لعنة الفيتوري على شعراء السودان

أسماء شعرية وروائية وأدبية شكلت حاجزاً أمام الأجيال التي تلتها

لعنة الفيتوري على شعراء السودان
TT

لعنة الفيتوري على شعراء السودان

لعنة الفيتوري على شعراء السودان

شكلت بعضُ الأسماء الأدبية ما يمكن أن نطلق عليه لعنة الأجيال؛ بمعنى أن هناك أسماء شعرية وروائية وأدبية ظهرت في فترة من الفترات، فترسخت بشكل كبير، ولكنها في الوقت نفسه شكلت حاجزاً أمام الأجيال التي تليها، والحاجز المقصود منه هو الحاجز الدعائي، وليس الإبداعي، وهذه الظاهرة منتشرة في معظم الدول العربية، ولا يمكن أن نستثني منها أحداً إلا بنسب متفاوتة، كالعراق ومصر والشام، ذلك أنه على الرغم من وجود الجواهري والسياب، فإنهما لم يستطيعا أن يسحبا البساط من الأجيال اللاحقة، فظهرت بعدهما أسماء كبيرة راسخة في الشعر، فالسياب لم يمنع اسمه من ظهور وانتشار سعدي يوسف أو يوسف الصائغ وآخرين، وكذلك الجواهري لم تمنع سطوته الكبيرة من ظهور وانتشار عبد الرزاق عبد الواحد أو مصطفى جمال الدين أو عبد الأمير الحصيري، وكذلك في الرواية إذ لم يستطع غائب طعمة فرمان ولا فؤاد التكرلي أن يكونا الخيمة الوحيدة للرواية في العراق، فعلى أهمية اسميهما الرائدين، فإن الروائيين العراقيين واصلوا النتاج والحضور في الوقت نفسه، فظهر عبد الخالق الركابي ومحمد خضير وأحمد خلف وعشرات آخرين، ومن بعدهم ظهرت أجيال أخرى حققت حضوراً طيباً في المشهد الأدبي بشكل عام.
إنَّ ظاهرة اختصار إبداع بلد ما بشخصية من الشخصيات هي ظاهرة عامة على ما يبدو. فمن خلال فحص المشهد الثقافي لعدد من البلدان العربية، نجد أن محمود درويش يكاد أن يكون فلسطين كلها، فلا يُذكر الشعر في فلسطين إلا وكان درويش وجهه الأنصع، علماً بأن هناك شعراء لا يقلون جمالاً وإبداعاً عن درويش، كمريد البرغوثي أو طه محمد علي، والأخير يكبر درويش بعشرة أعوام، وحين قرأتُه كأنَّي أكتشف روح الشعر من جديد، فمثلاً قصيدته «انتقام» أحد أهم النصوص في شعرنا الحديث، كما أزعم، ولكنها مغيبة عن ثقافتنا ووعي أجيالنا. يقول فيها: «أحياناً/ أتمنى أن أبارز الشخص الذي قتل والدي/ وهدم بيتنا/ فشردني/ في بلاد الناس الضيقة/ فإذا قتلني/ أكون قد ارتحت/ وإنْ أجهزتُ عليه/ أكون قد انتقمتُ/ لكن.../ إذا تبيِّن أثناء المبارزة/ أن لغريمي أمَّاً تنتظره/ أو أباً يضع كفَّ يمينه/ على مكان القلب من صدره/ كلَّما تأخَّر ابنُه/ ولو ربع ساعة/ عن موعد عودته/ فأنا عندها/ لن أقتله إذا تمكنتُ منه/ كذلك أنا لن أفتك به/ إذا ظهر لي أن له إخوة وأخوات/ يحبَّونه/ ويديمون تشوقهم إليه/ أو إذا كان له زوجة ترحب به، وأطفال لا يطيقون غيابه/ ويفرحون بهداياه/ أو إذا كان له أصدقاء أو أقارب/ جيران أو معارف/ زملاء سجن/ رفاق مستشفى/ أو خدناء مدرسة/ يسألون عنه ويحرصون على تحيته/ أما إذا كان وحيداً/ مقطوعاً من شجرة/ لا أب ولا أم/ لا إخوة ولا أخوات/ لا زوجة ولا أطفال/ من دون أصدقاء ولا أقارب ولا جيران/ من غير معارف/ بلا زملاء أو رفقاء أو أخدان/ فأنا لن أضيف إلى شقاء وحدته/ ولا عذاب موت ولا أسى فناء/ بل سأكتفي بأن أغض الطرف عنه/ حين أمر في الطريق/ مقنعاً نفسي/ بأن الإهمال بحد ذاته هو أيضاً/ نوع من أنواع الانتقام». إن مثل هذا النص الهائل كان يجب أن يكون في كل مناهج الدراسة لطلابنا، وفي كل مدننا وبلداننا، لأن فيه روحاً كبيرة تدعو للتسامح والسلام، بطريقة مختلفة عن السائد، ومن دون ضجيج وعنتريات.
