كيف يمكن للدول الديمقراطية الانتصار في معارك «المنطقة الرمادية»؟

الواقعة بين السلام والحرب ولا تصل إلى مستوى الصراع المسلح

الرئيس بوتين يحتفل على متن سفينة حربية روسية بمناسبة الاستيلاء على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا وضمها إلى روسيا (رويترز)
الرئيس بوتين يحتفل على متن سفينة حربية روسية بمناسبة الاستيلاء على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا وضمها إلى روسيا (رويترز)
TT

كيف يمكن للدول الديمقراطية الانتصار في معارك «المنطقة الرمادية»؟

الرئيس بوتين يحتفل على متن سفينة حربية روسية بمناسبة الاستيلاء على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا وضمها إلى روسيا (رويترز)
الرئيس بوتين يحتفل على متن سفينة حربية روسية بمناسبة الاستيلاء على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا وضمها إلى روسيا (رويترز)

بين الحرب والسلام هناك منطقة غامضة تختلف فيها المفاهيم وتختلط القواعد، وباتت تعرف بـ«المنطقة الرمادية» وتمثلها الأنشطة التي تقوم بها دولة ما وتضر بدولة أخرى وتعتبر ظاهرياً أعمال حرب، ولكنها من الناحية القانونية ليست أعمالاً حربية.
تناول تقرير نشره معهد جيتستون الأميركي للكولونيل ريتشارد كيمب القائد العسكري البريطاني السابق، سلوك الدول الديمقراطية فيما يتعلق بالعمليات التي تقوم بها الدول السلطوية والمنظمات الإرهابية في المنطقة الرمادية، وكيف يمكن أن تواجهها الديمقراطيات. وقال كيمب الذي عمل رئيساً لفريق مكافحة الإرهاب الدولي في مكتب مجلس الوزراء البريطاني، إنه في شهر أبريل (نيسان) الحالي، أصدر الرئيس الأميركي جو بايدن توجيهاته الاستراتيجية المؤقتة للأمن القومي. وعبر المحيط الأطلسي، قدم رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون المراجعة المتكاملة للأمن والدفاع والتنمية والسياسة الخارجية إلى البرلمان.
وأعرب القائدان عن قلقهما إزاء التحديات المتزايدة في المنطقة الرمادية ووعدا بإجراءات للاستجابة بشكل أكثر فعالية. وأوضح التقرير أن المنطقة الرمادية هي المسافة الواقعة بين السلام والحرب والتي تنطوي على أعمال قسرية تقع خارج المنافسة الجيوسياسية العادية بين الدول، ولكنها لا تصل إلى مستوى الصراع المسلح. ويتم تنفيذ الأعمال في المنطقة الرمادية من قبل الدول في كثير من الأحيان باستخدام وكلاء بما في ذلك الإرهابيون، وكذلك من قبل المنظمات الإرهابية في حد ذاتها. وغالباً ما تكون إجراءات المنطقة الرمادية عدوانية غامضة ويمكن إنكارها ومبهمة. وهي تهدف إلى إلحاق الضرر أو الإكراه أو التأثير أو زعزعة استقرار الدول المستهدفة أو تقويض الوضع الدولي الراهن.
وعادة ما تسعى إلى تجنب رد عسكري كبير، رغم أنها غالباً ما تكون مصممة لترهيب وردع دولة مستهدفة من خلال التهديد بمزيد من التصعيد. وأضاف كيمب، كما جاء في تحقيق الوكالة الألمانية أن إجراءات المنطقة الرمادية ليست جديدة، وهي الشكل السائد للصراع في جميع أنحاء العالم. ولكن كما تدرك كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، تعمل العولمة والتكنولوجيا على زيادة وتيرة وفعالية مثل هذه الأنشطة، والسرعة التي تتكشف بها. وينخرط المزيد من الجهات الفاعلة، باستخدام وسائل قوية بشكل متزايد «للحرب الرمادية»، بما في ذلك المجال السيبراني والفضاء والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والدعاية الرقمية والطائرات المسيّرة. وتشمل الأمثلة محاولة اغتيال روسيا لأحد مواطنيها بغاز الأعصاب عام 2018 في المملكة المتحدة، وضم شبه جزيرة القرم والجهود المبذولة للتأثير على الانتخابات البرلمانية الأوروبية وتكتيكات وأعمال التعدي الصينية حول الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي والشرقي، فضلاً عن العدوان العسكري على الهند في منطقة لاداخ والضغط الشديد على هونغ كونغ والهجمات الإرهابية المتكررة الإيرانية بالوكالة في الشرق الأوسط وأميركا الجنوبية والولايات المتحدة وأوروبا وأماكن أخرى، والاستيلاء على الشحن الدولي والهجوم عليه، والهجمات الصاروخية بالوكالة ضد المنشآت الأميركية في العراق. ولدى الدول الغربية خيارات استباقية وتفاعلية عديدة للرد على إجراءات المنطقة الرمادية الموجهة ضدها أو ضد حلفائها، والتي تنطوي بصورة أكثر فعالية على تنسيق متعدد الأطراف.
