ألمانيا ستُعيد «برونزيات بنين» إلى نيجيريا

في محاولة لنفض غبار التاريخ الاستعماري عن كاهلها

عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)
عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)
TT

ألمانيا ستُعيد «برونزيات بنين» إلى نيجيريا

عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)
عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)

أعلنت وزارة الثقافة الألمانية، مساء الخميس الماضي، أن الحكومة الألمانية تعتزم البدء في إعادة عدد كبير من القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن، المعروفة باسم «برونزيات بنين»، من مختلف المتاحف الألمانية إلى نيجيريا بدءاً من العام المقبل.
وتتناثر القطع الأثرية المذكورة التي كان الجيش البريطاني قد نهبها في غارة عسكرية شُنت على مدينة بنين، فيما بات يُعرف اليوم بدولة نيجيريا، في عام 1897، بين عدد من المتاحف والمجموعات الخاصة في مختلف أرجاء العالم. ويأتي الإعلان الألماني الأخير، وهو الأول من نوعه من قبل الحكومة الوطنية، متبوعاً بجدول زمني محدد للتسليم، في الآونة التي يتزايد فيها الزخم على جانبي الأطلسي بشأن أحقية إعادة القطع الأثرية المنهوبة إلى مواطنها الأصلية.
وقد توصل المسؤولون الحكوميون مع المشرعين الإقليميين، رفقة مديري المتاحف في ألمانيا، إلى اتفاق ينص على التزام المؤسسات الألمانية التي تستحوذ على المئات من القطع الأثرية البرونزية المذكورة بالشروع في التواصل مع الجهات النيجيرية المعنية، مع بلوغ الحد في السعي والجهد لإنجاز مهمة إعادة الدفعة الأولى من تلك القطع إلى موطنها الأصلي بدءاً من العام المقبل.
وصرحت مونيكا غروترز، وزيرة الثقافة الألمانية، في بيان صحافي صادر عنها: «نحمل على كاهلنا مسؤولية تاريخية وأخلاقية ثقيلة تقتضي منا تسليط الأضواء على ماضي البلاد الاستعماري، ولزوم التصالح معه، والبدء بتناول مسألة برونزيات بنين هي أول اختباراتنا الحقيقية في ذلك الصدد».
ومن شأن القطع البرونزية الأثرية (التي على الرغم مما يشير إليه اسمها هي من العناصر المتعددة المصنوعة من مواد العاج والنحاس والخشب) أن يستقر بها المقام في متحف «إيدو» لفنون غرب أفريقيا في مدينة بنين، ذلك الذي يعكف المهندس المعماري ديفيد أدجاي على تصميمه وبنائه، بالإنابة عن مؤسسة «ليجاسي ريستوريشن ترست» الثقافية، وهي المؤسسة التي تمثل الحكومة النيجيرية، والسلطات الإقليمية، بالإضافة إلى الديوان الملكي في بنين.
ويأمل الصندوق الثقافي سالف الذكر في افتتاح المتحف في عام 2025، على الرغم من تكرار إرجاء الجدول الزمني للانتهاء من أعمال البناء عدة مرات في السابق.
وقد رحب السيد فيكتور إيخامينور، كبير أمناء الصندوق الثقافي النيجيري، بالإعلان الصادر عن الحكومة الألمانية، وأفاد في مقابلة أجريت معه عبر الهاتف مؤخراً بأنه «إن قُدر لهذه الخطوة النجاح، فلسوف تكون بمثابة خريطة طريق ثقافية لجهات وأناس آخرين».
ومن شأن وزارة الثقافة الألمانية نشر قائمة تشتمل على مقتنيات مجموعة «برونزيات بنين» كافة الموزعة عبر مختلف المتاحف الألمانية بحلول الثلاثاء الموافق 15 يونيو (حزيران) المقبل، وذلك بموجب الإعلان الرسمي الموقع عليه في اجتماع يوم الخميس الماضي. وستُطرح تفاصيل تتعلق بأصول ومصادر القطع الأثرية بحلول نهاية العام الحالي، بما في ذلك ما إذا كانت قد وصلت إلى البلاد بطريقة مشروعة أو نُهبت من موطنها الأصلي خلافاً لذلك. ولقد أكد الإعلان المشار إليه أن الحكومة الألمانية تأمل في الاحتفاظ بعدد من القطع البرونزية لعرضها في متاحف البلاد.
