دمشق لا تتجاوب مع طلب لبنان ترسيم الحدود البرية

دمشق لا تتجاوب مع طلب لبنان ترسيم الحدود البرية
TT

دمشق لا تتجاوب مع طلب لبنان ترسيم الحدود البرية

دمشق لا تتجاوب مع طلب لبنان ترسيم الحدود البرية

مع بدء الحديث عن ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وسوريا الذي تزامن مع تلزيم دمشق لشركة روسية بالتنقيب عن النفط في المنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة بين البلدين، تسارعت الأسئلة المشروعة حول مدى استعداد النظام في سوريا للدخول في مفاوضات مع لبنان لفض النزاع في هذه المنطقة في ضوء الاتصال الذي أجراه رئيس الجمهورية ميشال عون بنظيره السوري بشار الأسد، وما إذا كان الأخير سيشترط تعليقها إلى حين توصل لبنان في مفاوضاته غير المباشرة مع إسرائيل إلى اتفاق يتعلق بالمساحات البحرية المتنازع عليها بين بيروت وتل أبيب.
وسبق للرئيس الأسد أن اشترط بدء ترسيم الحدود البرية بين لبنان وسوريا من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المحتلة، وذلك في رد مباشر على ما توصلت إليه القيادات السياسية في مؤتمر الحوار الأول الذي عُقد في أبريل (نيسان) 2006، بدعوة من رئيس المجلس النيابي نبيه بري حول ضرورة ترسيمها بين البلدين وقبل أن ينقل المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا فردريك هوف عن لسان الأسد تأكيده أن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا تابعة لسوريا، من دون أن يبادر إلى نفي ما نُسب إليه في هذا الخصوص.
وتبين في حينه - كما تقول لـ«الشرق الأوسط» قيادات شاركت في مؤتمر الحوار الأول - أن المؤتمرين وافقوا على ضرورة ترسيم الحدود البرية بين البلدين، لكنهم استجابوا لرغبة الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله بصرف النظر عن الترسيم واستبدال تحديد الحدود به، بذريعة أن كلمة تحديد تُستخدم بين دولتين شقيقتين بخلاف الترسيم الذي يُستخدم بين دولتين متخاصمتين أو عدوتين.
وتؤكد هذه القيادات أن نصر الله تعهد من جانبه بالاتصال بالقيادة السورية لهذه الغاية، إضافة إلى تواصله مع الفصائل الفلسطينية لحثها على التجاوب مع ما قرره مؤتمر الحوار لجهة تنظيم السلاح الفلسطيني في داخل المخيمات وجمعه في خارجها، لكن موضوع السلاح الفلسطيني بقي عالقاً إلى اليوم، وتعزو السبب إلى أن دمشق اشترطت على لبنان أن يبحث الأمر مع ممثلين عن قوى التحالف الفلسطيني، في محاولة لتصفية حساباتها مع منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت على خلاف معها.
وبالفعل، فإن دمشق أوكلت مهمة التفاوض إلى الأمين العام للجبهة الشعبية - القيادة العامة - برئاسة أحمد جبريل، الذي يتخذ من دمشق مقراً له، وأوفدته إلى بيروت والتقى في حينها رئيس الحكومة فؤاد السنيورة وزعيم تيار «المستقبل» سعد الحريري وآخرين، من دون أن يتوصل معهم إلى إبرام ورقة تفاهم لحل مشكلة السلاح الفلسطيني.
لكن دمشق عادت - كما تقول هذه القيادات - إلى إبداء استعدادها للبحث في ترسيم الحدود البرية بين البلدين باستثناء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا في محاولة للالتفاف على الضغوط التي استهدفتها، مطالبة إياها بإيداع الأمم المتحدة وثيقة موقعة بين البلدين تعترف فيها بلبنانية المزارع.
