دعوات جديدة لمحاسبة دمشق على استعمال «الكيماوي»

«الشبكة السورية» تتهم روسيا بـ«التورط» في قصف ريف إدلب عام 2018

فريق أممي يزور غوطة دمشق بعد هجوم كيماوي في أغسطس 2013 (رويترز)
فريق أممي يزور غوطة دمشق بعد هجوم كيماوي في أغسطس 2013 (رويترز)
TT

دعوات جديدة لمحاسبة دمشق على استعمال «الكيماوي»

فريق أممي يزور غوطة دمشق بعد هجوم كيماوي في أغسطس 2013 (رويترز)
فريق أممي يزور غوطة دمشق بعد هجوم كيماوي في أغسطس 2013 (رويترز)

طالبت الحكومة الألمانية بمعاقبة المسؤولين عن الهجوم الكيماوي الذي وقع في عام 2018 على منطقة سكنية شمال غربي سوريا، في وقت رحبت هيئة حقوقية بنتائج تقرير لمحققين دوليين بتحميل دمشق مسؤولية الهجوم. كان المحققون الذين عيّنتهم منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، قالوا، إنهم يعتقدون أن الجيش السوري ألقى قنبلة كلور في عام 2018 على منطقة سكنية يسيطر عليها معارضون، حسبما ذكرت المنظمة في تقرير الاثنين.
وقال متحدث باسم الخارجية الألمانية مساء أول من أمس «الثابت بالنسبة لنا أن مثل هذا الخرق للقانون الدولي لا ينبغي أن يظل بلا عواقب، ويجب محاسبة المسؤولين». وأضاف بيان الخبراء، أن «التقرير خلص إلى أن هناك أسباباً معقولة للاعتقاد بأن مروحية عسكرية تابعة لقوات النمر، وهي وحدة خاصة في الجيش السوري هاجمت شرق سراقب، في نحو الساعة 22.‏21 من يوم 4 فبراير (شباط) 2018، وألقت أسطوانة واحدة على الأقل».
وأضاف التقرير، أن الأسطوانة انفجرت وأطلقت غاز الكلور فوق مساحة كبيرة؛ مما أثر على 12 شخصاً من الأفراد المعروفة هوياتهم. كانت المنظمة أعلنت في 2018 أنها تثبتت من استخدام غاز الكلور آنذاك، وقد كلفتها الدول الأعضاء في وقت لاحق بتحديد المسؤولين. وكان فريق الخبراء أعد أول تقرير له في العام الماضي وحَمَّل فيه الجيش السوري المسؤولية عن ثلاث هجمات بغازات سامة، وفي المقابل تنفي دمشق صحة هذه منظمة حظر الأسلحة الكيماوية تتهم دمشق باستخدام غاز الكلور في هجوم عام 2018.
والتقرير هو الثاني لفريق تقصي الحقائق التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية الذي له سلطة تحديد الجهة المنفذة لهجوم كيماوي. وقالت المنظمة، إن محققيها استجوبوا ثلاثين شاهداً وقاموا بتحليل عينات أخذت من المكان وعاينوا الأعراض التي أصيب بها الضحايا والطاقم الطبي، إضافة إلى صور التقطتها الأقمار الصناعية بهدف التوصل إلى خلاصاتهم. وأورد التقرير، أن الأعراض «شملت حالات اختناق والتهاب في الجلد وآلام في الصدر وسعال».
وأبدى المحققون «أسفهم» لكون النظام السوري رفض السماح لهم بزيارة موقع الهجوم رغم طلبات متكررة. وفي وثيقة نشرت على موقع المنظمة، قال منسق لجنة تقصي الحقائق سانتياغو أوناتي، إن اللجنة «نظرت خصوصاً في فرضية أن مجموعات إرهابية مسلحة قامت بفبركة الحادث بهدف سوق اتهامات ضد الجيش العربي السوري». وأضاف «تمت متابعة احتمالات عدة في هذا الصدد. لكن هذه الاحتمالات لم يعززها أي دليل ملموس، ولم تتمكن لجنة تقصي الحقائق من إثبات هذه الفرضيات رغم محاولات عدة».
وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إن «استخدام الأسلحة الكيماوية في أي مكان ومن قبل أي شخص وتحت أي ظرف أمر لا يمكن التسامح معه، وإفلات مستخدميه من العقاب غير مقبول بالمستوى نفسه». وأضاف «من المحتم تحديد جميع هؤلاء الذين استخدموا أسلحة كيميائية ومحاسبتهم».
وقال وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان، في بيان الاثنين، إن «استخدام النظام السوري لهذه الأسلحة في شكل موثق ومؤكد هو أمر مرفوض»، مشدداً على وجوب «الرد في شكل مناسب».
وفي السياق نفسه، قال نظيره الالماني هايكو ماس في بيان «بالنسبة إلينا، من الواضح أن انتهاكاً بهذه الصراحة للقانون الدولي يجب ألا يمر من دون عواقبـ«، مؤكدا وجوب «محاسبة المسؤولين» عنه.