ومن جانبه، نفى السيد إيخامينور اعتراضه على بقاء بعض العناصر لعرضها في ألمانيا، لا سيما مع إتمام إجراءات نقل الملكية القانونية إلى متحف مدينة بنين، وأضاف معلقاً: «نهتم كثيراً بالتواصل الثقافي العالمي مع مختلف البلدان، ما دام أنه يجري ضمن إطار متبادل من الاحترام والإنصاف، إذ لم نعد نتحمل أن نكون مجرد جزء من بنية استعمارية خارجية قميئة».
وكثيراً ما حاول الشعب الألماني أن ينفض عن كاهله غبار التاريخ النازي البغيض، غير أن مجال النقاش العام قد تحول خلال السنوات الأخيرة إلى فحص الدور الاستعماري الألماني في قاراتي أفريقيا وآسيا، وفي المحيط الهادئ. وفي عام 2019، وقعت الأقاليم الألمانية الستة عشر، وهي المتحملة لمسؤولية الشؤون الثقافية، على اتفاقية تقضي بالتزامها بالعمل على إعادة القطع الأثرية المنهوبة من المستعمرات الألمانية السابقة في الخارج.
وبدأت في المملكة المتحدة التي شن جيشها الاستعماري الغارة سالفة الذكر على بنين في عام 1897 الخطوات الرامية إلى إعادة القطع الأثرية البرونزية التي تستحوذ عليها المؤسسات، وليس الحكومة البريطانية. وفي مارس (آذار) الماضي، نشر متحف «هورنيمان» في العاصمة لندن الذي يضم بين جنباته 49 قطعة أثرية من مجموعة «برونزيات بنين» وثيقة رسمية، أعلن بمقتضاها النظر في إمكانية إعادة أي قطعة من القطع الأثرية ضمن المجموعة التي استحوذ عليها بالقوة أو بالنهب. وبعد ذلك بأيام قليلة، أعلنت جامعة أبردين في اسكوتلندا عن اعتزامها إعادة «منحوتة أوبا» أو «الحاكم» المملوكة بالأساس لمملكة بنين، وهي التي كانت قد نُهبت في غارة للجيش البريطاني عام 1897.
وعلى الرغم من ذلك، فهناك عدد من أكبر المتاحف في المملكة المتحدة -مثل المتحف البريطاني الذي يضم أكثر من 900 قطعة من أفضل القطع الأثرية في مجموعة «برونزيات بنين»- يخضع في نظامه الأساسي للوائح صادرة عن البرلمان البريطاني، ولا يملك حق إعادة أي قطعة من مقتنيات المتحف بصفة دائمة من دون إجراء تعديل تشريعي سابق بهذا الخصوص. ولم تصدر استجابة من قبل وزارة الثقافة البريطانية على طلب التعليق، أول من أمس (الجمعة).
ويعد المتحف البريطاني عضواً ضمن «مجموعة بنين الحوارية»، وهي شبكة من المتاحف الأوروبية نظمت لقاءات مع ممثلين من نيجيريا منذ أكثر من 10 سنوات بغرض ما يمكن القيام به بشأن مجموعة «برونزيات بنين». وتساعد «مجموعة بنين الحوارية» كذلك في أعمال تطوير متحف «إيدو» لفنون غرب أفريقيا، كما تساهم في تمويل وتوفير القدرات البشرية المعنية بالأعمال الأثرية في موقع المتحف التي من المقرر أن تبدأ في خريف العام الحالي.
ووصف إيخامينور موقف المتحف البريطاني من محادثات استعادة القطع الأثرية المنهوبة بأنه مثل طاهي أحد المطاعم الشهيرة الذي يرفض إعداد أطباق الطعام! وأضاف: «إن وجود تلك القطع بحوزة المتحف البريطاني لم يسفر أبداً عن نوع المناقشات التي بلغت مسامعنا عن متاحف أخرى مماثلة في أوروبا. وإن كانت ألمانيا تحاول البحث عن وسيلة لإجراء هذه المناقشات، فأعتقد أنه حري بالجانب البريطاني الشروع في ممارسة مماثلة»، وتابع أنه يأمل في أن يغير الإعلان الثقافي الألماني الرسمي من مستجدات الأمور.
