العاصفة الثلجية تضرب الأردن وفلسطين ولبنان.. وتخلف 4 قتلى

تسببت في إغلاق الطرق والجامعات.. واحتجاب الصحف عن الصدور

الثلوج الكثيفة تغطي الطرق والأشجار في مدينة صوفر إثر العاصفة الثلجية التي هبت على لبنان أمس (أ.ب)
الثلوج الكثيفة تغطي الطرق والأشجار في مدينة صوفر إثر العاصفة الثلجية التي هبت على لبنان أمس (أ.ب)
TT

العاصفة الثلجية تضرب الأردن وفلسطين ولبنان.. وتخلف 4 قتلى

الثلوج الكثيفة تغطي الطرق والأشجار في مدينة صوفر إثر العاصفة الثلجية التي هبت على لبنان أمس (أ.ب)
الثلوج الكثيفة تغطي الطرق والأشجار في مدينة صوفر إثر العاصفة الثلجية التي هبت على لبنان أمس (أ.ب)

بعد أن اجتاحت عاصفة منطقة الشرق الأوسط بأمطار وثلوج مساء أول من أمس، استيقظ سكان القدس والخليل ورام الله، صباح أمس، ليجدوا مدينتهم مكسوة بطبقة خفيفة من الثلوج، غطت ملامح المدينة ومزاراتها، بعد العاصفة التي تسببت في انقطاع التيار الكهربائي عن بعض الأحياء وتركت السكان بلا تدفئة.
وأغلقت السلطات الطرق المؤدية إلى القدس قبل ساعات من بدء سقوط الثلوج لاعتبارات تتعلق بالسلامة، خاصة أن توقعات الأرصاد المنشورة في وسائل الإعلام المحلية أفادت بأن الثلوج ستواصل سقوطها على المدينة لتغطيها بطبقة أكثر كثافة في وقت لاحق. لكن بعض اليهود تجاهلوا حالة الطقس، وذهبوا للصلاة عند الحائط الغربي غير عابئين بالثلوج.
وأعلنت جامعة القدس المفتوحة، مساء أمس في بيان صحافي، عن تعطيل دوامها الإداري والأكاديمي اليوم في كافة فروعها بالضفة الغربية وقطاع غزة، نظرا للأحوال الجوية السائدة، على أن يستأنف الدوام صبيحة يوم غد الأحد. كما أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي عن تعطيل دوام المدارس في محافظات الضفة (الشمالية) اليوم في القدس، وضواحي القدس، والخليل، وبيت لحم، ورام الله والبيرة، ونابلس، وذلك بسبب صعوبة الأحوال الجوية السائدة وتراكم الثلوج.
وقالت الوزارة في تقرير لها إن تراكم الثلوج تسبب في إغلاق عدد من الطرق، وإن محافظة الخليل تعد الأكثر تأثرا في ذلك، وذكرت في تقريرها أن طواقمها قامت بالكثير من عمليات الإنقاذ لسيارات عالقة، وفتح طرق أمام سيارات الإسعاف والدفاع المدني.
من جهتها، أعلنت بلدية بيت لحم، مساء أمس، أن فريق الطوارئ التابع لها تمكن من فتح ما يقارب 80 في المائة من شوارع المدينة التي تراكمت فيها الثلوج، وأهابت بالجميع عدم إلقاء الحجارة المغلفة بالثلوج على السيارات والأشخاص لخطورة ذلك على حياة الآخرين.
وفي إسرائيل أغلقت المدارس طوال النهار وكذلك الطريقين السريعين الرئيسيين اللذين يؤديان إلى القدس في الاتجاهين لساعات، حسبما أعلنت الشرطة الإسرائيلية.
وقرر الجيش نشر آليات مجنزرة لمساعدة المدنيين في المناطق النائية. وفي ظاهرة نادرة، هطلت الثلوج فوق صحراء النقب جنوب إسرائيل، حسبما قالت أجهزة الأرصاد الجوية.
أما في الأردن فقد توفي شخص وأُصيب آخر بجروح طفيفة، بعدما انهار عليهما سقف منزل مكون من غرفتين بمنطقة دير علا، التابعة لمحافظة البلقاء، وفق ما أفاد بيان للدفاع المدني. وقال البيان إن فرقه تعاملت منذ بداية العاصفة وحتى ظهر أمس مع 751 شخصا، حاصرتهم مياه الأمطار والثلوج في مختلف المحافظات، نتيجة جنوح مركباتهم عن الطرق. كما تعاملت مع 37 حالة غسل كلى، و45 حالة ولادة بعضها أجريت داخل سيارات الدفاع المدني.
