أحمد ولد داداه لـ«الشرق الأوسط»: الموريتانيون ملوا من المناورات والخديعة التي أصبحت نوعًا من السياسة

رئيس منتدى الديمقراطية والوحدة المعارض قال إن بلاده تعيش أزمة حادة لن تخرج منها إلا بالحوار

ولد داداه
ولد داداه
TT

أحمد ولد داداه لـ«الشرق الأوسط»: الموريتانيون ملوا من المناورات والخديعة التي أصبحت نوعًا من السياسة

ولد داداه
ولد داداه

تعيش موريتانيا منذ أسابيع على وقع أحاديث عن حوار وشيك بين نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز وعدد من الأحزاب المعارضة التي توصف بـ«الراديكالية»، والتي قاطعت الانتخابات الرئاسية العام الماضي ودعت الرئيس في أكثر من مناسبة إلى الاستقالة بسبب مزاعم عن وجود فساد.
الاتصالات بين بعض أعضاء الحكومة وقيادات في المعارضة تحاط بقدر كبير من السرية، في حين تشير بعض المصادر إلى أنه جرت خلال هذه الاتصالات مناقشة محاور الحوار المرتقب وآليات تنظيمه، في ظل مخاوف كبيرة من فشله على غرار محاولات كثيرة سابقة لم تتجاوز مرحلة الاتصالات التمهيدية، بسبب ما يرجعه مراقبون لأزمة ثقة حادة بين الحكومة والمعارضة بدأت منذ عام 2009.
المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة، واحد من أكبر أقطاب المعارضة، يضم 11 حزبا سياسيا وعدة اتحادات عمالية وهيئات في المجتمع المدني، ومع أن المنتدى هو الطرف الرئيسي في الحوار إلى جانب الحكومة والأغلبية الرئاسية، إلا أنه يبدي مخاوف كبيرة من أهداف خفية للحوار في مقدمتها تغيير الدستور لتمكين الرئيس من مأمورية رئاسية ثالثة. وهذا ما رفضه أحمد ولد داداه، الرئيس الدوري لمنتدى المعارضة ورئيس حزب تكتل القوى الديمقراطية، حين قال إن الدستور يجب أن يبقى بعيدا عن التجاذب السياسي بوصفه وثيقة مرجعية لجميع القوانين؛ وأضاف ولد داداه في حواره مع «الشرق الأوسط» أن موريتانيا تعيش «أزمة سياسية حادة لن تخرج منها إلا بالحوار»، محذرا في نفس الوقت من «الخداع الذي أصبح نوعا من السياسة». وفيما يلي نص الحوار.
> الحديث منذ فترة عن اتصالات بين بعض أطراف المعارضة وجهات في الحكومة من أجل إطلاق حوار سياسي جديد، ما موقفكم من الحوار المرتقب؟
- لا علم لي باتصالات مباشرة مع السلطة؛ وأنا كرئيس للمنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة وكرئيس لحزب تكتل القوى الديمقراطية لست طرفا حتى الآن في هذه الاتصالات. ولكن، من جهة أخرى، فإنني أعتقد أن الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تعاني من اضطراب وتمزق منذ حين، ويتجلى هذا الوضع في قضايا كثيرة من بينها التطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم، وإحراق متون الفقه، بالإضافة إلى تمزق النسيج الوطني؛ وهذا ربما يكون نتيجة لشبه اندثار مفهوم الدولة، فالدولة هي النظام الأعلى للمجتمع، ولتتماشى مع مفهومها التقليدي والمعنوي يجب أن تكون أولا دولة قانون وأن تتشبث بالعدل بين الناس، وانطلاقا من هذه المفاهيم يجب أن تجد كل شريحة ويجد كل مواطن نفسه وذاته في هذه الدولة، وأن يستند عليها فيما يخص حقوقه الأساسية من قضاء وتعليم وصحة.