ومن ناحيتها، أقرت الناطقة الرسمية باسم المتحف البريطاني، في بيان لها، بأن الاستحواذ الأول على القطع الأثرية البرونزية جرى في ظل ظروف من النهب والدمار، وأضافت أن الأمر قد شُرح ووُضح في بيانات القطع المعروضة بالمتحف، فضلاً عن الموقع الإلكتروني الرسمي للمتحف أيضاً.
وفي حين دخلت المتاحف الأوروبية في حوارات مفتوحة مع نيجيريا منذ سنوات بذلك الشأن، شرعت المؤسسات الأميركية المناظرة في الآونة الأخيرة فقط في اتخاذ بعض الخطوات بشأن القطع البرونزية المحفوظة لدى متاحفها. وتواصلت إدارة متحف «فاولر»، التابع لجامعة كاليفورنيا، مع المسؤولين في نيجيريا بشأن مستقبل 18 قطعة من مجموعة «برونزيات بنين» الأثرية التي يحتفظ بها المتحف ضمن مقتنياته، حسبما أفادت به مارلا سي. بيرنز مديرة المتحف.
وصرحت كريستين كريمر، نائب مدير المتحف الوطني للفنون الأفريقية، بأن مؤسسة «سميثسونيان» الأميركية قد شكلت مجموعة عمل معنية بتطوير سياسات جديدة إزاء فنون الحقبة الاستعمارية، والقطع الأثرية المنهوبة ضمن مجموعاتها الفنية. وأضافت أن هناك 42 قطعة من مجموعة «برونزيات بنين» في متحفها، على الرغم من عدم الاستحواذ عليها بالنهب في المقام الأول، كما توجد بعض القطع أيضاً لدى متاحف أخرى تابعة لمؤسسة «سميثسونيان»، مثل المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي. وأشارت إلى أن الاجتماع الأول لمجموعة العمل المذكورة سيكون خلال الأسبوع المقبل.
واستطردت كريمر تقول: «اتخذت المتاحف الأميركية خطوات بطيئة بعض الشيء في المضي قدماً في هذا المسار. ولقد حان الوقت الآن لتصحيح الأوضاع»، في إشارة منها إلى عدم ضلوع الولايات المتحدة في المساعي الاستعمارية الأوروبية القديمة.
ولم يصدر أي إعلان أو بيان رسمي من جانب متحف «متروبوليتان» الأميركي بشأن جهود إعادة القطع الأثرية إلى مواطنها، وهو الذي يضم بين مقتنياته 150 قطعة أثرية من مدينة بنين، بما في ذلك قناع شهير من العاج. وقال المتحدث باسم المتحف في تصريح يوم الخميس: «وصلت هذه القطع والأعمال الفنية إلى المتحف في الفترة بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي على أيدي أشخاص كانوا قد استحوذوا عليها من مختلف المعارض والأسواق الفنية»، وأضاف أن المتحف على دراية كاملة بخطة الإعادة الألمانية الجديدة.
وقال إيخامينور إن موقف متحف «متروبوليتان» يكتنفه التردد والغموض، تماماً مثل موقف المتحف البريطاني بشأن هذه القطع الأثرية، غير أنه أكد ضرورة التواصل مع المؤسسات الأميركية بهذا الشأن في الوقت المناسب.
وفي السياق، يقول فيليب إيناتشو، الممول الذي يقود حملة جمع التبرعات من أجل متحف «إيدو» لفنون غرب أفريقيا، في مقابلة هاتفية، إن الاستعدادات الجديدة لدى عدد من الحكومات والمتاحف لإجراء الحوارات بشأن إعادة مجموعة «برونزيات بنين» الأثرية كانت بمثابة التغيير العاصف لقواعد العمل المعروفة، و«في ظل الزخم الراهن الذي يبدو كالقوة الدافعة وراء عدد من المناقشات الأخيرة، فإننا نشعر بقدر كبير من الثقة في أن التصلب والمجابهة لم يعودا مفيدين في إقناع الآخرين بإعادة ما فُقد منذ عقود، بل يكمن التحدي الجديد في كيفية بناء المؤسسة الثقافية الجديرة باقتناء واحترام والمحافظة على تلك المقتنيات ذات الأهمية».



