قلق وانزعاج إيرانيان جرّاء الهجمات الإسرائيلية المتكررة

كشفت الهجمات امتلاك إسرائيل لشبكة فعّالة من المتعاونين داخل البلاد

نائب قائد «فيلق القدس» العميد محمد حسين زاده حجازي («فارس»)
نائب قائد «فيلق القدس» العميد محمد حسين زاده حجازي («فارس»)
TT

قلق وانزعاج إيرانيان جرّاء الهجمات الإسرائيلية المتكررة

نائب قائد «فيلق القدس» العميد محمد حسين زاده حجازي («فارس»)
نائب قائد «فيلق القدس» العميد محمد حسين زاده حجازي («فارس»)

خلال مدة تقل عن تسعة أشهر أطلق قاتل مأجور على دراجة نارية النار على أحد قادة تنظيم «القاعدة» اللاجئين في طهران مما أرداه قتيلاً؛ وتم إطلاق النار على عالم نووي إيراني بارز على طريق ريفي، وكذلك حدث انفجاران غامضان منفصلان في إحدى المنشآت النووية الإيرانية الرئيسية في الصحراء، مما يمثل ضربة موجهة إلى قلب الجهود التي تبذلها البلاد من أجل تخصيب اليورانيوم.
وقد سلطت تلك الهجمات المتكررة، التي قال مسؤولون استخباراتيون إن إسرائيل ضالعة في تنفيذها، الضوء على سهولة وصول الاستخبارات الإسرائيلية إلى عمق إيران، وتنفيذ هجمات متكررة ضد أهداف تحظى بحراسة مشددة بمساعدة إيرانيين منشقين في أكثر الأحوال.
كذلك كشفت الهجمات، التي تمثل الموجة الأحدث ضمن عمليات تخريب واغتيال امتدت لأكثر من عقدين، عن الإخفاقات الأمنية المحرجة، وجعلت القادة الإيرانيين يشعرون بالقلق والتوتر في ظل استئناف المفاوضات مع إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن التي تستهدف العودة إلى الاتفاق النووي الذي تم إبرامه عام 2015.
وكانت الاتهامات المتبادلة حادة ولاذعة. وقد ذكر رئيس المركز الاستراتيجي في البرلمان أن إيران تحولت إلى «ملجأ للجواسيس». ودعا القائد السابق لـ«الحرس الثوري الإيراني» إلى إصلاح شامل للجهاز الأمني والاستخباراتي الإيراني. كذلك طالب مشرعون باستقالة مسؤولين بارزين في الأمن والاستخبارات، حسب ما ذكرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية.
مع ذلك كان أكثر ما يثير قلق وخوف إيران، على حد قول مسؤولين ومحللين إيرانيين، هو ما كشفت عنه الهجمات من امتلاك إسرائيل لشبكة فعّالة من المتعاونين داخل إيران، ومن فشل الاستخبارات الإيرانية في رصد الثغرات.
تقول سانام فاكيل، نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد «تشاتام هاوس»: «إن تمكن الإسرائيليين من ضرب إيران من الداخل بهذه الطريقة الجريئة الفجّة أمر محرج للغاية، ويوضح ضعفا أرى أن تأثيره خطير داخل إيران».
كذلك ألقت الهجمات بظلال الخوف والرعب على بلد بات يرى الآن مؤامرات خارجية في كل حادث. وقد بثّ التلفزيون الرسمي الإيراني خلال نهاية الأسبوع الماضي صورة فوتوغرافية لرجل يُقال إن اسمه رضا كريمي يبلغ من العمر 43 عاماً، وتم اتهامه بأنه «مرتكب التخريب» في انفجار منشآة نطنز النووية خلال الشهر الماضي، لكن لم يكن من الواضح من هو تحديداً، أو ما إذا كان يعمل وحده دون شركاء أم لا، أو حتى ما إذا كان ذلك الاسم هو اسمه الحقيقي أم لا.
في كل الأحوال، لقد فرّ خارج البلاد قبل الانفجار بحسب تصريح وزارة الاستخبارات الإيرانية.