إذن من الأساسي أن تكون الدولة للجميع وتعكس تطلعات جميع الشرائح، وأن تكون دولة قانون وتعدل بين الناس، وهذا ما نعاني اليوم من عدم توفره في موريتانيا، على الأقل في صورة كاملة، ومما نتج عن عدم توفر هذه المفاهيم أنه أصبحت كل جهة، إن لم نقل كل شخص، تحاول أن تؤدي دور الدولة فيما يخص مصالحها وحقوقها وتطلعاتها، وهذا خطير جدا، وإن لم يتدارك في الوقت المناسب فقد يكون بداية تمزق أشنع وفتنة أكبر؛ وهو أمر شاهدناه في الكثير من دول الجوار وفي الساحة العربية؛ فمعظم الدول العربية اليوم تعاني من هيمنة جهة أو مجموعة أو شخص، وهذا طبعا يتنافى مع الدولة التي تعني العدل ولمّ شمل الناس، كما يناقض الدولة التي تأخذ بعين الاعتبار ثقافاتها، ولا أقول ثقافتها، يناقض الدولة التي توفر احتياجاتها المادية والمعنوية من تعليم وصحة وبنية تحتية، وتهتم لمكانتها بين دول العالم.
> ولكن هل ترون أن الحوار ممكن بينكم وبين نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز، في ظل ما يقول البعض إنه «أزمة ثقة»؟
- حتى نفهم الأزمة التي تعيشها موريتانيا لا بد أن نعود لجذورها، فموريتانيا منذ أول انقلاب عسكري عام 1978. وهي مثل الكرة التي يلعب بها العسكريون ويتداولونها فيما بينهم؛ يأتي عسكري ويستعمل الدولة كآلة وكوسيلة لنفوذه الشخصي ولمحيطه وذويه، ثم يجلس ما شاء الله له أن يجلس؛ قبل أن يأتي عسكري آخر بانقلاب مماثل ليقضي فترة من الهيمنة واضطهاد الناس وقمعهم ونهب خيراتهم؛ لقد حان الوقت لتحصل موريتانيا على حقها في الاستقرار، وأن تكون دولة قانون تلبي احتياجات مواطنيها الاقتصادية والثقافية والتعليمية والاجتماعية.
> الحكومة لمحت في أكثر من مرة إلى أنكم أنتم من يرفض الحوار؟
- لم يسبق أن رفضنا الحوار، بل إننا نحن من ظل يدعو لذلك طيلة السنوات الماضية، غير أن النظام هو من يرفض أي حوار جدي وشامل تسبقه ضمانات حقيقية، هو يسعى لحوارات عبثية تطيل أمده في الحكم، وذلك ما لن نقبل به أبدا.
> في الرسائل التي تبادلتها أطراف في المعارضة مع الحكومة، طرحت فكرة أن تلتقوا شخصيا بالرئيس محمد ولد عبد العزيز من أجل إعادة بناء الثقة، هل أنتم على استعداد لذلك؟
- القضايا هنا ليست شخصية، لا شك أن موريتانيا اليوم تعيش أزمة خانقة تهدد وحدتها الوطنية وكيانها كدولة مستقلة؛ في هذا السياق يجب على جميع المعنيين من سياسيي البلد، سواء كانوا في المعارضة أو في الموالاة، أن يحاولوا بكل صدق وجدية إخراج البلد من هذه الأزمة بصورة نهائية؛ وهو ما لن يتأتى إلا من خلال الوطنية والحرص على البلاد وتحقيق مستقبل أفضل للعباد، فإذا كانت هذه الروح موجودة لدى الجميع سيكون حل المشاكل أسهل.
من جهة أخرى، أعتقد أن الناس في موريتانيا مصابون بملل كبير من المناورات ومن الكلام الفارغ والخديعة التي أصبحت نوعا من السياسة؛ أما المحاولات الجارية الآن فلم تتجاوز التفكير والكلام، في حين يبقى الأمر أكثر إلحاحا وأهم من أن يؤخذ بهذه السهولة وبهذا القدر من عدم الجدية. ما أتمناه هو أن يعطي كل المسؤولين للموضوع ما يستحق من أهمية لأنه مرتبط بمصير شعب ومستقبل بلد برمته.
> لقد أبدت أطراف في المعارضة شكوكا حول نوايا النظام ورغبته في الحوار، وأبدوا مخاوف من تغيير بعض مواد الدستور المتعلقة بعدد المأموريات الرئاسية، هل تعتقدون أن التغيير أمر مطروح ؟
- دائما الأنظمة الديكتاتورية والاستبدادية والأحادية تجعل كل ديكتاتوري وكل مهيمن وكل استبدادي يميل بشكل طبيعي إلى أن يخضع له القانون وليس أن يخضع هو للقانون؛ وهي قاعدة لن يكون الدستور بمنأى عنها مع أنه يمثل القانون الأعلى في النظام الجمهوري.