مَشاهد امتزج فيها الفرح بالغرابة... كيف أعادت باريس سيلين ديون إلى الحياة؟

TT

مَشاهد امتزج فيها الفرح بالغرابة... كيف أعادت باريس سيلين ديون إلى الحياة؟

الفنانة الكندية سيلين ديون أمام مقر إقامتها في باريس حيث تجمّعات يومية للمعجبين (غيتي)
الفنانة الكندية سيلين ديون أمام مقر إقامتها في باريس حيث تجمّعات يومية للمعجبين (غيتي)

اختتمت سيلين ديون الجولة الأولى من حفلاتها الباريسية. اعتلت المسرح 16 ليلة ما بين سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول). غنّت ورقصت وقفزت أمام جمهور بلغ عدده الإجمالي 560 ألف شخص تقريباً، بمعدّل 35 ألفاً في الليلة. فرحت كما لم تفرح منذ 4 سنوات، أي منذ تشخيصها بمتلازمة الشخص المتيبّس، واضطرارها للصمت عن الغناء والابتعاد عن المسارح.

لم تتصوّر سيلين ديون لعودتها عنواناً سوى باريس، تلك المدينة التي شهِدت على بداياتها، وآمنت بصوتها، فأطلقتها إلى الأضواء. مع أولادها الثلاثة، رينيه شارل وإدي ونيلسون، وصلت المغنية الكنَديّة إلى العاصمة الفرنسية قبل أسبوعين على انطلاق حفلاتها، وتحديداً في 28 أغسطس (آب) 2026. ومنذ لحظة وصولها، تحوّل مدخل الفندق، حيث مقرّ إقامتها، إلى مسرحٍ صغير، يشهد أكثر من احتفاليّة يوميّة على شرفِها. كلما خرجت سيلين من الباب أو عادت إلى الفندق بعد تمارينها في ميدان «لا بلينيتود»، وجدت عشرات المعجبين بانتظارها، يغنّون لها ومعها.

تحوّل مدخل الفندق الذي تقيم فيه ديون إلى مسرح مصغّر جمعها يومياً بمحبّيها (رويترز)

سيلين ديون تولد مرتَين... في باريس

في الحقائب التي تسافر معها إلى منزلها في نيفادا الأميركية، لن توضّب ديون أزياء الحفلات المبهرة فحسب، بل ذكرياتٍ استثنائية وثّقت الكاميرا معظمها. كلّما شاهدت الفنانة العالمية تلك الفيديوهات، ستتذكّر أنّ باريس منحتها ولادة جديدة. مثلما آمنت بها فتاةً مراهقة صاحبة حنجرة ماسيّة عام 1982، عادت ومنحتها الثقة بعد الانكسار لكن بفارق 44 عاماً.

في شبَهٍ واضح مع عنوان أغنيتها «Loved me Back to Life»، فإنّ حبّ باريس أعادَ سيلين ديون إلى الحياة. رأى البعض في تصرّفاتها أمام الفندق وعلى المسرح كثيراً من المبالغة، مستغرِبين فائض حماسها في الرقص والتعبير. في حين رأى محبّوها أنّ طاقتها الطافحة تلك ليست سوى شكلٍ من أشكال الاحتفاء بالحياة بعد موسم طويل من الحزن والألم.

ديون لا تهرب من معجبيها

استبَقت سيلين ديون الافتتاح الرسمي لحفلاتها في باريس، بإقامة ما يُشبه الحفل المصغّر يومياً أمام مدخل «رويال مونسو». لم تتصرَّف كما يفعل النجوم عادةً، هاربةً من الكاميرات ومتجنّبةً لقاء المعجبين ومختبئةً في ظلِّ مرافقيها، إنما استخفّت بالتدابير الأمنية المواكِبة لتحرُّكاتها وأمضت دقائق طويلة مع محبّيها المتحلّقين أمام الفندق.

بات هذا الموعد اليوميّ قبل الانطلاق إلى التمارين وبعدَه، محطّةً محبّبةً ومنتظَرةً لدى ديون. فهي كانت بحاجة إلى تلك اللقاءات العفوية مع الناس، للتأكّد من أنهم ما زالوا يحبّونها ويحفظون أغانيها.