ويجب أن يكون الهدف هو الإحباط أو الردع، وتجنب التصعيد الذي قد يؤدي إلى صراع شامل. وبشكل عام، تنقسم الخيارات إلى أربع فئات: الدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية والعسكرية. وإلى جانب الاستعراض الرمزي للقوة مثل نشر قوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ليتوانيا ضد العدوان الروسي، ودوريات المجموعة الضاربة لحاملة الطائرات البريطانية الخاصة بحرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي، تشمل فئة الردود العسكرية القتال التقليدي المحدود، والعمليات السرية، والهجمات الإلكترونية والتجسس. ويمكن أن يكون لكل من هذه العناصر أهمية حيوية في مواجهة إجراءات المنطقة الرمادية، ولكنها مصحوبة بمخاطر سياسية كبيرة. ومن الأمثلة الحديثة البارزة الضربة الصاروخية الأميركية في عام 2020 ضد قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، وهو نفسه من الشخصيات البارزة في المنطقة الرمادية، والذي شارك - من بين أنشطة خبيثة أخرى - لسنوات عديدة في تنظيم هجمات ضد الولايات المتحدة وحلفائها. ويمثل خوف الدول الديمقراطية من التصعيد قيداً كبيراً أمام استخدام الخيارات العسكرية العنيفة في المنطقة الرمادية، وهذا ما تستغله بالضبط الدول الاستبدادية مثل إيران. وطالما كان الرد محسوباً بعناية، من غير المرجح حدوث تصعيد يصل إلى ذلك النوع من الاشتعال الذي حذر منه الرئيس بايدن. وفي الواقع، تتمثل نقطة عمليات المنطقة الرمادية في تجنب التصعيد إلى صراع شامل مع الولايات المتحدة وحلفائها.
ويرى كيمب أنه يجب أن تنفذ جميع العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات الغربية وفقاً للقانون المحلي والدولي، بما في ذلك في المنطقة الرمادية، مع تحديد واضح من قبل الحكومات بشأن ما إذا كان سير الأعمال العسكرية أو معايير إنفاذ القانون تنطبق في عمليات محددة. غير أن الالتزام بالقانون ليس ضمانة بأن العمل الذي يكشف عنه لن يكون ضاراً سياسياً، خاصة إذا حدث خطأ، وهو أمر يمثل دائماً مخاطرة كبيرة. والأمر معقد بسبب الحاجة في بعض الظروف إلى تبني نهج غير مباشر - القيام بعمل عسكري في المنطقة الرمادية ضد خصم في دولة مختلفة وضد قضية مختلفة عن تلك التي دفعت إليه. وإذا كانت المخاطر السياسية عالية جداً، فهل من الضروري الرد بالمثل على العمل العسكري في المنطقة الرمادية؟. تقول المراجعة المتكاملة لبريطانيا: «سنسعى إلى ردع الدول عن القيام بأعمال عدوانية، من خلال احتمالية تعرضها للعقاب، ومن خلال كشف هذه الأعمال والإعلان عن القائم بها والرد وفقاً لذلك». ولا يعني الردع الخيار العسكري وحده. فكلما كان ممكناً، يفضل اتخاذ الإجراءات الدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية في إنزال العقوبات. لكن في بعض الأحيان يكون من الضروري الرد بالمثل، ويجب أيضاً أن يواجه خصوم المنطقة الرمادية المستعدين لاستخدام العمل العسكري خطراً عسكرياً حقيقياً.
ويتساءل كيمب: «ما هو مدى ثقتنا في أن الديمقراطيات الليبرالية تعني العمل في المنطقة الرمادية؟. عندما تعرضت القوات البريطانية (وكذلك الأميركية) للقتل والتشويه بأعداد كبيرة في العراق على يد وكلاء إيران
الذين يستخدمون الذخائر الإيرانية منذ أكثر من عقد من الزمان، لم تفكر حكومة المملكة المتحدة حتى في أي شكل من أشكال العمل العسكري بالمنطقة الرمادية، حتى غير الفتاك، ضد إيران، رغم القدرة الواضحة على القيام بذلك. وبدلاً من ذلك، اعتمدت على المساعي الدبلوماسية، واستمرت عمليات القتل».
ولا تزال عواقب هذا الضعف تتجلى في عدوان المنطقة الرمادية المستمر والواسع النطاق من جانب إيران. وإذا كان خوف القادة السياسيين من التصعيد والتداعيات السياسية في ذلك الوقت - في مواجهة قتل قواتهم - قد تسبب في هذا الشلل، فما مدى احتمال أن يفكروا بجدية في عمليات المنطقة الرمادية العنيفة اليوم، خاصة إذا لم تكن المخاطر عالية بدرجة كبيرة؟.