وعقب إذاعة وسائل الإعلام الإخبارية الرسمية الإيرانية، يوم الأحد الماضي، نبأ وفاة العميد محمد حسين زاده حجازي، نائب قائد «فيلق القدس»، الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري الإيراني»، إثر أزمة قلبية، بدأت تظهر على الفور شكوك في أن يكون الأمر مدبراً.
ولطالما كان حجازي هدفاً لأعمال التجسس الإسرائيلية؛ وقد أكد نجل قائد بارز آخر في «فيلق القدس» على موقع «تويتر» أن وفاة حجازي «لم تكن متعلقة بأي مشاكل في القلب». وامتنع متحدث باسم «الحرس الثوري» عن توضيح الموقف من خلال البيان الذي أشار إلى أن وفاته كانت ناتجة عن أسباب عديدة متعلقة بـ«مهام شديدة الصعوبة»، والإصابة بفيروس «كورونا»، والتعرض لأسلحة كيماوية خلال الحرب الإيرانية - العراقية. في حال صحة هذه الفرضية يكون حجازي هو ثالث مسؤول عسكري إيراني رفيع المستوى يتم اغتياله خلال الـ15 شهراً الماضية، حيث قتلت الولايات المتحدة الأميركية قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» في يناير (كانون الثاني) 2020. واغتالت إسرائيل محسن فخري زاده، العالم النووي الإيراني البارز، والعميد في «الحرس الثوري» في نوفمبر (تشرين الثاني).
وحتى إذا كانت وفاة حجازي طبيعية، تظل الخسائر المتعاقبة لثلاثة قادة تمثل ضربة قوية لإيران. وتمثل الهجمات تصاعدا في وتيرة حملة طويلة الأمد من جانب الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية تستهدف تقويض ما يرونها أنشطة إيرانية خطيرة، أهمها البرنامج النووي الإيراني الذي تؤكد إيران باستمرار أنه سلمي، واستثمار إيران في الجماعات المسلحة التابعة لها في العالم العربي، وتصنيعها لصواريخ موجهة بدقة من أجل تنظيم «حزب الله» في لبنان.
وقد أوضحت وثيقة استخباراتية عسكرية إسرائيلية عام 2019 أن حجازي كان شخصية قيادية في الأمرين المذكورين سالفاً بصفته قائدا للقوات اللبنانية في «فيلق القدس» ورئيس مشروع الصواريخ الموجهة.
وقال رمضان شريف، المتحدث باسم «الحرس الثوري» الإيراني، إن إسرائيل أرادت اغتيال حجازي. وتعمل إسرائيل على عرقلة وتقويض برنامج إيران النووي، الذي تعدّه تهديداً خطيراً منذ بدايته. وهناك اعتقاد أن إسرائيل قد بدأت في اغتيال الشخصيات القيادية في البرنامج عام 2007 عندما توفي عالم نووي في منشأة نووية في أصفهان في حادث تسرب غاز غامض.
ومنذ ذلك التاريخ تم اغتيال ستة علماء نوويين آخرين ومسؤولين عسكريين لهم دور حيوي في جهود إيران النووية، فيما أصيب السابع. وذكر رستم قاسمي، قائد آخر رفيع المستوى في «فيلق القدس»، مؤخراً أنه نجا من محاولة اغتيال دبرتها إسرائيل خلال زيارته إلى لبنان في مارس (آذار).
مع ذلك لا يمثل الاغتيال سوى وسيلة واحدة في حملة يتم تنفيذها على عدة مستويات وجبهات. فقد نفذت إسرائيل عام 2018 هجوما ليليا جريئا لسرقة نصف طن من الملفات والسجلات السرية الخاصة ببرنامج إيران النووي من مستودع في طهران. كذلك جالت إسرائيل حول العالم بحثاً عن معدات في بلدان أخرى كان من المقرر شحنها إلى إيران، وذلك من أجل تدميرها، وإخفاء جهاز مرسل مستجيب في الحاوية المعبأة بداخلها تلك المعدات، أو زرع متفجرات بحيث تنفجر بعد تركيبها في إيران بحسب مسؤول استخباراتي أميركي سابق رفيع المستوى.
