هنرييش هاينه... الشعر والحب

لعب دوراً إيجابياً في التقريب بين الشعوب الأوروبية التي كانت متعصبة قومياً

هنرييش هاينه
هنرييش هاينه
TT

هنرييش هاينه... الشعر والحب

هنرييش هاينه
هنرييش هاينه

ولد الشاعر هنرييش هاينه في مدينة دوسلدورف بألمانيا عام 1797 ومات مقعداً غريباً في باريس عام 1856 عن عمر يقارب الستين. وبما أنه من أصول أقلوية يهودية فقد علّق آمالا كبيرة على فلسفة التنوير الكونية وابتعد كثيراً عن انتمائه الديني، بل وحاول طمسه كلياً لكي يلتقي مع الآخرين على أرضية واسعة مشتركة تضم الجميع. وهو ذات الشيء الذي فعله معاصره كارل ماركس. فماركس أيضاً كان من عائلة يهودية ولكنها غيرت دينها وأصبحت مسيحية بروتستانتية قبيل ولادته. ومعلوم أن ماركس تحرر من الطائفية كلياً ودعا الأقليات إلى عدم التقوقع على الذات، وإنما الانفتاح على العناصر التقدمية المتحررة لدى الأغلبية والعمل معهم من أجل عصر تنويري جديد يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات أمام دولة القانون والمؤسسات. وهذا ما حصل في ألمانيا بعد موت هاينه وماركس بجيل أو جيلين. ثم أصبح نظام المواطنة المتساوية راسخاً حالياً في كل أنحاء أوروبا الحديثة. فلم يعد الألماني يتساءل بينه وبين نفسه إذا ما التقى ألمانياً آخر بالصدفة لأول مرة في دولة أجنبية: هل هو يا ترى كاثوليكي أم بروتستانتي؟ هل هو من مذهبي أم لا؟ وإنما كل ما يهمه هو أنه ألماني مثله يتكلم اللغة الألمانية وينتمي إلى تراثها الطويل العريض. أما طائفته أو مذهبه فهذا آخر ما يفكر فيه.
في عام 1871 قرر هنرييش هاينه مغادرة ألمانيا والاستقرار في باريس عاصمة الحضارة والثقافة الأوروبية في ذلك الزمان. ومن لا يعشق باريس ويرغب أن يقيم فيها يوماً ما كما فعل همنغواي وجويس وبيكيت وعشرات المبدعين الآخرين؟ باريس ضرورية للتنفس والإبداع والحياة البوهيمية والتسكع، خصوصاً التسكع على غير هدى... وكان مشاءً كبيراً، والمشي لا نهاية له في مدينة كعاصمة النور. إنه متعة ما بعدها متعة. وقد سبق بودلير إلى معاشرة «البنات» في الحي اللاتيني قبل أن يتعرف على امرأة فرنسية أحبته وساعدته كثيراً وجعلته يستقر. والمرأة مفتاح الوطن عادة. المرأة هي بحد ذاتها وطن.
وكثيراً ما كان يغير سكنه، ولكنه لم يكن يبارح حي مونمارتر الشعبي إلا قليلاً. ومعلوم أنه على هضبة المونمارتر توجد كنيسة جميلة تدعى: القلب المقدس. لاحظوا الاسم! وهي تطل إطلالة بانورامية رائعة على باريس ويتجمع حولها الفنانون ورسامو «البورتريهات» أو الصور الشخصية... وفي ذلك الوقت كان يتردد كثيراً على الاشتراكيين الطوباويين وفي طليعتهم المفكر الكبير سان سيمون. في الواقع أن هاينه كان شاعراً رومانطيقيا قبل كل شيء، ثم دعا إلى تجاوز المدرسة الرومانطيقية لاحقاً. ولكنه كان أيضاً صحافياً ومفكراً منخرطاً في هموم عصره وقضاياه. لقد جمع بين الشعر والفكر والأدب. وهو على أي حال أحد كبار الشعراء الألمان في القرن التاسع عشر.