مقالات ذات صلة

انتهاء أكبر مناورات عسكرية مشتركة بين الفلبين والولايات المتحدة

الولايات المتحدة​ انتهاء أكبر مناورات عسكرية مشتركة بين الفلبين والولايات المتحدة

انتهاء أكبر مناورات عسكرية مشتركة بين الفلبين والولايات المتحدة

أجرت الولايات المتحدة والفلبين، اليوم الأربعاء، التدريب الأخير في أكبر مناورات عسكرية مشتركة بين البلدين في بحر الصين الجنوبي الذي تطالب بكين بالسيادة عليه بأكمله تقريبًا. خلال هذا التدريب، أُطلق وابل من الصواريخ باتجاه سفينة حربية تمثّل العدو، في سابقة في البحر المتنازع عليه. وقال المسؤول في قسم العلاقات العامة في قوات المشاة البحرية الأميركية نك مانفيلر «إنه تدريب تقليدي». بدأ التدريب بالذخيرة الحية بسلسلة من عمليات إطلاق الصواريخ من نظام «هايمارس» الأميركي الصاروخي المتنقل على فرقاطة للبحرية الفلبينية تبعد 22 كيلومترًا تقريبًا عن الساحل، بهدف إغراقها. تهدف هذه التدريبات السنوية إلى تعزيز ال

«الشرق الأوسط» (مانيلا)
العالم انتهاء مناورات للأسطول الروسي في المحيط الهادي

انتهاء مناورات للأسطول الروسي في المحيط الهادي

أعلن الجيش الروسي، اليوم الخميس، انتهاء المناورات المفاجئة لأسطوله في المحيط الهادي، والتي أعلن عنها، الأسبوع الماضي، وذلك على خلفية تقارب كبير مع الصين وتوتّر شديد مع الغرب. وقالت وزارة الدفاع الروسية إنّ «هذه التدريبات المفاجئة أكّدت المستوى العالي للجهوزية العسكرية لأسطول المحيط الهادي، لتنفيذ مهامّ تهدف إلى صدّ عدوان منافس محتمل». وأعلنت الوزارة، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، مشاركة أكثر من 25 ألف جندي، و89 طائرة ومروحية، و167 سفينة، منها 12 غواصة، في هذه المناورات التي استمرت 7 أيام. ووفقاً للوزارة، فإنّ الأسطول تدرّب على صدّ ضربات جوية، وكشف الغواصات وتدميرها، وإطلاق صواريخ، خل

