خريطة النمو العالمية في 2014.. عودة إلى التعافي في أميركا واستقرار حذر في أوروبا

محاولة إعادة التوازن للحسابات الجارية ستؤدي لتباطؤ نمو عدد من الأسواق الناشئة

متعاملون في بورصة نيويورك ، حيث حققت الأسهم الأمريكية في يناير أرباحا جيدة (أ.ف.ب)
متعاملون في بورصة نيويورك ، حيث حققت الأسهم الأمريكية في يناير أرباحا جيدة (أ.ف.ب)
TT

خريطة النمو العالمية في 2014.. عودة إلى التعافي في أميركا واستقرار حذر في أوروبا

متعاملون في بورصة نيويورك ، حيث حققت الأسهم الأمريكية في يناير أرباحا جيدة (أ.ف.ب)
متعاملون في بورصة نيويورك ، حيث حققت الأسهم الأمريكية في يناير أرباحا جيدة (أ.ف.ب)

* تشهد الولايات المتحدة حاليا ما يمكن وصفه بالتعافي الجزئي: فمعدل النمو الاقتصادي يتراوح بين 1.5 في المائة و2 في المائة، وهو نمو لا يرتقي إلى المعدلات المتوقعة، لكنه على أي الأحوال أفضل من لا شيء. ويرجع الفضل الأكبر في تحقيق هذا النمو لاقتصاد القطاع الخاص، ذلك الاقتصاد الذي يتميز بمرونة وديناميكية ويستطيع توجيه موارده - التي يجري استثمارها على الهامش - باتجاه القطاعات الرائجة تجاريا، والتي لا يعد الطلب فيها من العوامل المعوقة للنمو. ويُعد العبء المالي (أو فجوة الإنفاق في الاقتصاد الخاص) من القضايا المهمة والمُلتبسة في الوقت ذاته حيث إنه لا تتوفر حلول لسلسلة أزمات الموازنة.
وتُعد قضية الاستثمارات، لا سيما استثمارات القطاع العام، من أهم العوامل المفقودة في نموذج الاقتصاد الأميركي المتطور، ويبدو من المحتمل استمرار فقدان الاهتمام بتلك الاستثمارات في ظل المناخ السياسي الحالي. كما أن الحل البديل لن ينجح على المستوى السياسي، ويتمثل ذلك البديل في النقل المؤقت لمحفظة الطلب الإجمالي المحلي من الاستهلاك إلى الاستثمار الذي يجري تمويله من عائدات الضرائب على الدخل أو الثروات الضخمة. وعدم نجاح ذلك البديل يعني أن معدل النمو سيبقى أقل من المتوقع لفترة ليست بالقصيرة.

* أوروبا
* تشهد أسواق الديون السيادية في أوروبا حالة من الاستقرار في الوقت الحالي بفضل سياسات البنك المركزي الأوروبي وبرنامج «المعاملات النقدية الصريحة» (غير المستخدم حاليا لكنه يبقى مستعدا للظهور على الساحة في أي وقت)، بالإضافة على دعم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لتلك التدابير المهمة. وقد ساعدت تلك السياسات والتدابير في إنقاذ الدول التي كانت على شفا الإفلاس.
وتبدو قصة الحديث عن النمو في أوروبا غير مشوقة. حيث إن الفروق البسيطة في تكلفة عمالة الوحدة خلال مرحلة ما قبل الأزمة الاقتصادية العالمية (عند مقارنة دول جنوب القارة بألمانيا) قد زادت بشكل كبير وما زالت مرتفعة بشكل محبط، على الرغم من أنه كان هناك نوع من التقارب الضار، باستثناء إيطاليا. ولا تتوفر لدول جنوب أوروبا - وجميعهم على الجانب الخطأ من مؤشر الفجوة الإنتاجية - عوامل تساعد على دفع النمو والتنمية: فالطلب المحلي يتراجع وهو ما يعيق نمو القطاع التجاري غير الرائج، ويعيق أيضا نمو الإنتاجية، وهو ما يتسبب في تأخير أي نوع من التوسعات في القطاع التجاري الرائج من خلال الوصول إلى الطلب العالمي الخارجي. وتهدد تلك العملية برمتها الترابط الاجتماعي والسياسي في أوروبا، كما تسبب نوعا من الحيرة للمواطنين فيما يتعلق بمستقبلهم.
وعلى جانبي مؤشر الفجوة الاقتصادية، يبدو الجميع مهددين، في ظل التشكل الحالي لمعدلات النمو الاقتصادية، بتشوه هياكلهم الاقتصادية. فسعر الصرف مرتفع إلى أبعد الحدود بالنسبة للجنوب، لكنه منخفض إلى حد ما بالشكل الكافي للحد من نمو القطاع التجاري غير الرائج للاقتصاد الألماني. وفي الوقت الحالي، يبدو أنه لا يوجد منتصر في هذه اللعبة.