ينبغي العلم بأن باريس كانت عاصمة الحرية في ذلك الزمان إذا ما قسناها بالمدن الألمانية التي كانت لا تزال محكومة من قبل الإقطاع والأصولية والاستبداد. فباريس بعد نصف قرن من الثورة الفرنسية كانت تؤمّن للكاتب حرية التفكير والنشر والتعبير إلى حد لا يستهان به. أما السلطات الرجعية الجرمانية فكانت قد أدانت عصبة «ألمانيا الفتاة» التي ينتمي إليها هاينه مع آخرين عديدين. وهي جماعة تدعو إلى تجديد الأدب والحياة السياسية الألمانية على غرار ما حصل في فرنسا. كانت ذات توجه ليبرالي واضح معادٍ للطائفية والعقلية الإقطاعية القديمة والكهنوت. ومعلوم أن الأتراك قلدوها عندما أسسوا هم أيضاً جمعية «تركيا الفتاة». والعلاقة بين الأتراك والألمان قديمة تماماً كالعلاقة بين المغاربة بالمعنى الواسع للكلمة وفرنسا. وبعد أن استقر في باريس راح هاينه يلعب دور الوسيط الثقافي بين ألمانيا وفرنسا فقد عرّف الفرنسيين على الفكر الألماني وعرّف الألمان على التيارات الفكرية والأدبية الفرنسية. وهكذا أصبح جسراً ثقافياً بين البلدين والحضارتين. وهذا ما يفعله المثقفون العرب المقيمون في باريس أو لندن إلخ... فهم أيضاً جسر ثقافي بين لغتين وأدبين وعالمين... وما أجمل الجسور! ما أجمل التفاعل الإيجابي مع الحضارات والثقافات الأخرى. لماذا التقوقع على الذات؟ ولكن لا ينبغي أن نفقد خصوصيتنا أيضاً ونذوب في الآخرين. لا إفراط ولا تفريط.
وهكذا لعب دوراً إيجابياً في التقريب بين الشعوب الأوروبية التي كانت متعصبة قومياً آنذاك. وكثيراً ما كانت تخوض الحروب ضد بعضها بسبب هذه العصبيات القومية بين الفرنسيين والإنجليز والألمان... ومعلوم أنه ألّف كتاباً مهماً عن تاريخ الدين والفلسفة في ألمانيا لتعريف الفرنسيين بذلك. كما كتب العديد من المقالات عن الحياة الأدبية والمسرحية والسياسية الفرنسية لتعريف الألمان بها. والواقع أن هنرييش هاينه كان يمتلك كل المواهب التي تجعل من الإنسان كاتباً. فقد كان حساساً جداً، ملتهب المشاعر والأخيلة، بارعاً في أسلوب الكتابة. ويبدو أن أمه أثرت على طبيعته وتوجهاته. ومعلوم أنها كانت مثقفة تتقن عدة لغات كالفرنسية، والإنجليزية، واللاتينية، هذا بالإضافة إلى الألمانية بالطبع. وكانت متأثرة جداً بجان جاك روسو، وقد ربت ابنها على محبته. وهذا يعني أنها كانت أماً رائعة. فمن لا يحب جان جاك روسو، أعظم كاتب في العصور الحديثة؟
ألم يقل غوته: فولتير أغلق عصره، وأما روسو فقد دشن العصر الآخر؟ ألم يرثه هولدرلين بقصيدة عصماء؟ بالمناسبة: جنون هولدرلين وهو في عز الشباب ألا يعلو على كل شعر أو نثر؟ أليس الجنون بحد ذاته أعظم صرخة احتجاجية على خواء العالم؟...