إنَّ مثل هذه النماذج العالية كثير في العالم العربي، إلا أن هناك أسماء -كما قلنا- ترسخت وأصبحت تابوهات لا يمكن المساس بها أو انتقادها، وأصبحت أشبه باللعنة على الأجيال التي تأتي بعدها.
أسوق هذا الحديث لأمرَّ على منطقة إبداعية غاية في الثراء والجمال، وهي السودان، كنت يوماً ضيفاً فيها على «بيت الشعر في الخرطوم»، ذلك أننا جميعاً حين نتذكر السودان، فإننا نذهب مباشرة باتجاه «محمد الفيتوري» في الشعر، وباتجاه «الطيب صالح» في الرواية. وهذه إشكالية كبيرة في أنْ تُختصر المدن والبلدان بأسماء محددة -على أهمية تلك الأسماء- وهذا الكلام ليس انتقاصاً لتجارب هؤلاء الكبار، قدر ما هو إضافة للمشهد الذي ترسخ بأذهاننا، فالشعر الحقيقي ربما ينزوي في مناطق معتمة بعيدة عن الضوء، ولكنها مناطق غاية في السحر غاية في التجاوز الجمالي، إلا أنها مناطق ينقصها الظهور، وربما كما يقول أدونيس «إن الشاعر كلما كثر جمهوره ضعفت شاعريته». أعود إلى السودان الذي ذهبت إليه في الزيارة الأولى وأنا محملٌ بـ«الفيتوري والطيب صالح»، ولكننَّي على أرض الواقع وجدت عشرات الفيتوريين وعشرات الطيبين الصالحين، غير أن الشهرة تكتفي دائماً بالقطارات التي تصل، وتغض الطرف عن القطارات التي لم تصل بعد. ففي السودان مثلاً، وجدتُ جيلاً كبيراً من الشعراء والشواعر مهمومين بالقصيدة وتحولاتها، منشغلين بشكل جاد بأهمية هذا التحول، وبوعي عالٍ بما يصنعون، أجيال مختلفة تفكر بشكل مختلف، متصالحة مع نفسها، وبالنتيجة هي متصالحة مع الأشكال الشعرية التي كانت في يوم من الأيام عقدة العقد، شعراء يقطعون عشرات ومئات الكيلومترات ليلتقوا، ويقرأوا الشعر تحت ظروف متعبة صعبة جداً، هل هناك جنون أكثر من هذا؟ وهل هناك انتماء للغة أكثر من هذا الانتماء؟
أجمل ما في الموضوع أنني وعدد من الشعراء كنا جالسين على منصة كبيرة في الجلسة الأولى لـ«ملتقى النيلين» والجلسة توشك على الانتهاء، وبلحظة دخل شيخ كبير ناحل جداً، بيده عصا والتعب بادٍ على وجهه، ولكن اللافت في الأمر أن الجالسين في السطر الأمامي نهضوا جميعاً له بإجلال وتقدير، فيما عريف الحفل توقف ليرحب به، وإذا به الشاعر الكبير «عبد الله شابو»، وإكراماً له لم ينهوا الأمسية، إذ استئنفت بقراءات جديدة، وحين أنهينا الأمسية بدأ يتلطف معه الشعراء الشباب، ويلتقطون الصور معه، ويرددون أشعاره بمرحٍ عالٍ وهو يلاطفهم ويمزح معهم، وحين سألت عنه واقتربتُ منه، وجدتُه أحد أكثر الأسماء الشعرية تأثيراً في السودان، أكثر ربما من الفيتوري، فهو القائل، وما أجمل قوله: «سيُكتب فوق الشواهد من بعدنا/ بأنا عشقنا طويلاً/ وأنا كتبنا بدمِّ الشغاف/ كأنْ لم يقل شاعرٌ قبلنا/ وأنا برغم الجفاف/ ملأنا البراري العجاف/ صهيلاً صهيلاً/ وأنا مشينا إلى حتفنا/ رعيلاً يباري رعيلاً/ وأنا وقفنا بوجه الردى/ وقوفاً جميلاً/ سيُكتبُ فوق الشواهد من بعدنا/ بأنا كذبنا قليلاً/ وأنا انحنينا قليلاً/ لتمضي الرياح إلى حتفها/ وأنا سقطنا سقوطاً نبيلاً». وحين سألت أكثر، وجدتُ التأثير الأكبر للتجاني يوسف بشير، ولمحمد المهدي المجذوب، ولصلاح أحمد إبراهيم، ولكن الفيتوري غطَّى بشهرته على هذه الأسماء، مثلما غطَّى أبو القاسم الشابي على شعراء تونس، وعرار على شعراء الأردن، ونزار قباني على سوريا.
السودان بلد ضاج بالشعر، صاخب بجنون أبنائه، ولادٌ للأجيال الشعرية، فهذا المتوكل زروق أحد شعراء جيل التسعينيات السوداني، إن صحت التسمية، هو وأسامة تاج السر وعشرات آخرون. يردد زروق نشيده مع الفقراء: «قلتُ ألا أكون مكانك/ كي لا تراك كما لا تريد/ فقيراً من الناس/ يحرسك اليأس من نوره المستطاب»، أو أسامة تاج السر الذي يؤمن بالشعر معبراً لروحه، حيث يردد: «بروحي وما روحي سوى خفقة الورى/ أعاصير هبت تبتغي الشعر معبراً»، أو الواثق يونس المفتون بروح الشعر: «من هنا يبدأ الصاعدون/ إلى الزرقة الأبدية رحلتهم فارهين/ تترقرق ذائبة في شفاه الكؤوس/ ابتسامتهم والشجون/ وتحرسهم نجمة عالية». والواثق على الرغم من جمالية ما يكتب، فإنه دائماً يرغب في أن ينادى عليه بالفيتوري الصغير، حباً وتعلقاً بمحمد مفتاح الفيتوري، حتى أن أصدقاءه دائماً ما يمازحونه بهذا الطرح. وهناك كثير من الشعراء السودانيين الذين انصهروا بالشعر، فشكلوا جيلاً صلداً مؤمناً بقضية الشعر وأهميته، ومنهم: إدريس نور الدين، وحاتم الكناني، والواثق يونس، وأسامة تاج السر، والسر مطر، ومحمد عبد الباري الذي يختط له اسماً كبيراً في الشعرية العربية. أما الظاهرة الأخرى، فهي الشواعر السودانيات، حيث وجدتُ عدداً بهياً منهن يحتل مكانة ممتازة في الشعرية السودانية، ويتحركن بحرية عالية في كتابة الشعر ونشره، وفي الحضور في الملتقيات العامة، وأنا أعتقد أن وجود الشواعر هو دليل عافية للثقافة في السودان، ذلك أنه كلما نبتت شاعرة في بلد ما، فإنَّها تشكل وخزة في بالون العادات المتحجرة. ومن الشواعر السودانيات اللواتي فرضن حضوراً رائعاً في الأوساط الثقافية ابتهال تريتر، ومنى حسن، وروضة الحاج، ومناهل فتحي، ودينا الشيخ، ووئام كمال الدين، وشيريهان الطيب. والأخيرة يعدونها آخر عنقود الشواعر السودانيات. ولو تمثلتُ بنصوص لتلك الشواعر المهمات لما اكتفينا بمقالة أو مقالتين، ولكني أورد هذه الأسماء -وقطعاً هناك أسماء أخرى أغفلتها سهواً- للتدليل على أهمية المشهد الشعري وحيوية عافيته في بلد ربما غفل الإعلام الثقافي أن يسلط عليه بعضاً من الضوء، ولهذا ضاعت علينا جواهر كثيرة.
ما لاحظته أيضاً أن بيت الشعر في السودان شكل رديفاً للمؤسسات الثقافية الرسمية هناك، فقد وجدته حاضنة لمعظم إبداعات السودانيين، ممتلئاً بورش عمل نقدية وجمالية.



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».