من جهتها، دعت المديرية العامة للدفاع المدني المواطنين إلى عدم الخروج من منازلهم، والتقيد بكل ما يصدر من إرشادات وتعليمات عن الجهات المختصة، والاستخدام الآمن والسليم لوسائل التدفئة، والابتعاد عن جوانب الأودية والسيول، وأماكن تجمع المياه. وقال فاروق الحياري، رئيس مجلس مفوضي هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن في الأردن، إن مجموع الأعطال التي طالت شبكة الكهرباء في المملكة بلغ منذ إعلان حالة الطوارئ 1168 عطلا، تمت معالجة 1032 منها، بينما يجري العمل على استكمال إصلاح باقي الأعطال.
وبسبب تزامن العاصفة مع صلاة الجمعة أمس فقد دعت وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية ودائرة الإفتاء العام، المواطنين إلى تأدية صلاة الجمعة في المساجد القريبة من منازلهم، وعدم استعمال مركباتهم للانتقال إلى المساجد حفاظا على سلامتهم. كما أعلنت الصحف الأردنية اليومية احتجابها عن الصدور اليوم بسبب العاصفة الثلجية التي تؤثر على المملكة، التي تعوق عملية توزيع الصحف إلى كافة مناطق المملكة، وحفاظا على سلامة موزعيها.
من جانبها، قامت إدارة مخيم الزعتري للاجئين السوريين بإخلاء 3 عائلات إلى خيم الإيواء، جراء تعرض خيامها إلى الانهيار بسبب تراكم الثلوج خلال العاصفة الثلجية التي ضربت الأردن وبلاد الشام.
وكان مخيم الزعتري للاجئين السورين، شمال شرقي محافظة المفرق، قد اكتسى بغطاء أبيض بسبب استمرار تساقط الثلوج، حيث يتم تطبيق خطة طوارئ مشتركة ما بين إدارة المخيم والمنظمات الإنسانية والدولية، والجهات المعنية بطريقة منسقة، حفاظا على حياة اللاجئين السوريين. وتسببت العاصفة التي ضربت لبنان في قطع الطرق وحبس البعض في منازلهم، حيث قارب الثلج السواحل، وغطى البرد الكثيف المناطق الساحلية، وسط تدن كبير في درجات الحرارة. كما أغلقت كل المدارس في البلاد حتى بعد غد الاثنين. وقال وسام أبو خشفة من إدارة الأرصاد الجوية اللبنانية إن «هذا الموسم ليس عاديا وغير مسبوق»، مشيرا إلى «تساقط حبات البرد في العاصمة بيروت وهطول الثلوج على ارتفاع 200 متر».
وأدت الثلوج إلى تأجيل المرحلة السابعة عشرة من الدوري اللبناني لكرة القدم، كما توفي 3 أطفال سوريين أول من أمس في حريق اندلع في كوخ يسكنونه مع والديهم شمال لبنان، بسبب تسرب مادة المازوت، بحسب ما أفاد مسؤول أمني.
وقال فادي سويد، عضو بلدية بحنين، إن «المنزل الذي احترق يقيم فيه شقيقان من آل سليمان مع عائلتيهما»، موضحا أن «الأطفال كانوا مع أم طفلتين خرجت لدقائق من أجل شراء بعض الأغراض.. فتسرب المازوت من مدفأة في المكان، وانتشرت النار بسرعة وقضت على كل شيء». ويقيم نحو 1.1 مليون لاجئ سوري في لبنان، معظمهم في ظروف مأساوية، في خيام أو منازل مستحدثة غير مزودة بالحد الأدنى من معايير السلامة.
وفي ظلّ تكرار العواصف الطقسية التي اجتاحت لبنان والتي وصلت إلى ثلاث في أقل من شهر واحد (زينة ويوهان وويندي)، كثرت التساؤلات بين اللبنانيين عن الأسباب الفجائية وعوامل الطبيعة التي أدت إلى هذا الوضع غير المعتاد. فإن آخر مرة يتذكّر فيها اللبنانيون أجواء طقس مشابهة حطّت في سمائهم، كانت في عام 2005 أي منذ نحو العشر سنوات. ورغم التكهنات والتبريرات المتعلّقة حول هذا الموضوع، فإن الردّ الرسمي من قبل مركز الرصد الجوي في مطار بيروت وبلسان مديره مارك وهيبي، يؤكّد أنه لا مجال للتبريرات أو التوقعات في هذا