وقالت عميلة استخبارات إسرائيلية سابقة إنه من أجل تنفيذ المهمة كانت تتوجه إلى المصنع مع ضابط آخر، ثم يفتعلان مشكلة مثل حادث سيارة أو أزمة قلبية، وتطلب المرأة المساعدة من الحرس مما يمنحها فرصة الدخول إلى المنشأة، وتحديد نظام الأمان المستخدم بها بحيث يقوم فريق آخر فيما بعد باختراق النظام وتعطيله.
وكشف مسؤول نووي إيراني سابق خلال مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني الأسبوع الماضي عن أصل الانفجار الذي حدث في منشأة نطنز النووية في يوليو (تموز). فلقد تم وضع المتفجرات داخل مكتب ثقيل تم نقله إلى المنشأة قبل الحادث بعدة أشهر على حد قول فريدون عباسي دوائي، الرئيس السابق لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية.
وقد هزّ الانفجار أرجاء مصنع ينتج جيلاً جديداً من أجهزة الطرد المركزي، مما يعرقل برنامج التخصيب النووي الإيراني لأشهر على حد قول مسؤولين.
على الجانب الآخر قال علي رضا زكاني، رئيس مركز الأبحاث في البرلمان، اليوم الثلاثاء، إنه قد تم إرسال آلة أخرى من الموقع النووي إلى الخارج من أجل إصلاحها، وعادت إلى إيران محمّلة بـ300 رطل من المواد المتفجرة. ولا توجد معلومات كثيرة عن الانفجار الأحدث في نطنز خلال الشهر الحالي، فالمعلوم فقط أنه قد أسفر عن تدمير نظام الطاقة المستقل الخاص بالمنشأة، والذي أدى بدوره إلى تدمير الآلاف من أجهزة الطرد المركزي.
كان ليصبح من الصعب على إسرائيل تنفيذ تلك العمليات دون مساعدة من إيرانيين في الداخل، وربما يكون هذا هو أكثر ما يثير غضب إيران. وقد وجه مسؤولون أمنيون في إيران اتهامات إلى العديد من المواطنين الإيرانيين خلال العقد الماضي، ومن بين تلك الاتهامات التواطؤ في تنفيذ عمليات تخريب واغتيال إسرائيلية؛ وكانت العقوبة هي الإعدام.
مع ذلك لطخت الاختراقات سمعة الجناح الاستخباراتي في «الحرس الثوري» المسؤول عن حراسة المواقع النووية والعلماء. وطالب قائد سابق في «الحرس الثوري» بتطهير الاستخبارات، في حين قال إسحاق جهانجيري، نائب الرئيس الإيراني، إنه ينبغي «مساءلة ومحاسبة الوحدة المسؤولة عن أمن نطنز على تلك الإخفاقات». كذلك صرّح أمير حسين غازي زاده الهاشمي، نائب رئيس البرلمان، لوسائل الإعلام الإيرانية، أمس الاثنين، بأن تحميل إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية المسؤولية عن تلك الهجمات لم يعد كافياً، حيث تحتاج إيران إلى تنظيف البيت من الداخل.
وعبرت صحيفة «مشرق نيوز» التابعة لـ«الحرس الثوري» الأسبوع الماضي عن الوضع بالقول: «لماذا يتصرف جهاز أمن المنشآت النووية على هذا النحو غير المسؤول لدرجة تجعله يتلقى ضربتين من المصدر نفسه؟». مع ذلك لا يمتثل «الحرس الثوري» سوى لأوامر علي خامنئي، المرشد الأعلى الإيراني، ولا توجد حتى هذه اللحظة أي مؤشرات تدل على القيام بأي تغيير من المستوى الأعلى.