ومن باريس كتب هاينه قصيدة حنين إلى ألمانيا يقول فيها:
«آه يا ألمانيا، يا حبي البعيد! عندما أفكر فيكِ تصعد الدموع إلى عيني، وفرنسا المرحة تبدو لي كئيبة. وشعبها اللطيف يبدو لي مزعجاً ثقيلاً. وحده الحس الصائب البارد والناشف يرين في باريس. آه يا أجراس الجنون! آه يا أجراس الإيمان. كم يبدو وقع رنينكما حلواً على قلبي!
يخيل لي أني أسمع من بعيد بوق الحارس الليلي. إنه لصوت أليف وحنون. أغاني الحارس الليلي تعبر المسافات حتى تصل إلى قلبي مختلطة بتغاريد العندليب».
هكذا نلاحظ أن هاينه لم يستطع أن ينسى ألمانيا رغم أنها أهانته وعذبته بل وطردته. فذكريات الطفولة والشباب الأول لا يمكن أن تنسى. والشاعر الغريب حتى ولو كان سعيداً في منفاه يظل غريباً فلا شيء يعوض عن الوطن إلا الوطن. ولكن الوطن الألماني في ذلك الزمان ما كان يرحب بكتابه وشعرائه. كان لا يزال مستبداً يكره المثقفين ويحارب ميلهم غير المفهوم للحرية والتنفس والانطلاق. وعدد المثقفين الألمان المنفيين كان كبيراً جداً آنذاك. ومعظمهم كان يتوجه إما إلى باريس، وإما إلى لندن.
وأكبر مثال على ذلك كارل ماركس الذي هرب إلى بروكسل وباريس أولاً قبل أن يستقر في لندن لاحقاً. ومعلوم أن ماركس كان أكبر «متسكع» في أوروبا كما تقول الكاتبة فرانسواز جيرو.
كتب هاينه مرة إلى أحد أصدقائه يقول: «كنت مريضاً وتعيساً لفترة طويلة من حياتي. ولكني الآن لم أعد كذلك. أو قل إني مريض وتعيس إلى حد النصف فقط. وربما كانت هذه الحالة تمثل أقصى ما يمكن من السعادة على هذه الأرض. فلا يمكن أن نطلب من الحياة أكثر مما تستطيع».
كان هنرييش هاينه ينتمي إلى جيل الاحتراق والعبور: أي الجيل الذي عمل من أجل التنوير والتغيير. ولكن لم يتح له القدر أن يكحل عينه به، لم يعش الوقت الكافي لكي يستمتع به ويقطف ثماره. وأعتقد أن هذه هي حالتنا نحن المثقفين العرب. وقد صدرت عنه هذه العبارة العميقة وشديدة الدلالة في المقارنة بين الفرنسيين والألمان. قال إن الألمان أحدثوا الثورة الكبرى على المستوى الفلسفي ضد العهد الاقطاعي الأصولي اللاهوتي القديم. وقد تم ذلك على يد كانط وفيخته وهيغل. وهذا هو مغزى الفلسفة المثالية الألمانية التي هي أكبر فلسفة في العصور الحديثة. أما الفرنسيون فقد أحدثوا الثورة ضد هذا العهد القديم بالذات على المستوى السياسي عندما اندلعت الثورة الفرنسية. وهي أكبر زلزال حصل في تاريخ العصور الحديثة. وبالتالي فهما ثورتان متكاملتان: ثورة الفكر، وثورة السياسة. الأولى للألمان والثانية للفرنسيين.
ولكن الأمور أكثر تعقيداً من ذلك. فالفرنسيون أحدثوا أيضا ثورة فكرية قبل أن يحدثوا ثورة سياسية. وإلا فما معنى فولتير وديدرو وجان جاك روسو؟