وشكّل تكليف الحريري برئاسة أول حكومة في أعقاب الاتفاق بين المملكة العربية السعودية وسوريا مناسبة لإعادة فتح ملف ترسيم الحدود البرية بين البلدين بدءاً من منطقة الشمال، وتقرر حينها تشكيل لجنة لبنانية برئاسة الوزير جان أوغاسابيان، في مقابل استعداد دمشق لتشكيل لجنة مماثلة من سياسيين وعسكريين، إضافة إلى تشكيل لجنتين موازيتين من محافظي البقاع والشمال تتوليان مع محافظي ريف دمشق وحمص إيجاد حل للمناطق المتداخلة بين البلدين.
إلا أن هذه اللجان ظلت حبراً على ورق ولم تعقد أي اجتماع تنفيذي، باستثناء عقد لقاء يتيم خُصص للتعارف، مع أن الجانب اللبناني أعد ملفه بالكامل مدعوماً بخرائط جوية وإحداثيات برية أنجزتها قيادة الجيش اللبناني، وذلك أسوة باللجان الوزارية التي شُكلت تتويجاً لزيارة الرئيس الحريري لدمشق ولقائه الأسد.
وفي هذا السياق، فإن دمشق حالت دون تفعيل اللجان الوزارية المشتركة التي كان يراد منها إعادة النظر في عدد من الاتفاقات الاقتصادية والتجارية المعقودة بين البلدين من «وحي» معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين رئيسي البلدين في حينها إلياس الهراوي وحافظ الأسد، التي لم يبقَ من آثارها سوى المجلس الأعلى اللبناني - السوري برئاسة نصري خوري الذي مضى على تعيينه أكثر من ربع قرن.
وتردد أن دمشق أبدت تجاوباً بقي في حدود استيعاب النقمة على النظام السوري على خلفية فرض وصايته الأمنية والسياسية على لبنان، من دون أن تتجاوب مع طلبه بترسيم الحدود البرية، إلى أن قررت الانقلاب على الحريري باستقالة حلفائها ومعهم وزراء «التيار الوطني الحر» من الحكومة.
لذلك فإن دمشق لم تبادر حتى الساعة إلى إبداء حسن نية مع وصول العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، الذي لم ينقطع عن التواصل معها عبر وزير الدولة السابق لشؤون الرئاسة بيار رفول الذي يتردد من حين لآخر إلى العاصمة السورية. حتى إن دمشق سرعان ما بادرت إلى تطويق دعوة المجلس الأعلى للدفاع الوطني برئاسة عون إلى ترسيم الحدود البرية بين البلدين لمكافحة التهريب المنظم من لبنان إلى سوريا، خصوصاً أن المواد المهربة من مواد غذائية ومحروقات تلقى دعماً من خزينة الدولة يقدر سنوياً بمليارات الدولارات تذهب بمعظمها إلى سوريا عبر شبكات لها امتداداتها الرسمية في الداخل السوري.
لكن لبنان الرسمي في ظل حكومة تصريف الأعمال نأى بنفسه عن الرد على رفض وزير الخارجية في حينه وليد المعلم الاستجابة لطلب لبنان بذريعة أن الترسيم لم يحن أوانه، وكذلك الأمر بالنسبة إلى تأكيد الأسد سورية المزارع.
وعليه، فإن دمشق تقفل الأبواب في وجه الدعوات اللبنانية لترسيم الحدود في ظل ازدياد عدد المعابر غير الشرعية التي ترعى التهريب «المنظم» إلى سوريا، مع أن لبنان محكوم حتى إشعار آخر من محور «الممانعة» المتحالف مع «التيار الوطني» الذي انقلب على موقفه من النظام السوري بذريعة أن لا مشكلة معه طالما أن قواته العسكرية انسحبت من لبنان تحت ضغط «قوى 14 آذار» في أعقاب اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري وتنفيذاً للشق السوري من القرار 1559.