نشرت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية تقريرها الأول قبل عام، مشيرة فيه إلى أن القوات الجوية التابعة للنظام السوري القت أيضاً قنابل تحوي غازي السارين والكلور عام 2017 على بلدة اللطامنة في شمال سوريا، وذلك في انتهاك لاتفاق حظر الأسلحة الكيماوية.
ورغم اعتراضات سوريا وحلفائها ومن بينهم موسكو، سمحت غالبية من دول منظمة حظر الأسلحة الكيماوية عام 2018 للمنظمة بفتح تحقيق لتحديد هوية الطرف الذي يقف وراء الهجوم، وليس فقط توثيق استخدام سلاح كهذا.
ونفت الحكومة السورية على الدوام أن تكون ضالعة في هجمات كيماوية، مؤكدة أنها سلمت مخزوناتها من الأسلحة الكيميائية تحت إشراف دولي بموجب اتفاق أبرم عام 2013. ولاحظ محققو المنظمة أن الأوامر التي صدرت بشن الهجوم على سراقب في 2018 مصدرها مسؤولون كبار، وليس ثمة أي مؤشر إلى أن «عناصر أو أفراداً معزولين» قاموا بهذا الأمر. وأوضح التقرير الشامل، أن «فريق تقصي الحقائق حصل على معلومات من مصادر مختلفة تلمح إلى وجوب صدور أوامر تجيز استخدام الأسلحة الكيماوية في الشكل الذي حصل».
وأضاف المحققون، أنه رغم عدم كشف وجود «هرمية قيادية محددة»، يبدو أن القيادة السورية العسكرية العامة «أصدرت القرارات حول استخدام الكلور للقادة على الصعيد العملاني».
وتصوّت الدول الأعضاء في المنظمة في وقت لاحق هذا الشهر على إمكان فرض عقوبات على النظام السوري قد تشمل تعليق حقه في التصويت، فيما يشكل العقوبة الأشد التي تجيزها المنظمة إذا لم يتخذ البلد المعني إجراءات في هذا الصدد. وكانت المنظمة حضت سوريا على إعلان كل الأسلحة الكيماوية التي لا تزال في حوزتها، وبينها غازا السارين والكلور، في ضوء إعراب القوى الغربية عن قلقها لعدم قيام دمشق بتدمير كامل مخزوناتها.
وأعلن المدير العام للمنظمة فرناندو أرياس في مارس (آذار)، أنه لا تزال هناك ثغور ونقاط ملتبسة في التقارير التي أرسلتها دمشق إلى المنظمة. وتقول الأمم المتحدة، إن دمشق لم تجب عن 19 سؤالاً طرحت منذ أعوام في شأن منشآت قد تكون استخدمت في إنتاج أسلحة كيماوية أو تخزينها.
من جهتها، قالت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» في بيان «نرحب بتقرير منظمة الحظر الذي حدد مسؤولية النظام السوري عن استخدام الأسلحة الكيميائية في مدينة سراقب». وأضافت «أثبت التقرير مسؤولية النظام السوري عن هجوم سراقب، حيث خلص إلى أن هناك أسباباً معقولة للاعتقاد بأنه قامت مروحية عسكرية تابعة لسلاح الجو التابع للنظام السوري وبتحكم من قوات النمر (العميد سهيل الحسن، قائد قوات في الجيش الحكومي) بتنفيذ هجوم شرق مدينة سراقب بريف إدلب بإسقاط أسطوانة واحدة على الأقل، وتمزقت الأسطوانة وأطلق غاز الكلور على مساحة كبيرة؛ مما أدى إلى إصابة 12 فرداً».
وأشارت «الشبكة» إلى أن «قوات النمر مدعومة من روسيا، ونعتقد أن روسيا متورطة في هذا الهجوم الذي وقع في اليوم التالي لإسقاط طائرة حربية روسية في سراقب، وقد منع النظام السوري فريق التحقيق من دخول سوريا، على الرغم من الطلبات المتكررة، وهذا يُشكل مؤشرا على تخوف النظام السوري وحليفه الروسي وعدم رغبتهم في فضح انتهاكاته الفظيعة وفي إخفاء استخداماته المتكررة لأسلحة الدمار الشامل بالتنسيق والتعاون مع روسيا»؟
وكان فريق التحقيق وتحديد المسؤولية قد أصدر تقريره الأول في 8 أبريل (نيسان) 2020، و«خلص إلى أن النظام السوري استخدم الأسلحة الكيماوية في 3 حوادث مختلفة في مدينة اللطامنة».
وزاد «النظام السوري قد صادق على اتفاقية حظر استخدام وتصنيع الأسلحة الكيماوية في سبتمبر (أيلول) 2013 بعد التهديد باستخدام القوة العسكرية ضدَّه على خلفية استخدامه للأسلحة الكيماوية ضد محافظة ريف دمشق في 21 أغسطس (آب) 2013، وبالتالي أصبح دولة طرف يحظر عليه استخدام أو تصنيع أو تخزين، بل عليه أن يدمر مخزونه من الأسلحة الكيماوية، لكنه عوضاً عن ذلك أعاد استخدامها بعد أن صادق على الاتفاقية 184 مرة؛ بحسب قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، من ضمنها الهجوم على مدينة سراقب».



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.