من شعره

مقطع صغير

كل تعاستي وآلامي
وضعتها في هذا الكتاب
وعندما تفتحونه
سوف تقرأون في قلبي

ربيع جديد

سوف أتغلغل بين الأزهار
وأنا أيضا سأتفتح
سأتغلغل كالأحلام
وأترنح في كل خطوة
آه! أمسكيني يا حبيبتي
لكيلا أسقط كالسكران
على قدميك
والحديقة ملأى بالناس

من أقوال هاينه

حب جنوني: كلام فارغ. هل يمكن للحب أن يكون إلا جنونا؟
المؤرخ هو نبي ينظر إلى الخلف!
المجد للأجيال القادمة: سوف تكون أجمل منا وأكثر سعادة
الخبرة مدرسة جيدة ولكنها تكلف غالياً
ينبغي أن نغفر لأعدائنا، لكن ليس قبل أن نراهم مشنوقين!



هل يأخذ الآثاريون المصريون زمام المبادرة من الأجانب في مجال الحفريات؟

 البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)
البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)
TT

هل يأخذ الآثاريون المصريون زمام المبادرة من الأجانب في مجال الحفريات؟

 البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)
البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)

مع احتفال الآثاريين المصريين بعيدهم السنوي في 14 يناير (كانون الأول) الحالي، وبعد ما حققته البعثات الأثرية المصرية من إنجازات تمثلت في اكتشافات بمواقع أثرية متعددة خلال الأعوام الماضية، إلى جانب البعثات المشتركة بين المؤسسات المصرية والأجنبية؛ تُثار تساؤلات حول إمكانية أن يأخذ الآثاريون المصريون زمام المبادرة من الأجانب في مجال الحفريات، ذلك المجال الذي اشتهر منذ بداياته بجهود العلماء الأجانب.

ويعمل في مصر نحو 350 بعثة أثرية مصرية وأجنبية، وفق ما ذكره الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد إسماعيل خالد، في محاضرة علمية واكبت إقامة معرض أثري مصري مؤقت بهونغ كونغ في الصين خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وتعمل هذه البعثات في أماكن محددة وفق اتفاقيات التعاون الدولي المنعقدة بهذا الصدد بين جامعات ومؤسسات علمية أجنبية وبين المجلس الأعلى للآثار في مصر، وبعضها يعمل بالشراكة مع بعثات مصرية من الجامعات أو المؤسسات المصرية أو المجلس الأعلى للآثار.

البعثات الأثرية المصرية حققت اكتشافات في مواقع عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير الآثاري المصري حسين عبد البصير أنه «بعد عقود طويلة ظلّت فيها البعثات الأجنبية متصدّرة مشهد الحفريات الأثرية في مصر، من حيث القيادة العلمية والنشر الدولي وصناعة السرد الأثري، بدأت ملامح تحوّل حقيقي تفرض نفسها خلال الأعوام الأخيرة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الآثاريين المصريين حققوا إنجازات لافتة، لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها، أعادت طرح سؤال جوهري: هل بات المصريون اليوم قادرين على استعادة زمام المبادرة في مجال الحفريات الأثرية؟».

وبينما أكد عبد البصير أن «الساحة الأثرية المصرية شهدت سلسلة من الاكتشافات الكبرى التي قادتها بعثات مصرية خالصة، خصوصاً في مواقع مثل سقارة، والأقصر، والغريفة، وتونا الجبل، وسيناء والبحر الأحمر، وهي اكتشافات جاءت نتيجة عمل ميداني منظم، وتخطيط علمي، وتعاون بين تخصصات مختلفة داخل الفريق الواحد»، فإنه رأى أن «تفوق البعثات الأجنبية تاريخياً لم يكن ناتجاً عن كفاءة ميدانية أعلى فحسب، بل عن منظومة علمية متكاملة شملت التمويل السخي، والمعامل المتطورة، والتخصصات البينية، وشبكات النشر الأكاديمي الدولية. غير أن هذه الفجوة بدأت تضيق تدريجياً، مع تحسّن البنية المؤسسية للعمل الأثري في مصر، وتراكم الخبرة لدى الأجيال الجديدة من الباحثين المصريين».

وشهدت السنوات الأخيرة أكثر من كشف أثري قامت به بعثات مصرية من بينها الكشف عن بقايا تحصينات عسكرية، ووحدات سكنية للجنود، وخندق يشير إلى إمكانية وجود قلعة أخرى بموقع تل أبو صيفي بمنطقة آثار شمال سيناء في 2025، والكشف عن مقبرة لقائد عسكري من عصر الملك رمسيس الثالث، ثاني ملوك الأسرة الـ20، ومجموعة من المقابر الجماعية والفردية من العصور اليونانية الرومانية والعصر المتأخر بمنطقة المسخوطة بمحافظة الإسماعيلية وكذلك اكتشاف البعثة الأثرية المصرية العاملة في سقارة عام 2023 أكبر وأكمل ورشتين للتحنيط آدمية وحيوانية من عصر الأسرة الـ30 والعصر البطلمي.

