«الغزوة القضائية» لمكاتب «مكتف» من معالم انهيار الدولة في لبنان

شكلت انقلاباً على الدستور ونُظمت لخدمة باسيل للثأر من خصومه

TT

«الغزوة القضائية» لمكاتب «مكتف» من معالم انهيار الدولة في لبنان

يقول قطب سياسي إن إصرار المحامية الاستئنافية في جبل لبنان القاضية غادة عون، على اقتحام مكاتب شركة «مكتف» للصيرفة وشحن الأموال إلى خارج لبنان، في عوكر، على مقربة من المقر العام للسفارة الأميركية في لبنان، ضاربة عرض الحائط بالقرار الذي اتخذه مجلس القضاء الأعلى والنيابة العامة التمييزية وهيئة التفتيش القضائي، بكف يدها عن متابعة الملف لمصلحة القاضي سامر ليشع، مستفيدة من «فائض القوة» الذي استمدته من رئيس الجمهورية ميشال عون و«التيار الوطني الحر» الذي وفر لها الغطاء السياسي للتمرد على السلطات القضائية، ما هو إلا من المعالم الأخيرة لانهيار مشروع الدولة.
ويؤكد القطب السياسي، الذي فضل عدم ذكر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، أن «مسرحية عوكر» التي نفذتها القاضية عون في «غزوة قضائية» غير مسبوقة مدعومة مما يسمى بمجموعة «المتحدون»، التي هي الوجه الآخر لـ«التيار الوطني»، ما هي إلا نتاج لاستنكاف الرئيس عون التوقيع على التشكيلات القضائية، رغم أنه مضى على إيداعها القصر الجمهوري أكثر من عام، ولم تفلح الاتصالات في إقناعه بضرورة الإفراج عنها للحفاظ على استقلالية القضاء، وعدم إقحامه في زواريب التجاذبات السياسية.
ويلفت إلى أن عون لم يستجب لمراجعة مجلس القضاء الأعلى لدفعه إلى التوقيع على التشكيلات القضائية، مع أنه ألح عليها في اجتماعاته المتكررة التي جمعته بوزيرة العدل ماري كلود نجم، ويعزو السبب إلى إصراره على عدم نقل القاضية عون من مركزها إلى مركز آخر، بذريعة أنها المؤهلة لمكافحة الفساد وهدر المال العام، وبالتالي فهو يصر على ترحيل التشكيلات إلى ما بعد الانتهاء من مهامها في هذا الخصوص.
ويرى القطب السياسي أن ما حصل داخل مكاتب «مكتف» للصيرفة لا يتعلق بتشكيل الحكومة، ولا بإصرار عون ومن خلفه وريثه السياسي جبران باسيل على الثلث الضامن في الوزارة، وإنما لجنوح فريقهما السياسي باتجاه وضع اليد على البلد والإمساك بزمام المبادرة فيه، مع أن تشكيلها يبقى النافذة الوحيدة للانتقال بالبلد من مرحلة التأزم إلى مرحلة التعافي الاقتصادي والمالي شرط الالتزام بالمبادرة الفرنسية نصاً وروحاً، وعدم تجويفها من مضامينها الإصلاحية، ومن الإطار العام الذي يوفر للحكومة العتيدة الدعم الدولي.
ويعتبر أن التمرد على قرارات السلطات القضائية من قبل القاضية عون وبموقف مريع من وزيرة العدل، التي ساوت في بيانها بين الاستعصاء على هذه القرارات وبين إجبارها على الالتزام بها، فيما لم يحرك رئيس الجمهورية ساكناً، وكذلك الحال بالنسبة إلى رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب الغائب كلياً عن السمع، بينما بادر التيار الوطني إلى إرسال قوة «بشرية محمولة» لمساندتها للمضي في تمردها.
ويؤكد أن تمرد القاضية عون، وإن كان يستهدف تعطيل المحاولات الرامية لتشكيل الحكومة، فإن من يقف خلف تمردها، ويوفر لها كل أشكال الدعم اللوجيستي والسياسي يسعى جاهداً لتعليق العمل بالدستور واتفاق الطائف والالتزام بتطبيق القرارات الدولية في محاولة مكشوفة لوضع يده على البلد من دون أن يخضع للمساءلة، ويتصرف على أنه الحاكم بأمره على غرار النهج الذي اتبعه أثناء توليه رئاسة الحكومة العسكرية، في إشارة مباشرة إلى تحميل رئيس الجمهورية مسؤولية حيال عدم مبادرته إلى تطويق ما ارتكبته القاضية عون.