* الصين
* تبدو الصين في طريقها للحفاظ على معدل نمو 7 في المائة خلال عقد آخر من الزمان، وهو ما يشير إلى متابعة تنفيذ مجموعة نظام إصلاحات واضح المعالم جرى تصميمه لتغيير نموذج النمو باتجاه تنمية أكثر توازنا في الصادرات الرائجة والجوانب الاقتصادية غير الرائجة (بما في ذلك الاستهلاك المحلي). كما أن الإصلاحات التي وعد كل من الرئيس شي جين بينغ ورئيس وزرائه لي كه تشيانغ بتطبيقها من المتوقع أن تقلل من فرص تباطؤ نمو الاستثمارات، وهذا ما سيجعل ضخ المزيد من رؤوس الأموال مرتبطا بالأسعار والنتائج وعملية الابتكار التي تحددها السوق.
ويمتنع صانعو السياسات عن الاعتماد الخاطئ على محفزات النمو قصيرة المدى، مثل آليات الاستثمار أو الرفع المالي المبالغ فيها، والتي ربما تؤدي إلى حدوث انخفاض قصير الأجل في النمو، في الوقت الذي تساهم فيه معدلات الاستهلاك الجديدة من قبل القطاع العائلي في تحفيز النمو. وربما يبدو ذلك مقلقا بعض الشيء، لكنه في نهاية الأمر لا يخرج معدلات النمو الاقتصادي عن مسارها الصحيح.
الطبقة المتوسطة في الصين هي محطة الطاقة التي تغذي عجلة التنمية. في حال كانت الإصلاحات التي اقترحها الرئيس شي جين بينغ ناجحة في تغيير نموذج النمو الصيني، فسوف يكون نمو الطبقة المتوسطة الصينية هائلا. وحسب تقديرات معهد ماكينزي العالمي، من المتوقع أن تنمو الطبقة المتوسطة في الصين من نحو 230 مليون نسمة في الوقت الحالي إلى 630 مليون نسمة خلال عشرة أعوام. وتعتبر تلك الزيادة من مظاهر زيادة الأجور ودخول الأسر الصينية، بالإضافة إلى السياسات التي جرى وضعها بهدف زيادة دخول الأسر في الجوانب التي تؤدي إلى زيادة النمو. وسوف ينتج عن ذلك بالتأكيد سوق هائلة ونامية وقوة دفع كبيرة للنمو في الصين وباقي دول العالم.
وعلى الرغم من ذلك، يزداد عدم المساواة في الدخول يوما بعد يوم في الصين، ويبدو معدل عدم المساواة ذلك مرتفعا بالشكل الكافي الذي يؤدي إلى تصاعد التوترات الاجتماعية، لا سيما عندما تتلاقى مع الثروات الهائلة التي تتراكم في نهاية الطرف الأعلى من عملية توزيع الدخل والثروة بسبب القدرة على انتهاز الفرص الاستثمارية بفضل العلاقات السياسية. لكن الحفاظ على النموذج الاقتصادي الحالي من أولويات الأجندة الإصلاحية.

