نورلاند: حفتر أصر على هجوم طرابلس... ومهمتي كانت وقفه

السفير الأميركي لدى ليبيا يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن جهوده لإقناع روسيا بسحب «المرتزقة»... ويرد على مزاعم «الضوء الأخضر» لقائد «الجيش الوطني»

السفير نورلاند
السفير نورلاند
TT

نورلاند: حفتر أصر على هجوم طرابلس... ومهمتي كانت وقفه

السفير نورلاند
السفير نورلاند

أشاد سفير الولايات المتحدة لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند، بالجهود التي تبذلها الحكومة الليبية الجديدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة من أجل تنظيم الانتخابات في 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، متحدثاً عن «فرصة» متاحة لطي 10 سنوات من الفوضى التي أعقبت إطاحة حكم العقيد معمر القذافي. لكن نورلاند أقر، في المقابل، بوجود تحديات كثيرة أمام السلطات الليبية الجديدة الممثلة بحكومة الدبيبة وبمجلس رئاسي يرأسه محمد المنفي، مشيراً إلى أن قضية «المرتزقة» واحدة من هذه الإشكاليات الرئيسية التي تواجه الحكم الجديد المؤقت.
وكشف نورلاند، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» بمقر السفارة الأميركية في لندن، جانبا من اتصالاته مع الروس في خصوص «مرتزقة فاغنر» في ليبيا، موضحاً أن المسؤولين الروس باتوا يقرون بوجودهم بعدما كانوا يتظاهرون في السابق بأن لا علاقة لهم بالحكومة الروسية. وأكد أن الأتراك مستعدون للتفاوض أيضاً على سحب المقاتلين السوريين الذي أرسلوهم إلى ليبيا.
وتحدث السفير الأميركي أيضاً عن قضية «الإشارات المتناقضة» التي يرى بعضهم أنها صدرت عن إدارة الرئيس دونالد ترمب في خصوص ليبيا، لا سيما ما حكي عن «ضوء أخضر» من البيت الأبيض للمشير خليفة حفتر للهجوم على طرابلس، فيما كان هو من أشد المعارضين لهذا الهجوم. وقال إنه اعتبر مهمته الأساسية عندما تولى منصبه في صيف 2019 أن ينهي هجوم حفتر على العاصمة الليبية وهو ما تم فعلاً ولكن نتيجة التدخل العسكري التركي. وأشار نورلاند في المقابلة أيضاً إلى معلومات عن ضلوع جماعة «فاغنر» في الهجوم الذي شنه متمردون تشاديون انطلاقاً من الأراضي الليبية.
فيما يأتي بعض أبرز محاور المقابلة:
- السلطة الليبية المؤقتة الجديدة... «معجزة»
قال السفير نورلاند لـ«الشرق الأوسط» إن ليبيا شهدت تطورات مهمة جداً تكاد تكون بمثابة «معجزة» منذ أواخر العام الماضي عندما تم الاتفاق على وقف النار بين الطرفين المتقاتلين في شرق البلاد وغربها، في إشارة إلى تجميد خطوط القتال عند «الخط الأحمر» الذي وضعته مصر والممتد من سرت إلى الجفرة. وأوضح: «الذي حصل هو أن النزاع المسلح توقف إلى حد كبير، وبدأ الليبيون يركزون على استعادة حياتهم الطبيعية وتأمين الخدمات الأساسية مثل الكهرباء، والتصدي لـ(كوفيد - 19). العملية السياسية التي يمكن من خلالها تحقيق هذه الأشياء على المدى الأطول تم وضعها على العجلة من قبل، لكنها تحركت بعد وقف النار في شكل مميز. منتدى الحوار السياسي الليبي كان إنجازاً حقيقياً لكنه لم يكن صلباً. تمت هذه العملية من خلال التزاوج بين قيادة الليبيين أنفسهم وبمبادرتهم، ولكن تم تسهيلها من الأمم المتحدة. غسان سلامة وستيفاني ويليامز وضعا هذه العملية على العجلة ويواصلها الآن يان كوبيش. ما حققته هذه العملية يكاد يكون معجزة، وأحد العوامل المهمة التي ساهمت في تحقيق هذا النجاح هو الشفافية. سمعنا في وقت من الأوقات أن هناك ما يصل إلى 1.7 مليون شخص كانوا يتابعون عملية التصويت (على اختيار السلطات الليبية الجديدة) في جنيف، وهذا خلق دينامية لكون المشاركين في منتدى الحوار السياسي كانوا يعرفون أن الناس تشاهدهم وأن عليهم أن يظهروا مسؤولية وقيادة وأن يحققوا شيئا لليبيين. وأعتقد أن هذا الشعور ما زال موجوداً اليوم. عندما تم تنصيب الحكومة الليبية في طبرق في مارس (آذار) الماضي، وهي فرصة أتيح لي حضورها، تم بث الجلسة بثاً حياً أيضاً. نحن الآن أمام عملية تهدف إلى إجراء الانتخابات في 24 ديسمبر (كانون الأول). تحظى هذه العملية بدعم معظم المجتمع الدولي، كما عبّر عنه مجلس الأمن الدولي في قراره الذي تبناه في وقت سابق من هذا الأسبوع. لديها أيضاً على الأقل دعم بالأقوال من جميع الأطراف الأساسية في ليبيا. التحدي الآن هو تحقيق هذه الانتخابات ومواصلة التقدم إلى الأمام».
