رواية «الفقراء»... البيان التأسيسي لكاتب لا يوجد مبدع كبير إلا وفيه شيء منه

احتفاء عالمي بمرور مائتي عام على مولد فيودور دوستويفسكي

فيودور دوستويفسكي
فيودور دوستويفسكي
TT

رواية «الفقراء»... البيان التأسيسي لكاتب لا يوجد مبدع كبير إلا وفيه شيء منه

فيودور دوستويفسكي
فيودور دوستويفسكي

يحتفل العالم مع روسيا هذا العام بمرور مائتي عام على مولد فيودور دوستويفسكي، وهي مدة كافية من الزمن (الناقد الأكثر عدلاً) لامتحان أعماله التي لم تزل ملهمة، حيث لا يوجد مبدع كبير إلا وفيه شيء من دوستويفسكي، وقد تجاوز ظله كتاب الرواية إلى كتاب المسرح والسينما والفكر.
في إحدى رسائله، يعتبر دوستويفسكي «دون كيخوته» أعظم كتاب بعد الكتاب المقدس. وبعد هذه المسافة الفاصلة بيننا وبين دوستويفسكي يمكن القول باطمئنان إن مائة وأربعين عاماً تفصلنا عن رحيله لم تشهد مولد كاتب بحجمه.
تروي الكتب التي تتعرض لسيرته لحظة مولده الأدبي التي لم يحظَ بمثلها أي كاتب آخر، ولم يشهد التاريخ كاتباً صار نجماً للمجتمع الأدبي في بلاده قبل أن ينشر شيئاً!
لقد تحلَّقت حول مهده ثلاث من الأنفس الكبيرة، كانت كافية لميلاد مدوٍ. كان قد استقال لتوه من عمله ضابطاً مهندساً عام 1844، واستأجر مع صديقه ديمتري غريغوروفيتش منزلاً أقاما فيه معاً. وكان ديمتري كاتباً يحظى ببعض الشهرة، بينما بدأ دوستويفسكي في ذلك العام كتابة أولى رواياته «الفقراء»، وعندما انتهى منها في مايو (أيار) 1845 سهر على قراءتها مع صديقه، الذي حملها في الليلة التالية إلى الشاعر نيكراسوف، وأخذا يتبادلان قراءتها بصوت عالٍ حتى انتهيا منها عند الفجر، وقررا إيقاظ دوستويفسكي في تلك اللحظة!
سمع دوستويفسكي الطرقات على الباب. فتح بين مستيقظ ونائم ووجد نفسه في مواجهة صديقه وشريكه في السكن ديمتري غريغوروفيتش والشاعر نيكولاي نيكراسوف. احتضن نيكراسوف دوستويفسكي وهنأه على تحفته الفنية. وفي اليوم ذاته، مرر الشاعر الكبير المخطوط إلى ناقد روسيا الأكبر فيساريون بلنسكي مؤكداً له أن الرواية تنبئ عن مولد غوغول جديد، فأجابه بلنسكي ساخراً: «معك يتكاثر غوغول مثل الفطر». وبعد ثلاثة أيام ذهب دوستويفسكي إلى بلنسكي (ربما أرسل الناقد الكبير في طلبه بعد أن قرأ الرواية)، وعندما رآه سأله: «هل أنت، أنت نفسك تدرك قيمة ما كتبت؟».
وأثبت بلنسكي أن ما قاله لدوستويفسكي لم يكن إفراطاً عاطفياً يغدقه ناقد على كاتب في حديث شخصي لن يطلع عليه أحد، بل كتب عنه بعد ذلك: «المجد والشرف للشاعر الشاب الذي تحب آلهة وحيه سكان السقوف (العليات) والأقبية وتقول عنهم لأصحاب القصور المذهبة: هؤلاء بشر أيضاً، هؤلاء إخوتكم».
وقد صار دوستويفسكي ضيفاً دائماً على صالونات الأدب استناداً إلى شهادة الثلاثة الذين قرأوا مخطوطاً لم ينشر بعد. وقد عرف التاريخ مثل هذا الحماس الآيديولوجي لأعمال خلدت مع أصحابها إلى النسيان، لكن تصادف أن التقت حماسة الاشتراكي بلنسكي مشروع كاتب عظيم، تحقق فيما بعد.
العنوان «الفقراء» في الترجمة الأشهر للدكتور سامي الدروبي، أو «المساكين» في رؤية مترجمين آخرين يدلنا على الموقع الاجتماعي الذي ينظر منه الكاتب. وهو عنوان بسيط يحدد أفق التوقعات في الرواية، على النقيض من العنوان الأدبي الذي ينبغي ألا يوجه القارئ أو يلخص العمل. وستظل هذه سمة عناوين دوستويفسكي على وجه العموم، ويمكننا بسهولة أن نُبدل عنوان رواية بعنوان أخرى دون أن يهتز أفق توقعاتنا في الروايتين؛ فـ«الفقراء» يمكن أن تستعير عنوان «مذلون مهانون» بسهولة، و«الجريمة والعقاب» يمكن أن تتبادل عنوانها مع «الأخوة كارامازوف» أو «الشياطين» أو «الأبله».
ربما كان دوستويفسكي يختار عناوينه بدافع الرواج الصحفي، وعينه على ناشري الصحف وقرائها العجولين، وهي بالفعل عناوين صحافية حاذقة. لكن إمكانية تبديلها تدلنا كذلك على تماسك المشروع وأصالة همومه وأسئلته.
