طبارة: أخشى انعكاس الوضع الاجتماعي على الأمن

TT

طبارة: أخشى انعكاس الوضع الاجتماعي على الأمن

يستذكر الوزير السابق بهيج طبارة بضحكة ودمعة سنوات الحرب الأهلية. ينطلق بالحديث عن تجربته الشخصية، فتشعر أنه رغم مأساوية الأحداث التي شهدها وعاشها، ممتن للحظات وتجارب انطبعت في ذاكرته وتحولت حكايات جميلة يرويها بعد 46 عاما على اندلاع الحرب.
يعتبر طبارة أنه كان محظوظا وقليل الحظ في آن واحد، لكونه عاش أكثر فترات الحرب في لبنان ولم يغادره إلا لفترات محدودة جدا لرؤية أولاده الذين حرص على إرسالهم إلى الخارج لمتابعة دراستهم.
يقرّ طبارة الذي يُعتبر مرجعا قانونيا في لبنان والذي شغل أكثر من وزارة كان أولها وزارة الاقتصاد والتجارة عام 1973 وآخرها وزارة العدل عام 2003 أنه لم يكن يعتقد في بداية الحرب أن أمدها سيطول، «لكن بعد أن عادت المعارك بعد هدنة السنتين أعنف مما كانت عليه من قبل، لم أعد أرى بصيص نور في نهاية النفق وأيقنت حينها بأنه بات يصعب التكهن كم ستطول هذه الحرب العبثية».
ويقول طبارة في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «تعود بي الذاكرة اليوم إلى أحداث مؤلمة ومضحكة في آن واحد. كيف كنا نتجنب الغرف (المكشوفة) في المنزل تجنبا للصواريخ. كم مرة كنا نجمع زجاج النوافذ المتناثر من وقع القنابل من على الأرض. كم كنا نقضي أوقاتا طويلة مع الجيران في ملجأ المبنى الذي هو، في الواقع، موقف للسيارات، أحيانا كثيرة في العتمة أو على ضوء الشمعة أو الفانوس».
ويبدو طبارة مطمئنا إلى أن لا حرب أهلية جديدة تلوح بالأفق اللبناني، معتبرا «أن هذه الأحداث لا يمكن أن تتكرر في المستقبل المنظور. فالناس اليوم في مكان آخر وهمومهم من نوع آخر، من تدني سعر صرف الليرة بالنسبة للدولار وانعكاسه على مستوى المعيشة إلى ازدياد نسبة الفقر، يضاف إلى كل ذلك هم تفشي وباء (كورونا) إلى الحكومة التي يتعذر تأليفها والعيش بالتالي في ظل حكومة تصريف الأعمال منذ أكثر من ثمانية أشهر».
ويشير طبارة إلى أن «للحروب الأهلية أسبابا وظروفا ليست متوافرة في رأيي في الوقت الحاضر. إلا أن ما أخشاه هو أن يتفاقم الوضع الاجتماعي وأن ينعكس ذلك على الوضع الأمني الداخلي بدءا بالمظاهرات التي تنطلق سلمية ثم تنتقل إلى العنف، بحيث تكفي شرارة واحدة لإشعال النار».
ويرى طبارة أنه «ما زال بالإمكان تجنب هذا الاحتمال البشع»، لكنه يرمي الكرة في ملعب القوى الحاكمة، متسائلا: «هل يقدم القيمون على مصير البلد على اتخاذ ما يلزم من قرارات وإجراءات قبل فوات الأوان؟!».

رئيس سابق للحكومة: عون وقّع مراسيم مشابهة

بيروت: «الشرق الأوسط»
توقف رئيس حكومة سابق أمام امتناع رئيس الجمهورية ميشال عون، عن التوقيع على التعديلات التي أُدخلت على المرسوم 6433 المتعلق بزيادة المساحة البحرية للبنان في المنطقة الاقتصادية الخالصة بذريعة أنه في حاجة إلى قرار يتخذه مجلس الوزراء مجتمعاً، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه يستغرب عدم توقيعه بصورة استثنائية رغم أنه سبق له أن وقّع في ظل حكومة تصريف الأعمال على عدد من المراسيم الاستثنائية من دون العودة إلى مجلس الوزراء على أن تأخذ الحكومة علماً بهذا المرسوم في وقت لاحق.
ولفت رئيس الحكومة السابق الذي فضّل عدم ذكر اسمه، إلى أنه من غير الجائز لرئيس الجمهورية عدم التوقيع عليه بصرف النظر عن الذرائع التي تذرّع بها لأنه لا يحق له التمييز بين توقيعه على مرسوم وامتناعه عن التوقيع على آخر.
وربط بين امتناع عون عن التوقيع على المرسوم وبين وصول مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد هيل، في زيارة خاطفة لبيروت لإجراء محادثات تتعلق بتجميد المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل حول ترسيم الحدود البحرية بين البلدين برعاية الأمم المتحدة وبوساطة الولايات المتحدة، وهو كان وراء بدء المفاوضات لإيجاد حل في المناطق المتنازع عليها في البحر.
وسأل عمّا إذا كان لامتناع عون عن التوقيع على المرسوم علاقة بإعادة فتح قنوات التواصل بين واشنطن و«التيار الوطني الحر» الذي انقطع فور صدور العقوبات الأميركية على رئيسه النائب جبران باسيل، وصولاً إلى بيعه موقفاً من كيس حكومة تصريف الأعمال، لعل الرئيس الأميركي جو بايدن يدفع باتجاه معاودة النظر في العقوبات التي صدرت في عهد سلفه دونالد ترمب.

