وزير الري السوداني لـ«الشرق الأوسط»: المقترح الإثيوبي مريب ومواصلة لفرض الأمر الواقع

استبعد الحرب... وقال إن الوصول إلى اتفاق قبل يوليو ممكن إذا توافرت الإرادة السياسية لدى أديس أبابا

وزير الري والموارد المائية السوداني ياسر عباس (أ.ف.ب)
وزير الري والموارد المائية السوداني ياسر عباس (أ.ف.ب)
TT

وزير الري السوداني لـ«الشرق الأوسط»: المقترح الإثيوبي مريب ومواصلة لفرض الأمر الواقع

وزير الري والموارد المائية السوداني ياسر عباس (أ.ف.ب)
وزير الري والموارد المائية السوداني ياسر عباس (أ.ف.ب)

وصف وزير الري والموارد المائية السوداني ياسر عباس، العرض الإثيوبي بتبادل البيانات والمعلومات مع السودان ومصر، بأنه «مريب» ومواصلة لتكتيكات شراء الوقت، وفرض سياسة الأمر الواقع.
وقال في مقابلة مع «الشرق الأوسط» إن السودان رفض العرض الإثيوبي لكونه انتقائياً، ولا يحدد البيانات والمعلومات التي سيتم تبادلها، ويركز فقط على البيانات الخاصة بتجربة فتح البوابات لـ«سد النهضة»، ويهمل التفاصيل المهمة المتعلقة بملء وتشغيل السد وتواريخه، والوثائق التي تثبت سلامة السد ليتمكن السودان من التعامل مع سد الروصيرص.
وقطع بضعف احتمال الحرب بسبب النزاع على السد. وأكد أن «موقف السودان من الموضوع سليم وقانوني، مثلما هو سليم وقانوني باسترداد الأراضي السودانية التي كانت تسيطر عليها إثيوبيا». ولمح لاحتمال أن تكون إثيوبيا تربط بين الملفين. وفيما يلي نص الحوار...
> لماذا رفض السودان العرض الإثيوبي بتبادل البيانات بشأن الملء الثاني؟
- رفضنا عرض إثيوبيا لأنه انتقائي، وهو فقط لتسمية أشخاص لمتابعة تجربة فتح البوابات السفلية، انتقاء للمعلومات غير المهمة، وتجاهل المعلومات والبيانات المهمة للسودان، بما في ذلك تفاصيل الملء وتواريخه، ووثائق سلامة «سد النهضة»، بما يمكننا من التعامل مع سلامة سد الروصيرص.
البيانات التي تجاهلها الطلب الإثيوبي تتجاهل التأثير البيئي في النيل الأزرق وتشغيل سد الروصيرص. طلبوا منّا تسمية أحد مهندسينا ليشارك في تجربة فتح البوابات السفلية، وهذا لن يخدم السودان فيما يتعلق بالتشغيل الآمن لسد الروصيرص.
رغم ترحيبنا بالمبادرة الإثيوبية، لكننا نبهناهم إلى أهمية تبادل المعلومات، واشترطنا أن تكون وفق اتفاق قانوني ملزم، لنضمن استدامة مبدأ تبادل البيانات. لكن التفضل علينا بالمعلومات في نهر دولي، لن يوفر ضمانات الحصول على هذه البيانات في الأعوام المقبلة، لذلك نصرّ على أن يتم تبادل البيانات وفقاً لاتفاق قانوني ملزم لكل الأطراف.
> هل من الممكن أن يتم الوصول إلى اتفاق خلال الفترة القصيرة المتبقية على الموعد الإثيوبي لبدء الملء الثاني في يوليو (تموز) المقبل؟
- طيلة المفاوضات، ورغم العثرات، كان هنالك تقدم كبير، اتفقنا بموجبه على نحو 90 في المائة من بنود التفاوض. وتبقت 3 نقاط قانونية و4 نقاط فنية، وبجملتها لا تزيد على 10 في المائة، لكنها مهمة وتحتاج لإرادة سياسية، لذلك نتوقع (بعدها) التوصل لاتفاق في غضون يوم أو يومين. الزمن المتبقي قبل الملء الثاني يكفي لتوقيع اتفاق، لأنه ليس هناك الكثير للتفاوض حوله. فقط نحتاج للإرادة السياسية.
> ما النقاط المتبقية؟
- هناك 3 نقاط قانونية أساسية - عقدة المنشار – هي الاتفاق القانوني على الملء، والتشغيل، وتقاسم المياه. لقد تفاجأنا بالموقف الإثيوبي الأخير بعد يوليو الماضي، بطرح مبدأ تقاسم المياه، وهو غير مذكور في إعلان المبادئ الموقع بين الدول الثلاث في عام 2015. باعتباره مرجعية للتفاوض.