* الاقتصاديات الأخرى الناشئة
* مما لا شك فيه أن نمو الصين سيمثل قوة دافعة للاقتصاديات النامية الأخرى. وقد أدى إعلان مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الربيع الماضي عن أنه سيقلل عمليات شراء سندات الخزانة وسندات الرهن العقاري - التي يجري استخدامها في إبقاء المعدلات طويلة الأجل منخفضة - إلى حدوث اضطراب في تدفقات رؤوس الأموال الدولية وأسعار الصرف في كبريات الدول الناشئة التي تطبق قيودا معينة على رؤوس الأموال.
ولم تؤد تلك الإجراءات حتى الآن إلى حدوث عدم استقرار في الاقتصاد الدولي. غير أنها مثلت جرس إنذار للاقتصاديات التي كانت متجهة نحو الاعتماد على رؤوس الأموال منخفضة التكلفة في سعيها إلى الهروب من معدلات الفائدة المنخفضة في الدول المتقدمة. ويبدو من غير المحتمل أن يؤدي تأخير قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن سندات الخزانة وسندات الرهن العقاري إلى العودة إلى إدارة نسب عجز ضخمة في حسابات جارية، والاعتماد على رؤوس الأموال الأجنبية لتمويل الاستثمارات. وهذا ما بدا في تعليق رئيس البنك المركزي الهندي على تأجيل قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث قال إن ذلك تأجيل وليس ظرفا دائما. وربما تؤدي محاولة إعادة التوازن للحسابات الجارية إلى حدوث تباطؤ في نمو عدد من الأسواق الناشئة على المدى القصير. غير أنه ومع قوة الدفع التي يوفرها الاقتصاد الصيني القوي والنمو المعقول في الاقتصاد الأميركي، فإن العودة إلى نماذج نمو مرتفعة نسبيا ودائمة يبدو محتملا جدا.