محاولات عون وباسيل مستمرة لإقصاء الحريري

بيروت: محمد شقير
كشف مصدر سياسي محسوب على الثنائي الشيعي أن رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل هو من يتولى التفاوض حول تشكيل الحكومة بالنيابة عن رئيس الجمهورية ميشال عون، وأنه يضطر للجوء إليه لتوفير الغطاء السياسي الذي يتيح له الاستقواء به ليرفع شروطه التعجيزية، وقال إن «حزب الله» يتولى التواصل معه من خلال مسؤول الارتباط والتنسيق وفيق صفا في محاولة لم يُكتب لها النجاح لإقناعه بالسير بالمبادرة التي أطلقها رئيس المجلس النيابي نبيه بري لإخراج عملية تشكيلها من التأزُّم الذي يعيق ولادتها.
وأكد المصدر السياسي أن لديه من الأدلة التي تثبت ما يقوله حول تكليف باسيل في المفاوضات الحكومية، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه لم يكشف عن دوره في هذا الخصوص من باب التحامل عليه وإنما استناداً إلى ما لديه من أدلة ووقائع، وهذا ما تبلغه الرئيس بري من قيادة «حزب الله».
ولفت إلى أن صفا بتكليف من قيادة «حزب الله» بذل جهوداً فوق العادة لإقناع باسيل بإسقاط شروطه المستعصية التي تؤخر تشكيل الحكومة، لكن الأخير باقٍ عليها وليس على استعداد لسحبها من التداول، رغم أن باريس تلوّح باتخاذ عقوبات على مراحل تستهدف من يضع العراقيل التي ما زالت تمنع تشكيلها، وقال إن باسيل لا يصر نظرياً على حصوله على الثلث الضامن في الحكومة انسجاماً مع الموقف الرسمي لعون في هذا الخصوص، لكنه يريد عملياً السيطرة على الحكومة وقطع الطريق على الرئيس المكلّف للعب دور يمكّنه من الإمساك بزمام المبادرة.
ورأى المصدر أن موقف باسيل الأول والأخير يكمن في أنه لا يريد الحريري رئيساً للحكومة، وهو ينسجم في موقفه مع عون الذي كان صريحاً بقوله في رسالته إلى اللبنانيين بأن على الرئيس المكلف أن يفسح المجال لشخص آخر قادر على تشكيلها في حال استمر في السفر إلى الخارج من دون قيامه بخطوات ملموسة من شأنها أن تقود حتماً إلى إخراج البلد من أزمة تشكيل الحكومة.
وأكد أن باسيل بدعم غير مشروط من عون لن يوفّر جهداً لدفع الحريري للاعتذار عن تكليفه بتشكيل الحكومة مع أنه يدرك جيداً أن رهانه ليس في محله ولن يقدّم له اعتذاره على طبق من فضّة، خصوصاً أنه يحظى بدعم من الأكثرية النيابية في البرلمان وآخر من المجتمع الدولي الذي يُطبق حصاره على الفريق السياسي المحسوب على رئيس الجمهورية.
وقال إن عون وبلسان مستشاره لشؤون الرئاسة الوزير السابق سليم جريصاتي لم يخفِ عدم رغبته بالتعاون مع الحريري، وإن الفريق الرئاسي لم يفلح في إقناع من هم في الداخل والخارج بجدوى مطالبته، وهذا ما اضطره إلى عدم الخوض في مغامرة سياسية ليست محسوبة لا محلياً ولا دولياً ولا إقليمياً تقوم على توجيه عون رسالة إلى البرلمان يعرض فيها واقع الحال المأزوم للالتفاف على مطالبته بتحديد مهلة زمنية للرئيس المكلّف لتشكيل الحكومة. واعتبر المصدر أن عون صرف النظر عن مخاطبته البرلمان بعد أن أيقن بأن هذه الخطوة سترتدّ عليه سلباً ولن يجد من يلاقيه في منتصف الطريق طالما أن بري يقف بالمرصاد لمن يحاول إقحامه في مشكلة مع الطائفة السنّية من خلال تقديمه على أنه يرعى المحاولة «الملغومة» الرامية إلى سحب التكليف من الحريري.
لذلك فإن عون في ضوء انسداد الأفق السياسية في وجه محاولاته لإقصاء الحريري عن تكليفه بتشكيل الحكومة بادر إلى استحضار مجموعة من الملفات من خارج جدول الأعمال الذي يتضمّن بنداً واحداً يتعلق بتشكيل الحكومة انسجاماً مع مضامين المبادرة التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإنقاذ لبنان، وهذا ما قيل لعون بصراحة ومن دون أي مواربة من السفراء المعتمدين لدى لبنان ومن وزير الخارجية المصرية سامح شكري الذي شدد في لقائه معه على إسقاط الشروط التي تؤخر تشكيلها في مقابل إصرار الرئيس على طرح أمور أخرى أقل ما يقال فيها بأنها مطروحة لسحب عملية التأليف من التداول، وإلا لماذا تجاهل في رسالته إلى اللبنانيين حول التدقيق الجنائي مسألة تأليفها؟
فالرئيس عون - كما يقول مصدر سياسي لـ«الشرق الأوسط» - لن يوقف محاولاته لتطويق الحريري لدفعه إلى الاعتذار، فيما يحاصر الإرباك حكومة تصريف الأعمال، وهذا ما برز بتأجيل زيارة رئيسها حسان دياب على رأس وفد وزاري إلى بغداد بعد أن طلب شخصياً من أعضاء الوفد بأن يودعوا جوازات سفرهم لدى رئاسة الحكومة، لكنهم فوجئوا في اليوم التالي بتأجيلها من خلال وسائل الإعلام من دون أن يتواصل معهم لوضعهم في الأسباب التي أدت إلى تأجيلها.



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.