بن بريك: اليمن استعاد حضوره المالي عالمياً

لقيت الإصلاحات الحكومية اليمنية إشادة من بعثة صندوق النقد الدولي (سبأ)
لقيت الإصلاحات الحكومية اليمنية إشادة من بعثة صندوق النقد الدولي (سبأ)
TT

بن بريك: اليمن استعاد حضوره المالي عالمياً

لقيت الإصلاحات الحكومية اليمنية إشادة من بعثة صندوق النقد الدولي (سبأ)
لقيت الإصلاحات الحكومية اليمنية إشادة من بعثة صندوق النقد الدولي (سبأ)

أنهت الحكومة اليمنية وصندوق النقد الدولي، في العاصمة الأردنية عمّان، مشاورات المادة الرابعة، في أول لقاء من نوعه منذ أكثر من أحد عشر عاماً، وسط إشادات من بعثة الصندوق بالتقدم الذي أحرزته الحكومة في مسارات الإصلاح المالي والإداري، وبتحسّن مستوى الشفافية والتعاون المؤسسي.

وينظر مراقبون اقتصاديون إلى استئناف هذه المشاورات، على أنه يمثّل «إشارة ثقة دولية متجددة» بالحكومة اليمنية، بعد سنوات من الانقطاع الذي فرضته الحرب، وتراجع الإيرادات العامة نتيجة توقف صادرات النفط منذ أواخر عام 2022، بسبب هجمات الحوثيين على المواني والمنشآت النفطية.

وقال رئيس مجلس الوزراء اليمني، سالم بن بريك، في كلمته خلال ختام المشاورات، إن عودة التواصل مع صندوق النقد الدولي «تشكّل محطة مفصلية في استعادة اليمن حضوره داخل المؤسسات المالية الدولية، وتجسّد التزام الحكومة بنهج الإصلاح المالي والإداري رغم كل التحديات».

الحكومة اليمنية عقدت اجتماعات مع صندوق النقد الدولي هي الأولى من نوعها منذ 11 عاماً (سبأ)

وأضاف أن «الحكومة تعي صعوبة المرحلة، لكنها ماضية في تصحيح الاختلالات، وتحسين كفاءة إدارة الموارد العامة، وتعزيز الشفافية والمساءلة في الإنفاق».

وأكد بن بريك أن المشاورات أسفرت عن توصيات مهمة ستُترجم إلى خطة تنفيذية وطنية للإصلاح المالي والنقدي، تراعي الواقع الاقتصادي والإنساني المعقّد في البلاد، مشيراً إلى أن الحكومة تأمل في أن تكون هذه الخطوة مدخلاً لشراكة أوسع مع المؤسسات المالية الدولية، وهو ما يعزّز فرص الاستقرار والتعافي والنمو المستدام.

إشادة بالإصلاحات

من جانبها، قالت رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي إلى اليمن، إيستر بيريز رويز، إن الحكومة اليمنية أظهرت «التزاماً جاداً بالإصلاح المالي والإداري رغم التحديات»، مؤكدة استعداد الصندوق لتقديم الدعم الفني والاستشاري ومواصلة التعاون من أجل استعادة الاستقرار الاقتصادي.

ووصفت استئناف المشاورات بعد أكثر من عقد بأنها «لحظة تاريخية بالنسبة إلى اليمن»، وتعزز الثقة الدولية، وتشجّع على توسيع نطاق الدعم المالي والتمويلي.

رئيس الحكومة اليمنية سالم بن بريك (سبأ)

وأشاد البيان الختامي لبعثة الصندوق بالإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليمنية خلال الأشهر الماضية، وفي مقدمتها ضبط أوضاع المالية العامة وإدارة النقد الأجنبي، وإنشاء اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، وحظر استخدام العملات الأجنبية في المعاملات المحلية، وإلغاء تراخيص شركات الصرافة المتورطة في المضاربة.

وأوضح البيان أن هذه السياسات أسهمت في استقرار سعر صرف الريال اليمني، وخفض معدلات التضخم، وتحسين الشفافية في سوق النقد.

وتوقع الصندوق أن يحقّق الاقتصاد اليمني تعافياً تدريجياً خلال السنوات المقبلة، مع ارتفاع معدل النمو من 0.5 في المائة عام 2026 إلى نحو 2.5 في المائة بحلول عام 2030، بشرط استمرار الإصلاحات الحكومية وتدفق الدعم الخارجي.