ويؤكد الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد عبد المقصود، أنه لا يوجد موقع أثري في مصر إلا وبه بعثة أثرية مصرية، وهو أمر له كل التقدير، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عدد البعثات الأثرية الأجنبية نحو 250 بعثة، وجهودها مقدرة ومعتبرة لما تقوم به من نشاط مميز وكذلك النشر العلمي في الدوريات الدولية الكبرى حول الحفريات المصرية»، مشيراً إلى أن تلك البعثات الأجنبية «تقدم خدمة دعائية لمصر في الخارج بالنشر العلمي وغيره، كما أن علم المصريات موجود في الجامعات الكبرى حول العالم وليس حصراً على مصر، وبالتالي وجود هذه البعثات من دول متعددة يتسق وعالمية علم المصريات ويؤكد على قوة الحضور المصرية أثرياً وعلمياً في التراث العالمي».

من اكتشافات البعثات المصرية (وزارة السياحة والآثار)

وإن كان العالم الآثاري رفض فكرة أخذ زمام المبادرة للآثاريين المصريين في الحفريات من الأجانب، فإنه أشاد بالجهود التي تقوم بها البعثات المصرية في كل المواقع الأثرية، سواء بشكل منفرد أو بالشراكة مع البعثات الأجنبية.

ومن بين البعثات الأجنبية التي تعمل في مصر بعثات من فرنسا، وألمانيا، والنمسا، وبولندا، والولايات المتحدة، وإيطاليا، وسويسرا، والتشيك، وإسبانيا، واليابان وغيرها، في مواقع متعددة مثل دهشور، وسقارة، والأقصر، وأسوان، والفيوم، وتونا الجبل بالمنيا. وفق تصريحات للخبير الآثاري الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه البعثات تعمل على نفقتها الشخصية وبأحدث تقنيات علمية للحفر والرفع المساحي والآثاري وتسجيل وتوثيق الآثار ونشرها نشراً علمياً بالدوريات العالمية ومن خلال إشراف مفتشي الآثار على أعمالها».

ورغم ذلك، وفق ريحان، «فهناك تقدم هائل في عمل البعثات المصرية نتيجة التدريب مع البعثات الأجنبية ودورات التدريب الميدانية بالمجلس الأعلى للآثار التي خرّجت جيلاً مؤهلاً للعمل وخبرات من الآثاريين مع وجود عدد كبير من الآثاريين بالمجلس مؤهلين لتوثيق وتسجيل هذه الآثار ونشرها نشراً علمياً».

واستشهد رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية بعدة اكتشافات للبعثات المصرية من بينها كشف البعثة المصرية المشتركة بين المجلس الأعلى للآثار ومؤسسة الدكتور زاهي حواس للآثار والتراث برئاسته، خلال 2025 عن مقبرة الأمير «وسر إف رع» ابن الملك «أوسر كاف» أول ملوك الأسرة الخامسة من الدولة القديمة، وذلك أثناء أعمال البعثة بمنطقة سقارة الأثرية.

كما تمكنت البعثة المصرية العاملة بمنطقة منقباد بمنطقة آثار أسيوط من الكشف عن مبنى من الطوب اللبن يرجع تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين السادس والسابع الميلادي.


شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)
أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)
TT

شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)
أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)

لحق الفنان المصري الشاب محمود ماجد بشقيقه الأكبر هشام ماجد في عالم الفن من خلال كتابة وبطولة فيلمه القصير «ده صوت إيه ده»، الذي شاركه في بطولته أشرف عبد الباقي، واحتفل صنّاعه بإطلاقه في عرض خاص أقيم بالقاهرة، مساء الثلاثاء، وسط حضور عدد من نجوم الفن الذين حرصوا على مساندته في تجربته الأولى بالبطولة، ومن بينهم شقيقه، والمنتج محمد حفظي.

الفيلم الذي تدور أحداثه في أقل من 18 دقيقة شارك فيه الملحن إيهاب عبد الواحد، ومن إخراج محمد ربيع، وجرى طرحه على «يوتيوب»، بالتزامن مع إقامة العرض الخاص له.