تقوم «الفقراء» على التراسل بين كهل وفتاة شابة، رسالة ترد على رسالة، دون تدخل من راوٍ يصف الشخصية أو الحدث أو المكان. ويمكن النظر إلى ثيمة الرسالة باعتبارها استراتيجية سهلة استكان إليها الكاتب ابن السادسة والعشرين، لكن الرسالة ستعاود الظهور جزئياً في رواياته بوصفها مكوناً مهماً من عناصر السرد، أفقاً للخجولين لكشف أعماقهم بصراحة يعجزون عن التحلي بمثلها عند المواجهة. وللرسالة دورها الحاسم كذلك في تحويل مجرى الأحداث. ففي «الجريمة والعقاب» مثلاً، تبدو رسالة الأم بولخيريا حاسمة في دفع راسكولينيكوف وشحنه بالغضب ما أسهم في إقدامه على جريمة قتل المرابية العجوز. كان الطالب المتوقف عن الدراسة يعتمد على ما ترسله له أمه من القليل الذي تملكه ومن عمل أخته دونيا كخادمة. وقد تناولت الأم في رسالتها ما تعرضت له أخته من تحرش مخدومها سيفيدريجايلوف ثم اضطرارها لقبول خطيب لا تحبه هو بيوتر بتروفتش قريب زوجة المتحرش!
في كل الأحوال، يمكننا في لحظتنا هذه أن ننتبه إلى أن «الفقراء» كانت بمثابة مانيفستو أو بيان تأسيسي، لا من حيث التزام دوستويفسكي بهموم الضعفاء فحسب، بل بوصفها بداية مشروع فني وفكري متماسك ومنسجم على نحو قوي. ومن هذه الملامح:
* تضامن الضعفاء وتبادلهم الشفقة والإحسان فيما بينهم. وعندما تكون مواردهم شحيحة إلى حد العوز يصبح الإحسان تضحية. وهذا هو جوهر ما يفعله ماكار دييفوشكين وفرفارا دوبروزيولوفا فيما بينهما، وما يفعله كل منهما تجاه شركاء معه في السكن يراهم أفقر وأضعف منه. وقد ظل بطلا الرواية يتبادلان الإشفاق حتى انسدت آفاق الحياة بما جعل فرفارا تقبل زواجاً (تعرف أن جوهره بيعاً وشراء) من الرجل الغني بيكوف الذي لجأ إلى حيلة الزواج بعد أن رفضت أن تنقاد له كعاهرة، وإذا بماكار يتخلى عن حبه وينخرط في مساعدتها في تحضيرات الزفاف بقلب دامٍ. هذا النوع من التضحيات نجده كثيراً في رواياته الأخرى، وبالأكثر لدى النساء.
* الإحسان هو الوجه الآخر للإهانة. والبعض يقدم إحسانه خصيصاً لإيقاع الإهانة بمن يحسن إليهم، وهذا ما فعلته قريبة فرفارا التي استضافتها هي وأمها بقصد إهانتهما وتأكيد تفوقها. وحتى لو لم يقصد المحسن إهانة من يحسن إليه، سرعان ما يحس الشخص محل الشفقة بالألم وثقل الدين، وهذا ما كان يحسه المتراسلان في «الفقراء» بين وقت وآخر، وهذا بالتحديد هو سر عصبية الطفلة اليتيمة صونيا في «مذلون مهانون» تجاه تعاطف الكاتب معها، وإصرارها على أن تكون مفيدة له، بل وحجبها ما تعرفه عن بنوتها للأمير فالكوفسكي لأنها ترفض الانتساب إلى رجل أهان أمها وأهانها بإنكاره بنوتها. وفي «الأخوة كارمازوف» يوجه ديمتري إهانة لموظف متقاعد تتحول إلى مأساة للموظف وأسرته يعيشون فيها حتى الموت، وكلما حاول مسيح الرواية «أليوشا» الاعتذار عن أخيه يشتعل غضب الأسرة كلها. وظلت كل محاولة ترضية بمثابة ملح على الجرح. وهكذا فكَّر راسكولينيكوف ذات لحظة، معتبراً تضحية شقيقته الرقيقة من أجله نوعاً من إهانة، ووصل في منولوجاته مع نفسه إلى اتهام الفتاة الكادحة بتعمد إهانته.
* الخجل من الوجود أمام الإحساس بالعجز، عجز الفقير عن الخروج من فقره، عجز السكير عن الإقلاع، حتى عجز المريض عن الشفاء يثير حنقه، ويترجم هذا الخجل من الوجود إلى رغبة في الاختفاء. في «الفقراء» يترك العجوز بوكروفسكي ابنه باتنكا لدى سيدة تكفله بسبب فقر هذا الأب المسكين، ويذهب بين الحين والحين منكمشاً لروئية ابنه: «يوحي إلى من يراه من أول نظرة أنه خجل من شيء ما أو أنه مرتبك بنفسه ضيق الذرع بشخصه، فكأنه يجعد جسمه ويلويه عامداً حتى لا يراه أحد». لاحقاً في «الجريمة والعقاب» ستجعل الرغبة في الاختفاء جسد راسكولنيكوف يتحدب تلقائياً كلما نزل إلى الشارع.
* افتقاد الحب، وبمعنى أوضح «الرغبة الحسية» بين الرجل والمرأة. في ذلك العالم الفقير، لا نقف مطلقاً على أي نزوع حسي بين مكار وفرفارا في «الفقراء»، وقد ظل هذا الملمح واحداً من ملامح كتابة دوستويفسكي. لا تترك «الشفقة» وآلامها فسحة للجسد كي يُعبر عن نفسه بحرية. لا نجد قبلة واحدة في روايات وقصص دوستويفسكي، كأن الشفاه لم تكن قد اختُرعت بعد! وفي المقابل لدينا كثير من الركوع الحزين يتبادله المحبون بعضهم أمام بعض، والأحضان الدامعة من إيفان بتروفتش وناتاشا في «مذلون مهانون» إلى راسكولنيكوف وصونيا في {الجريمة والعقاب}، وأليوشا وليز في {الأخوة كارامازوف}، وفي كل حب أحبته النساء للأمير ميشكين في «الأبله».