أنا شخصيا أعتقد أن الدستور يمثل المرجع لجميع القوانين، لذا يجب أن يبقى بمنأى عن مثل هذا النوع من التجاذب؛ يجب ألا يكون عرضة لما تتعرض له بقية القوانين يوميا من تجاوز وازدراء ودوس عليها؛ لا ينبغي وليس من المقبول أن يصبح الدستور لعبة للاستبداد والهيمنة، وإلا فسيفقد صفته المرجعية. أنا لا أعارض بشكل مطلق تعديل الدستور إذا كانت هنالك حاجة ماسة لذلك، ولكن تعديل الدستور يجب أن يجري في ظروف معروفة تكون خالية من التجاذب السياسي وبعيدة عن أي أجواء انتخابية، لأن تعديل الدساتير في مثل هذه الأجواء قد يقود لما لا يمكن التكهن به، فإذا جرى تعديل الدستور في ظروف انتخابية وكان ذلك التغيير لصالح جهة معينة ولأسباب خاصة وليست عامة، فسيتم تغييره من جديد إذا حكمت جهة أخرى وذلك وفق ما يخدمها، ومن هنا يصبح الدستور لعبة، وهذا ليس في صالح استقرار البلد الذي يحتاج لهذه الوثيقة كمرجع يحكم الجميع.
> انتخابات كثيرة تنتظرها القارة الأفريقية، وكلها تعد محورية بالنسبة للبلدان التي ستقام فيها خاصة في الكونغو، في ظل رفض شعبي كبير لتغيير الدساتير في هذه الدول، هل يمكننا القول إن الشعوب الأفريقية استيقظت لتحكم نفسها بنفسها؟
- لا شك أن الوعي السياسي تبلور أكثر وعبرت عنه شعوب عدة في القارة بأساليب مختلفة وبتحركات كانت حاسمة في بعض الأحيان، يبدو واضحا أن الشعوب الأفريقية ملت من الأحادية ومن الاستعباد والاستبداد، وهذا ما عبر عنه شعب بوركينا فاسو، وعبرت عنه أيضا شعوب دول كثيرة أخرى بأساليبها وطرقها الخاصة.
منذ 50 سنة والأحكام العسكرية والانقلابات تتلاعب بمصالح الشعوب الأفريقية ومصالح بلدان القارة، وهذا واحد من العوامل الجوهرية التي جعلت القارة في تخلف عن الركب العالمي في الديمقراطية والنمو الاقتصادي والوحدة الوطنية؛ فما دامت فئة من الشعب لا تشعر بأنها تحت دولة القانون يخضع له الجميع؛ وما دامت الشعوب تشعر بأنه كلما «صاح فوق غصن ديك» وسيطر على الحكم بالقوة، فيبدأ محيطه في النهب والبطش والقمع كما يشاء؛ ما دامت الحالة هذه فلن تثق الشعوب في قادتها ولن تتحقق الوحدة الوطنية التي تعد مصيرية للقارة.
القارة الأفريقية تحتاج لمراجعة نفسها وأن تحبذ الحكم الرشيد، لأنه هو الذي يجمع شمل الناس وبإمكانه توفير الأمن والعدالة، ومن خلال الحكم الرشيد يمكننا توفير الاستقرار الذي من دونه لن يكون هنالك نمو اقتصادي ولا اجتماعي ولا ثقافي، ومن دونه لن يطمئن الجميع على مصالحهم الآنية والمستقبلية.
> قدتم في الأيام الماضية وساطة بين الأطراف المتصارعة في الحزب الاشتراكي بكوت ديفوار، وهو حزب الرئيس السابق لوران غباغبو، هل يكشف ذلك جانبا من شخصية أحمد ولد داداه التي لا يعرفها الموريتانيون؟
- ما قمت به لم يكن عملا فرديا ولا مبادرة شخصية، وإنما قمت به بصفتي نائبا لرئيس منظمة الأممية الاشتراكية، فقد دعيت من قبل رئيس اللجنة الأفريقية للأممية الاشتراكية لأقود وفدا يضم رئيس حزب كبير في السنغال، وذلك لنجري لقاءات مع أطراف الحزب الإيفواري الكبير، والذي سبق أن وصل إلى الحكم، ونجحنا في تحقيق نوع من الهدوء بين الأطراف وترك التجاذب والكتابة في الصحف والظهور في الإعلام لنقاش خلافاتهم الداخلية.
دولة كوت ديفوار تحتاج للاستقرار السياسي لأنها دولة كبيرة وأساسية في غرب أفريقيا، وهي دولة مركزية ذات اقتصاد قوي، ولذلك نرجو أن يكون حل الأزمة داخل واحد من أكبر أحزابها السياسية له انعكاسات كبيرة ليس فحسب بالنسبة لكوت ديفوار ولكن بالنسبة لغرب أفريقيا كله، فكوت ديفوار تمثل 40 في المائة من القوة الإنتاجية في المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا التي تضم 15 دولة.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.