حاكم كاليفورنيا الديمقراطي يدفع ثمن الثقل السياسي لولايته

حاكم كاليفورنيا الديمقراطي يدفع ثمن الثقل السياسي لولايته

بعد نجاح الجمهوريين في جمع الأصوات للاستفتاء على عزله
السبت - 19 شهر رمضان 1442 هـ - 01 مايو 2021 مـ رقم العدد [ 15495]

بدءاً من يوم الاثنين، من المقرر أن تباشر سلطات ولاية كاليفورنيا الإجراءات القانونية لعملية سحب الثقة من حاكمها الديمقراطي غافين نيوسوم، في خطوة من شأنها أن تنهي ولايته الأولى قبل سنة من أوانها. وتأتي هذه الخطوة بعد نجاح حملة ضده أطلقتها مجموعات سياسية متعددة الانتماءات، على رأسها جمهوريو الولاية، وكذلك من ناشطين بينهم جماعات من حزب «الخضر» ومدافعون عن المثليين وبعض الديمقراطيين، في جمع أكثر من 1.62 مليون توقيع على عريضة.
جامعو التواقيع دعوا الكاليفورنيين إلى سحب الثقة من الحاكم عبر الرد على سؤالين متصلين: هل ينبغي سحب الثقة من نيوسوم؟ ومن يجب أن يحل محله؟ وإذا صوتت الأغلبية بـ«نعم»، فسيخسر منصبه، بينما سيحدد جواب الناخبين على السؤال الثاني، اسم الحاكم الجديد.
تعرض غافين نيوسوم منصب حاكم ولاية كاليفورنيا، كبرى الولايات المتحدة الأميركية وأغناها، منذ تولى منصبه لاستدعاءات عدة لنزع الثقة منه، غير أنها فشلت كلها. لكن في 21 فبراير (شباط) 2020، قدم أورين هيتلي وهو نائب مسؤول الشرطة في مقاطعة يولو بكاليفورنيا عريضة، تتهم الحاكم بأنه «يفضل المهاجرين غير الشرعيين». وتضيف العريضة التي تعبر عن تيار اليمين المتشدد «أن كاليفورنيا فيها نسبة مشردين وضرائب مرتفعة ونوعية حياة متدنية» وغيرها من التهم. وفي 10 يونيو (حزيران) 2020، وافق أمين الولاية على تقديم العريضة لجمع التواقيع عليها، وهي تتطلب الحصول على 1.49 مليون توقيع لإجراء الاستفتاء.
وتجدر الإشارة هنا، إلى أنه سبق لولاية كاليفورنيا التي تزايد ولاؤها للديمقراطيين في السنوات الأخيرة، أن شهدت استفتاءً مشابها عام 2003. إذ صوت الناخبون على سحب الثقة من حاكمها الديمقراطي أيضا غراي ديفيس، وانتخبوا بدلاً منه نجم أفلام هوليوود وبطل كمال الأجسام الشهير أرنولد شوارتزنيغر، مرشح الحزب الجمهوري، الذي بقي في منصبه حتى أوائل عام 2011.