لم تكتفِ ديون بالغناء معهم، بل وجدت ما يكفي من الوقت للإصغاء إليهم وتبادل الحديث معهم والردّ على أسئلتهم وتقييم أصواتهم. حتى إنها في إحدى الليالي، وبعدما لفتَها صوت أحدِهم ويُدعى «ساشا»، اقتربت منه للإصغاء بإمعان إلى غنائه ثم طلبت رقم هاتفه في إشارة واضحة إلى رغبتها في دعم موهبته.

سيلين ديون حافية فوق سيارة

لم تحظَ تصرّفات سيلين ديون أمام الفندق بالإجماع، فالبعض رأى فيها مبالغةً، مستغرباً حركاتها الراقصة. ولعلّ أكثر المَشاهد إثارةً للاستغراب، هو الذي سُجِّل عقب حفلتها الثالثة في 18 سبتمبر، حيث فاجأت المعجبين المتجمهرين أمام الفندق بأن خلعت حذاءها وتسلّقت سيارة مركونة في المكان، راقصةً على سطحها حافية القدمَين.

على نغمات «Pour que tu m’aimes encore»، غنّت سيلين ورقصت حتى إنها تمدَّدت فوق غطاء المحرّك في مشهدٍ تمثيليّ، ولم تنزل سوى بعد انتهاء الأغنية، مثيرةً الذهول والفرح في آن.

سيلين ديون والتفّاحة الحمراء

في مسيرةٍ موسيقية تجاوزت العقود الأربعة، لم تصل العلاقة بين سيلين ديون وجمهورها إلى ما وصلته من صلابةٍ ودفء خلال إقامتها الباريسية. وكأنّ المغنية العالمية بلغت ما يكفي من نضجٍ إنساني وفني، لمعرفة أنّ الرابط الأهمّ الذي ينسجه الفنان هو مع جمهوره.

في محطتها الباريسية الطويلة، حرصت على أن يصبح معجبوها الوافدون من مختلف أنحاء العالم، جزءاً من يومياتها. قبلت هداياهم الصغيرة، على رأسها التفّاحة الحمراء المغمّسة بالسكّر، رمز القلب النابض بالحب. وبعد أن ظهرت مراتٍ عدّة أمامهم بكامل عفويّتها، وبعد أن قدَّمت إليهم أبناءها الثلاثة، عرَّفتهم على كلبتها الصغيرة «ماديسون».

سيلين ديون: I’m Alive

كل عرضٍ من العروض الـ16 التي أحيَتها سيلين ديون في باريس، تحوّل إلى لقاءٍ مؤثّر مع الجمهور. وتبقى ليلة الافتتاح في 12 سبتمبر محطّة مفصليّة في سجلّ الفنانة، ليس فقط لأنها وضعت خلالها الحجر الأساس لولادتها الثانية، بل كذلك لأنها أفصحت من دون خجل عن تأثّرها وشوقها.

على مسرحٍ باريسيٍّ ضخم وأمام أكثر من 30 ألف متفرّج، وقفت ديون حاملةً 4 سنوات من الآلام التي يبّست عضلاتها وزعزعت أعصابها وأفقدتها القدرة على الغناء. استسلمت لدموعها سائلةً الحاضرين، ومن بينهم عدد كبير من المشاهير، ما إذا كانوا يسمعون خفقان قلبها.

سيلين ديون ليلة افتتاح حفلاتها الباريسية في 12 سبتمبر 2026 (إنستغرام الفنانة)

اكتملت الفرحة الباريسية في قلب ديون، عندما لبّت دعوة عرض أزياء شركة «لوريال» ضمن أسبوع باريس للموضة فغنّت في ظلِّ برج إيفل. ولم يأتِ خيار الأغنية في تلك الليلة عن عبث، فأدّت الفنانة «I’m Alive (أنا على قيد الحياة)». محاطةً بأضواء باريس وبنجمات التمثيل وعرض الأزياء اللواتي احتفين بها، بدت ديون بكامل سعادتها.

سيلين ديون... ثروة باريسية

قبل أيام من وداعها باريس، سقطت سيلين ديون خلال أدائها على المسرح. كانت تقفز راقصةً على رجلٍ واحدة فتعثّرت بسروالها. إلّا أنها سرعان ما نهضت مبتسمةً ومواصلةً الغناء كأنّ شيئاً لم يكن. في تلك اللحظة، ساندَها الجمهور في الغناء وقد تكرر الأمر عندما نسيت كلمات أغنية ثانية.