وينتمي الفيلم لنوعية الأفلام الغنائية الاستعراضية، وتدور الأحداث حول شاب يجد نفسه فجأة أمام منعطف حاد يقلب موازين حياته رأساً على عقب، حيث تتراكم الأسئلة والشكوك وتضيق الدائرة من حوله، فلا يجد من يقف إلى جانبه سوى شخص واحد يمد له يد العون في لحظة فارقة.

أحد الملصقات الترويجية للفيلم (الشركة المنتجة)

وهذا الدعم البسيط في ظاهره يتحول إلى نقطة تحول عميقة، تدفعه إلى إعادة النظر في اختياراته ومخاوفه ورغبته في النجاة من حالة التيه التي يعيشها، في عالم تتداخل فيه الحقيقة بالخيال، وتتحول المشاعر إلى إيقاع وصورة وحركة.

وقال محمود ماجد، مؤلف وبطل الفيلم، إن فكرة العمل بدأت منذ عام 2020، حين كتبها في البداية بوصفها فيلماً تقليدياً، مدفوعاً بحلمه القديم بتقديم فيلم موسيقي، لكن بعد مراجعة النسخة الأولى شعر بأن هناك شيئاً ناقصاً، وأن تحويل الفكرة إلى عمل غنائي قد يجعلها أكثر بساطة في الوصول إلى الجمهور، وأكثر انسجاماً مع الأجواء الخيالية والكرتونية التي تقوم عليها الفكرة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «عرضت الفكرة على المخرج محمد ربيع، الذي كان لديه هو الآخر رغبة في تقديم عمل موسيقي، قبل أن تبدأ المناقشات مع محمد نوار وإيهاب عبد الواحد لوضع التصور النهائي للعمل»، مرجعاً فترة التحضير الطويلة للفيلم إلى «طبيعة المشروع الخاصة، وتصميمهم على تنفيذ الفيلم في قالب موسيقي، رغم أنه لم يكن يجيد الغناء في البداية، ما دفعه إلى خوض تدريبات مكثفة على الغناء».

ولفت إلى أن أول نسخة قام بتسجيلها لم تكن مُرضية بالنسبة له على الإطلاق، فقرر التوقف وتعلم الغناء بشكل جاد. كما أثرت تداعيات جائحة «كورونا» في وتيرة العمل، إلى جانب الحرص على توفير إنتاج جيد يليق بصورة الفيلم النهائية.

أشرف عبد الباقي على ملصق ترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أنه كان يرى الفنان أشرف عبد الباقي مناسباً لدور الكاهن، وكان يتخيل ملامحه وحضوره في الشخصية منذ البداية، مؤكداً أن «اللقاء الذي جمعنا للمرة الأولى استمر قرابة نصف ساعة، قدمنا خلاله عرضاً كاملاً للفكرة، وكانت الأغنية جاهزة بالفعل، وحين استمع إليها أبدى تعاوناً كبيراً وتعاملاً مريحاً شجع فريق العمل على المضي قدماً بثقة».

وأكد محمود ماجد أن هدفه الأكبر هو التمثيل، وأن حلمه بالوقوف أمام الكاميرا يرافقه منذ الطفولة، وأوضح: «مشاركتي في هذا الفيلم تمثل خطوة مهمة في تحقيق هذا الحلم، لكن لا مجال للمقارنة بيني وبين شقيقي هشام ماجد الذي سبقني بسنوات».

وأشاد الناقد الفني المصري، محمد عبد الرحمن، بإقامة صناع الفيلم عرضاً خاصاً له، عادّاً هذه الخطوة «تمثل دفعة إيجابية مهمة تسهم في إنعاش حركة الأفلام القصيرة ومنحها مساحة أكبر من الاهتمام والانتشار، إلى جانب وجود الممثل أشرف عبد الباقي الذي منح العمل أحد مصادر قوته الإضافية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم ينتمي إلى نوعية الأفلام الموسيقية، وهي نوعية نادرة ومحدودة الحضور داخل السينما المصرية، مما يجعل خوضها حتى في إطار فيلم قصير خطوة مشجعة وقابلة للتطوير لاحقاً في أعمال أطول وأكثر اتساعاً»، معتبراً أن «تقديم القصة التي تحمل طابعاً فانتازياً منح العمل مسحة تأملية ورمزية واضحة».