الشأن. وأشار موضحا: «قد يعتقد البعض أن أي منخفضات جوية تصيب أوروبا قد تصيبنا وهو أمر غير صحيح. فإن العواصف التي تنشأ في المناطق القطبية (القطب الشمالي) وتصل إلينا بعد عبورها فوق المتوسط تصل معتدلة نسبيا بسبب اختلاط الكتل الهوائية الباردة بالهواء المعتدل فتحط عندنا بصورة عادية». ويتابع: «أما في حال اتجهت نحونا من المناطق الشمالية (سيبيريا) أو بلدان شرق أوروبا (روسيا) فهي تتجه من مناطقها باردة باتجاهنا جنوبا دون أن تختلط بكتل هوائية معتدلة فتتسبب بالعواصف. فكلما كانت سريعة دون أن تبيت في منطقة دافئة تؤخرها في الوصول إلينا، فهي تتسبب بالعواصف التي نشهدها حاليا في لبنان». وعما إذا هناك من عواصف جديدة ستضرب لبنان أجاب: «ليس لأننا لا نملك الوسائل التقنية اللازمة، لا يمكننا أن نعرف الجواب على هذا السؤال، بل لأن أهم بلدان العالم كالولايات المتحدة الأميركية نفسها لا يستطيع اختصاصي الطقس فيها أن يمارسوا هذه التوقعات». وأضاف: «يمكن القول: إن علم الطقس ما زالت تشوبه أسرار كثيرة لم يمكن اكتشافها جميعها بعد، الأمر الذي يدفع بالعلماء إلى بذل جهود كبيرة في هذا المضمار».
وعن توقعاته لنهاية العاصفة «ويندي» قال: «لقد بدأت في الانحسار جنوبا منذ مساء أمس (أول من أمس) بحيث شهدت نسبة تساقط أمطار أقل بدأت في الشمال، وخفّت منذ هذا الصباح (أمس) في منطقة الوسط على أن تنتهي بعد ظهر اليوم (أمس) في الجنوب».
ولعلّ أفضل ما تسببت به العاصفة «ويندي» التي ضربت لبنان في اليومين الأخيرين، هو انعكاسها الإيجابي على حياة اللبنانيين بحيث أعادتهم دون أن يدروا إلى أيام الطفولة.
صحيح أن العاصفة «ويندي» كان لها تأثيراتها السلبية على القطاعين الزراعي والاجتماعي بشكل عام، إلا أنها من ناحية أخرى تركت لدى الناس الشعور بالفرح كونهم يعيشون عوامل الطبيعة لطالما حنّوا إليها وتمنوا عودتها.
الأخبار السياسية غابت تماما عن يوميات اللبنانيين، ففقدت نكهتها في أحاديثهم في ظل العواصف الجوية التي توالت عليهم في فترات متلاحقة. حتى أن انقطاع التيار الكهربائي في العاصمة بيروت وفي عدد كبير من المدن والقرى اللبنانية التي تسببت بها «ويندي» وسابقاتها، لم يستقبله اللبنانيون كعادتهم بالاستياء والانزعاج الكبيرين، إذ انشغلوا بأخبار أسعار المحروقات كالمازوت الذي راحوا يخزّنونه في بيوتهم لتوقي درجات الحرارة المنخفضة التي اصطحبت العاصفة.
وعن إمكانية وصول عواصف جديدة إلى لبنان في الأيام المقبلة أجاب مارك وهيبة: «لا يمكننا أن نجزم أو نؤكّد وصول عواصف إضافية في الأيام القليلة المقبلة ولكن ما يمكنني قوله: إنه لطالما استمر موسم الشتاء في لبنان حتى أوائل شهر أبريل (نيسان)».
وبالنسبة لأسماء العواصف المترقبة حسب قاموس مركز الرصد الجوي في مطار بيروت، فهي ستحمل اسم «فيكتور» المذكّر في حال وصلت بعد «ويندي» الأنثى، واسم «أورسولا» (الأنثوي أيضا) من بعده تماما، بحيث ستجري حسب العدّ العكسي للأحرف الأبجدية بالأجنبية كما سبق وأعلن عنه. وكان لبنان قد أطلق قاموسا خاصا بأسماء العواصف التي ستجتاحه ابتداء من عام 2015 استهلّها بـ«زينة».



صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)
صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)
صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.


التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.