في باريس، بلغ التضامن بين سيلين ديون وجمهورها ذروته، وهي تجدِّد الموعد معه في مايو (أيار) 2027. وإذا كانت باريس هي المدينة التي أعادت الحياة إلى ديون فإنّ الأخيرة منحتها في المقابل هديةً كبرى، إذ تُقدَّر عائدات حفلاتها ما بين 800 ألف و1.2 مليون يورو.


أطباء يُحدِّدون أفضل العلاجات لتخفيف الهبَّات الساخنة

مفاهيم خاطئة عن العلاج الهرموني تُقلّل رغبة بعض المريضات في استخدامه (آنسبيلاش)
مفاهيم خاطئة عن العلاج الهرموني تُقلّل رغبة بعض المريضات في استخدامه (آنسبيلاش)
TT

أطباء يُحدِّدون أفضل العلاجات لتخفيف الهبَّات الساخنة

مفاهيم خاطئة عن العلاج الهرموني تُقلّل رغبة بعض المريضات في استخدامه (آنسبيلاش)
مفاهيم خاطئة عن العلاج الهرموني تُقلّل رغبة بعض المريضات في استخدامه (آنسبيلاش)

أوصت مجموعة رائدة من الأطباء في الولايات المتحدة بأن يكون العلاج الهرموني الخيار الأول لتخفيف حدة الهبّات الساخنة والتعرق الليلي ومشكلات النوم الناجمة عنهما.

وقد أصدرت «الكلية الأميركية لأطباء النساء والتوليد» (ACOG)، وهي منظمة طبية مهنية رائدة تضم أطباء متخصصين في صحة المرأة في الولايات المتحدة وخارجها، الخميس، مجموعة من التوصيات الجديدة التي تُعد الأكثر تفصيلاً حول مرحلة انقطاع الطمث.

ووفق ما نشره موقع «هيلث داي»، الجمعة، نقلاً عن صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، فقد صنَّفت الكلية التوصية بالعلاج الهرموني ضمن فئة التوصيات «القوية»؛ إذ ترى أن فوائده تفوق مخاطره لدى معظم النساء اللواتي يعانين من هذه الأعراض. غير أن هذا التقييم لا ينطبق على النساء اللواتي لديهن أسباب طبية تمنعهن من استخدام الهرمونات، مثل وجود تاريخ مرضي للإصابة بجلطات دموية أو سكتة دماغية أو أنواع معينة من السرطان.

وتشير بيانات الكلية إلى أن ما بين 50 و92 في المائة من النساء في مرحلة انقطاع الطمث يعانين من الهبَّات الساخنة أو التعرق الليلي، كما تُعد اضطرابات النوم والاكتئاب من المشكلات الشائعة خلال هذه المرحلة العمرية.

وبالنسبة إلى النساء اللواتي يخترن اللجوء إلى العلاج الهرموني، تنصح الكلية ببدء استخدامه قبل سن الستين، أو في غضون 10 سنوات من بداية مرحلة انقطاع الطمث. وينبغي أن يستند هذا القرار إلى تقييم دقيق لأعراض المرأة وعمرها وتاريخها الصحي، وما إذا كان لديها أي عوامل خطر تتعلق بأمراض القلب أو سرطان الثدي أو الجلطات الدموية.

ويُمثّل هذا توجهاً جديداً مقارنة بتوصيات الكلية الصادرة عام 2014، التي كانت تحث الأطباء على وصف أقل جرعة ممكنة، ولأقصر فترة زمنية ممكنة. أما التوجيهات الجديدة فتدعو إلى إجراء متابعات دورية بدلاً من فرض قيود صارمة؛ إذ قد تحتاج بعض النساء إلى الاستمرار في تناول الهرمونات حتى بعد سن الستين إذا استمرت الأعراض، بحسب ما أوردته «نيويورك تايمز».

غالبية النساء يُعانين من الهبَّات الساخنة خلال انقطاع الطمث (أدوب ستوك)

وفي بيان صحافي صادر عن الكلية، الخميس، قال الدكتور بروس بير، أحد المشاركين في إعداد هذه التوجيهات: «للأسف، أدت المفاهيم الخاطئة حول مخاطر العلاج الهرموني إلى التأثير سلباً على استعداد بعض الأطباء لوصفه، وكذلك على رغبة بعض المريضات في استخدامه».