وأكد الناقد الفني أن «عناصر الفيلم مجتمعة جاءت جيدة إلى حد كبير من حيث الفكرة والتنفيذ والمشاركة الفنية، إلا أن الملاحظة الأساسية التي يسجلها تتمثل في غياب العمق الدرامي الكافي، وعدم اكتمال البناء الدرامي والتأسيس النفسي للشخصيات بالشكل الذي يخلق حالة من التشويق، أو يدفع المتفرج إلى فهم دوافع الشخصية الرئيسية والتماهي معها بصورة أعمق».


«شبل صغير يستريح» لرمبرانت تعرض في الرياض

لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)
لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)
TT

«شبل صغير يستريح» لرمبرانت تعرض في الرياض

لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)
لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)

في التراث الفني العالمي تحتل أعمال الرسام الهولندي رمبرانت مكانة وحدها، تكفي مجموعة الصور الشخصية (البورتريه) التي رسمها وسجل بها مراحل عمره وعُدَّت سيرة ذاتية فريدة من نوعها، وغيرها من البورتريهات واللوحات التي لا تزال تجذب الزوار أينما عرضت.

وللمرة الأولى منذ عشر سنوات تعرض لوحة للفنان العالمي في مزاد لدار سوذبيز في شهر فبراير (شباط) المقبل. اللوحة «شبل صغير يستريح» من مقتنيات مجموعة «ليدن» الشهيرة، إحدى أهم المجموعات الخاصة في العالم للفن الهولندي والفلمنكي من القرن السابع عشر. اللوحة تصور رسماً مقرباً لشبل جالس نفذه رمبرانت في القرن الـ17. لا يعرف أين ولا حتى كيف صادف الفنان هذا الشبل، ولكن ما يكفي لأي عاشق لفنه هو التفاصيل التي التقطتها عينا الفنان وسجلها في لوحة صغيرة الحجم. وستعرض اللوحة للبيع في مزاد أعمال الأساتذة بدار سوذبيز بنيويورك في 4 فبراير.

اللوحة هي أهم رسمة لرامبرانت تُعرض في مزاد علني منذ 50 عاماً وتُقدّر قيمتها بما بين 15 و20 مليون دولار.

لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)

بالنسبة لغريغوري روبنستين، الرئيس العالمي لقسم رسومات الأساتذة القدامى في «سوذبيز»، فالرسم يعبر عن عبقرية رمبرانت الفنية وقدرته على «الغوص في أعماق موضوعه، سواء أكان إنساناً أم مخلوقاً من عالم الطبيعة، وتتجلى هذه الحساسية بوضوح في هذه الدراسة الحميمة بشكل لافت». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تتميز اللوحة بحيوية وقرب شديدين، وكأننا ننظر من فوق كتف الفنان. هنا، ينبض الأسد، الذي رُسم من الواقع ببراعة وطاقة استثنائيتين، بالحياة في كل ضربة فرشاة».

ولكن للشبل الصغير رحلة أخيرة قبل أن يعرض في نيويورك، فاللوحة ستعرض في الرياض يومي 24 - 25 يناير (كانون الثاني) الحالي مسجلة المرة الأولى التي تقدم فيها الدار لوحة من أعمال كبار الفنانين في السعودية.

تصف الدار اللوحة بأنها «صغيرة وحميمية» وربما ذلك يعود لقرب الشبل الصغير من الناظر ولوضعه الذي يوحي بالاسترخاء، ولكنه لا يستبعد الوثوب المفاجئ.