معركة «كسر عظم»
هي إذن معركة «كسر عظم» سياسية بين الجمهوريين والديمقراطيين، للسيطرة على أكبر ولاية أميركية، سواءً من حيث عدد السكان أو الحجم الاقتصادي والسياسي، في لحظة يحتدم فيها الانقسام السياسي والحزبي بشكل لم تشهده الولايات المتحدة منذ عقود. إذ أن من شأن السيطرة على كاليفورنيا تغيير الكثير من الاتجاهات السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية، في ولاية تقود المعايير التي تعتمدها الكثير من الولايات الأميركية، في مجالات جودة الإنتاج، والطاقة، والبحث العلمي، والموافقات على رخص الشهادات وقضايا البيئة وغيرها من القضايا الاجتماعية، كالعلاقة مع مجتمع المثليين ومع قضية الإجهاض وتعاطي الماريغوانا.
في الواقع، بدأت الحملة لإقالة نيوسوم إبان حكم الرئيس السابق دونالد ترمب، عندما شن الجمهوريون حملة ضده بسبب سياساته المتسامحة تجاه الهجرة والمهاجرين. وهي القضية التي شكلت حجر الزاوية في حملة ترمب والجمهوريين، ولا تزال مندلعة لاعتماد سياسات يمينية أكثر تشدداً تجاه المهاجرين، معتبرين أن كاليفورنيا باتت تشكل ملاذاً آمناً لهؤلاء. وبالتالي، إذا تمكن اليمين الجمهوري من السيطرة على الولاية، فإنه سيعمل على فرض تغييرات كبيرة تطال قوانين الانتخابات وتقسيم الدوائر، بما يسهل السيطرة على أكبر كتلة انتخابية في المجمع الانتخابي (لولاية كاليفورنيا 55 صوتاً فيه). ثم، مع اندلاع أزمة جائحة كوفيد - 19، ركز اليمين حملته ضد نيوسوم منتقداً تدابيره الوقائية وحمله مسؤولية الأزمة الاقتصادية التي نجمت عن سياسات الإغلاق.
في أي حال، حملة اليمين الجمهوري على غافين نيوسوم ليست بعيدة عن الحملات التي تستهدف حكاماً ومسؤولين ديمقراطيين آخرين، على رأسهم حاكم ولاية نيويورك أندرو كومو، لتعزز الهجمات «التقليدية» المتبادلة وتعمق الأحقاد بين الحزب الحاكم والحزب المعارض.
حتى الساعة لم يجدد موعد الاقتراع لسحب الثقة عن نيوسوم، غير أن التوقعات تشير إلى أن الموعد قد يكون بين أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) وأوائل ديسمبر (كانون الأول) من هذا العام. ومع أن جهود طلب سحب الثقة من حاكم كاليفورنيا اكتسبت زخماً خلال فصل الشتاء، مع تفشي كوفيد - 19 وقرارات الإغلاق الاقتصادي التي فرضها نيوسوم، فإن الناخبين سيدلون بأصواتهم في فترة بات يطغى عليها التفاؤل. ومع نجاح حملات التطعيم وعودة اقتصاد الولاية إلى التعافي، وتسجيلها أدنى معدل إصابة يومية بالفيروس على مستوى البلاد كلها، حدد نيوسوم 15 يونيو (حزيران) المقبل موعدا لإعادة فتح الاقتصاد بالكامل. وإذا ما نجا نيوسوم من السؤال الأول بغالبية أصوات «لا» سينتفي السؤال الثاني، في حين قدرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» أن تكلفة الاستفتاء قد تصل إلى نحو 400 مليون دولار. وللعلم، عام 2003 ترشح أكثر من 100 شخص ليحلوا محل الحاكم غراي ديفيس، لأن الفائز لا يحتاج إلى غالبية أصوات الناخبين. ويكفي أن يحل في المرتبة الأولى في عدد الأصوات مقابل باقي المنافسين ليغدو الحاكم الجديد.


متحولة جنسياً أبرز المتحدين
هذا العام، لا تزال قائمة الترشيحات محدودة، لكن المرشحين الجمهوريين الذين حظوا بأكبر قدر من الاهتمام بعدما أعلنوا ترشحهم، هم كيفن فولكونر رئيس بلدية مدينة سان دييغو السابق، وجون كوكس رجل الأعمال في سان دييغو الذي خسر أمام نيوسوم في انتخابات عام 2018. كذلك حظيت كايتلين جينر، الناشطة الجمهورية اليمينية في مجال الدفاع عن حقوق المتحولين جنسياً باهتمام كبير بعد إعلان ترشحها. وجينر نفسها متحولة جنسياً وهي من نجوم «تلفزيون الواقع»، وكانت قبل تحولها البطل الأوليمبي بروس جينر، زوج والدة الأخوات كيم وكلوي كارداشيان - أيضاً من نجوم «تلفزيون الواقع». ولقد اعتبر الحاكم السابق أرنولد شوارتزنيغر أن لدى جينر فرصة حقيقية للفوز.
ويوم الاثنين أعلن فولكونر في بيان «إن سكان كاليفورنيا ينتهزون هذه الفرصة التاريخية للمطالبة بالتغيير». وأضاف أن «الديمقراطيين والجمهوريين والمستقلين موحدون في دعم الاستفتاء وإعادة ولايتنا إلى المسار الصحيح». وأردف «بصفتي المرشح الوحيد الذي فاز في انتخابات صعبة وأجرى إصلاحات حقيقية، أنا مستعد لقيادة هذه الحركة».