أما بالنسبة إلى النساء اللواتي لا يستطعن تناول الهرمونات أو لا يرغبن في ذلك، فتشير الكلية إلى فئة أحدث من الأدوية غير الهرمونية التي تعمل على حجب إشارات معينة في الدماغ، ومنها عقارا «فيزولينيتانت» (fezolinetant)، و«إلينزانيتانت» (elinzanetant). كما يمكن لبعض مضادات الاكتئاب أن تساعد في تخفيف الهبَّات الساخنة، إلى جانب علاج الاكتئاب.

وتشمل الخيارات غير الدوائية العلاج المعرفي السلوكي، وممارسة تدريبات اليقظة الذهنية، والنشاط البدني، والتنويم المغناطيسي، والوخز بالإبر.

وتشير الكلية إلى أن هذه الوسائل تحقق عادة أفضل النتائج عند استخدامها إلى جانب الأدوية، رغم أن صحيفة «ذا تايمز» أشارت إلى أن الأدلة الداعمة لبعضها لا تزال محدودة. أما الإستروجينات النباتية والمكملات العشبية، فلم تُدرج ضمن التوصيات؛ إذ لا توجد أدلة تثبت سلامتها أو فاعليتها، كما أنها لا تخضع لاختبارات السلامة من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)، وفقاً لما ذكرته الكلية.

وتشير التوجيهات أيضاً إلى أن عوامل مثل العِرق والثقافة ومستوى الدخل يمكن أن تؤثر في تجربة النساء خلال مرحلة انقطاع الطمث، وكذلك في طبيعة الرعاية الصحية التي يتلقينها.

وفي تصريح لصحيفة «ذا تايمز»، قالت الدكتورة جوان مانسون، أستاذة الطب في كلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية: «هناك توافق متزايد بين الجمعيات المهنية على ضرورة علاج أعراض انقطاع الطمث، وأن العلاج الهرموني يجب أن يكون خط الدفاع الأول».


«تينزينغ»... مَن الأبطال الحقيقيون لإيفرست؟

لقطة من فيلم «تينزينغ» للمخرجة جينيفر بيدوم (أبل تي في)
لقطة من فيلم «تينزينغ» للمخرجة جينيفر بيدوم (أبل تي في)
TT

«تينزينغ»... مَن الأبطال الحقيقيون لإيفرست؟

لقطة من فيلم «تينزينغ» للمخرجة جينيفر بيدوم (أبل تي في)
لقطة من فيلم «تينزينغ» للمخرجة جينيفر بيدوم (أبل تي في)

يتميز فيلم «تينزينغ (Tenzing)» للمخرجة جينيفر بيدوم بطابعٍ مهيبٍ ومؤثرٍ في لحظاتٍ كثيرة، ويحمل في طياته صدقاً كلاسيكياً يبعث على الألفة والارتياح، كما كتبت جانيت كاتسوليس (*). يتناول الفيلم قصة شخصية حقيقية، وهي «تينزينغ نورجاي» (يؤدي دوره جيندن فونتسوك)، المتسلق النيبالي - الهندي الذي أصبح - إلى جانب السير إدموند هيلاري (يؤدي دوره توم هيدلستون) - واحداً من أوائل الأشخاص الذين وصلوا إلى قمة جبل إيفرست عام 1953. لا يندرج الفيلم تحت تصنيف السيرة الذاتية التقليدية، ولا هو مجرد قصة مغامراتٍ مثيرة (إذ يغلب عليه طابعٌ يتسم بالرصانة والأسلوب البريطاني المتحفظ)؛ بل هو تصويرٌ دراميٌ لشغفٍ عميقٍ ومستحوذٍ في حياة رجلٍ واحد.