السودان اقترح على إثيوبيا امتلاك الحق الكامل في استخدامات مياه النيل الأزرق للري والكهرباء أو مياه الشرب من دون تحديد، لكن وفقاً للقانون الدولي، ففي كل الأنهار المتشاطئة يحكم استخدام المياه فيها القانون الدولي الذي ينص على الاستخدام المنصف والمعقول، من غير إحداث ضرر ذي شأن بالآخرين، والإخطار المسبق للحد من الأضرار، ومعرفة المشروعات المستقبلية لإثيوبيا، وهذا لا يعني تحجيم إثيوبيا في استخدامات المياه.
هذه النقطة واحدة من النقاط الأساسية التي لم تحسم، أما القضية الأخرى، فهي هل الاتفاق على تشغيل السد ملزم أم أنه مجرد قواعد إرشادية يمكن الأخذ بها أو تركها، إضافة إلى تحديد آلية لفض النزاعات في حال حدوث خلافات في تفسير بنود الاتفاقية. اقترحت إثيوبيا حسم القضايا الخلافية على مستوى رؤساء الدول الثلاث، واقترحنا لجنة توافقية تحت مظلة الاتحاد الأفريقي، واقترحت مصر لجنة تحكيم دولية.
القضايا الفنية ليست معقدة ويمكن التوافق حولها، إذا تم التوافق على القضايا القانونية، ومن السهل جداً التوافق على ما تبقى من القضايا الفنية.
> وصفتم الموقف الإثيوبي بالتعنت، من دون أن تقدموا توصيفاً للتعنت. أليس من حق إثيوبيا الاستفادة من المياه التي تنبع من أراضيها والمطالبة بتعديل الاتفاقات؟
- وصفنا للموقف الإثيوبي بالمتعنت ليس انتقاصاً من حق إثيوبيا في استخدامات المياه، لأن استخدامات المياه بين الدول يحكمها القانون الدولي. طلبنا وساطة دولية، باعتبار ذلك أمراً طبيعياً للتواصل مع المنظمات ذات الصلة لتتوسط لإيجاد حل للنزاع.
السودان لم يقل إطلاقاً إن إثيوبيا لا تملك الحق في استخدامات المياه، بل المقترح السوداني الذي تم التأمين عليه بواسطة الخبراء الأفارقة، يعطي إثيوبيا كامل الحق في إنشاء أي مشروعات مستقبلية لاستخدام مياه النيل الأزرق، شريطة أن تتم وفق القانون الدولي.
لكن ليس على إثيوبيا الالتزام بالاتفاقيات الموقعة بين السودان ومصر، فاتفاقية عام 1959 لا تعني إثيوبيا من قريب أو بعيد، فهي ملزمة للبلدين، وأي اتفاقية سابقة غير ملزمة إلا للأطراف الموقعة. تقول إثيوبيا إنها ترغب في استخدامات المياه المستقبلية وحقوق الأجيال، وإنها ليست ملتزمة بالاتفاقيات الاستعمارية، وهذا كلام مردود عليه، وليس له أساس قانوني أو فني، فاتفاقية 1902 كان السودان تحت الاستعمار البريطاني، وحينها إثيوبيا كانت دولة مستقلة، هذه الاتفاقية لم تظهر بعد إعلان المبادئ الذي أعطى إثيوبيا الحق في بناء السد. أما اتفاقية 1959 بين السودان ومصر فغير استعمارية، ولا تلزم إثيوبيا بأي شيء.
> ما المخاوف الإثيوبية التي لمستموها في غرف التفاوض؟
- ليست هناك مخاوف حقيقية، وإنما المخاوف الوحيدة هي في حق إثيوبيا في الاستخدامات المستقبلية للمياه في النيل الأزرق. والسودان هو من اقترح المادة 14 من إعلان المبادئ، وهي تعطي إثيوبيا كامل الحق في المشروعات المستقبلية على النيل الأزرق وفقاً للقانون الدولي.
> كيف تحول موقف السودان من أن سد النهضة منافعه كثيرة، إلى كونه يمثل مهدداً حقيقياً للسودان؟