سُئل: هل تعتقد أن الانتخابات ستجرى حقاً في موعدها؟
أجاب: إنني متفائل إلى حد معقول. العملية الجارية حققت حتى الآن نتائج فاجأت كثيرين. أعتقد أن هناك من سيحاول عرقلة إجراء الانتخابات، لكنني مستعد لأن أفاجأ بأن هذه العملية ستنجح. بالطبع لا أستطيع ضمان نجاحها، ولكن العامل الأكثر أهمية هو أن الليبيين يريدونها أن تحصل. لا يكفي أن يكون لديك حكومة مؤقتة. هناك حاجة لحكومة كاملة الصلاحيات تستطيع أن تسترجع سيادة ليبيا ووحدتها الترابية وتتخلص من القوات الأجنبية، والطريق لتحقيق ذلك يكون عبر الانتخابات. هل يتم انتخاب البرلمان والرئيس في الوقت ذاته، أم يُنتخب البرلمان أولاً ثم الرئيس، أم أن يكون البرلمان هو من ينتخب الرئيس، هذه أسئلة ما زال يتعين حلها. ولكن الخطوة الأساسية المقبلة هي أن يوضع بحلول 1 يوليو (تموز) الأساس الدستوري والقانوني الذي ستجرى على أساسه هذه الانتخابات. عماد السايح، رئيس مفوضية الانتخابات، قال علناً إن هذا التاريخ هو موعد أساسي (ديدلاين) بالنسبة له، بحيث إن هذه الأمور يجب أن تكون جاهزة كي يتمكن من إجراء الانتخابات. ومجلس النواب عليه الآن أن يوافق على الأساس الدستوري والأساس القانوني الذي ستجرى على أساسه الانتخابات. المجلس يتقدم ببطء. وإذا لم يحصل هذا الأمر مع مجلس النواب فهنا يمكن اللجوء إلى آلية منتدى الحوار السياسي الليبي الذي يبقى حياً ويمكن اللجوء إليه إذا لم يقم مجلس النواب بما يتوجب عليه.
هل هناك ضرورة لإجراء استفتاء شعبي على التعديلات الدستورية قبل الاقتراع؟
أجاب: توقعي هو أنه لن يحصل استفتاء على هذه الإجراءات (الأساس الدستوري والقانوني للاقتراع). ليس هناك وقت لذلك. عماد السايح نفسه قال إنه لا يمكن إجراء استفتاء ثم إجراء الانتخابات في ديسمبر (كانون الأول). الذي يحصل هو أن الذين يجادلون بضرورة إجراء الاستفتاء هم أنفسهم الذين لا يريدون الانتخابات. بات ذلك بمثابة عذر كي لا تحصل الانتخابات. الخبراء يقولون - وكذلك معظم الليبيين الذين يؤيدون هذه العملية - إن هناك توافقاً كافياً على الأسس الدستورية، بناء على المسودات المعدّة سابقاً. هناك أساس لإجراء الانتخابات على هذا الأساس. المطلوب هو وجود إرادة سياسية لإجراء الانتخابات.
سُئل هل يخشى أن الحكومة المؤقتة ستصبح دائمة في ليبيا، كما دأبت العادة؟
أجاب: لقد أثار إعجابي تأكيد رئيس الوزراء الدبيبة باستمرار أن الهدف هو إجراء الانتخابات في 24 ديسمبر، وقد وفّر التمويل لمفوضية الانتخابات لدعم تلك العملية. المجلس الرئاسي قال الأمر ذاته. ولذلك أعتقد أنه يجب علينا أن نأخذهم بحسب ما يقولون، وأعتقد أن هذا ما يتوقعه الليبيون أنفسهم منهم.
- توحيد القوات المسلحة
وسُئل عن جهود توحيد القوات المسلحة الليبية، فقال إن «هذا الأمر ما زال في طور العمل عليه، ولكن الوضع الذي تعيشه ليبيا يخلّف مفاجآت غير محسوبة على الطريق. ما حصل مؤخرا في تشاد مثال على ذلك، فالعناصر التي كانت تعمل من داخل الأراضي الليبية بعضهم تلقى تدريباً من (مجموعة فاغنر) ومن الجيش الوطني الليبي (بقيادة المشير حفتر). هذا يعيد التذكير بأن المطلوب من الحكومة أن تخلق هيكلية عسكرية موحدة يمكنها أن تمسك بحدود البلاد ولا تسمح بحصول مثل هذه الأمور (أي هجوم جماعة مسلحة على تشاد من الأراضي الليبية). ما حصل في تشاد يشير إلى ضرورة إنشاء جيش وطني، ولكن هذا الأمر ما زال في طور التفاوض. في الواقع، تحدثت إلى رئيس الوزراء الدبيبة بالأمس وهو يحضّر الآن لزيارته الأولى لبنغازي حيث سيتكلم مع حفتر. ما القرار الذي سيتخذه حفتر بالنسبة إلى هذه المسألة؟ سيتم التفاوض على هذا الأمر (توحيد القوات المسلحة)، ولكنني لا أستطيع التنبؤ بما ستسفر عنه. لكن الأمر هنا لا ينحصر بالجيش الوطني الليبي، فهناك أيضاً ميليشيات مسلحة في طرابلس. هناك ضرورة عاجلة لإيجاد هيكلية لشرطة وجيش وطنيين. الناس تقدّر الحاجة إلى هذا الأمر. ولكن هل يمكن أن يحصل هذا الأمر قبل الوصول إلى حكومة كاملة الصلاحيات؟ لا أعرف الجواب على ذلك.