تطل لوحة الشبل الصغير على السعودية وتجد هناك صلات عميقة وقديمة مع صور من الحياة البرية فيها، مثل مقبرة الأسود الدادانية في العلا، وأيضاً تنسجم مع حرص المملكة على حماية الحياة البرية وهي مهمة تبنتها الهيئة الملكية للعلا. وهو أيضاً ما يتوافق مع ما تريد مجموعة «ليدن» من تحقيقه ببيع اللوحة؛ فالعائد سيخصص منظمة «بانثيرا» وهي المنظمة الرائدة عالمياً في مجال حماية القطط البرية. وتتجذر أعمال المنظمة بعمق في المملكة، ولا سيما في العلا، حيث تتعاون مع الهيئة الملكية للعلا لحماية وإعادة توطين النمر العربي المهدد بالانقراض، رابطةً بذلك بين الوجود التاريخي للرسم والحياة البرية في المنطقة.

وبالنسبة للدكتور توماس كابلان، مؤسس منظمة «بانثيرا» ومجموعة «ليدن»، فاللوحة تحمل معاني خاصة؛ فهي أول لوحة لرمبرانت اقتنتها المجموعة، وبالكشف عنها الآن وعرضها للبيع وتخصيص العائد نحو الحفاظ على البيئة، يكتسب العمل مستقبلاً مستداماً، ويربط بين الفن والتراث وحماية القطط البرية.

ويرى روبنستين أن عرض اللوحة في السعودية «أمر مناسب بشكل خاص في الوقت الذي تقود فيه منظمة (بانثيرا) عملية إعادة النمور المحلية إلى العلا؛ ما يخلق حواراً مؤثراً بين الفن والمكان والوجود الدائم للقطط الكبيرة في ماضي المنطقة ومستقبلها».

لوحة للفنان السعودي ضيا عزيز ضيا (سوذبيز)

وتعرَض اللوحة في الوقت نفسه الذي تقيم فيه «سوذبيز» في الدرعية بالرياض معرضاً لأعمال مزادها الثاني للفن الحديث والمعاصر بعنوان «أصول 2» والذي يضم أعمالاً لفنانين من الشرق الأوسط، منها لوحات لرواد الفن السعودي أمثال صفية بن زقر ومحمد السليم وعبد الحليم رضوي وضيا عزيز ضيا إلى جانب أعمال لفنانين عرب مثل لوحة «صيادان» للفنان المصري محمود مرسي ولوحة «المظاهرة» للفنان العراقي محمود صبري ولوحة «نحاس» للفنانة الفلسطينية سامية حلبي.

كما يضم المزاد مجموعة أعمال لفنانين عالميين، مثل بيكاسو وآندي وارهول وروي ليختنشتين وأنيش كابور. كما يقدم المزاد تمثالاً نادراً من المرمر لامرأة من جنوب الجزيرة العربية القديمة. ويستمر المعرض حتى 31 يناير حين يقام المزاد العلني.

تمثال نادر من المرمر لامرأة من جنوب الجزيرة العربية القديمة (سوذبيز)

تتميز في المزاد أربع مطبوعات للفنان الأميركي آندي وارهول صوَّر فيها الملاكم العالمي محمد علي كلاي أنجزها في عام 1978. ومن أعمال الفنان العالمي أنيش كابور تعرض مرآة مقعرة ضخمة من سلسلة أعماله الشهيرة، ومن أعمال الفنان روي ليختنشتاين «لوحة داخلية مع أجاك س (دراسة)»، وهي عبارة عن ورق مقصوص ومطلي ومطبوع وجرافیت على ورق مقوى، تم تنفیذھا في عام 1997. یصوّر ھذا العمل البطل الیوناني الشھیر في حرب طروادة، وھي دراسة للوحة طلبھا مصمم الأزیاء الراحل جیاني فیرساتشي مباشر ة من الفنان. كما یعرض في المزاد عمل «رایة الھرم الأكبر (دراسة)»، وھو عبارة عن شریط لاصق وورق مقصوص ومطلي ومطبوع وغرافیت على ورق مقوى، تم تنفیذه في عام 1980. كما يعرض المزاد من أعمال بيكاسو لوحة «منظر طبيعي» التي رسمها الفنان في 1965.

لوحة «منظر طبيعي» لبيكاسو (سوذبيز)