- ما استجدّ على الموقف السوداني هو تهرب إثيوبيا من التوقيع على اتفاق قانوني. نعم هناك فوائد كبيرة للسودان من «سد النهضة» لأنه ينظم جريان المياه، وبالتالي يزيد التوليد الكهرمائي ويقلل مخاطر الفيضانات، لكنه سيتحول لمهدد حقيقي من دون اتفاق قانوني ملزم. طيلة الفترات السابقة كانت إثيوبيا حريصة على الاتفاق، لكنها منذ يوليو الماضي، بدأت تتهرب من الاتفاق، وتصرّ على الملء من دون اتفاق، وفرض سياسة الأمر الواقع، ما يجعل من «سد النهضة» تهديداً لتشغيل سد الروصيرص القريب منه.
لو كان «سد النهضة» داخل إثيوبيا وبعيداً عن السودان، فلن نهتم بذلك، لكنه يبعد 15 كيلومتراً فقط من حدودنا، و100 كيلومتر من سد الروصيرص، ومن دون اتفاق على تبادل المعلومات ومعرفة طريقة التشغيل، سيصبح مهدداً للسودان، وتتحول الفوائد إلى مخاطر.
> ألا يعد العرض الإثيوبي تراجعاً، وبالتالي يمكن قبوله؟
- نعم هو تراجع، لكنه غير كافٍ، لأنه انتقائي في نوعية البيانات التي سيوفرها، وتجاهل المسائل الفنية التي تم التوافق حولها. كل مطالب السودان، هي سلامة سد الروصيرص، والتبادل اليومي للبيانات، والالتزام بالدراسات البيئة والاجتماعية. لذلك هناك ريبة من الطلب الإثيوبي، فهو شراء للوقت وفرض لسياسة الأمر الواقع.
> إثيوبيا أعلنت عن بدء تجريب بوابات السد. كيف يمكن أن تؤثر هذه التجربة على وضع السودان المائي؟
- وضعنا الاحتياطات اللازمة في محطة الديم وسد الروصيرص، لمواجهة أي طارئ يمكن أن يحدث أثناء الملء الثاني. عملنا على تغيير طريقة تشغيل سد الروصيرص بالاحتفاظ بكمية من المياه، كان يمكن الاستفادة منها الآن. فأبريل (نيسان) ومايو (أيار) هما الشهران الأكثر طلباً على الكهرباء. هذه الكمية من المياه عزيزة علينا، لكننا لم نستخدمها تحوطاً للنقص الكبير المتوقع في التخزين في يوليو المقبل. سنخزن مليار متر مكعب من المياه، نحو 20 في المائة من سعة التخزين في سد الروصيرص. في الوضع الطبيعي نفرِّغ خزان «جبل أولياء» على النيل الأبيض بما يتيح مساحات واسعة للري الفيضي والمراعي. لن نصل للمنسوب الأدنى، لكننا سنخزن ثلث المياه (نحو 600 مليون متر مكعب)، لمواجهة النقص المحتمل في النيل الأزرق لنفتحها في نهر النيل في المنطقة بين الخرطوم وعطبرة. هذه هي التحوطات الفنية التي أجريناها تحوطاً للملء المقبل.
> ما الخيارات أمام السودان حال إصرار إثيوبيا على الملء الثاني. هل من بينها اللجوء لمجلس الأمن؟
- الخيارات جميعها مفتوحة أمام السودان. الخيارات الدبلوماسية القانونية، بما فيها اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي.
> وماذا يمكن أن يفعل مجلس الأمن في مثل هذه النزاعات؟
- مطلوب من مجلس الأمن دور سياسي لإجبار إثيوبيا على التوصل إلى اتفاق، أو القبول بمبدأ الوساطة للبحث عن حلول، لكننا في الوقت ذاته لا نرغب في فرض حلول على إثيوبيا.
> في حال اللجوء إلى مجلس الأمن، في تقديركم هل ستكون القرارات لصالح السودان؟
- نحن نؤمن أن حجة السودان منطقية، فالسودان يدعم «سد النهضة»، وبالفعل دعمناه ودعمنا إثيوبيا، لكن لن يكون ذلك على حساب المصلحة الوطنية الاستراتيجية. السودان لا يقف ضد «سد النهضة»، إنما يطلب اتفاقاً قانونياً يضمن سلامة سد الروصيرص. نحن حجتنا القانونية مقنعة لكثير من الأطراف المهمة في المجتمع الدولي، وفعلاً وجدت المبادرة الرباعية قبولاً مباشراً من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وقبولاً مشروطاً من الولايات المتحدة بموافقة الدول الثلاث. نحن نتحدث مع بعض المنظمات عن أن الطرح السوداني معقول وليس فيه شطط، فأنت حين تطلب الوساطة تبحث عن الحلول. أما عندما ترفضها فربما لديك أسباب أخرى.