ويقول بأن مجرد إمعانه في تعليق العمل بالدستور يعني حكماً الانقلاب على الناظم الوحيد للعلاقات بين الطوائف اللبنانية والاستعاضة عنه بفائض القوة الذي يستمده من حليفه «حزب الله»، الذي أخفق في إقناع عون وباسيل بالسير قدماً إلى الأمام في التسوية السياسية التي توفرها المبادرة الفرنسية، ويحاول رئيس المجلس النيابي نبيه بري، إنقاذها، وإنما لا جدوى من محاولاته لأن حليفه أي «حزب الله» لا يزال يراعي حليفه الآخر باسيل.
وبالنسبة إلى تعليق العمل باتفاق الطائف يعني - كما يقول القطب السياسي - أن هناك من يضغط لعزل لبنان عن محيطه العربي وصولاً إلى إلحاقه بـ«محور الممانعة» بقيادة إيران، وإلا فما هو المبرر لزجه في صدامات مع معظم الدول العربية حالت دون حصوله على مساعدات مالية واقتصادية من الدول القادرة فيه، كما كان يحصل في السابق.
ويحذر من عدم التزام لبنان بالقرارات الدولية، لأن البديل الآخر سيؤدي حتماً إلى المساس بحدوده الدولية، أكانت مع سوريا أو إسرائيل، ويسأل: لماذا تُركت قيادة الجيش وحيدة في مفاوضات لبنان مع إسرائيل لترسيم الحدود البحرية، وإيجاد تسوية للنزاع الدائر حول المناطق البحرية المتداخلة، مع أن الوفد العسكري المفاوض في المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة، وبوساطة أميركية، لم يحرك ساكناً من دون العودة إلى رئيس الجمهورية الذي وافق استجابة لطلب مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد هيل، على تسهيل معاودة المفاوضات.
وفي هذا السياق، يسأل القطب السياسي: لماذا تُرك الوفد العسكري وحيداً؟ وهل طرح إدخال التعديلات على المرسوم 6433 بزيادة حصة لبنان في المساحات البحرية، من رأسه ومنفرداً من دون تناغمه مع المنسق العام للمفاوضات، أي الرئيس عون؟ وما مدى صحة ما يتردد بأنه كان لمستشاره الوزير السابق سليم جريصاتي دور في إقناعه بتسهيل المفاوضات، ليمرر رسالة إلى واشنطن يتوخى منها إعلامها بالملموس بأن التهم الموجهة إليه بالتحريض لتعطيل تشكيل الحكومة والمفاوضات ليست في محلها؟
كما يسأل عن امتناع لبنان عن التواصل مع النظام في سوريا، للبحث في ترسيم الحدود البرية بين البلدين، وإن كان قرر التواصل مع دمشق بعد أن أُعلم رسمياً بأن شركة روسية تستعد للتنقيب في المنطقة البحرية المتداخلة شمالاً بطلب من الحكومة السورية، في محاولة لتطويق ردود الفعل المحلية حيال استعداد هذه الشركة للتنقيب عن النفط والغاز في المساحات البحرية المشتركة.
لذلك فإن القطب السياسي يؤكد أن تمرد القاضية عون لم يكن عفوياً، وأن من يغطيها يريد أن يأخذ البلد إلى مكان آخر، ليس لصرف الأنظار عن تشكيل الحكومة فحسب، وإنما ليضغط على خصومه للتسليم بشروطه لتعويم باسيل، خصوصاً أن «العهد القوي» لم يعد لديه ما يخسره، وبات همه الوحيد يكمن في إنقاذ وريثه السياسي.
وعليه، فإن القطب السياسي إياه يحمل عون مسؤولية الإطباق على مبادرة بري في ظل امتناع «حزب الله» عن الضغط عليه، وبالتالي فإن الأفق السياسية تزداد انسداداً في وجه تشكيل الحكومة.
ويؤكد بأن القاضية عون لم تتصرف بهذه الطريقة إلا بعد أن حصلت على ضوء أخضر يراد منه تلطيخ سمعة خصوم باسيل بعد أن أُقفلت الأبواب في وجه المحاولات الهادفة إلى تبييض «سجله» لدى واشنطن لرفع العقوبات الأميركية المفروضة عليه، علماً بأنه لم يسبق للبنان في عز اندلاع الحرب الأهلية أن شهد ما يشهده اليوم لاستخدام القضاء في تصفية الحسابات ثأراً لما أصاب باسيل الذي يشرف من خلال تياره على تنظيم المعارك ضد خصومه من «غرفة الأوضاع» التي استحدثت أخيراً، ومقرها في المقر العام لـ«التيار الوطني» في سنتر «ميرنا الشالوحي».



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.