للأقارب للمجموعة البرية نفسها للمحصول، وغيرها من أصناف النباتات البرية القادرة على النمو في الأنظمة البيئية القاسية، كالمياه المالحة.
2. أنظمة المحاصيل التي تزرع ضمن الدفيئة والتي تركز على تحقيق أدنى أثر ممكن في استهلاك المياه العذبة.
3. أنظمة الإنتاج القائمة على الطحالب التي تستند إلى المناطق الساحلية الضخمة في المملكة ذات المياه الدافئة والإشعاع الشمسي المرتفع؛ وهي سمات أساسية للإنتاج الاقتصادي المستدام للطحالب.


مقالات ذات صلة

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

يوميات الشرق جانب من توقيع العقد المشترك برعاية المستشار تركي آل الشيخ في القاهرة الخميس (هيئة الترفيه)

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

أبرمت هيئة الترفيه السعودية عقد إنتاج مشترك مع قناة «إم بي سي مصر»، في خطوة تعزز مسارات التعاون الهادف إلى تقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور المصري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي

آل الشيخ: مفاجآت ثقافية سعودية - مصرية مرتقبة

كشف المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية، عن مفاجآت مرتقبة في إطار التعاون الثقافي بين المملكة ومصر، وذلك خلال زيارته للقاهرة.

«الشرق الأوسط» (الرياض) «الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق يتميّز تصميم المركز بطابع معماري معاصر يستند إلى مفهوم «الكتل الضخمة» (واس)

بدء الأعمال الإنشائية لمركز الفنون الأدائية في القدية

بدأت الأعمال الإنشائية لمركز الفنون الأدائية بمدينة القدية (جنوب غرب الرياض)، في خطوة مهمة ضمن مسيرة تطوير المدينة بوصفها وجهة للترفيه والرياضة والثقافة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق شهدت مختلف المناطق كثافة عالية في أعداد الزوار من داخل السعودية وخارجها (موسم الرياض)

17 مليون زائر لـ«موسم الرياض» السادس

أعلن المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية، عن تسجيل النسخة السادسة من «موسم الرياض» 17 مليون زائر، وذلك مع ختام فعالياته.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة سعودية محافظ الأحساء خلال تدشينه الأكاديمية (نادي القادسية)

سعود بن طلال بن بدر يُدشِّن أكاديمية القادسية في الأحساء

دشَّن الأمير سعود بن طلال بن بدر محافظ الأحساء، الثلاثاء، فرع أكاديمية شركة «نادي القادسية» بالمحافظة.

«الشرق الأوسط» (الأحساء)

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل
TT

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

يُخفي الشخص العادي 9 أنواع من الأسرار، تتراوح بين الكذب والرغبات العاطفية الخفيّة، وقد يُشكل هذا عبئاً ثقيلاً؛ لأن للأسرار عادةً مُقلقةً؛ تتمثل في تبادرها إلى الذهن دون سابق إنذار. وقد يُخفف الاعتراف بها من وطأة الأمر، لكن بعض الأسرار حساس للغاية؛ فلا يُمكن مشاركته، كما كتبت أليس كلاين في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

العبء النفسي لإخفاء الأسرار

تقول فال بيانكي، من جامعة ملبورن في أستراليا: «قد تُفكر في الأسرار خلال الاستحمام، أو عند غسل الأطباق، أو حتى في طريقك إلى العمل».

وأمضت بيانكي سنوات في دراسة العبء النفسي لإخفاء الأسرار وسبل تخفيفه، وقد مُوِّل أحدث أبحاثها من قِبَل «مكتب الاستخبارات الوطنية الأسترالي». وتضيف أن على عملاء الاستخبارات الحفاظ على أسرار بالغة الحساسية لحماية الأمن القومي، لذا؛ فهم بحاجة إلى استراتيجيات لتحمل هذه المسؤولية.

دراسة 38 فئة من الأسرار

لفهم تأثير الأسرار على رفاهية الأفراد بشكل أفضل، استقطبت بيانكي وزملاؤها 240 شخصاً عبر الإنترنت، وطلبوا منهم ملء استبيان عن أسرارهم. أشار المشاركون إلى ما إذا كانوا يخفون أي أسرار من 38 فئة، بما في ذلك: الكذب، والخيانة الزوجية، والسرقة، والإدمان.