> يتردد أن إثيوبيا عرضت على السودان اتفاقاً منفرداً بمعزل عن مصر.
- لم يحدث ذلك.
> هل ثمة ارتباط بين التعنت الإثيوبي والأوضاع في منطقة الفشقة وإعادة نشر القوات السودانية فيها؟
- لم نلمس ارتباطاً مباشراً، لكن من الطبيعي استرداد السودان لأراضيه، وإعادة انتشار الجيش السوداني فيها وفق القانون الدولي ولاتفاق 1902 بين الدولتين، الذي تعترف به إثيوبيا نفسها. لهذا فالموقف السوداني في ملف الفشقة موقف قانوني سليم، مثلما هو الموقف السوداني من السد.
لا يوجد ربط مباشر بين الملفين من جانب السودان باعتبار أن موقفنا سليم في الملفين. أما إذا كان هناك ربط إثيوبي لممارسة ضغوط على السودان بواسطة «سد النهضة» للتخلي عن أراضٍ سودانية، فهذا من المستحيلات.
> هل لمستم من خلال التفاوض أن هناك تأثيراً للأوضاع الداخلية الإثيوبية على الموقف الإثيوبي؟
- في غرف التفاوض يصعب ملاحظة ذلك. لكن تغير المواقف التفاوضية، والتعنت الإثيوبي الواضح، وعدم المرونة في المفاوضات، ربما له أسبابه الأخرى. السودان اقترح وساطة دولية، ثم تنازل عن ذلك للتسهيل، ووافق على نفس طريقة المفاوضات السابقة التي كانت تقودها جنوب أفريقيا، مع ضرورة الوصول لاتفاق في ظرف 8 أسابيع. كل هذه الخيارات رفضتها إثيوبيا، وهذا بالتأكيد يعبر عن تعنت واضح.
> هناك من يتحدث عن احتمال نزاع مستقبلي بين السودان ومصر على المياه التي كانت تذهب لمصر من حصة السودان، لأن السودان كان لا يستطيع الاستفادة منها...
- اتفاقية مياه النيل في 1959 واضحة، وحددت حصة السودان وحصة لمصر. حصة السودان مخصصة لمشروعات تمت دراستها، والبعض منها تم تنفيذ جزء منها، مثل مشروع شرق الرصيرص ومشروع الدندر. هذه مشروعات تم البدء في إنشائها، لذلك لا أتوقع أي نزاع مع مصر حول حصص المياه.
> تأثيرات السد على السودان معروفة ومحددة. لكن فنياً، كيف يؤثر السد على مصر؟
- لحسن الحظ، لدى مصر السد العالي الذي يمكن أن يمتص أي آثار مؤقتة. أما بالنسبة لنا فسد الروصيرص سد صغير جداً، لذلك لن نحتمل تغيرات كبيرة في جريان المياه. ولأن السد العالي ضعف «سد النهضة»، فهو يمتص الصدمات المؤقتة. التحدي الوحيد الذي يمكن أن يواجه السد العالي في حالة حدوث جفاف متطاول في المستقبل، مثلما حدث في ثمانينات القرن الماضي، تم خلاله إفراغ السد العالي تماماً، لكن لحسن الحظ في عام 1988 كان هناك فيضان كبير ملأ السد سريعاً، لذلك فالسؤال الذي يؤرق المصريين؛ إذا حدث نفس الجفاف، وتم إفراغ السد العالي تماماً، ومن الطبيعي أن يتم تفريغ «سد النهضة» تماماً، كيف ستتم إعادة الملء؟ أيهما يأخذ الأولوية؟ فقد أصبح هناك خزانان كبيران جداً، أحدهما يخزن 74 مليار متر مكعب، والآخر 162 مليار، والنيل الأزرق حجم المياه التي ترد منه سنوياً في حدود 50 مليار، كيف تملأ هذين الخزانين في وقت واحد، ولمن الأولوية، هذه نقطة الخلاف.
> ما أسوأ السيناريوهات التي قد تواجه السودان؟
- ملء «سد النهضة» من غير توقيع اتفاقية قانونية ملزمة.
> هل تتوقعون أي عمل عسكري في حال استمرار التعنت الإثيوبي؟
- أنا أستبعد ذلك. ليست هناك حرب على أحواض المياه في كل العالم، ربما توترات، ربما نزاعات، لكنها لا تصل لمستوى الحرب.