كانت إيران تجد صعوبة في الرد بعد كل هجوم، فأحياناً كانت تزعم تعرّفها على الأطراف المسؤولة فقط بعد هروبها من البلاد، أو تقول إنهم لايزالون طلقاء، في حين يؤكد مسؤولون إيرانيون إحباطهم لهجمات أخرى، وتتعالى دعوات الانتقام والرد بعد كل هجوم. وفي حين يتهم المحافظون حكومة الرئيس حسن روحاني بالضعف أو إخضاع أمن البلاد للمحادثات النووية أملاً في أن تسفر عن تخفيف العقوبات الأميركية.
وقد توجه المسؤولون الإيرانيون إلى ما يطلقون عليه «الصبر الاستراتيجي» خلال العام الأخير من إدارة ترمب، في ظل إدراكهم لمحاولة إسرائيل الزجّ بهم في أتون صراع مفتوح يقضي على احتمالية خوض أي مفاوضات مع إدارة ديمقراطية جديدة.
وذكر كل من روحاني ومحمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني، أنهما لن يسمحا للهجمات بأن تعرقل مسار المفاوضات لأن رفع العقوبات يمثل الأولوية بالنسبة إليهما.
كذلك من المحتمل أن تكون إيران قد حاولت الرد، لكنها أخفقت. وقد تم تحميل إيران مسؤولية زرع قنبلة انفجرت بالقرب من السفارة الإسرائيلية في نيودلهي خلال شهر يناير (كانون الثاني)، وتم إلقاء القبض على 15 مسلحاً على علاقة بإيران خلال الشهر الماضي في إثيوبيا على خلفية التخطيط للهجوم على أهداف إسرائيلية وأميركية وإماراتية. مع ذلك يمثل أي انتقام صريح مخاطرة بتلقي رد إسرائيلي شامل كاسح.
ويقول طلال أرتيسي، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية في بيروت «إنهم لا يتعجلون إشعال حرب؛ والانتقام يعني الحرب».
على العكس من ذلك، يشير توقيت الهجوم الإسرائيلي الأخير على منشأة نطنز إلى سعي إسرائيل نحو عرقلة المحادثات، أو على الأقل إضعاف قوة إيران في التفاوض، حيث عارضت إسرائيل الاتفاق النووي، وتعارض العودة إلى تطبيقه.
على الجانب الآخر، ذكرت الولايات المتحدة الأميركية، التي تسعى إلى التفاوض مع إيران في فيينا، أنها لم تكن منخرطة في الهجوم، لكنها أيضاً لم تنتقده علناً.
ويقول مسؤول استخباراتي في البلاد إنه لو أحدثت الهجمات الإسرائيلية المتكررة الأثر المطلوب وهو نشر الخوف داخل البلاد، فسيكون ذلك لصالح إسرائيل أيضاً.
وقد تسببت الخطوات الإضافية، التي اتخذتها إيران لفحص المباني لاكتشاف أي أجهزة مراقبة، والتحقق من خلفية الموظفين لإبعاد أي جواسيس محتملين، في إبطاء سير عمليات التخصيب على حد قول المسؤول.
من الحكمة القول إن أيا من الطرفين لا يريد حرباً شاملة واسعة النطاق، ويعتمد كل طرف على الآخر في تجنب التصعيد. مع ذلك في الوقت ذاته، تصاعدت وتيرة حرب الظل المستترة الخفية بين إيران وإسرائيل مع الهجمات الإسرائيلية على جماعات مسلحة تابعة لإيران في سوريا، والهجمات المتبادلة على السفن.
مع ذلك، في ظل ما تعانيه إيران من صعوبات اقتصادية، وزيادة حالات الإصابة بـ«كوفيد - 19»، وغيرها من المشكلات الناجمة عن سوء الحكم والإدارة، هناك ضغط باتجاه التوصل إلى اتفاق جديد قريباً من أجل رفع العقوبات الاقتصادية على حد قول فاكيل من «تشاتام هاوس».
وأضافت فاكيل قائلة «تكشف تلك الهجمات منخفضة المستوى، التي تقع في المساحة الرمادية، عن حاجة إيران الملحّة إلى إعادة تفعيل خطة العمل الشاملة المشتركة»، في إشارة إلى الاتفاق النووي، وذلك من أجل تحرير الموارد لمعالجة وحل المشكلات الأخرى في البلاد.
*خدمة «نيويورك تايمز»



بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
TT

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)

ندد البابا ليو بابا الفاتيكان، اليوم الخميس، بشدة بقتل المحتجين في إيران، وذلك بعدما انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب البابا الأسبوع الماضي لعدم قيامه بذلك، في ‌حين انتقد ‌الحرب الأميركية ‌الإسرائيلية على إيران.

كما استنكر ليو، وهو أول بابا من الولايات المتحدة، مقتل «عدد كبير جداً» من المدنيين في الحرب، وعبّر عن أسفه لانهيار محادثات السلام ‌الأميركية ‌الإيرانية، وذلك في تصريحات ‌أدلى بها على ‌متن الطائرة لدى عودته إلى روما بعد جولة شملت أربع دول أفريقية.

وقال البابا، ‌رداً على سؤال في مؤتمر صحافي حول تقارير تفيد بأن إيران قتلت آلاف المحتجين: «أندد بجميع الأعمال الظالمة، وأندد بإزهاق الأرواح».

وأضاف، وفقاً لوكالة «رويترز»: «عندما يتخذ نظام، أو دولة، قرارات تزهق أرواح الآخرين ظلماً، فمن البديهي أن هذا أمر يستحق التنديد».

وحث البابا ليو الرابع عشر الولايات المتحدة وإيران على العودة إلى مفاوضات السلام.


ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات الحرب مع رهانات السياسة، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف تهديداته مرةً أخرى ضد إيران، ملوّحاً بإصدار أوامر للجيش الأميركي بإطلاق النار وتدمير القوارب الإيرانية التي تعيق حركة الملاحة في مضيق هرمز، وإزالة الألغام من الممر المائي.

ويزيد البعد الزمني من تعقيد المشهد؛ فترمب الذي تعهد بتجنب «الحروب الطويلة»، يواجه ضغوطاً داخلية متزايدة لإنهاء الأزمة بسرعة، خاصة مع اقتراب الانتخابات الفصلية للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوتر في مضيق هرمز.

وفي المقابل، تبدو إيران أكثر استعداداً لتحمل تكلفة الوقت؛ ما يمنحها أفضلية نسبية في معركة الإرادات.

ورغم هذه التحديات، لا تزال واشنطن تراهن على أن مزيج الضغط والمرونة قد يفضي إلى اتفاق. ووفقاً للخبراء، فإن ترمب لا يسعى فقط إلى صفقة مع إيران، بل إلى «رواية انتصار» تصاحب الاتفاق؛ إذ لن يُقاس نجاحه بمضمون الاتفاق فحسب، بل بقدرته على تقديمه بوصفه إنجازاً وانتصاراً يتفوق على إرث أوباما واتفاقية عام 2015 النووية مع إيران.

ومع ذلك، يظل الطريق إلى هذا الهدف مليئاً بالتحديات، من تعقيدات الملف النووي إلى توازنات الداخل الإيراني، مروراً بحسابات السياسة الأميركية.

غضب ترمب ونفاد صبره

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية 18 أبريل (أ.ب)

ويأتي تهديد ترمب بإطلاق النار على القوارب الإيرانية، في ظل غياب مؤشرات واضحة بشأن استئناف محادثات السلام التي استضافتها باكستان سابقاً خلال الأيام المقبلة، مع عدم صدور أي تصريحات حول ترتيبات محتملة لزيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى باكستان.

وبدا غضب ترمب ونفاد صبره واضحين في تغريدة أخرى، سخر فيها من الصعوبات التي تواجهها إيران في تحديد قيادتها، مشيراً إلى اقتتال داخلي بين متشددين يتكبدون خسائر فادحة في ساحة المعركة، ومعتدلين وصفهم بأنهم «ليسوا معتدلين على الإطلاق».

ولوّح بأن الولايات المتحدة تسيطر سيطرةً تامة على مضيق هرمز، وأنه لا يمكن لأي سفينة الدخول أو المغادرة دون موافقة البحرية الأميركية، مؤكداً أن الحصار على المضيق «محكم تماماً» إلى أن تتمكن إيران من «إبرام صفقة».

وفسّر محللون هذا التحول في الخطاب الرئاسي الأميركي بوصفه انتقالاً من خطاب الردع إلى خطاب يضع قواعد اشتباك ميدانية دقيقة، تستهدف ضبط السلوك الإيراني في الممرات البحرية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

كما رأوا أن ربط ترمب، في تغريداته على «تروث سوشيال»، بين السيطرة الكاملة على مضيق هرمز وإبقائه مغلقاً حتى توافق إيران على صفقة، يمثل رسالة تجمع بين الضغط العسكري والابتزاز التفاوضي.