كما أشاد بتركيز خطة التعافي الاقتصادي التي أطلقتها الحكومة مطلع العام الحالي على استدامة الموارد العامة وتقوية المؤسسات وتحسين الحوكمة.

دعم بريطاني وفرنسي

وفي السياق ذاته، بحث بن بريك في العاصمة الأردنية عمّان مع سفيرتي المملكة المتحدة وفرنسا مستجدات الأوضاع الاقتصادية والإصلاحات الحكومية.

ونقل الإعلام الرسمي أن السفيرة البريطانية، عبدة شريف، أكدت أن بلادها تتابع بإيجابية التقدم الذي أحرزته الحكومة اليمنية في تنفيذ الإصلاحات ومكافحة الفساد، مشيدة بالشفافية التي تتعامل بها الحكومة في الملفات الاقتصادية. وجددت دعم بلادها لجهود الاستقرار والتنمية في اليمن.

من جانبها، رحّبت السفيرة الفرنسية كاترين قرم كمّون، في لقاء آخر، باستئناف المشاورات مع صندوق النقد، وعدّتها خطوة «مهمة لإعادة بناء الثقة مع الشركاء الدوليين»، مجددة موقف باريس الداعم للحكومة اليمنية والشعب اليمني على المستويين الثنائي والأوروبي.

جانب من اجتماع رئيس الحكومة اليمنية مع السفيرة البريطانية (سبأ)

وفي خطوة عملية، أعلنت الحكومة اليمنية بدء صرف المرتبات المتأخرة لموظفي الدولة في القطاعَيْن المدني والعسكري، وفق خطة مالية وإدارية شاملة يجري تنفيذها بإشراف مباشر من رئيس الوزراء.

وقال مصدر حكومي إن صرف المرتبات سيبدأ تدريجياً بالتنسيق مع البنك المركزي والقطاع المصرفي، ضمن خطة لضمان انتظام الصرف شهرياً وتصفية المتأخرات.

وأوضح المصدر أن الحكومة تولي ملف المرتبات «أولوية قصوى» انطلاقاً من مسؤوليتها تجاه الموظفين وأسرهم، مؤكداً أن الإجراءات الجارية لتوسيع الإيرادات وترشيد النفقات تهدف إلى تحقيق استدامة مالية طويلة الأمد.

ورأى أن انتظام الرواتب يمثّل خطوة حيوية لاستعادة الثقة بين الدولة والمواطنين بعد سنوات من الانقطاع والتأخير.


زعيم الحوثيين يستعرض قوته ويتوجّس من مرحلة ما بعد غزة

الحوثيون انتهزوا حرب غزة لتجنيد وتعبئة مئات الآلاف من السكان في مناطق سيطرتهم (أ.ف.ب)
الحوثيون انتهزوا حرب غزة لتجنيد وتعبئة مئات الآلاف من السكان في مناطق سيطرتهم (أ.ف.ب)
TT

زعيم الحوثيين يستعرض قوته ويتوجّس من مرحلة ما بعد غزة

الحوثيون انتهزوا حرب غزة لتجنيد وتعبئة مئات الآلاف من السكان في مناطق سيطرتهم (أ.ف.ب)
الحوثيون انتهزوا حرب غزة لتجنيد وتعبئة مئات الآلاف من السكان في مناطق سيطرتهم (أ.ف.ب)

أبدى زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، مخاوف واضحة من مرحلة ما بعد اتفاق غزة بين إسرائيل وحركة «حماس»، مشيراً إلى أن جماعته تتابع «بدقة وعناية» تنفيذ الاتفاق، في ظل ما وصفه بـ«انعدام الثقة» في جدية تل أبيب وواشنطن في وقف الحرب.

وفي خطبته الأسبوعية، قال الحوثي إن جماعته ستبقى «في حالة انتباه وجهوزية تامة»، لرصد ما إذا كان الاتفاق سيفضي فعلاً إلى وقف إطلاق النار ودخول المساعدات إلى قطاع غزة، أو أن ما يجري مجرد «خدعة مؤقتة».