* النمو العالمي والتقارب
* يبدو أن عملية التقارب طويلة الأجل للدول المتقدمة والنامية ستستمر، وكذلك سيستمر نمو حجم الاقتصاد العالمي بشكل عام.
ويجري حاليا معالجة بعض مظاهر اختلال التوازن العالمي بطريقة منسقة وعقلانية. فقد دفع نموذج النمو الاقتصادي الأميركي الصادرات للنمو بشكل سريع. كما يرجع الفضل لقطاع التجارة الرائج في تحقيق أكثر من 50 في المائة من نسبة النمو وكذلك فرص العمل التي جرى توفيرها. غير أن الواردات تنمو بشكل أبطأ بسبب صدمة الطلب السلبي التي خلفتها الأزمة الاقتصادية العالمية. ويبدو عجز الحساب الجاري في حالة تراجع في الوقت الحالي. وعند قلب الوجه الآخر لاختلال التوازن العالمي، يبدو واضحا أن المدخرات الزائدة في الصين في حالة تراجع أيضا بسبب الاتجاه الثابت لرفع سعر العملة وكذلك انخفاض فوائض الحسابات الجارية.
ويبدو ذلك بعيدا كل البعد عن إيجاد حل لمظاهر «الاختلال العالمي». لكن شبح تعثر الاقتصاد العالمي بسبب نقص هائل في الطلب الإجمالي بدأ في التراجع. ويبدو ذلك نتيجة طبيعية لتطور نماذج النمو في أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.
وتدير ألمانيا فائض حساب جار ضخما على جميع المستويات. ومع انتشار تكاليف عمالة الوحدة في منطقة اليورو، فكل دولة لديها عملة مرتفعة أو منخفضة في القيمة عن المعدلات العادية. أما في حالة ألمانيا، فقد جرى تخفيض سعر العملة وهو ما أدى إلى زيادة الفوائض. ولا يبدو ذلك نتيجة مثالية لألمانيا، حيث إن ذلك أدى لتحجيم قطاع الخدمات غير الرائجة، وهو ما يمكن أن يقود - إذا ما استمر - إلى تحول نموذج الاقتصاد الألماني إلى نموذج نمو غير متوازن. غير أن خيارات التعامل مع تلك النتيجة تبدو غير جذابة، حيث إنه باستطاعة صانعي القرار في ألمانيا محاولة إعطاء دفعة للاقتصاد من خلال تحفيز الطلب المحلي. لكن ذلك ربما يؤدي إلى حدوث ضغوط تضخمية، والتي بدورها قد ينتج عنها - إذا ما تركت للاستفحال - إلى تسريع عملية تقارب الإنتاجية مع باقي الدول الأوروبية. لكن خسارة ميزة التنافسية في قطاع التجارة الرائجة لن تكون خيارا جذابا لألمانيا، فضلا عن كره ألمانيا التاريخي للتضخم.
وفي هذا الاتجاه، يبدو أن أوروبا ستحتفظ بنموذج نمو اقتصادي منخفض وغير متوازن لبعض الوقت، في الوقت الذي يواصل فيه التقارب في الإنتاجية والتنافسية المسيرة غير عابئ بالعوامل الأخرى. ومن دون أسعار الصرف والتضخم، تبدو خيارات إعادة التوازن محدودة ومؤلمة وبطيئة. لكن ذلك لن يكون ظرفا دائما. وتستطيع أوروبا وستكون قادرة، بما في ذلك الجنوب، على تحقيق النمو في نهاية الأمر.
البطالة في المنطقة المجهولة: رغم اختلاف معدلات النمو في الكيانات الاقتصادية الرئيسة، التي تتسم بالإيجابية والتحسن على الأغلب، فإن إحصائيات التشغيل شأن آخر. فقد أشارت الكثير من الأبحاث إلى أن التكنولوجيا القوية للغاية التي توفر العمالة الممتزجة بالعولمة تؤدي إلى انحراف معدلات التوظيف عن النمو وخاصة في القطاع التجاري. ففي الدول المتقدمة، وحتى في الدول صاحبة الاقتصادات القوية، كان الجانب التجاري محركا محدودا للوظائف لما يزيد على عقدين على الأقل.
عدم تحول سوق العمل يعود لعدد من الأسباب، منها أن الرواتب الاسمية تستعصي على الخفض. أضف إلى ذلك انخفاض العجز والذي يتوقع أن يحافظ على حالته تلك. وبشكل عام فإن انخفاض العجز المرتبط بالتراجع المستمر في الأسعار الاسمية، يتطلب وقتا أطول لتحقيق التغيير في الأسعار النسبية. لكن هذا هو ما تقوم به التكنولوجيا والعولمة لدفع الاقتصاد للقيام به. وربما يكون غياب الاستقرار في سوق العمل نتيجة لتغير نظم متطلبات سوق العمل بشكل أسرع من قدرات الإمداد الأكثر بطئا في مجالات مثل التعليم واكتساب المهارات.
هذا لن يستمر إلى الأبد، ولكن الأمر قد يستغرق بعض الوقت. فتوليفة النمو الأقل من الماضي والعمالة المتثاقلة يتوقع أن تسفر عن تباطؤ عملية إعادة التوازن بما يكفي لكي تشكل المشكلات العالية خطورة مثل بطالة الشباب الممتدة. هذا يتطلب نهجا سياسيا متعدد الجوانب، للحفاظ على الضعفاء والصغار داخل السوق وفي عملية لا تتعرض فيها المهارات للتلاشي.
وحتى عندما (أو إن) شهدت السوق تعديلا للتأقلم مع القوى التي تسبب تغييرات بنيوية في الطلب لأنواع كثيرة من الوظائف، فمن المتوقع أن يكون الارتفاع في العائد على التعليم، الذي ينظر إليه باعتباره استثمارا في رأس المال البشري، متسما بالديمومة. ويبدو أنه لا توجد احتمالات في الوقت الراهن لتغيير عكسي لثلاثة عقود من التراجع في دخل العمالة كجزء من الدخل القومي. وربما تزداد سرعة، ولا أحد يعلم على سبيل اليقين، لأن هذه مناطق مجهولة على الأقل في الحقبة الراهنة التي تلت الحرب الباردة. لكن استعادة النمو لن تحل بالضرورة التحديات في منطقة التوزيع والشمولية والتماسك الاجتماعي.
وتلقي القضيتان الضوء على الصورة الأوسع نطاقا للعائد على نمو عالمي أكثر توازنا.