لقطة من فيلم «تينزينغ» يظهر فيها جيندن فونتسوك في دور «تينزينغ نورجاي» وتوم هيدلستون في دور السير إدموند هيلاري (أبل تي في)

في طفولته عام 1924 على هضبة التبت، يراقب تينزينغ - بكل انبهارٍ وتركيز - «رجالاً قادمين من أماكن بعيدة» وهم يستعدون لتسلق الجبل الذي لا يعرفه سوى باسمه التبتي: «تشومولونغما». ومن بين هؤلاء الرجال المتسلق الإنجليزي جورج مالوري (يؤدي دوره جوني فلين) - الذي لقي حتفه خلال ذلك الصعود-، حيث أدى لقاءٌ عابرٌ بينه وبين تينزينغ إلى إشعال حلمٍ سرعان ما تحوَّل إلى هوسٍ يلازمه. وبعد نحو 3 عقود، قاد هذا الدافع تينزينغ -الذي أصبح حينها متسلقاً متمرساً- ليصبح كبير «الشيربا» في بعثة هيلاري. وضع هذا الدور تينزينغ في حالةٍ من التخبط؛ فهو ليس عضواً في فريق التسلق البريطاني، وفي الوقت ذاته لا ينتمي عرقياً إلى قومية «الشيربا»، مما جعله يبدو غريباً في نظر كلا الطرفين. ومع أن ذكاءه وقدراته الاستثنائية في التسلق منحاه التقدير والترقية، فإن المخرجة جينيفر بيدوم - في أولى تجاربها الروائية الطويلة بعد سلسلة من الأفلام الوثائقية عن تسلق الجبال - تظل مدركةً تماماً للفوارق الطبقية التي اتسمت بها البعثة، ولنبرة العنصرية التي لم تكن خفيةً على الإطلاق.

توم هيدلستون في لقطة من فيلم «تينزينغ» (أبل تي في)

صُوِّر فيلم «تينزينغ (Tenzing)» في نيبال ونيوزيلندا، ويضفي طابعاً مهيباً وبارداً على منحدرات جبل إيفرست الخطرة؛ حيث تؤكد عدسة المصور ستيفان دوشيو، إيمانَ تينزينغ بالقوة الروحية الغامضة للجبل. غير أن السيناريو - الذي كتبه لوك ديفيز - يعتمد بشكل مفرط على استرجاعات زمنية (فلاش باك) مربكة، ويُلحّ كثيراً على إبراز الرابط الروحي بين تينزينغ والجبل، مما يجعل الشخصيات الأخرى تبدو باهتةً وغير ذات أهمية؛ فمثلاً، يظهر «هيلاري» - وهو نيوزيلندي مهذب - بشخصية متحفظة للغاية لدرجة أنني نسيت وجوده في بعض المشاهد. ومما يصعب تجاهله أيضاً هو شخصية «العقيد هانت» التي يؤديها ويليم دافو؛ فهو قائد البعثة الذي يبدو في غاية الجمود والصرامة. وبغض النظر عن رأيك في الوضع الراهن لجبل إيفرست وما آل إليه من تدهور، فلا شك أن تينزينغ الذي كان، إلى جانب «هيلاري»، أول مَن سلك «الحافة الجنوبية الشرقية» الشهيرة للجبل، وهي المسار الذي شهد كارثة مروعة عام 2014 - يستحق هذا الاهتمام. ورغم أن الفيلم يضفي عليه صبغة مثالية قد تبدو مبالغاً فيها، فإن أداء «فونتسوك» يتسم بالتواضع والبهجة، مما يجعل المُشاهد يتقبل هذا التصوير بسهولة. وسواء كان يشق طريقه وسط رياح موسمية عاتية أو ينتشل «هيلاري» من صدع جليدي خطير، يظهر «تينزينغ» كرجل يعيش حياته بأفضل صورها.

جيندن فونتسوك وتوم هيدلستون في «تينزنغ» (أبل تي في)

وعلى أي حال، فإن النزعة التبجيلية في الفيلم تتوازن بفضل جماليته الكلاسيكية، وطريقته التي تتسم بالوقار - وأحياناً بالقدرة على حبس الأنفاس - في تصوير المخاطر. قد يكون «تينزينغ» في رحلة بحث روحية، لكن «الشيربا» (سكان الجبال) لا يخدعون أنفسهم بشأن مكانتهم أو طبيعة علاقتهم بقادتهم الأجانب الذين يفرضون سطوتهم عليهم. فهم يتمتعون بالفطنة واللسان اللاذع، ويدركون تماماً أن مهاراتهم وما يتحملونه من مشاق لا تخدم سوى تضخيم غرور هؤلاء الأجانب، الذين «يحظون بفرصة التظاهر بأنهم أبطال». ومن خلال تعاطفه الهادئ، يحرص فيلم «تينزينغ» على أن يوضح لنا مَن هم الأبطال الحقيقيون.

* خدمة «نيويورك تايمز»