في مؤسسة تكاد تفتقد إلى أدنى متطلبات حياة طفل في سن السابعة من عمره، يرى سمير، في يومياته ترفا يتميز به عن أقرانه من الأطفال الذين يتعرضون يوميا لأبشع أعمال العنف والاستغلال وهم على قارعة الطريق يتسولون الألف ليرة أو يحاولون بيع العلكة مقابل مئات الليرات.
هذه الجمعية التي تحمل اسم «بيت الرجاء» في منطقة الكحالة بجبل لبنان، هي الوحيدة في لبنان المخصصة لاستقبال «أطفال الشوارع» ولا تتسع لأكثر من 75 طفلا، استقبلت سمير بعدما ألقي القبض عليه من قبل الشرطة وهو يحمل ورودا اعتاد والده أن يشتريها له يوميا وينقله من طرابلس إلى منطقة جونية في جبل لبنان عند الساعة العاشرة مساء ومن ثم يعود به إلى البيت عند الساعة الخامسة صباحا. وإذا كان سمير قد وجد سقفا يؤويه من برد الشتاء، فإن محمد، اللاجئ السوري ابن الثماني سنوات لا يزال ينتظر كل يوم الساهرين في شارع الحمرا حتى ساعات الصباح حاملا علب أوراق المحارم، عله يعود إلى بيته في منطقة الأوزاعي في بيروت حيث تنتظره أمه حاملا بعض المال وهمه الوحيد أن يأتي آخر الشهر ويكون مبلغ الـ400 دولار قد تأمن لدفع بدل إيجار الغرفة التي يسكنها مع والدته بعدما توفي والده في الحرب السورية في حمص.
يكن محمد العداء لأي كاميرا تصوب في اتجاهه، ويقول لمحدثه عند سؤاله عن سبب وجوده في الطرقات، «لا مشكلة لدي من التكلم، شرط ألا تصورني أو تنشر لي صورة على (فيسبوك)، أكره الكاميرا والشرطة».
هي مشكلة أطفال الشوارع في لبنان التي تتفاقم عاما بعد عام، من دون خطط واضحة أو جدية للحد منها، فهي وبعدما كانت قضية ثانوية بالنسبة إلى مختلف الوزارات المعنية، من «العمل والشؤون الاجتماعية إضافة إلى الداخلية والصحة والتربية»، ها هي اليوم وزارة العمل بالتعاون مع منظمات العمل الدولية، واليونيسيف و«احموا الطفولة» (savethechildren) تدق ناقوس الخطر، في دراسة شملت أكثر من 1500 طفل مشردين في شوارع لبنان، تبين أن ثلثي العدد هم من الفتيان الذين تتراوح أعمار معظمهم بين 10 و14 عاما، يكسبون في المتوسط ما لا يقل عن 12 دولارا يوميا.
وفيما أشارت الدراسة إلى أن التدفق الأخير للنازحين من سوريا أدى إلى زيادة عدد الأطفال في الشوارع، لفتت إلى أن النزوح ليس السبب الأساسي لهذه الظاهرة، وكشفت أن عدد الأطفال القادمين من سوريا يشكل نحو 73 في المائة بعدما كانت النسبة نحو الثلثين في العام الماضي، ويشكل اللبنانيون نحو 10 في المائة من الأطفال مقارنة بنحو 15 في المائة من العام 2004، كما انخفضت نسبة الفلسطينيين من 10 في المائة عام 2004 إلى 8 في المائة، أما الجزء المتبقي من أطفال الشوارع فهم من عديمي الجنسية أو ما يعرفون بـ«مكتومي القيد» أو الأقليات الإثنية والعرقية في لبنان.
وأكدت الدراسة أنه وعلى الرغم من أن الأرقام موجودة على نطاق من الممكن التحكم به، إلا أن المسألة تعتبر معقدة للغاية نظرا لارتباطها بقضايا الاتجار بالبشر والأنشطة غير المشروعة الأخرى، فضلا عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي والقانوني للأطفال المتضررين.
وتكمن المشكلة الأكبر في لبنان للحد من ظاهرة «أطفال الشوارع» في غياب مؤسسات قادرة على استقبال هؤلاء لإنقاذهم من الحياة التي يعيشونها، لا سيما أن عائلات معظمهم غير مؤهلة أو قادرة على حمايتهم، وهذا ما أشار إليه صراحة وزير العمل سجعان قزي الذي يترأس اللجنة الوزارية لمكافحة عمل الأطفال، في كلمة له خلال إطلاق الدراسة يوم أمس في بيروت، مشيرا إلى تقديمه اقتراحا في هذا الصدد وهو في انتظار التمويل، إضافة إلى تقديمه مشروع قانون لـ«وقف الاتجار بالبشر» و«ووقف عمالة الأطفال». مع العلم أنه وفي عام 2012 كان وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور قد أطلق حملة في هذا الإطار، اصطدمت بمشكلات عدة حالت دون الاستمرار في تنفيذها، أهمها عدم وجود مؤسسات مؤهلة لاستقبال الأطفال. وهو ما تشير إليه بوضوح المساعدات الاجتماعيات اللواتي عملن في هذه الخطة، إذ كانت الشرطة تعمل على نقل الأولاد إلى المخافر حيث يتم التحقيق معهم وينقلون في ما بعد إلى بعض المؤسسات، حيث لا يجد الطفل الأجواء الملائمة لاستقباله ويعمد بعد ساعات أو أيام إلى الهرب. كذلك، فإن «نظام دفع الكفالة» المعتمد في هذه القضية، يحول في معظم الأحيان دون قدرة المعنيين على الحد من ظاهرة التسول، إذ يعمد الأهل وبعد إلقاء القبض على الطفل متسولا، إلى دفع كفالة لا تزيد على عشرات دولارات ليتسلمه والده، ويوقعون على تعهد بعدم إعادته إلى الشارع، لكن هذا التعهد يبقى حبرا على ورق، والطفل نفسه الذي ألقي القبض عليه في الحمرا قد يلقى عليه القبض بعد أسابيع قليلة في منطقة المنارة أو جونية.
11:9 دقيقه
«أطفال الشوارع» في لبنان.. 73 % سوريون
https://aawsat.com/home/article/291486/%C2%AB%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%B9%C2%BB-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-73-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%86
«أطفال الشوارع» في لبنان.. 73 % سوريون
غياب التخطيط والمؤسسات الخاصة أبرز المشكلات التي تحول دون القضاء على الظاهرة
- بيروت: كارولين عاكوم
- بيروت: كارولين عاكوم
«أطفال الشوارع» في لبنان.. 73 % سوريون
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