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم اتفاق أميركي كوري جنوبي ياباني على تدريبات عسكرية منتظمة

اتفاق أميركي كوري جنوبي ياباني على تدريبات عسكرية منتظمة

وافقت كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة على إجراء تدريبات للدفاع الصاروخي ومضادة للغواصات على نحو منتظم لمواجهة التهديدات المتزايدة التي تمثلها كوريا الشمالية. وأعلنت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية، اليوم السبت، الاتفاق على إجراء التدريبات في جلسة المحادثات الدفاعية الثلاثية أمس الجمعة، وسط توترات نجمت عن اختبارات الأسلحة الأخيرة التي أجرتها بيونغ يانغ، بما في ذلك اختبار تزعم أنه اطلاق للصاروخ الباليسيتي العابر للقارات «هواسونغ 18» الذي يعمل بالوقود الصلب، أول من أمس الخميس. وجاء قي بيان للوزارة: «قرر ممثلو الدول الثلاث إجراء تدريبات للدفاع الصاروخي وتدريبات مضادة للغواصات على أساس منتظ

«الشرق الأوسط» (سول)
العالم «الناتو» يجري تدريبات بالذخيرة الحية شمال شرقي بولندا

«الناتو» يجري تدريبات بالذخيرة الحية شمال شرقي بولندا

شارك مئات الجنود من ست دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تدريب مشترك للقوات البرية بشمال شرق بولندا. ويتضمن تدريب «آمبر لينكس 23» الذي يجري في منطقة تدريب عسكرية بالقرب من أورزيش بإقليم فارميا-مازوريا، اليوم الخميس، استخدام الذخيرة الحية.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
الاقتصاد اضطرابات القطاع المصرفي تطرح «مخاطر جديدة» تهدد اقتصاد منطقة اليورو

اضطرابات القطاع المصرفي تطرح «مخاطر جديدة» تهدد اقتصاد منطقة اليورو

أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، الأربعاء، أن التوترات الأخيرة التي تحيط بالقطاع المصرفي تطرح «مخاطر جديدة» تهدد الاقتصاد، في وقت ما زال أمام البنك «طريق يقطعه» لمكافحة التضخم المرتفع. أدى انهيار ثلاثة مصارف أميركية واستحواذ بنك يو بي إس السويسري على منافسه كريدي سويس إلى اضطرابات في أسواق المال العالمية، وأثار مخاوف من تفجر أزمة في القطاع المصرفي. وقالت لاغارد إن التوقعات الأخيرة للبنك المركزي الأوروبي الذي خفض التوقعات المتعلقة بالتضخم ورفع تلك المتعلقة بالنمو لهذا العام، لم تأخذ بعين الاعتبار الاضطرابات الحالية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«البنتاغون» يبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» يبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في «البنتاغون».

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك، فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة بعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم «البنتاغون» كينغسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.

وقال مسؤول في حلف شمال الأطلسي، رداً على سؤال عما إذا كان من الممكن تعليق عضوية دولة في الحلف: «معاهدة تأسيس حلف شمال الأطلسي لا تنص على أي بند بشأن تعليق العضوية في الحلف».

«تقليل الشعور بالاستحقاق»

وقالت بريطانيا وفرنسا ودول أخرى إن الانضمام إلى الحصار البحري ​الأميركي سيعني دخولها في الحرب، لكنها ستكون على استعداد للمساعدة في إبقاء المضيق ‌مفتوحاً بمجرد التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار أو انتهاء الحرب.

لكن مسؤولي إدارة ترمب شدَّدوا على أن حلف شمال الأطلسي لا يمكن أن يكون طريقاً من ‌اتجاه واحد. وعبَّروا عن خيبة الأمل من إسبانيا، التي قالت حكومتها التي يقودها حزب العمال الاشتراكي إنها لن تسمح باستخدام قواعدها أو مجالها الجوي لمهاجمة إيران. ولدى الولايات المتحدة قاعدتان عسكريتان مهمتان في إسبانيا، هما قاعدة روتا البحرية وقاعدة مورون الجوية.

قال المسؤول، مٌلخصاً محتوى رسالة البريد الإلكتروني، إن الخيارات السياسية الموضحة في الرسالة تهدف إلى إرسال إشارة قوية إلى أعضاء حلف شمال الأطلسي بهدف «تقليل الشعور بالاستحقاق لدى الأوروبيين».

وأوضح أن الرسالة تشير إلى أن خيار تعليق عضوية إسبانيا في الحلف سيكون له تأثير محدود على العمليات العسكرية الأميركية، لكنه سيكون له تأثير رمزي كبير.

ولم يكشف المسؤول ‌عن السبل التي ربما تتبعها الولايات المتحدة لتعليق عضوية إسبانيا في الحلف.

وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، رداً على سؤال حول التقرير قبيل اجتماع لقادة الاتحاد الأوروبي في قبرص لمناقشة قضايا، من بينها بند المساعدة المتبادلة في حلف شمال الأطلسي: «لا نتحرك بناءً على رسائل إلكترونية. نحن نتحرك بناءً على وثائق رسمية ومواقف حكومية، وفي هذه الحالة عن مواقف الولايات المتحدة».

جزر فوكلاند

تتضمن المذكرة أيضاً خياراً للنظر في تقييم الدعم الدبلوماسي الأميركي لما يعرف باسم «الممتلكات الإمبراطورية» الأوروبية القديمة، مثل جزر فوكلاند بالقرب من الأرجنتين.

ويذكر موقع وزارة الخارجية الأميركية أن الجزر تخضع لإدارة بريطانيا، لكن الأرجنتين لا تزال تطالب بالسيادة عليها. ورئيس الأرجنتين خافيير ميلي من حلفاء ترمب.

وتحمس ميلي لهذه الاحتمالات. وقال في مقابلة مع محطة إذاعية نشرها على حسابه على «إكس»، الجمعة: «نفعل كل ما في مقدور البشر لنستعيد كل جزر مالفيناس الأرجنتينية، الجزر، لأيدي الأرجنتين... نحرز تقدماً كما لم يحدث من قبل» وهو الاسم الذي تطلقه الأرجنتين على جزر فوكلاند.

وخاضت بريطانيا والأرجنتين حرباً قصيرة في 1982 بشأن الجزر بعد محاولة أرجنتينية فاشلة للسيطرة عليها. وقتل نحو 650 جندياً أرجنتينياً و255 عسكرياً بريطانياً قبل أن تستسلم الأرجنتين.

وأكد متحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الجمعة، أن بريطانيا لها السيادة على جزر فوكلاند. وقال للصحافيين: «موقف بريطانيا بشأن جزر فوكلاند واضح تماماً. إنه موقف راسخ لم يتغير».

وأساء ترمب مراراً إلى ستارمر، ووصفه بأنه جبان بسبب عدم رغبته في الانضمام إلى حرب الولايات المتحدة مع إيران، ووصف ترمب حاملات الطائرات البريطانية بأنها «دُمى». وقال إن ستارمر «ليس ونستون تشرشل»، مقارناً إياه برئيس الوزراء البريطاني الراحل.

ولم توافق بريطانيا في البداية على طلب الولايات المتحدة السماح للطائرات الأميركية بمهاجمة إيران من قاعدتين بريطانيتين، لكنها وافقت لاحقاً على السماح بمهام دفاعية تهدف إلى حماية سكان المنطقة، بما في ذلك المواطنون البريطانيون، ​وسط الرد الإيراني.

وفي تعليقات للصحافيين في «البنتاغون» في وقت سابق من ​هذا الشهر، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث إن «الكثير قد انكشف» من خلال الحرب على إيران، مشيراً إلى أن صواريخ إيران بعيدة المدى لا يمكنها ضرب الولايات المتحدة، لكنها تستطيع الوصول إلى أوروبا.

وقال هيغسيث: «نواجه أسئلة، أو عراقيل، أو تردداً... وليس لدينا في الحقيقة الكثير من مقومات التحالف إذا كانت هناك دول غير مستعدة للوقوف إلى جانبنا عندما نحتاج إليها».


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».