الاستخبارات الأميركية تنبأت بـ«كورونا» في 2008 وتحذر من مستقبل عالمي قاتم

مقر وكالة الاستخبارات الأميركية (أرشيفية - رويترز)
مقر وكالة الاستخبارات الأميركية (أرشيفية - رويترز)
TT

الاستخبارات الأميركية تنبأت بـ«كورونا» في 2008 وتحذر من مستقبل عالمي قاتم

مقر وكالة الاستخبارات الأميركية (أرشيفية - رويترز)
مقر وكالة الاستخبارات الأميركية (أرشيفية - رويترز)

قالت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، أمس (الخميس)، إن الاستخبارات الأميركية حذرت من أن العالم يواجه مستقبلاً قاتماً ستشكل فيه الأمراض والأزمات المالية وتغير المناخ تحديات كبيرة.
وأوضحت الصحيفة أن وكالات الاستخبارات الأميركية كل أربع سنوات، مع بدء الفترات الرئاسية، تقدم تقريراً مهماً لما يبدو أنه يتجه إليه العالم خلال العقدين المقبلين، يُطلق عليه «الاتجاهات العالمية».
ولفتت «نيويورك تايمز» إلى أن تقريراً سابقاً للاستخبارات الأميركية في عام 2008 حذر من احتمال ظهور جائحة تنشأ في شرق آسيا، وتنتشر بسرعة في جميع أنحاء العالم، وذكرت أن خبراء في واشنطن قرأوا هذا التقرير قالوا إنهم لا يتذكرون تقريراً أكثر كآبة.
ولفتت إلى أن التقارير المتعلقة بالمستقبل كانت خلال السنوات الماضية تميل لوضع مواقف جيدة، ولكن هذا العام تقول عناوين التقرير بشأن عام 2040 إن «النظام الدولي سيكون فوضوياً ومتقلباً، حيث سيتم تجاهل القواعد والمؤسسات الدولية إلى حد كبير من قبل القوى الكبرى، مثل الصين واللاعبين الإقليميين والجهات الفاعلة غير الحكومية».
وبحسب تقرير «الاتجاهات العالمية 2040» الذي صدر، الأسبوع الماضي، عن مجلس الاستخبارات الوطنية، فإن جائحة فيروس «كورونا» المستجد أثبتت أنها «أهم اضطراب عالمي فريد منذ الحرب العالمية الثانية»، مع تداعيات طبية وسياسية وأمنية سيتردد صداها لسنوات».
وعلقت الصحيفة الأميركية بأن هذا ليس شماتة، ولكن مقدمة لصورة أكثر قتامة بكثير لما ينتظرنا، وأوضحت أن التقرير الاستخباري المكون من 144 صفحة، والذي يحمل عنواناً فرعياً «عالم أكثر تنازعاً» ينذر بالسوء، يضع تصوراً لعالم غير مستقر جراء تغير المناخ، وشيخوخة السكان، والأمراض، والأزمات المالية، وتكنولوجيات تقسم أكثر مما توحد، وكلها ترهق المجتمعات و«تولد صدمات من شأنها أن تكون كارثية»، وفقاً للتقرير.
وحذر التقرير من استمرار اتساع الفجوة بين التحديات والمؤسسات التي تهدف إلى التعامل معها، حيث إنه «من المرجح أن تصبح السياسات داخل الدول أكثر تقلباً وإثارة للجدل»، وأضاف أنه «لا يبدو أن أي منطقة أو آيديولوجية أو نظام محصن».
وتابع أن «العالم يتشكل على نحو متزايد بفعل التحدي الصيني للولايات المتحدة والنظام الدولي الذي يقوده الغرب»، مع وجود مخاطر أكبر للصراع.
واستعرضت الصحيفة رؤية الاستخبارات الأميركية لما سيقبل عليه العالم، حيث قال إن هناك شرائح كبيرة من سكان العالم أصبحوا حذرين من المؤسسات والحكومات التي يرونها غير راغبة أو غير قادرة على تلبية احتياجاتهم.
وتابع أن الناس ينجذبون إلى مجموعات مألوفة ومتشابهة التفكير والهويات العرقية والدينية والثقافية من أجل المجتمع والأمن والمصالح، ولأسباب مثل حماية البيئة.
وذكر أنه في نفس الوقت الذي يتم فيه تمكين السكان بشكل متزايد ومطالبتهم بالمزيد، تتعرض الحكومات لضغوط أكبر من التحديات الجديدة والموارد المحدودة.
وحذر من أن هذه الفجوة الآخذة في الاتساع تنذر بمزيد من التقلبات السياسية، وتآكل الديمقراطية، وتوسيع الأدوار لبدلاء يقدمون للحوكمة.