«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended


الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، موجةً جديدةً من التغييرات في القطاع التعليمي، مع إقدام الجماعة الحوثية على تعديل أسماء عدد من المدارس الحكومية والأهلية، في إطار سياسة الجماعة لإعادة تشكيل الوعي المجتمعي وفق توجهات آيديولوجية بصبغة طائفية.

وقالت مصادر تربوية إنَّ هذه الإجراءات لا تقتصر على تغيير الأسماء، بل تمتد إلى إعادة صياغة البيئة التعليمية، بما يشمل الأنشطة الثقافية والمضامين التربوية، في سياق سعي الجماعة لترسيخ خطاب فكري أحادي داخل المؤسسات التعليمية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وطالت التعديلات الحوثية مدارس معروفة بأسمائها التاريخية، حيث جرى استبدال أسماء شخصيات مرتبطة بالجماعة أو قتلى سقطوا في صفوفها، بأسماء تلك المدارس. ومن أبرز الأمثلة، تغيير اسم مدرسة «آزال الوادي» في مديرية الوحدة إلى اسم أحد قتلى الجماعة المعروف بـ«أبو زعبل»، إضافة إلى تغيير اسم مدرسة «موسى بن نصير» في مديرية معين إلى اسم «هاني طومر».

طلبة خلال طابور الصباح في مدرسة بصنعاء (إ.ب.أ)

وأثارت هذه الخطوة استياءً واسعاً في الأوساط التربوية والطلابية، حيث عدّها معلمون وأولياء أمور محاولةً لطمس الهوية التعليمية والوطنية، مشيرين إلى أنَّ أسماء المدارس تمثل جزءاً من الذاكرة الثقافية، وأنَّ تغييرها يعكس توجهاً نحو «حوثنة» المؤسسات التعليمية، وفرض رموز ذات دلالات طائفية.

تعديلات موازية

وأكد عاملون في القطاع التربوي أنَّ قرارات تغيير الأسماء رافقها إدخال تعديلات على الأنشطة المدرسية والمحتوى الثقافي، بما يعزِّز خطاباً فكرياً موجَّهاً داخل المدارس. ويرى مختصون أنَّ هذه التغييرات قد تسهم في تقليص مساحة التنوع الفكري، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى أدوات لنشر توجهات آيديولوجية.

من جهتهم، عبَّر طلاب في المدارس المستهدفة عن امتعاضهم من هذه الإجراءات، مؤكدين أنَّ التعليم يجب أن يبقى بعيداً عن أي توظيف سياسي أو طائفي. كما أبدى عدد من أولياء الأمور قلقهم من هذه التحولات، مشيرين إلى توجه بعضهم لنقل أبنائهم إلى مدارس أخرى، رغم محدودية الخيارات المتاحة.

تحذيرات أممية

تتزامن هذه التطورات مع أزمة تعليمية عميقة في اليمن، حيث يعاني القطاع من تدهور البنية التحتية، وانقطاع رواتب المعلمين، ونقص حاد في الموارد.

وفي هذا السياق، كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن أنَّ نحو 3 ملايين و200 ألف طفل في اليمن خارج مقاعد الدراسة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه العملية التعليمية.

الحوثيون يجبرون منتسبي الجامعات والمدارس على تمجيد زعيم الجماعة (إكس)

وأوضحت المنظمة أنَّها تعمل خلال عام 2026 على إعادة أكثر من 172 ألف طفل إلى المدارس، إلى جانب توزيع مستلزمات تعليمية على أكثر من 316 ألف طالب، ودعم نحو 1200 معلّم عبر برامج تدريب وتأهيل مهني. إلا أنَّ هذه الجهود تصطدم بواقع معقد، في ظلِّ استمرار النزاع، وتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية.

ويحذِّر مراقبون من أنَّ استمرار التلاعب بالعملية التعليمية، سواء عبر تغيير الأسماء أو المناهج، قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المجتمعي، وتقويض فرص التعافي، مؤكدين أنَّ تحييد التعليم عن الصراعات يمثل شرطاً أساسياً لحماية مستقبل الأجيال.