وفي حين أكد الحوثي مواصلة الحشد الشعبي والسياسي والعسكري دعماً للفلسطينيين «حتى تتضح النوايا الحقيقية» لإسرائيل، ظهرت في خطبته مخاوف ضمنية من أن تصبح جماعته الهدف المقبل لإسرائيل في سياق حملة أوسع بعد أن تكون الأخيرة قد ضمنت الهدوء في غزة.

وقال الحوثي إن التطورات الجارية (اتفاق وقف الحرب) لا تمثل نهاية الصراع؛ بل «جولة من جولات المواجهة مع مشروع الهيمنة الأميركي والإسرائيلي»، داعياً أنصاره إلى الاستعداد لجولات مقبلة قد تشمل المنطقة كلها. وقال إن على جماعته «تطوير قدراتها العسكرية باستمرار، ومتابعة كل ما يستجد من تقنيات إسرائيلية» تحسباً لأي «عدوان جديد»، وفق تعبيره.

زعيم الحوثيين يسعى لتنصيب نفسه قائداً لمحور إيران في المنطقة العربية عقب مقتل حسن نصر الله (أ.ف.ب)

وفيما بدا أنه استعراض لقدرات جماعته خلال العامين الماضيين، ادعى الحوثي أن ما سماها «العمليات الإسنادية» التي نفذتها قواته بلغت 1835 عملية، تنوعت بين إطلاق صواريخ باليستية ومجنحة وفرط صوتية، وهجمات بطائرات مسيّرة وزوارق حربية. ووصف هذا الرقم بأنه «إنجاز كبير».

كما عرض الحوثي أرقاماً ضخمة لما وصفه بـ«الأنشطة الشعبية المساندة»، موضحاً أن جماعته نظمت خلال عامين، أكثر من 49 ألف مسيرة ومظاهرة، و94 ألف فعالية شعبية، ونحو 550 ألف ندوة، و350 ألف وقفة طلابية، إضافة إلى أكثر من ألف عرض عسكري و3 آلاف مسير عسكري.

وفي سياق المخاوف الحوثية، كرر زعيم الجماعة أن «العدو الإسرائيلي» يعدّ لجولات جديدة بعد اتفاق غزة، محذراً من أن «انشغال بعض الأطراف بالهدنة» قد يتيح لتل أبيب فرصة لإعادة ترتيب أوراقها. وأضاف أن جماعته «لن تركن إلى الهدوء المؤقت».

ويعكس خطاب الحوثي - كما يبدو - توجس الجماعة من أن يؤدي أي استقرار في غزة إلى تراجع مبررات التصعيد في البحر الأحمر، ما قد يضعف ذرائعها في الاستمرار بالهجمات التي تسببت في تصنيفها جماعةً تهدد أمن الملاحة الإقليمية.

خلفية المواجهة

منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس» بغزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تحولت جماعة الحوثيين إلى طرف في المواجهة الإقليمية، بعد أن أعلنت «الانخراط العسكري نصرةً للفلسطينيين».

غير أن هذا الانخراط سرعان ما اتخذ بُعداً يتجاوز الدعم الرمزي، مع تنفيذ الجماعة مئات الهجمات بالصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل، إلى جانب مئات الهجمات البحرية التي استهدفت السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، بذريعة ارتباطها بإسرائيل.

وخلال العامين الماضيين، نفذت الجماعة - وفق ادعاء زعيمها عبد الملك الحوثي - أكثر من 228 هجوماً ضد سفن تجارية، تسببت في غرق 4 سفن وقرصنة خامسة، إضافة إلى مقتل 9 بحارة، فيما لا يزال 12 بحاراً محتجزين حتى اليوم.

الحوثيون أطلقوا مئات الصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل خلال عامين (إعلام حوثي)

وأدت هذه الهجمات إلى إرباك حركة التجارة العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وسط تحذيرات دولية من أن أكثر من 55 دولة تأثرت مصالحها جراء التصعيد الحوثي في أحد أهم الممرات الملاحية بالعالم.