الكذب والعيوب الجسدية والسلوكيات الجنسية

في المتوسط، احتفظ المشاركون بـ9 أنواع من الأسرار، وكان أوسعها شيوعاً الكذب (78 في المائة من المشاركين)، والشعور بعدم الرضا عن جانب جسدي شخصي (71 في المائة). وشملت الأسرار الشائعة الأخرى الأمور المالية (70 في المائة)، والرغبات العاطفية (63 في المائة)، والسلوكيات الجنسية (57 في المائة).

أهم الأسرار... مقلق

بعد ذلك، طُلب من المشاركين تحديد أهم سر لديهم وكتابة يوميات لمدة أسبوعين بشأن شعورهم تجاهه. أفاد المشاركون عموماً بأن أهم أسرارهم سلبية، وعند التفكير فيها، تتشتت أفكارهم نحو مخاوف أو قلق يساورهم بشأنها، كما جاء في الدراسة المنشورة في دورية «PsyArXiv, doi.org/qs6j»

تسلل الأسرار إلى الذهن

خلصت أبحاث بيانكي السابقة إلى أن الأسرار المهمة تميل إلى التسلل إلى أفكار الناس مرة كل نحو ساعتين. وتقول: «غالباً ما تخطر هذه الأسرار على البال خلال فعل شيء لا يتطلب كامل انتباهك... لأن ذهنك يجد متسعاً للتفكير في السر والتأمل فيه».

البوح بالأسرار

وتضيف بيانكي أن البوح بالأسرار قد يوفر بعض الراحة في بعض الحالات، لا سيما عند إخبار أشخاص غير متأثرين بشكل مباشر بمحتواها، ويتسمون بالتعاطف، مثل رجال الدين أو المعالجين النفسيين.

من جهة أخرى، لا يمكن البوح ببعض الأسرار لأي شخص؛ بما في ذلك المعلومات السرية للغاية التي يحتفظ بها ضباط المخابرات. وفي هذه الحالات، قد يكون من المفيد لحامل السر التحدث مع شخص ما عن مشاعره تجاه السر، دون الكشف عن محتواه الفعلي، كما تقول بيانكي.

تدوين المذكرات اليومية... علاج نافع

يقول جيمس بينيباكر، من جامعة تكساس في أوستن بالولايات المتحدة، الذي أثبت أن تدوين المشاعر في مذكرات يومية غالباً ما يكون علاجياً، إن خياراً آخر قد يكون متاحاً للأشخاص الذين لا يعملون في مجال الاستخبارات، هو الكتابة سراً عن مشاعرهم وكيف تؤثر عليهم. ويضيف: «بدأ بحثي بملاحظة أن الأشخاص الذين مروا بأي نوع من الاضطرابات الكبيرة كانوا أكبر عرضة لمشكلات صحية إذا لم يتحدثوا عن هذه الأحداث مقارنةً بمن تحدثوا عنها».


الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات
TT

الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات

لم يكن دور الطبيب عبر التاريخ مجرد قراءة الأعراض ووصف العلاج، فالممارسة الطبية كانت دائماً عملية معقدة تجمع بين المعرفة العلمية والخبرة السريرية والحكم الأخلاقي.

التكامل بين الذكاء الاصطناعي وخبرة الطبيب

تحولات عميقة

لكن الطب يشهد اليوم تحولاً عميقاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات. فقد أصبحت خوارزميات التعلم العميق قادرة على تحليل صور الأشعة بدقة عالية، والتنبؤ ببعض الأمراض قبل ظهور أعراضها، بل واقتراح خطط علاجية محتملة.

هذا التحول لا يطرح سؤالاً تقنياً فحسب، بل سؤالاً مهنياً أعمق: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل البيانات الطبية، فما هو الدور الجديد للطبيب؟

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة علمية حديثة نُشرت في 16 فبراير (شباط) 2026 بعنوان «العوامل المؤثرة في الثقة بالذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الصحي» (Determinants of Trust in Artificial Intelligence for Health-Related Decision-Making)، حاول الباحثون فهم موقف المرضى من استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. وقد نُشرت الدراسة في مجلة «جورنال أوف ميديكال إنترنت ريسيرش» (Journal of Medical Internet Research) المتخصصة في الصحة الرقمية، وأُجريت في مراكز الرعاية الصحية الأولية في المملكة العربية السعودية لتحليل مدى قبول المرضى لاستخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص والقرار الطبي.