* الإدارة السيئة تهدد النمو
* يشعر المرء بالإحباط من المأزق المثير للإحباط في الكثير من النظم السياسية ونمط الاستقطاب المتنامي الذي يمكن أن يؤدي إلى عجز سياسي أو إلى أخطاء ضخمة وأضرار.
وقد أصبح السلوك المتهور شائعا للغاية، والذي يؤدي في أحسن الأحوال إلى مخاطرة غير ضرورية، وعلى الأسوأ الكثير من الأضرار الثانوية. وهو مصدر لإحباط وارتباك للسياسيين المسؤولين وصناع السياسة والمواطنين على السواء في كل مكان. ولا تزال عناصره غامضة.
لكن بالنسبة للاقتصاد العالمي وأجزائه المختلفة فهي رياح معاكسة وعامل مخاطرة.

* ظل المناخ
* الظل الثاني هو الاستدامة طويلة الأجل. والجيش المتنامي من المدافعين عن أنماط إعادة تحفيز النمو والقيم المتغيرة لتحقيق نمو متوقع هائل في الاقتصاد العالمي بما يتفق وقاعدة الموارد الطبيعية التي نمتلكها، يكتسب قوة كبيرة في كل مكان، بمساعدة محدودة من الغضب وعنف الطبيعة الأم في بعض الأحيان. هذا هو الخبر السار. وعملية التطور اللامركزية، المعقدة التي تثير الارتباك التي تدعم هذا التقدم ليست نموذج العمل الجماعي التقليدي. ولكن يبدو أنها تعمل وتكييف على نحو أفضل مع حقائق التحدي في هذه المرحلة. ويمكن للمرء أن يأمل أن تتسارع وتيرة التقدم في الوقت الذي يجري التغلب فيه على تحديات النمو الحالي وتراجع انشغالنا الضروري بهم.

* حصل مايكل سبنس على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001، كما ترأس لجنة البنك الدولي المعنية بالنمو والتنمية. أما أحدث إصداراته فهو كتاب «التقارب المقبل: مستقبل النمو الاقتصادي في عالم متعدد السرعات».



العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)

بين الجبال الشامخة وتاريخ الحضارات العريق، تستعد محافظة العلا لاستضافة النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» يومي الأحد والاثنين. هذا الحدث، الذي وُلد بوصفه شراكة استراتيجية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، والذي تحوّل بسرعة مذهلة إلى «جاكسون هول» خاص بالدول الناشئة، يأتي في وقت أثبتت فيه القوى الصاعدة «مرونة استثنائية» قلبت توقعات الأسواق العالمية.

وتحت شعار «رسم مسار عبر مشهد عالمي متغير»، يجمع المؤتمر نخبة من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصنّاع القرار، لتنسيق السياسات، وبناء على ما تحقق في العام الماضي، ومتابعة جهود ترسيخ مكانة هذه الاقتصادات لتكون ركيزة للاستقرار العالمي.

ولا يقتصر زخم «العلا» على العمل المؤسسي، بل يتزامن مع «نهضة استثمارية» أعادت صياغة قواعد اللعبة؛ فبعد عقدين من العائدات المتواضعة، قفز مؤشر MSCI القياسي لأسهم الأسواق الناشئة بنسبة 34 في المائة في عام 2025، (وكان أفضل أداء له منذ عام 2017)، متفوقاً على الأسواق المتقدمة التي نمت بنسبة 21 في المائة. ومع بداية 2026، يبدو أن «ماراثون» الأسواق الناشئة قد انطلق بالفعل، مع ارتفاع المؤشر بنسبة تقارب 11 في المائة حتى الآن في يناير (كانون الثاني). كما ارتفعت قيمة الأسهم في المؤشر بأكثر من تريليون دولار هذا العام لتصل إلى 28 تريليون دولار، مقارنة بـ 21 تريليون دولار في بداية عام 2025، بدعم من تراجع الدولار وجاذبية التقييمات، مما يجعل هذه الأسواق الملاذ الأكثر استدامة للمستثمرين الباحثين عن النمو بعيداً عن تقلبات القوى الكبرى.