رؤيتان مختلفتان لكاليفورنيا
في المقابل، دافع خوان رودريغيز، مدير حملة «أوقفوا استفتاء الجمهوريين» في بيان، عن نيوسوم قائلا، إن «هذه الانتخابات ستكون حول رؤيتين مختلفتين لولاية كاليفورنيا». وأضاف «هذا الاستدعاء الجمهوري، المدعوم من قبل القوى الحزبية والموالية لترمب واليمين المتطرف، يهدد قيمنا كمواطني كاليفورنيا، ويسعى إلى التراجع عن التقدم المهم الذي أحرزناه في عهد الحاكم نيوسوم في محاربة كوفيد - 19 ودعم العائلات المكافحة، وحماية البيئة، وقوانين الرقابة على السلاح. ببساطة هناك الكثير على المحك، لكننا سنفوز». غير أن اللافت أن إحصاءً حول الاتجاهات السياسية للموقعين على العريضة التي طالبت بالاستفتاء، أظهر وجود أكثر من 300 ألف ديمقراطي مسجلين على قوائم الحزب رسمياً، من بين الموقعين. وهو ما قد يشكل عينة تهدد نيوسوم، لا سيما إذا أضيف إليها جمهور ما يعرف بمجتمع «الميم» من المتحولين جنسياً والمثليين، وجمهوريو الولاية الذين يطلق عليهم في الأصل لقب «رينو»، وهي اختصار لكلمات إنجليزية تعني «جمهوريون بالاسم فقط».
من جهة ثانية، تشير استطلاعات الرأي تشير أيضاً إلى أن 40 في المائة فقط من ناخبي الولاية قد يشاركون في الاستفتاء، وهو ما قد يكون في مصلحة نيوسوم. كما أن أي مرشح ديمقراطي بارز لم يعلن ترشحه علنا بعد، كي لا يعتبر خيانة له، الأمر الذي قد يسمح لنيوسوم بمواجهة الناخبين مجدداً في انتخابات العام 2022 النصفية المقبلة.


بطاقة شخصية
ولد غافين كريستوفر نيوسوم يوم 10 أكتوبر (تشرين الأول) 1967 في مدينة سان فرانسيسكو، لأبوين هما تيسا توماس وويليام ألفريد نيوسوم الثالث، ووالده قاض محكمة الاستئناف بالولاية ومحامي شركة غيتي أويل. ثم إن عمة غافين متزوجة من رون بيلوسي، صهر رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي.
نيوسوم قال عن نفسه ذات يوم أنه لم يتمتع بطفولة سهلة. وحقاً، التحق بالروضة والصف الأول في مدرسة نوتردام دي فيكتوار، وهي مدرسة فرنسية أميركية ثنائية اللغة في سان فرانسيسكو حيث خضع لفصول قراءة علاجية بسبب معاناته من حالة عسر القراءة التي لا يزال يعاني منها حتى الآن. وجرى نقله في النهاية بسبب صعوبته في القراءة والكتابة والتهجئة والتعامل مع الأرقام. وطوال فترة دراسته، كان على نيوسوم الاعتماد على مجموعة من الكتب الصوتية والملخصات والتعليم الشفهي غير الرسمي. وهو لا يزال حتى اليوم يفضل تفسير الوثائق والتقارير من خلال الصوت.
في المدرسة الثانوية، لعب نيوسوم كرة السلة والبيسبول (كرة القاعدة) وتخرج في مدرسة ريدوود الثانوية عام 1985. وبسبب مهارته في البيسبول ظهرت صورته على غلاف مجلة «مارين» المستقلة، وحصل على منحة جزئية للتعليم الجامعي، ودرس وتخرج في جامعة سانتا كلارا، وهي إحدى أشهر الجامعات الكاثوليكية في الولايات المتحدة. وبعد تخرجه، أسس متجرا للمشروبات أسماه «بلامب جاك» على اسم اوبرا كتبها صديق للعائلة يدعى غوردون غيتي الذي دخل معه في شراكة كمستثمر. ونما المتجر إلى مجموعة كبيرة تضم 23 شركة يعمل فيها أكثر من 700 عامل، بما في ذلك مصانع مشروبات ومطاعم وفنادق.