وأثار ترمب جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الأميركية بإعلانه عدم وجود جدول زمني لإنهاء وقف إطلاق النار مع إيران؛ إذ عدَّه البعض تراجعاً عن نهج التصعيد، في حين رآه آخرون مرونة تكتيكية ضمن استراتيجية تفاوضية أوسع.

صيغة توازن دقيقة

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب)

ويبدو أن ترمب يسعى إلى المناورة بين ضغوط الداخل وحسابات الخارج؛ بحثاً عن صيغة توازن دقيقة تمكّنه من الخروج من المواجهة مع إيران دون أن يظهر بمظهر المتراجع، خصوصاً بعد تمديد هدنة وقف إطلاق النار، والتراجع عن بعض تهديداته السابقة، والجدل المستمر حول جدوى الحصار الأميركي في مضيق هرمز لإجبار إيران على تقديم تنازلات.

وتقول أليس إيفرز، الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية، إن «جميع خيارات ترمب تنطوي على مخاطر عالية في بيئة تصعيدية صفرية، حيث يسعى كل طرف إلى إجبار الآخر على التراجع». وتضيف أن هذا النمط من التصعيد المتبادل يجعل أي تهدئة مؤقتة مجرد استراحة تكتيكية لا تحولاً استراتيجياً.

ويشير تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية إلى أن إدارة ترمب انتقلت من خطاب التهديد بالحسم العسكري إلى ما يشبه «نمط الانتظار»، حيث جرى تمديد الهدنة دون سقف زمني واضح، مع الإبقاء على أدوات الضغط الأساسية، وعلى رأسها الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية.

ولا يعكس هذا التحول رغبة في تجنب التصعيد فحسب، بل محاولة لصياغة مسار تفاوضي يمنح ترمب فرصة إعلان «انتصار سياسي» في حال التوصل إلى اتفاق.

ووفق هذه القراءة، لا ترى واشنطن في التصعيد الإيراني، بما في ذلك هجمات «الحرس الثوري» على الملاحة في مضيق هرمز، خروجاً عن السيطرة بقدر ما تعدّه جزءاً من «لعبة التفاوض بالقوة». فإيران، التي تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، تسعى إلى تحسين شروطها عبر استعراض قدرتها على تهديد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، في حين تراهن الولايات المتحدة على أن استمرار الضغط سيدفع طهران إلى تقديم تنازلات أوسع.

إيران مختلفة

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

غير أن هذا الرهان يصطدم بواقع أكثر تعقيداً. فإيران اليوم ليست كما كانت خلال مفاوضات عام 2015، حين وقّعت الاتفاق النووي مع إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما؛ إذ راكمت مخزوناً كبيراً من اليورانيوم عالي التخصيب، ورفعت مستوى خبرتها التقنية في المجال النووي وتخصيب اليورانيوم محلياً؛ ما يجعل العودة إلى القيود السابقة أكثر صعوبة.

وتشير تقارير إلى أن طهران قد تكون مستعدة لتقديم «ضمانات إضافية»، لكنها ترفض بشكل قاطع التخلي الكامل عن حقها في التخصيب.

ويبرز هنا التحدي الأكبر أمام ترمب: كيف يمكنه تحقيق اتفاق «أفضل» من اتفاق 2015 الذي انتقده لسنوات قبل أن ينسحب منه في 2018؟ وتكمن الإجابة، وفق مقربين من الإدارة، في إعادة تعريف «الأفضل»، عبر التركيز على فرض قيود أطول زمناً، وتشديد آليات التفتيش، وربما انتزاع تنازلات تتعلق بمستوى التخصيب ومصير المخزون الحالي.