ثقة المرضى أولاً

أظهرت نتائج الدراسة أن المرضى لا يعارضون استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بل إن كثيراً منهم يرون في هذه التقنيات فرصة لتحسين دقة التشخيص وتسريع الوصول إلى العلاج. لكن القبول بهذه الأنظمة يبقى مشروطاً بعامل أساسي: أن يظل الطبيب هو صاحب القرار النهائي في العملية العلاجية.

كما كشفت الدراسة أن ثقة المرضى بالذكاء الاصطناعي ترتبط بدرجة كبيرة بثقتهم بالطبيب نفسه. فكلما كانت العلاقة بين الطبيب والمريض قائمة على الثقة والوضوح، ازداد استعداد المرضى لقبول استخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص أو اتخاذ القرار الطبي.

وبعبارة أخرى، لا ينظر المرضى إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً للطبيب، بل كأداة علمية يمكن أن تعزز خبرته وتساعده على اتخاذ قرار أكثر دقة.

ثلاثة أدوار للذكاء الاصطناعي في القرار الطبي

3 حالات للذكاء الاصطناعي في العيادة

عند استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية يمكن للطبيب أن يواجه ثلاث حالات مختلفة.

* الحالة الأولى: عندما يقدم النظام توصية تشخيصية أو علاجية واضحة بدرجة ثقة عالية اعتماداً على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية.

* الحالة الثانية: عندما يقدم الذكاء الاصطناعي تقديرات احتمالية أو سيناريوهات تشخيصية متعددة تحتاج إلى تفسير سريري دقيق من الطبيب، لأن الخوارزمية هنا تعرض الاحتمالات لكنها لا تحسم القرار.

* الحالة الثالثة: ما يسميه بعض الباحثين «صمت الخوارزمية»، وهي الحالة التي يعجز فيها النظام عن إعطاء توصية واضحة بسبب نقص البيانات أو تعقيد الحالة الطبية. وفي مثل هذه الحالات يعود القرار بالكامل إلى خبرة الطبيب وحكمه السريري

لماذا يبقى الطبيب محور القرار؟

الذكاء الاصطناعي بارع في تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الطبية المعقدة، لكنه لا يستطيع فهم جميع أبعاد الحالة الإنسانية للمريض. فالقرار الطبي لا يعتمد فقط على نتائج التحاليل أو الصور الشعاعية، بل يشمل أيضاً التاريخ الصحي للمريض، وحالته النفسية، وظروفه الاجتماعية، وحتى تفضيلاته الشخصية في العلاج.

وهذه عوامل لا تستطيع الخوارزميات تقييمها بصورة كاملة، لأنها تتجاوز حدود البيانات الرقمية إلى مساحة الخبرة الإنسانية والتقدير السريري. ولهذا يبقى دور الطبيب حاسماً في ترجمة نتائج الذكاء الاصطناعي إلى قرار طبي متوازن يجمع بين العلم والحكمة.

حكمة قديمة في زمن جديد

قبل أكثر من ألف عام كتب ابن سينا في كتابه «القانون في الطب» أن الطبيب الجيد هو الذي يجمع بين العلم والحكمة. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه الحكمة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

إن الخوارزميات قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تفهم الإنسان بكل تعقيداته. ولهذا يبقى التحدي الحقيقي في الطب الحديث ليس في قوة التكنولوجيا وحدها، بل في قدرة الطبيب على توظيفها بحكمة لخدمة المريض.

ولهذا يمكن القول إن الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مُشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي الذي يوازن بين البيانات والخبرة والبعد الإنساني في العلاج.

الطبيب مهندس القرار

ولهذا قد يكون أدق وصف لدور الطبيب في الطب الحديث أن الطبيب لم يعد مجرد مشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي في عصر الخوارزميات. فبين البيانات التي تقدمها الأنظمة الذكية والخبرة السريرية التي يمتلكها الطبيب، يتشكل القرار الطبي الذي يجمع بين دقة العلم وفهم الإنسان.


التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
TT

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط أساساً بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية، غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها. فالأشخاص الذين يحققون إنجازات كبيرة في مجالات مختلفة لا يكونون دائماً الأكثر ذكاءً أو موهبة؛ بل غالباً ما يتميزون بقدرتهم على الاستمرار والعمل لفترات طويلة رغم الصعوبات.

وفي هذا السياق، تقدِّم عالمة النفس الأميركية أنجيلا دوكوورث (Angela Duckworth) تفسيراً مختلفاً لمعنى التفوق، في كتابها الشهير «العزيمة: قوة الشغف والمثابرة» (Grit: The Power of Passion and Perseverance)؛ حيث ترى أن العامل الحاسم في النجاح هو ما تسميه «العزيمة».

ما «العزيمة»؟

تعرِّف دوكوورث العزيمة بأنها مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد، والمثابرة في مواجهة العقبات. أي أن الشخص الذي يمتلك هذه الصفة لا يكتفي بوضع أهداف كبيرة؛ بل يواصل العمل لتحقيقها رغم الفشل أو الإحباط. فالعزيمة تعني الاستمرار وعدم الاستسلام عند التعثر، مع الحفاظ على التركيز على هدف واضح دون تشتت، وفق ما نقله موقع العالمة دوكوورث الإلكتروني.

وقد أظهرت بحوث دوكوورث التي شملت مجالات مثل التعليم والرياضة والمؤسسات العسكرية والأعمال، أن العزيمة تمثل القاسم المشترك بين المتفوقين. فالأشخاص الذين يحققون نتائج استثنائية ليسوا بالضرورة الأكثر موهبة؛ بل هم غالباً الأكثر قدرة على الصبر والعمل المتواصل.

الإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه ويتعلم من أخطائه ويواصل العمل رغم الإحباط يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة (بيكسلز)

تجربة شخصية تعكس الفكرة

توضح دوكوورث هذه الفكرة من خلال تجربة شخصية وردت في مقدمة كتابها. فقد نشأت وهي تسمع والدها يكرر لها باستمرار: «أنتِ لستِ عبقرية». كان والدها شديد الاهتمام بفكرة الذكاء والعبقرية، ويقارن أبناءه بالعلماء الكبار، مثل ألبرت أينشتاين، معتقداً أن غياب العبقرية قد يحد من فرصهم في النجاح.

ولكن المفارقة أن دوكوورث نفسها حصلت لاحقاً على «منحة ماك آرثر» الشهيرة التي تُعرف أحياناً باسم «منحة العبقرية». وقد أثار هذا الأمر لديها تأملاً عميقاً؛ فهي لم تحصل على الجائزة لأنها الأذكى بين زملائها؛ بل لأنها درست العامل الحقيقي وراء النجاح. وقد خلصت بحوثها إلى أن الشغف والمثابرة قد يكونان أكثر تأثيراً من الذكاء أو الموهبة الفطرية.

هل يمكن تنمية العزيمة؟

تؤكد دوكوورث أن العزيمة ليست صفة ثابتة يولد بها الإنسان ثم تبقى على حالها. صحيح أن العوامل الوراثية والبيئة قد تلعب دوراً في تشكيلها، ولكن البحوث تشير إلى أنه يمكن تنميتها بالممارسة والعمل الجاد والمرونة.

فالإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه، ويتعلم من أخطائه، ويواصل العمل رغم الإحباط، يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة. ومع مرور الوقت، تصبح هذه الصفة عاملاً أساسياً في تحقيق النجاح.

التفوق الحقيقي

في النهاية، تقدم فكرة العزيمة فهماً مختلفاً للتفوق. فالنجاح لا يعتمد فقط على الذكاء أو الحظ؛ بل على القدرة على العمل المستمر والسعي طويل الأمد نحو هدف واضح. وقد لا يكون الإنسان الأذكى في المكان، ولكنه قد يكون الأكثر عزيمة، وهذا غالباً ما يصنع الفارق الحقيقي في تحقيق الإنجازات.