وفي حين لم يكن للهجمات المباشرة باتجاه إسرائيل أي تأثير عسكري باستثناء مقتل شخص في تل أبيب جراء انفجار مسيرة بشقته في 19 يوليو (تموز) 2024، إلى جانب بعض الإصابات في هجمات أخرى، فإنها مثلت إشغالاً للدفاعات الإسرائيلية، فضلاً عن التسبب في تفعيل الإنذارات وتعليق حركة الطيران من وقت لآخر.

موجات انتقامية

مع تصاعد خطر الهجمات الحوثية، ردّت إسرائيل بـ18 موجة من الغارات الجوية ابتداء من 20 يوليو (تموز) 2024 وحتى 25 سبتمبر (أيلول) 2025، استهدفت خلالها مواني الحديدة ومطار صنعاء ومنشآت طاقة ومصانع إسمنت ومقار أمنية وعسكرية خاضعة للجماعة.

وكان أبرز الضربات الإسرائيلية على صنعاء في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه.

كما استقبلت الجماعة نحو ألفي ضربة أميركية شاركت في بعض موجاتها بريطانيا ابتداء منذ يناير (كانون الثاني) 2024، وحتى مايو (أيار) 2025، حيث توسطت سلطنة عمان في اتفاق أوقف الرئيس ترمب بموجبه الحملة الواسعة ضد الجماعة في مقابل تعهدها بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

جانب من الدمار جراء ضربة إسرائيلية استهدفت موقعاً للحوثيين في صنعاء (أ.ب)

غير أن هذه الضربات لم توقف وتيرة التصعيد، إذ استمر الحوثيون في إطلاق صواريخ باليستية ومجنحة وفرط صوتية باتجاه البحر الأحمر وإسرائيل، في خطوة تهدف إلى تأكيد دور الجماعة فيما يسمى «محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

وفي أحدث إحصائية، قالت الجماعة الحوثية إن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح 1.676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، لكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جراء هذه الضربات.

وإذ تتهم الحكومة الشرعية الحوثيين باستخدام القضية الفلسطينية للتملص من استحقاقات السلام وتنفيذ أجندة إيران في المنطقة، تسود المخاوف على الصعيد اليمني من أن تلجأ الجماعة إلى تفجير الوضع الميداني داخلياً بعد اتفاق وقف النار في غزة، وبخاصة بعد أن تمكنت من تعبئة وتجنيد مئات الآلاف من السكان الخاضعين لها خلال العامين الماضيين.

وفي المقابل، قد يدفع الهدوء الإقليمي المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، إلى إنعاش مسار السلام المتعثر بناء على خريطة الطريق التي كانت توسطت فيها السعودية وعمان في أواخر 2023، قبل أن تنخرط الجماعة الحوثية في تصعيدها الإقليمي والبحري.


وزير يمني: الحوثيون لا يؤمنون بالشراكة ولا يحتكمون لأي قوانين

مُوالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمها (أ.ف.ب)
مُوالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمها (أ.ف.ب)
TT

وزير يمني: الحوثيون لا يؤمنون بالشراكة ولا يحتكمون لأي قوانين

مُوالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمها (أ.ف.ب)
مُوالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمها (أ.ف.ب)

كشفت مصادر حكومية يمنية عن تصاعد غير مسبوق في الانتهاكات، التي ترتكبها الجماعة الحوثية بحق المدنيين والسياسيين في مناطق سيطرتها، وسط تحذيرات من أن موجة الاعتقالات الأخيرة تمثل مرحلة جديدة من القمع المنهجي لإلغاء أي وجود سياسي خارج دائرة الولاء للجماعة.

وقال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني إن مرور قرابة خمسين يوماً على اختطاف الجماعة الأمين العام لحزب «المؤتمر الشعبي» في صنعاء، غازي الأحول، وعدداً من مرافقيه، ومدير مكتبه عادل ربيد، يؤكد أن الجماعة لا تؤمن بالشراكة ولا تحتكم إلى أي قوانين أو أعراف أو قِيم إنسانية.