ورجح أن تواجه العلاقات بين المجتمعات وحكوماتها في كل منطقة توترات بسبب عدم التوافق المتزايد بين ما يحتاج إليه الجمهور، وما يتوقعه، وما يمكن أن تقدمه الحكومات، وما ستقدمه.
وكذلك من المرجح أن يؤدي تسريع التحولات في القوة العسكرية، والتركيبة السكانية، والنمو الاقتصادي، والظروف البيئية، والتكنولوجيا، بالإضافة إلى الانقسامات الشديدة حول نماذج الحوكمة، إلى زيادة المنافسة بين الصين والتحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة.
وأوضحت الصحيفة أن التقرير به سيناريو واحد مبهج متعلق بـ«نهضة الديمقراطيات»، حيث تقود الولايات المتحدة وحلفاؤها عالماً من الديمقراطيات الناشئة، يصبح فيه الجميع أكثر سعادة.
وتابعت أن الغرض الواضح من هذا السيناريو هو إظهار أنه يمكن للناس، من حيث المبدأ، تغيير الأمور، ولكنها لفتت إلى أنه لا شيء في التقرير يشير إلى احتمال حدوث ذلك.
وقالت الصحيفة إنه لا ينبغي أن تكون الكآبة مفاجأة؛ فمعظم ما تقدمه التقارير عبارة عن تذكير بمخاطر نعرفها وتحذيرات سمعناها.
وتابعت: «نحن نعلم أن العالم لم يكن مستعداً بشكل جيد لمواجهة فيروس (كورونا) وأن الوباء أسيء التعامل معه بشكل خطير في معظم أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة».
وأضافت: «نحن نعلم أن قمم القطب الشمالي تذوب بمعدل محفوف بالمخاطر، مما يرفع مستوى سطح البحر، ويهدد بعواقب وخيمة في جميع أنحاء العالم».
وأردفت: «نحن نعلم أنه رغم جميع الفوائد العظيمة للإنترنت، فقد أطلقت التكنولوجيا الرقمية أيضاً العنان للأكاذيب والمؤامرات وانعدام الثقة، مما أدى إلى تفتيت المجتمعات وتسميم الخطاب السياسي».
وكذلك: «نحن نعلم من السنوات الأربع الماضية ما هو شكل الاستقطاب والحكم الذاتي. ونحن نعلم أن الصين في صعود، وأنه من الضروري إيجاد توازن يمكن إدارته بين الاحتواء والتعاون».
وقالت الصحيفة إن التقرير لم يقدم حلولاً، ولا تستطيع الوكالات الـ18 التي تشكل مجتمع الاستخبارات الأميركي بموجب القانون تقديم توصيات.
وذكرت أنه، ومع ذلك فعندما تستثمر مجموعة كبيرة من المتخصصين في مجال الاستخبارات الذين لديهم إمكانية الوصول إلى مجموعة غير عادية من المعلومات المميزة موارد كبيرة في معرفة إلى أين يتجه العالم، ثم إنارة ضوء أحمر وامض، فهناك سبب وجيه للاهتمام.
وعرضت «نيويورك تايمز» تصريحاً لماريا لانجان ريكهوف، مديرة «مجموعة الاستراتيجيات المستقبلية» لـ«مجلس الاستخبارات الوطنية»، التي قادت نشر «الاتجاهات العالمية 2040»: «نحن لا ننظر في مسألة واحدة فقط أو مجال واحد بشكل ضيق، نحن نحاول أن ننظر عبر كل هذه القضايا، ونسأل كيف تتطور بمرور الوقت».
ولفتت الصحيفة الأميركية إلى أن ليون فويرث، نائب مستشار الأمن القومي في إدارة بيل كلينتون، اقترح، قبل عقد، إنشاء آليات لتوقع الأزمات، وأن تكون تلك الآليات «استباقية، وليست رجعية».
وقالت الصحيفة إن إدارة جو بايدن بدأت التعامل بشكل جيد على بعض الجبهات، لا سيما فيما يتعلق بالسياسة البيئية والبنية التحتية.
وتابعت أن بايدن كقائد يتمتع بمنظور فريد حول كيفية تغير السياسة والمجتمع والعالم على مر السنين، يمكن أن يكون أيضاً هو الشخص الذي يدرك أن العالم الذي يزداد تعقيداً وتقلباً، ولا يمكن التنبؤ به يتطلب آلية جادة للتنبؤ والاستعداد لما يكمن خلف هذا الأفق المظلم، وقالت إن الاستخبارات موجودة وتصرخ من أجل العمل.


مقالات ذات صلة

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...