قيل له: كنت على تواصل مع وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا من أجل توحيد الجماعات المسلحة في الغرب الليبي تحت مظلة الحكومة. أين أصبحت هذه الخطوات؟
أجاب: «ما زلنا فيما يعرف بالمرحلة الاستراتيجية. كانت هناك استراتيجية تم وضعها تحت قيادة باشاغا والسراج. واضح أنه حصل تجميد (لهذه العملية) مع انتقال السلطة إلى حكومة الدبيبة. الاستراتيجية ما زال يجري إعدادها ولكن قوامها تحديد الميليشيات المختلفة التي يمكن جلبها للانضمام إلى الحكومة، وأي جماعات هناك علامات استفهام حولها وما إذا كان يمكن ضمها أم لا، وأي جماعات لا يمكن أن تكون جزءاً من هذه العملية. هذا ما سماه باشاغا نظاما أحمر، برتقاليا وأصفر. وهؤلاء الذين يجب جلبهم للانضمام إلى القوات الحكومية ينضمون في شكل فردي وليس كمجموعات. وكل فرد يجب أن يخضع للفحص للتأكد أنه لم يرتكب إساءات حقوقية رهيبة. هذا هو المبدأ ولكن وضعه موضع التنفيذ سيكون تحدياً كبيراً وسيأخذ وقتاً.
هل يقوم الأتراك بجهود من أجل توحيد هذه الجماعات؟
أجاب: «الأتراك مدركون أنهم لا يريدون أن يكونوا الحكم بين كل تلك الجماعات المختلفة التي تصل إلى حد التصادم فيما بينها. الأتراك لا يريدون أن يكونوا وسط هذه المشكلة. لا يريدون أن يكونوا الجهة التي تتولى التحكيم (بين هذه الجماعات). أعتقد أنهم يفتشون عن أفضل وسيلة يمكن اتباعها. أعتقد أن الدبيبة يواجه التحديات نفسها التي واجهها السراج. هذه الميليشيات بالغة القوة وعليه أن يجد وسيلة لإدارة الفترة الانتقالية».
- المرتزقة
ماذا قلت للروس بخصوص مرتزقة فاغنر؟
أجاب: «ذهبت إلى موسكو في نوفمبر (تشرين الثاني) والتقيت مع بوغدانوف والجنرال زورين من وزارة الدفاع. هم لا ينفون أن فاغنر موجودة في ليبيا. كان هناك وقت يقول فيه الروس: فاغنر؟ هؤلاء ناس عاديون. مواطنون خاصون لا علاقة لنا بهم. أعتقد أنهم تجاوزوا الآن هذه المجادلة بنفي علاقتهم. ما أردت أن أقوله لهم (خلال الزيارة) هو أن وجود فاغنر والأسلحة المتطورة التي يجلبونها يمكن أن يؤدي إلى احتمال نشوء تنافس استراتيجي على الجهة الجنوبية لحلف «الناتو». هذا الأمر لا تريده الولايات المتحدة. قالوا إن هذا ما لا تريده روسيا أيضاً. ولكن المهم ليس ما تقول روسيا بل ما تفعله في خصوص فاغنر. وعلى الرغم من أن قوات فاغنر انسحبت قليلاً من سرت والجفرة، لكنها ما زالت في ليبيا ولم تغادر وليس هناك مؤشرات إلى أنها تنوي المغادرة. هذه المسألة ليست فقط نقطة خلاف بين الولايات المتحدة وروسيا، ولكنها في نهاية المطاف تضعف وضع روسيا في ليبيا. روسيا تريد أن تكون لها مشروعية في ليبيا. تريد عقودا تجارية وأعمالاً. هذا لا يمكن أن يحصل عندما يكون لديك 2000 مقاتل كانوا يهاجمون طرابلس ويمكن أن يفعلوا الشيء ذاته غداً. النقاشات التي قامت بها الحكومة الليبية - الدبيبة كان في موسكو - هدفها إقناع الروس بأن رغبتهم في أن يكون لديهم وجود مشروع في ليبيا تُخدم بشكل أفضل من خلال سحب هذه القوات، مع التأكيد لهم بأن ذلك سيرافقه أيضاً انسحاب القوات الأجنبية الأخرى الموجودة في الجبهة المقابلة.
في اعتقادي أن روسيا تنظر إلى هذه المسألة من منظور استراتيجي. هي تسحب قواتها من حدود أوكرانيا حالياً بعدما أرادت إظهار عرض قوة. بالنسبة لهم أعتقد أنهم يرون أن وجود موطئ قدم لهم في ليبيا هو وسيلة لتحدي حلف الناتو، إذا ما شعروا بأن هناك حاجة للقيام بذلك. ما نحن بحاجة له هو إبقاء ليبيا خارج هذا التنافس الاستراتيجي وتذكير الروس بأن مصلحتهم تُخدم بشكل أفضل من خلال تطبيع وجودهم في ليبيا وليس من خلال هؤلاء المرتزقة. وهذا ما نحضهم على فعله.
وسئل: هل تعتقد أن الروس يودون أن تكون لهم قاعدة في ليبيا وليس مجرد عقود تجارية؟
أجاب: أعتقد أنهم يرون قيمة عسكرية لوجودهم في ليبيا. كيف يكون شكل هذه القيمة العسكرية بحسب تفكيرهم، لا أعرف. ولكن ما تقوم به مجموعة فاغنر يعطي فكرة عما يدور في رأس روسيا، وهذا يشمل جلب أسلحة عسكرية متطورة ومنظومات دفاع جوي وكثير من الرجال المسلحين.
قيل له: الأتراك يقومون بالشيء نفسه؟ لديهم وجود عسكري ومرتزقة وقواعد في غرب البلاد.
أجاب: لا بد من الإقرار بأنهم ثبّـتوا وجودهم (في غرب ليبيا)، لكنهم لم يقوموا بما كان يُخشى أن يقوموا به. ففي وقت من الأوقات كان هناك قلق من أنهم سيجلبون طائرات إف - 16. وبحد ما نعرف، هذا لم يحصل بعد. أعتقد أن الجانبين يراقبان بعضهما. لم يعودوا يحشدون، لكنهم لا يغادرون في الوقت ذاته.
وسُئل عن التغيير في سياسة تركيا من خلال الانفتاح على مصر ودول عربية أخرى، وهل انعكس هذا التغيير على سياستهم في ليبيا أيضا، وهل بدأوا بسحب مرتزقتهم؟
أجاب: أعتقد أنهم راغبون في التفاوض بجد على هذه المسألة، بدءاً بسحب المقاتلين السوريين. أعتقد أن الأتراك يعتقدون أنهم يجب أن يُمنحوا الحق في ترتيبات أمنية خاصة مع الحكومة الليبية التي أعتقد أيضا أنها تريد تعاوناً أمنياً عادياً مع تركيا، ولكن أيضاً مع عدد آخر من البلدان. هناك من يعتقد أن تركيا تريد أن تكون الشريك الوحيد لليبيا. أعتقد أن الأتراك متعقلون بما يكفي للتيقن بأن هذا ليس هو الحال. انطباعي أن السلوك التركي الآن براغماتي، وساعد في المساهمة في تقدم المفاوضات السياسية.
- حفتر والضوء الأخضر الأميركي
وسُئل عما يقال عن حصول المشير حفتر على «ضوء أخضر» أميركي للهجوم على طرابلس، لا سيما بعد اتصاله بالرئيس ترمب؟
أجاب: «بدأت في منصبي هذا في أغسطس (آب) 2019 ولا أعرف ماذا دار في تلك المحادثات الهاتفية. ما أعرفه هو أنني منذ اليوم الأول الذي بدأت فيه عملي هذا اعتبرت أن مهمتي هي إنهاء هذا الهجوم. حاولنا بطرق مختلفة أن نقنع حفتر بوقف الهجوم. قدمنا مقترحات كنا نعرف أن (سلطات) طرابلس مستعدة لمناقشتها، مثل قضية الميليشيات وتوزيع إيرادات الدولة وجماعة الإخوان المسلحين والمتشددين، لكن حفتر تجاهل كل تلك الفرص للتفاوض. الذي غيّر الصورة في نهاية الأمر كان التدخل التركي الذي أوقف هجوم فاغنر وحفتر. من وجهة نظري لم يكن هناك أي مبرر كي يشن حفتر ذلك الهجوم. ونحن سعداء أن هجومه انتهى.
قيل له: ألم تشعر بأنك في وضع غير مريح عندما يتحدث أفراد من إدارة الرئيس ترمب مع حفتر ويتحركون لتصنيف الإخوان جماعة إرهابية، لكنك تقف في صف مقابل؟
أجاب: كان هناك عدد من الأشخاص الذين اتهموا الولايات المتحدة بأنها ترسل إشارات متناقضة. كان ذلك تحدياً أن نقول: لا، لدينا بالعكس سياسة واضحة وهي إنهاء هذا الهجوم وإنتاج حل متفاوض عليه. يجب ألا ننسى أنه كانت هناك مشكلات عديدة تواجه طرابلس. الميليشيات كانت حقاً مشكلة. كان هناك من يعتقد أن هناك حقاً ما يبرر القيام بعمل عسكري. لأي سبب كان، قد يكون هناك من رأى أن هناك رسائل متناقضة من واشنطن، ولكن من الواضح أنه على مدى السنتين والنصف الأخيرتين كان جهدنا منصباً على إنهاء هجوم حفتر.
وهل يجب توقع سلوك سياسة أميركية جديدة بخصوص ليبيا مع مجيء إدارة بايدن؟
أجاب: الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس بايدن تعتقد اعتقاداً قوياً أن هناك فرصة الآن في ليبيا للوصول إلى نتيجة إيجابية. 10 سنوات من الفوضى يمكن الآن أن تنتهي وتبدأ عملية ديمقراطية. هناك أشخاص في الإدارة كانوا منخرطين في هذه العملية قبل 10 سنوات ويشعرون أن هناك مسؤولية شخصية تقع عليهم لتحقيق تقدم إلى الأمام. وسترى دوراً أميركياً أكثر نشاطاً ومن خلال العمل مع الشركاء. لكن لا خطط الآن لإعادة فتح السفارة في طرابلس.
وسُئل عن هجوم جبهة التغيير والوفاق (فاكت) في شمال تشاد والذي أدى إلى مقتل الرئيس إدريس ديبي؟
أجاب: لا أعرف بشكل مؤكد هل كان مقاتلو هذه الجبهة فعلاً جزءاً من المقاتلين التشاديين إلى جانب حفتر. ولكن هذا هو الانطباع المتكون لدي. كان هناك عدد من المرتزقة التشاديين الذين تم جلبهم للمساعدة في القتال إلى جانب الجيش الوطني الليبي. أعتقد أن بعض هؤلاء كانوا بالتأكيد جزءاً من المجموعة التي شنت الهجوم في تشاد.
سُئل: هل تعتقد أن بعضهم تلقى تدريباً لدى «فاغنر»؟
أجاب: نعم. وأعتقد أن مجموعة فاغنر أيضاً كان لديها أشخاص شاركوا في الهجوم داخل تشاد. هذا الأمر لم يتأكد بعد لكنني سمعت أن جماعة فاغنر كانت ترافق قافلة المهاجمين من جماعة جبهة التغيير والوفاق داخل شمال تشاد.



مباحثات ليبية - مصرية لتطوير برامج التأهيل وتنظيم استقدام العمالة

وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)
وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)
TT

مباحثات ليبية - مصرية لتطوير برامج التأهيل وتنظيم استقدام العمالة

وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)
وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)

سيطر ملف المصريين العاملين في ليبيا على مباحثات وزيري العمل في البلدين، التي ركزت على تنظيم أوضاعهم، وتعزيز التعاون في مجالات التشغيل والتأهيل، إلى جانب دعم الربط الإلكتروني بين منصة «وافد» ومنصة التأشيرة الإلكترونية، لتسهيل إجراءات دخولهم وتنقلهم بين البلدين.

والتقى وزير العمل والتأهيل في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، علي العابد، نظيره المصري حسن الرداد، على هامش أعمال الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل العربي، التي احتضنتها العاصمة المصرية القاهرة، أمس الاثنين.

وتطرق اللقاء إلى تنظيم أوضاع العمالة المصرية في ليبيا، وفق الإجراءات واللوائح المعمول بها، بما يسهم في تنظيم سوق العمل، وتعزيز انسيابية الإجراءات بين البلدين.

وزير العمل المصري حسن الرداد خلال مباحثات مع نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» (وزارة العمل الليبية)

وقالت وزارة العمل في حكومة «الوحدة الوطنية» إن مباحثات الجانبين تناولت «أهمية تفعيل اللجان المشتركة بين ليبيا ومصر، وتعزيز التنسيق في الملفات ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب دعم الربط الإلكتروني بين منصة (وافد) ومنصة التأشيرة الإلكترونية، بما يسهم في تطوير الإجراءات وتنظيم حركة العمالة».

وأكد الوزيران حرصهما على «تعزيز التعاون المشترك، وتطوير آليات التنسيق في مجالات العمل والتشغيل والتأهيل، بما يخدم المصالح المشتركة بين ليبيا ومصر».

وأوضحت وزارة العمل المصرية أن المباحثات تناولت عدداً من الملفات ذات الاهتمام المشترك في مجالات العمل والتشغيل والتأهيل، وتنظيم أوضاع العمالة المصرية في ليبيا.

وسبق أن أطلقت وزارة العمل والتأهيل الليبية منصة «وافد» الرقمية لتسجيل العمالة الأجنبية، وقالت حينها إن هذا الإجراء يهدف إلى «تنظيم سوق العمل، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في ليبيا».

وفي يونيو (حزيران) الماضي، أعلنت حكومة «الوحدة الوطنية» التفعيل الرسمي لمنظومتي «وافد» و«E - VISA LIBYA»، باعتبارهما المنصة الوطنية المعتمدة لإدارة التأشيرات الإلكترونية، وتنظيم دخول وإقامة الأجانب في ليبيا، وذلك مع انطلاق المرحلة الثانية من المشروع.

ولا توجد أرقام رسمية في ليبيا عن عدد العمالة الأجنبية، بسبب الانقسام السياسي ووجود حكومتين، واتساع عمليات التهريب، وتسرب كثير من الوافدين إلى سوق العمل بشكل غير رسمي، لكن العابد ذكر في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 أن عدد العمالة الأجنبية في ليبيا تجاوز مليوني شخص.

وقالت الحكومة إن وزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة ومجلس الوزراء، محمد بن غلبون، أصدر تعميماً يقضي بالبدء الرسمي في تشغيل المنظومتين، في إطار تنفيذ رؤية الحكومة لتطوير الخدمات الحكومية، وتعزيز مسار التحول الرقمي.

ووقعت مصر وليبيا خلال اجتماع اللجنة العليا المشتركة، بحضور عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» ومصطفى مدبولي رئيس الحكومة المصرية، 13 اتفاقية مشتركة في سبتمبر (أيلول) 2021، شملت مجالات المواصلات والكهرباء والبترول، بالإضافة إلى البنية التحتية والشباب والرياضة والتأمينات الاجتماعية.

وفي ختام اللقاء، هنأ وزير العمل والتأهيل الليبي نظيره المصري بمناسبة انتخابه رئيساً لفريق الحكومات في الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل العربي، مؤكداً حرص ليبيا على «مواصلة تطوير علاقات التعاون المشترك مع مصر في مختلف مجالات العمل، والتشغيل والتأهيل».

ويتولى ائتلاف الشركات المصرية، المكون من «أوراسكوم» و«حسن علام» و«رواد الهندسة الحديثة»، تنفيذ مشروعات كبيرة في العاصمة طرابلس، من بينها مشروع الطريق الدائري الثالث، الذي تبلغ تكلفة تنفيذه 4.263 مليار دينار، بالإضافة إلى تنفيذ مشروع طريق غات - أوباري جنوب غربي ليبيا.

(الدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية)، و9.44 في السوق الموازية.


انقلابيو اليمن يرفعون أسعار الوقود ويعمّقون المعاناة

منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
TT

انقلابيو اليمن يرفعون أسعار الوقود ويعمّقون المعاناة

منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)

فرضت الجماعة الحوثية زيادة جديدة على أسعار المشتقات النفطية بمناطق سيطرتها، لترفع بذلك تكلفة المعيشة على ملايين السكان الذين يواجهون تدهوراً اقتصادياً واسعاً وتراجعاً في مصادر الدخل وانقطاعاً للمرتبات.

وأقرت شركة النفط الخاضعة للجماعة في صنعاء رفع سعر لتر البنزين إلى نحو دولار واحد (525 ريالاً يمنياً)، لتصبح قيمة الصفيحة سعة 20 لتراً نحو 19.6 دولار (10 آلاف و500 ريال)، مقارنة بنحو 17.8 دولار (9500 ريال) سابقاً.

كما رفعت سعر الديزل إلى نحو 1.07 دولار للتر (575 ريالاً)، لتباع الصفيحة بالسعر الجديد بنحو 21.5 دولار (11 ألفاً و500 ريال)، بدلاً من نحو 19.6 دولار (10 آلاف و500 ريال)، وفق سعر صرف ثابت للدولار عند 535 ريالاً تفرضه الجماعة بالقوة على الصرافين، ويختلف عن الريال اليمني في المناطق اليمنية المحررة.

تأتي الزيادة في وقت تعاني فيه الأسر اليمنية في مناطق سيطرة الحوثيين ضغوطاً متراكمة؛ نتيجة انقطاع المرتبات وتراجع فرص العمل وتدهور الخدمات، إلى جانب الضرائب والجبايات التي تفرضها الجماعة على المواطنين والأنشطة التجارية.

وتسود مخاوف لدى السكان من أن يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى موجة جديدة من الغلاء، بالنظر إلى ارتباط تكاليف النقل بأسعار السلع والخدمات، خصوصاً المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية.

جانب من طوابير كثيفة أمام محطة وقود في صنعاء (أ.ف.ب)

وقال «أمين»، وهو أحد سكان ضواحي صنعاء، إن زيادة أسعار الوقود لا تقتصر آثارها على أصحاب السيارات، «بل تنتقل سريعاً إلى أجور المواصلات وأسعار المواد الغذائية والخدمات».

وأضاف: «راتبي لا يكفي الاحتياجات الأساسية، وكل زيادة في سعر الوقود تعني أننا سندفع أكثر مقابل المواصلات والمواد الغذائية. الوضع أصبح صعباً جداً على الأسر محدودة الدخل».

أعباء النقل

يواجه سائقو سيارات الأجرة بدورهم ضغوطاً متصاعدة؛ إذ يجدون أنفسهم أمام خيار إما رفع أجور النقل وإما تحمل ارتفاع تكاليف التشغيل.

وقال أحد سائقي سيارات الأجرة في العاصمة اليمنية المختطفة إن رفع سعر البنزين يضع السائقين أمام «خيارين صعبين»، موضحاً: «إذا رفعنا الأجرة؛ فلا يستطيع المواطن الدفع، وإذا أبقيناها كما هي، فلن يغطي الدخل تكلفة الوقود والصيانة».

وفي مدينة ذمار، قال أحد العاملين بالأجر اليومي إن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية أصبح ينعكس على مختلف تفاصيل الحياة اليومية؛ نتيجة ارتباط نقل السلع والخدمات بتكلفة الوقود.

تجمع سيارات أجرة في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وأضاف أن أسرته اضطرت خلال الفترة الأخيرة إلى تقليص مشترياتها من المواد الأساسية، قائلاً: «كل شيء يرتفع مع ارتفاع الوقود، بينما فرص العمل منعدمة، وهذا يجعلنا أمام معادلة صعبة».

وفي محافظة إب، قالت ربة أسرة إن الزيادات المتتالية في أسعار الوقود فاقمت الأعباء المعيشية، في ظل ثبات المداخيل وارتفاع تكاليف الغذاء والمواصلات.

وأضافت: «لم نعد نعرف كيف سندبر احتياجاتنا اليومية. كلما ارتفع سعر الوقود؛ ارتفعت معه أسعار المواصلات والمواد الأساسية، بينما دخل الأسرة لم يتغير».

احتكار وإيرادات

تتهم مصادر يمنية الجماعة الحوثية باستغلال سيطرتها على سوق المشتقات النفطية لتحقيق إيرادات كبيرة، من خلال احتكار استيراد الوقود وتوزيعه وبيعه في المناطق الخاضعة لنفوذها، إلى جانب الإيرادات الناتجة عن الضرائب والجبايات المفروضة على السكان والأنشطة التجارية.

وتقدر المصادر أن الجماعة تجني ملايين الدولارات يومياً من تجارة المشتقات النفطية، فضلاً عن موارد أخرى، بينما تتهمها بتوجيه جزء من هذه الإيرادات لتمويل أنشطتها العسكرية وتعزيز قدراتها في الحرب.

شاحنة مرور تقطع أحد شوارع صنعاء ضمن حملة جباية حوثية (الشرق الأوسط)

وتشير تقارير محلية إلى أن الجماعة تتسبب بأزمات متكررة في الوقود من خلال منع دخول شحنات المشتقات النفطية الآتية من المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية، رغم انخفاض تكلفتها مقارنة بالوقود المستورد عبر ميناء الحديدة، وفق هذه التقارير.

وخلال السنوات الماضية، فرض الحوثيون أكثر من 9 زيادات سعرية على المشتقات النفطية في صنعاء وبقية مناطق سيطرتهم؛ مما أدى إلى ارتفاع متواصل في أسعار الوقود، وانعكس على تكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات، وسط تدهور اقتصادي ومعيشي متفاقم.


الحوثيون ينقلون اقتصاد الجباية إلى الساحل الغربي اليمني

قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون ينقلون اقتصاد الجباية إلى الساحل الغربي اليمني

قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)

تواجه مناطق الساحل الغربي لليمن، وفي مقدمها مديريتا حيس والمخا ومحيطهما، موجة واسعة من التضييق المعيشي بعد سيطرة الجماعة الحوثية حديثاً، والتي سارعت إلى نقل منظومتها لتحصيل الموارد وفرض الجبايات والإتاوات القسرية والإجراءات المصرفية وحرب العملات مع الحكومة الشرعية، وحوّلت الأنشطة الزراعية والتجارية المحدودة مصادر لتمويل أنشطتها الميدانية.

لم تقتصر الإجراءات الحوثية على الجبايات والإتاوات؛ إذ توجهت مباشرة صوب المنظومة المصرفية عبر ذراعها النقدية في صنعاء، حيث بدأت فرض حظر تام على تداول الطبعة النقدية الجديدة من العملة الوطنية الصادرة عن البنك المركزي في عدن، ووجهت ببدء استبدالها بالطبعات القديمة المتهالكة أو الفئات المعدنية البديلة المستحدثة والمعتمدة لديها.

وبعدما سيطرت على مدينة المخا، أقدمت الجماعة على نقل محتويات مبنى البنك المركزي فيها إلى جهة مجهولة، في عملية وصفتها مصادر محلية في المدينة بالنهب المنظم.

وأعيد افتتاح مقر فرع البنك المركزي اليمني في المدينة في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، بعد توقف نشاطه قرابة 10 سنوات بفعل الانقلاب الحوثي والحرب التي فرضتها الجماعة.

الحوثيون سيطروا على فرع «المركزي اليمني» في المخا (البنك المركزي اليمني)

وكشفت مصادر محلية مطلعة في المدينة عن اعتزام الجماعة إطلاق آليات تبادل مجحفة للعملات وبلا غطاء مصرفي عادل؛ ما أسهم في شل الحركة التجارية، المتضررة أصلاً بالعمليات العسكرية وسيطرة الجماعة؛ ما تسبب في توقف جماعي للأنشطة المصرفية وتلاشي قيمة المدخرات الحقيقية في غضون أيام.

ومن شأن ذلك، وفق خبراء اقتصاديين، أن يعمّق انقسام أسعار الصرف ونقل الفجوة المصرفية الحادة إلى قلب مجتمعات الساحل الغربي.

جبايات عاجلة

بدأت ملامح التضييق المعيشي في مديريات جنوب محافظة الحديدة وغرب محافظة تعز، فور سيطرة الجماعة على المنطقة، وكان افتتاح مكاتب ما يسمى «الهيئة العامة للزكاة» أولى خطواتها الميدانية لتحصيل الجبابات وفرض واقع مالي جديد، ولم يتوقف الأمر عند مصادرة المباني الحكومية وتحويلها مراكز للتحصيل الإجباري، بل امتد ليشمل عسكرة الطرقات الحيوية الرابطة بين القرى والبلدات.

مقار جديدة افتتحها الحوثيون لمؤسسات الجباية التابعة لهم في مديريتَي حيس والمخا (إكس)

وذكرت مصادر محلية أن الجماعة، وبمجرد سيطرتها، استحدثت منظومة من «الموازين الإلكترونية» ونقاط التفتيش العسكرية على المداخل المؤدية إلى الأسواق المحلية، لوزن محاصيل المزارعين من خضراوات وفواكه وقات، وفرض رسوم مالية ونسب عينية مجحفة قبل السماح ببيعها وتداولها؛ ما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع الغذائية الأساسية وعجز السكان عن الشراء.

ووجَّه القادة الميدانيون خطابات لوجهاء وأعيان المناطق التي أخضعوها لسيطرتهم أخيراً، يحثونهم فيها على الإسراع بدفع مبالغ دورية لدعم «قوافل رفد الجبهات والمقاتلين»، والإسراع بتحصيلها من السكان، إلى جانب خطابات مشابهة للتجار وكبار ملاك المزارع.

وتعتزم الجماعة إقرار نظام جمارك داخلي مزدوج يفرض رسوماً على حركة البضائع القادمة من المحافظات المحررة.

وتضمنت توجيهات القادة الحوثيين للتجار والوجهاء وملاك المزارع الكبيرة بتقديم تبرعات مالية وعينية تتمثل بالمواشي والمواد الغذائية، وألزمت الأعيان بحصر العائلات في مناطقهم وتقديم بيانات كاملة عنهم لتقدير التبرعات التي سيجري إقرارها بناءً على عدد أفراد كل عائلة.

دمار هائل في ميناء المخا بفعل استهدافه من قِبل الحوثيين قبل السيطرة عليه (غيتي)

وكشفت المصادر المحلية، عن أن الجماعة ألزمت المطاعم والمحال التجارية بتقديم وجبات ومواد غذائية للمقاتلين وعناصر الأمن والمسلحين التابعين لها، وسط تهديدات مباشرة بالعقوبات القاسية والمصادرة في حال تجاهل طلباتهم.

تكلفة السيطرة

تقول مصادر «الشرق الأوسط» إنه، وفي مواجهة التذمر الشعبي الواسع بسبب تلك الإجراءات، لوّح القادة الحوثيون بالرد على شكاوى التجار وملاك المزارع بمواجهة تهم الخيانة، عادّين أن هذه الأموال المطلوب جبياتها هي مقابل إجباري لما سمّوه «تحريرهم» من سلطة الحكومة الشرعية، وطلبوا من السكان إظهار الامتنان والشكر بذريعة تخليصهم من «الاحتلال الأميركي والإسرائيلي»، وفقاً لرواية الجماعة وسرديتها.

وتعكس التقارير الحقوقية الأخيرة الصادرة عن منظمات محلية حجم الكارثة الإنسانية والاقتصادية المروعة في المنطقة، فحسب تقرير للشبكة اليمنية للحقوق والحريات، جرى اقتحام ومداهمة نحو 356 منشأة حكومية ومنزلاً خاصاً تعرضت لنهب كلي أو جزئي ومصادرة الأصول المادية والسيولة النقدية الموجودة بداخلها.

الجماعة الحوثية نقلت مباشرة ممارسات اقتصاد الحرب إلى المناطق التي سيطرت عليها أخيراً (إ.ب.أ)

وشملت عمليات المصادرة العسكرية نحو 30 سيارة خاصة و17 دراجة نارية، بالإضافة إلى نهب أجهزة ومركبات تابعة لمركز الأمم المتحدة الإنساني في المخا؛ ما تسبب في شلل تام لحركة الإغاثة والتبادل التجاري المحلي وحرمان المحتاجين من المساعدات الطارئة.

وكانت «مؤسسة تمكين المرأة اليمنية» وثقت في تقرير لها، منذ أيام، أكثر من 18 واقعة مصادرة أموال وممتلكات وفرض جبايات مباشرة خلال سعي الحوثيين على مناطق في جنوب محافظة الحديدة وغرب محافظة تعز.

ويعتمد غالبية سكان الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر على الزراعة الموسمية والصيد التقليدي، وهي أنشطة اقتصادية ذات دخل محدود ومتقطع، ويؤدي فرض الجبايات القسرية وصدمات الحرب إلى الإضرار بها بشكل بالغ.

أعمال جباية حوثية مكثفة لتمويل تصعيد الجماعة العسكري وتجنيد المزيد من المقاتلين (غيتي)

وتشهد المنطقة موجة نزوح جماعي واسعة النطاق عقب التطورات العسكرية الأخيرة، وسجلت الإحصاءات الرسمية الصادرة عن «الوحدة التنفيذية لمخيمات النازحين» نزوح ما لا يقل عن 823 أسرة (تضم أكثر من 5671 فرداً) من مديرية المخا وحدها باتجاه المناطق التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية في تعز والمحافظات الجنوبية.

من جهتها، تتوقع الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن إجمالي العائلات المشردة والمهجرة قسرياً بفعل هذه الإجراءات الاقتصادية والأمنية التعسفية تجاوز 2300 أسرة في عموم مناطق الساحل الغربي؛ ما ينذر بكارثة إنسانية متفاقمة وأزمة لجوء حادة تتطلب تدخلاً عاجلاً من المجتمع الدولي والمنظمات الأممية.