صورة جماعية للمشاركين في النسخة الأولى من المؤتمر (الشرق الأوسط)

سر الصمود

في محاولة لتفسير المرونة الاستثنائية التي طبعت الاقتصادات الناشئة، يشرح صندوق النقد الدولي أن صمود الأسواق الناشئة لم يكن محض صدفة، أو «ضربة حظ»، بل هو نتاج تطور جذري في «أطر السياسات». وبينما ساهمت الظروف الخارجية المواتية بنحو 0.5 نقطة مئوية في دعم النمو، إلا أن التحسن في السياسات الوطنية منح هذه الدول 0.5 نقطة مئوية إضافية من النمو، ونجح في خفض التضخم بنسبة 0.6 نقطة مئوية مقارنة بالأزمات السابقة، من تقرير الصندوق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

هذا التحول يعكس «نضجاً نقدياً» يتمثل في قدرة هذه الدول على استباق الضغوط التضخمية عالمياً؛ وبناء «مصدات استقرار» ذاتية مكنتها من حماية عملاتها المحلية، وإعادة هيكلة ديونها لتقليل الارتهان للعملات الأجنبية، مما ضمن استمرار الإنتاجية حتى في ظل ارتفاع الفائدة العالمية.

وزير المالية السعودي يلقي كلمة في افتتاح النسخة الأولى من مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

«صوت» في واشنطن

يكتسب توقيت المؤتمر أهمية مضاعفة كونه يسبق اجتماعات الربيع في واشنطن في أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يجعل من العلا «مختبراً» لصياغة رؤية موحدة تضمن تحول هذه الاقتصادات من «متلقٍ» للسياسات إلى «شريك» في صياغتها. والهدف هو بلورة موقف جماعي يوازن بين طموحات النمو والواقع المالي المعقد الذي تفرضه المديونية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استقرار هذه الأسواق مصلحة وجودية للدول المتقدمة أيضاً، وهو ما دعمته المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، بضرورة تحويل رسائل المؤتمر إلى خطوات إجرائية تخدم تطلعات الدول الناشئة قبل طرح ملفاتها الكبرى في المحافل الدولية.

غورغييفا تلقي كلمة في افتتاح مؤتمر العلا العام الماضي (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد هيكلية النقاشات، يشهد المؤتمر أجندة حافلة تتصدرها جلسة «تداعيات حالة عدم اليقين العالمية على الأنظمة النقدية والمالية»، بالتوازي مع مناقشة ورقة حول «السياسة النقدية في ظل التحولات الهيكلية». ويهدف هذا المسار النقاشي إلى تفكيك التحديات التي تواجه البنوك المركزية للموازنة بين مكافحة التضخم وتحفيز النمو.

في نهاية المطاف، يبدو المشهد العالمي اليوم في ذروة مثاليته للرهان على القوى الصاعدة. ومع توقعات صندوق النقد بتفوق نمو الأسواق الناشئة على الاقتصادات الغنية بنسبة 2.4 نقطة مئوية في 2026، تبدو الأمور متوازنة لتشجيع رؤوس الأموال على التوجه نحو أماكن تنمو بوتيرة أسرع. وبينما قد تدفع سياسات الإدارة الأميركية الحالية المستثمرين للبحث عن بدائل، تظل الحقيقة الأبرز أن ما نشهده ليس مجرد طفرة، بل هو إعلان عن نضج هذه الاقتصادات، وقدرتها على قيادة الدفة، لتظل الأسواق الناشئة صمام أمان للاقتصاد العالمي بأسره. فإذا كانت «جاكسون هول» هي بوصلة الماضي الغربي، فإن «عُلا السعودية» هي اليوم المختبر الحقيقي الذي يصنع مستقبل الجنوب العالمي.


«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.


رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».