غير أن هذه المقاربة تنطوي على مفارقة؛ إذ إن بعض الخيارات المطروحة اليوم، مثل الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة أو تقديم تخفيف مرحلي للعقوبات، تشبه إلى حد بعيد التنازلات التي انتقدها ترمب سابقاً في اتفاق 2015. وأشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن الإدارة الأميركية تواجه «المعضلات ذاتها» التي واجهتها إدارة أوباما، مثل رفع العقوبات وحدود التخصيب.

الانقسامات الداخلية الإيرانية

في السياق ذاته، تلعب الانقسامات داخل إيران دوراً محورياً في الحسابات الأميركية؛ إذ ترى واشنطن أن طهران تشهد صراعاً بين تيار براغماتي يسعى لتخفيف الضغوط والانخراط في تسوية، وتيار آخر متشدد يدفع نحو التصعيد العسكري والمواجهة.

وانعكس ذلك، حسب صحيفة «ذا هيل»، في عدم قدرة الوفد الإيراني على تقديم موقف موحد؛ ما أسهم في تعثر المحادثات في باكستان.

غير أن هذا التفسير لا يخلو من حسابات سياسية؛ فتصوير إيران كطرف «منقسم» يمنح الإدارة الأميركية هامشاً للمناورة؛ إذ يبرر استمرار الضغط من جهة، ويفتح الباب أمام التفاوض مع التيار البراغماتي من جهة أخرى، كما يسمح بطرح أي تقدم، حتى إن كان محدوداً، بوصفه نتيجة مباشرة لهذه الاستراتيجية.

في المقابل، يرى خبراء أن هذا الرهان قد يكون مبالغاً فيه؛ إذ يظهر التاريخ أن النظام الإيراني، رغم خلافاته الداخلية، قادر على التماسك في القضايا الاستراتيجية الكبرى. كما أن استمرار الضغوط قد يعزز نفوذ التيار المتشدد بدلاً من إضعافه؛ ما قد يعقّد فرص التوصل إلى اتفاق.

وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد «بروكينغز»، إن الإيرانيين قد يقبلون بتنازلات في مستويات التخصيب أو الجداول الزمنية، لكنهم لن يتخلوا عن حقهم في التخصيب، وهي العقدة الأساسية التي بقيت قائمة منذ عام 2015.


انخفاض عدد عمليات عبور هرمز وازدياد الحوادث الأمنية

صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

انخفاض عدد عمليات عبور هرمز وازدياد الحوادث الأمنية

صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)

انخفضت عمليات عبور السفن عبر مضيق هرمز، بشكل حاد منذ الأحد الماضي، بسبب الحصار الإيراني والأميركي، في حين تضاعفت الحوادث الأمنية التي تشمل السفن، وفق بيانات جمعتها «وكالة الصحافة الفرنسية».

كانت إيران قد أعلنت، الجمعة الماضي، إعادة فتح المضيق، قبل أن تغلقه مجدداً بعد بضع ساعات، السبت، مشيرة إلى استمرار الحصار الأميركي على موانئها.

وبعد بلوغ ذروة في عمليات العبور شملت 26 ناقلة، في 18 أبريل (نيسان) الحالي، انخفض العدد إلى أدنى مستوى منذ بدء الحرب، وفق بيانات من شركة «كبلر».

وفي الفترة من 19 أبريل إلى 22 منه، لم يَعبر المضيق سوى 18 سفينة، بمعدل 4.5 سفينة يومياً. وبالمقارنة، عبَرَ، بين الأول من مارس (آذار) و17 أبريل، نحو تسع سفن يومياً.

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)

وكان يجري تسجيل نحو 120 عملية عبور يومية، خلال وقت السلم، وفق موقع المعلومات البحرية «لويدز ليست». وبالتالي، انخفضت حركة العبور حالياً بأكثر من 96 في المائة عن المستويات الطبيعية.

في الوقت نفسه، ازداد عدد الحوادث التي أبلغت عنها السفن في المنطقة. وسجلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية «يو كاي إم تي أو» و/أو شركة الأمن «فانغارد تك» سبع حوادث أو هجمات منذ السبت. وأكدت المنظمة البحرية الدولية خمساً من تلك الحوادث.

ومنذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، جرى تسجيل 38 حادثة من قِبل «يو كاي إم تي أو» و«فانغارد» و/أو المنظمة البحرية الدولية.