وأوضح الإرياني، في تصريحات رسمية، أن استمرار احتجاز الأحول رغم مرور ذكرى ثورة «26 سبتمبر (أيلول)»، يبرهن على أن ما تمارسه الجماعة ليس «إجراء احترازياً» كما تزعم، بل هو عمل مبرمج وممنهج يستهدف «المؤتمر الشعبي العام» ككيان وطني، ويأتي ضمن سياسة شاملة لتدمير البنية السياسية للدولة اليمنية وتجريف الحياة الحزبية لصالح حكم الفرد.

عناصر حوثيون بصنعاء ضمن فعاليات للاستقطاب والتعبئة العسكرية (إ.ب.أ)

وأشار الوزير إلى أن هذه الجريمة تمثل انتهاكاً صارخاً للحقوق والحريات السياسية، ورسالة ترهيب لكل القوى الوطنية التي تحاول الحفاظ على مساحة للعمل السياسي داخل مناطق سيطرة الحوثيين، لافتاً إلى أن الجماعة اعتادت اختطاف وتصفية مَن يخالفها الرأي، سواء من القيادات السياسية والقبلية أم حتى من عناصرها أنفسهم، ما يؤكد رفضها أي شكل من أشكال التعدد أو الحوار.

لا إمكانية للتعايش

وأكد وزير الإعلام اليمني أن ما حدث مع الأحول يوجّه رسالة واضحة لكل من يراهن على إمكانية التعايش أو ممارسة العمل السياسي في مناطق الحوثيين، مؤكداً أن الجماعة لا ترى في بقية القوى سوى أدوات مؤقتة تُوظفها لخدمة مشروعها الانقلابي، ثم تنقلب عليها متى انتهى دورها.

ودعا الوزير المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات التي تحاول تبرير ممارسات الجماعة إلى مراجعة موقفها، والنظر بجدية إلى سِجل الحوثيين الأسود من الجرائم والانتهاكات، مشدداً على أنهم لا يؤمنون بالسلام، ولا يتورعون عن ارتكاب أبشع الانتهاكات بحق اليمنيين.

معمر الإرياني وزير الإعلام والثقافة والسياحة بالحكومة اليمنية (سبأ)

وأكد الإرياني أن اللحظة الوطنية الراهنة تتطلب اصطفافاً شاملاً لكل اليمنيين في مواجهة المشروع الحوثي الكهنوتي، مشيراً إلى أن استمرار الصمت على جرائم الجماعة يعني مزيداً من الفوضى والانتهاكات، وأن حماية الهوية الوطنية واستعادة الدولة أصبحتا مسؤولية جماعية لا تحتمل التأجيل.

230 مختطَفاً

في السياق نفسه، وثّقت الهيئة اليمنية الوطنية للأسرى والمختطفين (حكومية) حملة اختطافات واسعة نفّذتها الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، طالت أكثر من 230 شخصاً في عدد من المحافظات؛ على خلفية مشاركتهم في فعاليات احتفالية بذكرى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة.

وقالت الهيئة، في بيان صادر عنها، إنها رصدت 75 حالة اختطاف في محافظة ذمار، و38 في إب، و36 في المحويت، و29 في عمران، و24 في صنعاء، و22 في البيضاء، و7 في العاصمة المختطَفة صنعاء، إضافة إلى 7 مختطَفين في مأرب، مشيرة إلى أن الإحصاءات في بقية المحافظات لا تزال قيد التوثيق.

الجماعة الحوثية متهمة بارتكاب آلاف الانتهاكات بحق اليمنيين في مناطق سيطرتها (إ.ب.أ)

وأكد البيان أن الحملة القمعية جاءت لمجرد قيام المواطنين بمظاهر احتفالية سلمية، مثل إطلاق الألعاب النارية أو رفع الأعلام أو إشعال النيران في المرتفعات أو نشر منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وحمّلت الهيئة الجماعة الحوثية المسؤولية الكاملة عن سلامة جميع المختطَفين والمخفيين قسراً، داعية إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، كما ناشدت الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية إدانة هذه الانتهاكات الخطيرة والضغط لوقفها فوراً.