كاثوليكي ممارس ومتمرد
يعرف غافين نيوسوم نفسه بأنه كاثوليكي ممارس، لكنه «متمرد كاثوليكي إيرلندي، رغم أنه لا يزال لديه إعجاب كبير بالكنيسة وإيمان قوي جدا». وعندما سئل عن وضع الكنيسة الكاثوليكية (في العام 2008) قال إنها في أزمة، لكنه رغم ذلك يبقى معها بسبب «علاقته القوية بهدف أعظم، وكيان أعلى».
في ديسمبر (كانون الأول) 2001، تزوج نيوسوم من كيمبرلي غيلفويل، وهي مدعية عامة سابقة في سان فرانسيسكو ومعلقة قانونية في عدد من المحطات التلفزيونية مثل «سي إن إن» و«إم إس إن بي سي». إلا نها أصبحت لاحقاً شخصية بارزة ويمينية متشددة في قناة «فوكس نيوز». وفي سبتمبر (أيلول) 2004 أطلقت عليهما مجلة «هاربر بازار» لقب «نيو كينيديز» (آل كنيدي الجدد)، بيد أنهما تقدما في يناير (كانون الثاني) 2005 بطلب طلاق مشترك، بدعوى «الصعوبات الناجمة عن سكنهما المنفصل على الساحلين الشرقي والغربي بسبب حياتهما المهنية». واكتملت معاملات طلاقهما في 28 فبراير 2006.
بعدها، في يناير 2007، كشفت علاقة نيوسوم مع روبي ريبي تورك، زوجة مدير حملته أليكس تورك منذ منتصف عام 2005. وتقدم تورك بطلب طلاق زوجته بعد فترة وجيزة وترك حملة نيوسوم وإدارتها. وفي المقابل كشف عن علاقة بين زوجته السابقة غيلفويل بدونالد ترمب جونيور، ابن الرئيس السابق. وفي سبتمبر 2006 بدأ نيوسوم علاقة مع المخرجة جينيفر سيبل. ثم أعلن أنه سيسعى للعلاج من اضطراب تعاطي الكحول في فبراير 2007، وأعلنا خطوبتهما في ديسمبر العام نفسه وتزوجا في يوليو (تموز) 2008 وأنجبا أربعة أطفال.


البداية مع السياسة
بدأ نيوسوم حياته السياسية عام 1996 عندما عينه عمدة سان فرانسيسكو الديمقراطي ويلي براون للعمل في لجنة إدارة مواقف السيارات والمرور في المدينة. ثم عينه لملء منصب شاغر في مجلس المشرفين في العام التالي، إذ انتخب لاحقا لمجلس الإدارة في أعوام 1998 و2000 و2002.
بعدها خاض منافسة مع مات غونزاليس مرشح حزب «الخضر» المدعوم من التقدميين وكثرة من الديمقراطيين في انتخابات رئاسة بلدية سان فرانسيسكو عام 2003، وفاز نيوسوم بفارق 11 ألف صوت، بفضل دعم من شخصيات وطنية من الحزب الديمقراطي، بما في ذلك بيل كلينتون وآل غور وجيسي جاكسون، رأوا ضرورة الفوز في المدينة بعد خسارتهم الانتخابات الرئاسية عام 2000 وحاكمية الولاية عام 2003. وهكذا، أصبح الرئيس 42 لبلدية المدينة، وكان يومذاك في الـ36 من العمر، أصغر عمدة للمدينة منذ قرن.
ثم عام 2007 أعيد انتخاب نيوسوم بنسبة 72 في المائة من الأصوات، عام 2010 انتخب نائبا لحاكم ولاية كاليفورنيا وأعيد انتخابه في عام 2014، لينتخب عام 2018 حاكماً للولاية ويصبح الحاكم الـ40 لها.
خاض نيوسوم معارك مبكرة منذ بداية عمله السياسي، واكتسب اهتماماً وطنياً عام 2004 عندما وجه كاتب مدينة سان فرانسيسكو بإصدار تراخيص الزواج للأزواج من الجنس نفسه. ثم إنه دعم مشاريع الإسكان من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص لزيادة ملكية المنازل والإسكان الميسور التكلفة في سان فرانسيسكو. وأنجز مشروع تقديم الرعاية والإسكان الداعم والعلاج من تعاطي المخدرات والمساعدة من متخصصي الصحة السلوكية للمشردين بدلاً من المساعدة النقدية المباشرة من برنامج المساعدة العامة للولاية. ووقع على قانون إنشاء «مدينة سان فرانسيسكو الصحية» عام 2007 لتقديم الرعاية الصحية الشاملة لسكان المدينة، لتكون أول مدينة في البلاد تقوم بذلك. وسمي «العمدة الأكثر اجتماعية في أميركا» عام 2010، بناء على تحليل ملفات تعريف وسائل التواصل الاجتماعي لرؤساء بلديات أكبر 100 مدينة في الولايات المتحدة.


أميركا الولايات المتحدة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة