قصة فنان بريطاني نقل فن الزجاج المُعشَّق إلى أميركا قبل 200 عام

أسس أقدم استديو من نوعه في كاليفورنيا وأحفاد أحفاده يمارسون المهنة

TT

قصة فنان بريطاني نقل فن الزجاج المُعشَّق إلى أميركا قبل 200 عام

في عام 1893 وصل رسام إنجليزي جوال إلى الساحل الغربي بالولايات المتحدة متوقعاً موته في أي لحظة. ونظر ويليام ليس جادسون، البالغ من العمر 51 عاماً، إلى الوراء ليستطلع حياة مليئة بالمغامرات: التجوال عبر المحيط الأطلسي، وزراعة السهول في أونتاريو الكندية، والقتال تحت إمرة الجنرال أوليسيس غرانت في الحرب الأهلية الأميركية، ثم الانغماس في عشق الفنون الجميلة لدى أكاديمية «جوليان» الفنية في باريس. وعندما توفيت زوجته على نحو مفاجئ ثم تدهورت صحته بعد ذلك، نصحه عدد من الأطباء بالاستفادة من «علاج كاليفورنيا» وقضاء الأيام الأخيرة من حياته في الهواء الدافئ والجاف في الأرض المعروفة بالولاية الذهبية.
يقول حفيد حفيد ديفيد جادسون مؤخراً من استديو الزجاج المُعشَّق الذي أسّسه جده الأكبر عام 1897: «بدلاً من ذلك، عاش جدي 35 عاماً أخرى، وأنشأ خلالها كلية الفنون الجميلة في جامعة جنوب كاليفورنيا في نفس هذا المبنى، كما ساعد في إنشاء حركة الفنون والحرف اليدوية في المدينة».
ومن داخل الاستديو الواقع في هايلاند بارك، مع إطلالته على جبال سان غابرييل ونهر أرويو سيكو، كانت نماذج التيجان الأصلية، ورواق تيرا كوتا، ومصابيح الإضاءة المثبتة بعناية، مع أكثر من 500 نوع من الزجاج الملون المعروض –فيما يشبه لوح الألوان الذي يتخير منه الفنانون ما يشاءون– يمكن لأحدنا أن يتصور على نحو تقريبي مشاهد من لوس أنجليس كأنها بلدة الأبقار الناعسة على النحو الذي كانت عليه في الزمن القديم.
عكفت خمسة أجيال متتابعة من عائلة جادسون على صناعة نوافذ الزجاج المُعشَّق لمنازل أصحاب الحرف في باسادينا وهوليوود، بما في ذلك منزل «إينيس» و«منزل هوليهوك» من تصميم المعماري الشهير فرانك لويد رايت –ولقد صارا من مواقع «اليونيسكو» التي أُطلق على نوافذها ذات الزوايا التجريدية الزجاجية الحادة مسمى «الشاشات الخفيفة»– بالإضافة إلى الجداريات الزجاجية للمسرح المصري من تصميم غرومان، وثريّا الكرة الأرضية الموجودة في المكتبة المركزية العامة في مدينة لوس أنجليس، فضلاً عن عدد آخر لا يُحصى من الكنائس، والمعابد، والمتاحف.
كان من أبرز أعمال الاستديو الأكثر شهرة خارج ولاية كاليفورنيا، الزجاج العصري التصميم في كنيس الطلاب التابع لكلية القوات الجوية الأميركية والذي يعد أعجوبة منتصف القرن في كولورادو، ونافذة الزجاج المُعشَّق بعرض 100 قدم وتكلفت 3.4 مليون دولار داخل كنيسة القيامة في ليوود بولاية كانساس. ابتكر الحرفيون عملاً يبلغ 30 ألف رطل من 17 قطعة زجاجية ملونة في نافورة برج العرب فائق الفخامة في مدينة دبي، والزجاج المطعم بالبرونز لتزيين الخزائن الفاخرة من تصميم كيلي ويرستلر، مع الأبواب المقطعة من الألواح الزجاجية الموشاة بالعقيق لصالح المغنية الأميركية الشهيرة كريستينا ماريا أغيليرا.
نشأت فكرة الزجاج المُعشَّق في كنائس العصور الوسطى الأوروبية، وكانت تُصنع بالأسلوب التقليدي القديم لصناعة الزجاج من حيث النفخ بالفم، ثم التقطيع اليدوي، ثم الجمع بشرائط مصنوعة من الرصاص. وكان جادسون، الرائد الأول، منغمساً في تقاليد صناعة الزجاج الذي يحتوي على شرائط الرصاص، غير أنه تفوق عليهم في عملية يستطيع من خلالها تسخين الزجاج إلى أكثر من 1000 درجة فهرنهايت (538 مئوية تقريباً)، تلك التي يتمكن فيها من دمج القطع الزجاجية المتعددة مع تشكيل الألوان الجديدة في نفس الوقت. وكان أغلى الألوان ثمناً هو اللون الوردي، نظراً لأنه يُصنع من رقائق الذهب.
كان استديو الزجاج المُعشَّق قد تعاون على مدى السنوات الأربع الماضية مع عدد من الفنانين المحليين المخضرمين والناشئين في تصميم الجداريات، ومناظر الشوارع، وحتى بعض المنحوتات، تلك التي صنعها من أجل عرض أوّلي جرى إرجاء افتتاحه إثر تفشي الجائحة الأخيرة والمستمرة.
يقول السيد جادسون، الذي أغلق أبواب الاستديو لمدة 3 أشهر خلال العام الماضي بسبب الوباء: «كنا نواصل العمل بلا توقف إبان الحرب العالمية الأولى، ثم الوباء الكبير لعام 1918، ثم خلال سنوات الحرب العالمية الثانية»، (ولقد انخفض عدد العمال لديه من 30 إلى 18 موظفاً فقط لنفس السبب المذكور).
طرح هذا التوقف المؤقت عن مباشرة الأعمال أمراً غير متوقع ساعد في أن يؤتي العرض ثماره: فلقد حان الوقت لاستكمال المهام متعددة السنوات ذات العمالة المكثفة تلك التي تستغرق من 8 إلى 10 ساعات من التصميم والطلاء في كل قدم مربعة من العمل. وفي الأسبوع المقبل، سوف يُماط اللثام عن تلك القطع التي بدأ الفنانون العمل عليها منذ أعوام مضت في المعرض الأول، في متحف «فورست لون»، الذي يعد حديقة مقبرة تذكارية ويُعرف بأنه من المعالم المميزة في مدينة لوس أنجليس.
هناك صور مزججة للاعب كرة السلة الأميركي الشهير كوبي براينت، وفسيفساء بالخط القوطي مع منحوتات تجريدية من بين ممتزجات تيم كاري، والذي كان يشارك العمل رفقة الفنان المكسيكي الإيطالي نارسيس كوالياتا في نافذة البعث، وديفيد فلوريس المعروف بجداريات فنون البوب والأعمال التجارية الأخرى، والرسام مايلز ماكغريغور –المعروف أيضا باسم «إل ماك»– وهو فنان جداريات الأكريليك في كوبا وكمبوديا، ثم ماركو زامورا المشهور برسومات أصحاب الياقات الزرقاء في المدينة، فضلاً عن مخرجة الأفلام التجريبية أليس وانغ التي تأثرت في أعمالها بحفريات «لا بريا تار بيتس» في ولاية كاليفورنيا.
يقول السيد جيمس فيشبورن، مدير متحف «فورست لون»: «يكسر التعاون كل قواعد الزجاج المُعشَّق المعروفة»، في حين قال ماركو زامورا: «إن المجال نفسه يخالف تلك القواعد أيضاً»، والذي وصف متحف «فورست لون» بقوله: «موضع غير متوقع للعرض في عام غير متوقع للعمل».
يستمر العرض المجاني من 28 أبريل (نيسان) الجاري حتى 12 سبتمبر (أيلول) المقبل، ويشتمل على ما يقرب من 100 قطعة فنية أصلية. كما أنه يكشف أيضاً عن الزجاج الملون الذي يرجع إلى القرون الوسطى والمبنيّ في جدران «فورست لون»، بما في ذلك عدد من التصاميم التي أنشأها البريخت دورر. ولقد جرى إنشاء كثير من القطع الزجاجية ضمن مجموعة «فورست لون» التي سوف تكون جزءاً من العرض لما بين القرنين الثاني عشر والسادس عشر في فرنسا وألمانيا والتي جرى شراؤها من مجموعة ويليام راندولف هيرست الشخصية.
يقول جيمس فيشبورن، مدير متحف «فورست لون»: «متحفنا جوهرة مخفية ونحن جهدنا لإماطة اللثام عنها أمام الجميع».
شرعت «استديوهات جادسون» في العمل مع متحف «فورست لون» منذ عام 1920 على تنفيذ مجموعة من مصابيح السقف والنوافذ لصالح «الضريح العظيم».
أوضح السيد جادسون طريقة العمل متعددة الخطوات في إنشاء النوافذ، الأمر الذي يعني وجود مساحة كبيرة أمام الأخطاء. ولقد تمت الإشارة إلى ذلك بصفة خاصة فيما قد يكون أكثر مشاريع الاستديو خاصته طموحاً: «الباغودا»، وهي عبارة عن قبة زجاجية ضخمة من أعمال الفنان التشكيلي التايواني الأميركي جيمس جان. وتبلغ تكاليف أعمال التصميم، والتأطير، والمواد، والبناء، وتحليل البيانات، والهندسة الإنشائية، فضلاً عن التكلفة الشخصية، نحواً من 1.5 مليون دولار.
يقول الفنان جيمس جان، الذي عمل مع جادسون في مشروع سابق عبارة عن تمثال «غايا» من الزجاج موجود حالياً في متحف بكوريا الجنوبية: «عندما بدأت العمل مع جادسون، استخدمنا تقنية القطع بالمياه النفاثة مع جلب البخاخ الهوائي وصناعة النماذج الأولية بالتصاميم ثلاثية الأبعاد»، وأضاف جان قائلاً: «أدت الشراكة إلى مشروع قبة باغودا الضخمة التي تسمح للمشاهدين بالدخول وأن يكونوا محاطين بالكامل بالألوان والأضواء مع معاينة تحولات الضوء على أجسادهم». ولسوف يجري عرض لوحات من هذا العمل الكبير بحلول أواخر صيف العام الجاري.
- خدمة «نيويورك تايمز»



أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
TT

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)

أعرب الفنان المصري أحمد وفيق عن سعادته بتجربته السينمائية الجديدة «الغربان» مع النجم عمرو سعد. وقال إن مسلسله الجديد «قلب شمس» مع المخرج محمد سامي يحمل العديد من المفاجآت الدرامية، مُبدياً ندمه على مشاركته في مسلسل «الحلانجي».

وأشار وفيق إلى أن شخصيته في العمل محورية وتعتبر العنصر الأساسي في الصراع.

ويشارك في بطولة المسلسل: يسرا، ودُرة، وإنجي المقدم، وسوسن بدر، وانتصار، ومحمود قابيل، والمسلسل يسلط الضوء على مشاكل العلاقات الإنسانية والصراعات الاجتماعية المختلفة، ومن المقرر عرضه قريباً على إحدى المنصات الرقمية.

ووصف وفيق شخصية «المحامي راشد» التي قدمها في مسلسل «البخت» بأنها من الشخصيات المهمة في مشواره، خصوصاً أنه سبق أن قدم شخصية «المحامي الشرير» الذي يمارس كل الألعاب الذهنية والإجرامية، بينما «راشد» يتمتع بـ«الشر الهادئ» الذي يعتمد على الأداء النفسي. ويرجع الفضل في أدائه للمخرج معتز حسام، على حد قوله، الذي عدّه من أكبر الداعمين له.

«بيت الشدة»

وعن مسلسله «بيت الشدة»، قال إنه عمل يمزج بين التشويق والرعب والواقعية الاجتماعية، وجسد فيه شخصية «المعلم مختار» الرجل الشعبي الشهم المتعلم الذي يمتلك مقهى، ويعتبر نفسه القائد الطبيعي للسكان، ويتصدى لمحاولات السيطرة على الحارة.

الفنان المصري أحمد وفيق (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن حبه للعمل جاء بسبب الفكرة المهمة التي يطرحها وهي أن القائد هو من يتمتع بالأخلاق وليس السطوة أو النفوذ.

وأكد أنه ليس بالضرورة أن يتكلم البطل الشعبي بطريقة معينة أو أن يكون أسيراً للمخدرات، كما نشاهد في بعض الأعمال حالياً.

«الحلانجي»

لكن السعادة التي يتحدث بها وفيق عن دوره في «بيت الشدة» تتبدل عندما يتم التطرق إلى مسلسل «الحلانجي» الذي جسد فيه شخصية رجل أعمال ذي نفوذ وسلطة، مؤكداً ندمه على المشاركة في هذا المسلسل، إذ لم يضف له العمل شيئاً على المستوى الفني، ولم يحظِ بالمشاهدة التي كان يتوقعها رغم الجهد الذي بذله فيه.

شارك وفيق في أعمال درامية كثيرة (الشرق الأوسط)

وكان المسلسل قد عرض في موسم رمضان 2025 وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج معتز حسام وبطولة محمد رجب وعبير صبري وأيتن عامر ومحمد لطفي.

فيلم «الغربان»

ووصف وفيق تجربته السينمائية في فيلم «الغربان» بأنها مثيرة ومن أكبر الإنتاجات في تاريخ السينما العربية من حيث الميزانية والتنفيذ، إذ تدور أحداث العمل عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً حول معركة العلمين في الصحراء الغربية، ويتناول صراعات ومعارك تاريخية بأسلوب بصري مدهش يضاهي أفلام هوليوود، على حد قوله.

وفيق أعرب عن ندمه على المشاركة في مسلسل «الحلانجي» (الشرق الأوسط)

ويجسد وفيق في الفيلم شخصية قائد جيوش الغربان وهي شخصية محورية ومؤثرة في مسار الأحداث وقد خضع بسببها لتدريبات شاقة.

الفيلم من بطولة عمرو سعد ودينا الشربيني ومي عمر وأسماء أبو اليزيد ومحمد علاء وماجد المصري، وعائشة بن أحمد، كما يشارك فيه ممثلون من روسيا وألمانيا وبريطانيا وأميركا، ومن المقرر طرحه في دور العرض خلال ديسمبر «كانون الأول» المقبل بعد رحلة تصوير وإنتاج استغرقت نحو خمسة أعوام وسيتم ترجمته إلى 12 لغة.

ورغم ذلك يؤكد وفيق أن شخصية «الطبيب النفسي عاصم» التي قدمها ضمن مسلسل «سراب» الأقرب إلى قلبه.

طول القامة

ويؤكد وفيق أن طول قامته لم يمنحه ميزة في العمل بمجال الفن، بل ساهم في تأخير مشواره في البدايات، حيث تم استبعاده من أعمال كثيرة رُشح لها لأن طوله لا يتناسب مع بقية الممثلين، وأوضح أن المخرج الراحل يوسف شاهين كان أول من حل هذه المشكلة تقنياً، بعد أن طمأنه بأن زوايا التصوير يمكن أن تتحكم في إظهار الممثل طويلاً أو قصيراً.

وفيق في دور المحامي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن البطولة المُطلقة ظلمت فنانين كباراً وحرمت الجمهور من الاستمتاع بموهبتهم حيث يخشى بعضهم تقديم أدوار معينة خوفاً من رفض الجمهور لها.

وكشف وفيق عن أنه بدأ مسيرته المهنية بالعمل صحافياً في جريدة «الوفد» المصرية، حيث اعتبرها خطوة داعمة ومُكملة لطريقه نحو التمثيل إذ ساهمت في صقل خبراته بالإضافة إلى ممارسته لأعمال فنية أخرى مثل الديكور والنقد الفني والتشكيلي وتمصير النصوص والإخراج المسرحي.


مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
TT

مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي إن فكرة فيلم «نارسيسو» بدأت عندما قرأ كتاباً يتناول حادثة قتل حقيقية وقعت في باراغواي في أواخر الخمسينات، موضحاً أن ما جذبه في هذا العمل التحليل الاجتماعي الذي يقدمه وليس الجانب البوليسي، إذ ينظر الكتاب إلى تلك الجريمة بوصفها انعكاساً لبنية مجتمع كامل، وليس مجرد حادثة فردية، وهو ما دفعه للتفكير في تحويلها إلى فيلم يطرح أسئلة أكبر من مجرد البحث عن القاتل.

وأضاف مارتينيسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن ما لفت انتباهه أيضاً في تلك القراءة هي الطريقة التي تُتناول بها الديكتاتورية في تاريخ باراغواي، إذ غالباً ما يركِّز الحديث على شخصية الحاكم وحده، في حين يتم تجاهل الدور الذي لعبه المجتمع نفسه في دعم تلك السلطة أو التعايش معها، وهو ما جعله يحاول من خلال الفيلم الاقتراب من هذه المنطقة الرمادية، «حيث تتداخل المسؤوليات الفردية والجماعية في صناعة المناخ الذي يسمح بترسيخ الاستبداد»، على حد تعبيره.

تحمس المخرج للفيلم بعد قراءة قصة البطل (مهرجان برلين)

وأشار إلى أنه لم يكن مهتماً بنقل أحداث الرواية أو الوقائع التاريخية حرفياً، بل استخدمها نقطة انطلاقٍ لبناء عالم سينمائي خاص، لأن السينما تمنح المخرج حرية إعادة تخيل التاريخ، ما جعله يفضّل أن يركز على الأجواء النفسية والاجتماعية لتلك المرحلة أكثر من التزامه بالتفاصيل الدقيقة للحدث الحقيقي.

تدور أحداث «نارسيسو» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، في باراغواي عام 1959، حين يعود شاب غامض يحمل روحاً متمردة وإيقاعات موسيقى «الروك آند رول» التي كانت في ذلك الوقت تمثل رمزاً للتغيير، وسرعان ما يتحول هذا الشاب إلى نجم إذاعي يلفت الأنظار بحضوره الطاغي وشخصيته الآسرة، ليصبح رمزاً غير مباشر لرغبة جيل كامل في التحرر داخل مجتمع محافظ يعيش تحت قبضة سياسية صارمة.

المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي (الشركة المنتجة)

لكن هذا الصعود السريع لا يستمر طويلاً، فبعد أحد عروضه الأخيرة يُعثر على نارسيسو ميتاً في ظروف غامضة، لتتحول وفاته إلى حدث يهز المجتمع بأكمله، ومن خلال هذه الجريمة الغامضة يفتح الفيلم باباً واسعاً للتأمل في طبيعة السلطة والخوف الجماعي، وفي الطريقة التي يمكن أن يتحول بها المجتمع نفسه إلى شريك في إنتاج القمع.

يقول مارسيلو مارتينيسي إن «الإذاعة كانت بالنسبة لي المكان المثالي الذي يمكن أن تتقاطع فيه كل هذه الخيوط، لأنها كانت في ذلك الزمن وسيلة الإعلام الأكثر تأثيراً في المجتمع، فجاء الاستوديو الإذاعي ليس مجرد موقع للأحداث، بل فضاء يجتمع فيه الفن والسياسة والسلطة، ويمكن للكلمة أو للأغنية أن تتحول إلى أداة تأثير حقيقية في الجمهور».

وتحدث المخرج عن التحدي الذي واجهه في إعادة تمثل باراغواي في خمسينات القرن الماضي، مشيراً إلى أن «تلك الفترة لا يوجد لها أرشيف بصري كبير يمكن الاعتماد عليه، فمعظم الصور المتبقية من تلك السنوات جاءت من مؤسسات رسمية، مما يعني أنها تقدم رؤية السلطة أكثر مما تعكس الحياة اليومية للناس».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان «برلين» (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «فريق العمل اضطر إلى البحث في مصادر عدّة، من صور قديمة، وشهادات شخصية، وحتى ذكريات بعض من عاشوا تلك الفترة؛ لأن الهدف لم يكن إعادة بناء الماضي بشكلٍ متحفي، بل خلق إحساسٍ حي بذلك الزمن، يسمح للممثلين والجمهور معاً بأن يشعروا بأنهم يعيشون داخله».

وأضاف مارتينيسي أن «غياب المراجع الكثيرة، رغم مساوئه، منحهم في الوقت نفسه مساحة أكبر للخيال؛ لأن السينما تحتاج إلى خلق عالم مُقنع يشعر المشاهد بأنه حقيقي، حتى لو كان جزءٌ منه متخيّلاً».

وتحدَّث المخرج عن الشخصيات التي تدور حول «نارسيسو»، موضحاً أن العلاقات بينها تقوم على صراعٍ خفي بين الرغبة والسلطة؛ لأن المجتمع في تلك الفترة كان يفرض قيوداً صارمة على التعبير عن الهوية الشخصية، وهو ما يجعل كثيراً من الشخصيات تعيش حالة من التناقض بين حياتها العلنية وما تُخفيه في داخلها.

وأضاف أن «بعض الشخصيات تحاول التمسّك بصورة اجتماعية مثالية، حتى لو كان ذلك يعني قمع مشاعرها الحقيقية، بينما تمتلك شخصيات أخرى هامشاً أكبر من الحرية؛ لأنها أقل ارتباطاً بالقواعد الاجتماعية المحلية»، في تباين خلق توتراً درامياً ازداد تعقيداً مع وجود «نارسيسو».

وأشار إلى أن شخصية «نارسيسو» نفسها صُممت لتبقى غامضة إلى حدٍّ كبير؛ فالفيلم لا يقدّم له سيرة واضحة أو تفسيراً كاملاً لشخصيته، لأن ما يهم ليس ماضيه بقدر ما هو التأثير الذي يتركه حضوره في الآخرين، ما يجعله يمثّل نوعاً من الحرية التي يصعب على المجتمع استيعابها؛ ولذلك يصبح وجوده مصدر جذب وخوف في الوقت نفسه.


«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)

داخل صالات العرض وفي مختلف أنحاء حي جاكس، واصل الزوَّار، حتى الساعات الأخيرة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، استكشاف الأعمال الفنية، والمشاركة في الورش، وتبادل لحظات ينسجها الإبداع والتفاعل.

وعلى مدى أكثر من 92 يوماً، أخذت الدورة الثالثة من بينالي الدرعية، التي جاءت بعنوان «في الحل والترحال»، زوارها في رحلة لاستكشاف مفهوم التنقل، واضعة إياهم في حالة حركة مستمرة عبر مسارات متشابكة بين الثقافات والتعبيرات الفنية

التقت الحكايات وتقاربت الرؤى وتحولت الحركة إلى حوار حيّ عبر الثقافات (بينالي الدرعية)

وقد عكست هذه المسارات موضوعات البينالي، وفي مقدمتها التبادل الثقافي والفني، الذي تبلور في أروقته، حيث التقت تجارب من مختلف أنحاء العالم لتشكِّل مشهداً فنياً متفاعلاً ينصهر في بوتقة واحدة، تعكس وحدة التجارب الإنسانية.

وعبر فضاءات متعددة، ولغات متنوعة، ومسارات متقاطعة، جمع «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026» هذا التنوع في مساحة مشتركة، حيث التقت الحكايات، وتقاربت الرؤى، وتحولت الحركة إلى حوار حي عابر للثقافات والمسافات والزمن.

«الأرشيف» كائن حي يصوغ المستقبل

يتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام للبينالي «الحل والترحال» (بينالي الدرعية)

وفي ختام الفعاليات الرئيسية التي احتضنها «البينالي»، برز تساؤل يتجاوز حدود اللوحات والمنحوتات: كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى مادة خام للمستقبل؟ وذلك من خلال مشروع «حراس الزمن: الأرشيف في حالة تحول»، الذي أطلقته مؤسسة «بينالي الدرعية» ضمن مسارها الفكري والفني.

وكشفت سيبيل فاسكيز، مديرة البرامج الثقافية والعامة في «مؤسسة بينالي الدرعية«» بالسعودية، عن الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه، مؤكدة أن الأرشيف لم يعد مجرد رفوف غبارية أو سجلات منسية، بل نظام حي يتنفس في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية.

البينالي جمع بين أطراف العالم لإكمال مشهد فني متفاعل (بينالي الدرعية)

وأوضحت أن اختيار شعار «حراس الزمن» جاء استجابة طبيعية للسيولة الثقافية التي يختبرها البينالي، مضيفة: «بصفتنا مؤسسة، يمر عبرنا كمٌّ هائل من الأفكار والبحوث والحوارات، وسرعان ما ندرك أن القليل منها يبقى ثابتاً؛ من هنا برزت الحاجة إلى تعريف الأرشيف بوصفه كياناً يتشكل بنشاط في الحاضر، لا كوعاء ساكن للماضي».

ويتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام لـ«البينالي» هذا العام «الحل والترحال»، حيث تشير فاسكيز إلى أن «الأرشيف يعمل بطريقة تشبه الفواصل والتحولات؛ فهو مليء بالثغرات والتعديلات، وننظر إليه بوصفه فضاءً انتقالياً بين الماضي والمستقبل».

عبر أماكن ولغات ومسارات جمع بينالي الدرعية التنوّع في مساحة واحدة (بينالي الدرعية)

وأضافت أن الفنانين المشاركين استكشفوا هذه المساحات عبر موضوعات النزوح، والذاكرة، والسرديات المتطورة، ما حوَّل الأرشفة من مجرد «توثيق» إلى «ممارسة فنية» تجمع بين العمق الشخصي والتقنيات المعاصرة.

ومع تسارع التحولات الرقمية، ترى فاسكيز أن دور الأرشيف تجاوز الحفظ إلى التأثير، موضحة: «لقد جعلت التقنيات الأرشفة أسهل، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد فهمنا للمواد؛ ولم يعد السؤال: ماذا نحتفظ؟ بل كيف نتعامل مع ما نحتفظ به؟»، مشيرة إلى أن الأرشيف في السعودية اليوم بات مادة خاماً يُعيد من خلالها الممارسون بناء سرديات جديدة.

التبادل الثقافي والفني تبلورا بين أروقة البينالي وأركانه (بينالي الدرعية)

وبهذه الرؤية، كرَّس «بينالي الدرعية» مكانته، ليس بوصفه منصة لعرض الفنون فقط، بل بوصفه مختبراً وطنياً يعيد تعريف العلاقة بالزمن، ويحوّل «حراس الزمن» إلى شركاء في كتابة تاريخ لم يتشكل بعد.

وخلال الفترة من 30 يناير (كانون الثاني) إلى 2 مايو (أيار) 2026، في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، خاض الجمهور تجربة فنية تفاعلية عبر الأعمال والأفكار التي تناولت عالماً يتَّسم بالحركة والتغير المستمر.

وقدمت تصوراً لعالم يتشكل عبر الترحال لا الثبات، ومن خلال مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات، تجسدت في أعمال ملأت قاعات العرض، وشارك فيها 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، لتتلاشى بينها الحواجز وتتوحد في سرد إنساني مشترك.