* إشارة: الاقتباسات بين الأقواس منقولة من مقدمة د.سامي الدروبي للمجلد الأول من أعمال دوستويفسكي، ومن ترجمته للروايات.



مؤسسة «بينالي الدرعية» تفوز بجائزة «آرت بازل» 2026 عن فئة المتاحف والمؤسسات

جانب من موقع «مؤسسة بينالي الدرعية«» في حي جاكس الإبداعي (مؤسسة بينالي الدرعية)
جانب من موقع «مؤسسة بينالي الدرعية«» في حي جاكس الإبداعي (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

مؤسسة «بينالي الدرعية» تفوز بجائزة «آرت بازل» 2026 عن فئة المتاحف والمؤسسات

جانب من موقع «مؤسسة بينالي الدرعية«» في حي جاكس الإبداعي (مؤسسة بينالي الدرعية)
جانب من موقع «مؤسسة بينالي الدرعية«» في حي جاكس الإبداعي (مؤسسة بينالي الدرعية)

فازت مؤسسة «بينالي الدرعية» بميدالية فئة المتاحف والمؤسسات ضمن جوائز «آرت بازل» 2026، في إنجاز يعكس حضورها المتنامي على الساحة الفنية العالمية ودورها في دعم وتطوير المشهد الثقافي في المنطقة.

وجاء هذا التكريم تقديراً لجهود المؤسسة في إبراز الفنون المعاصرة والفنون الإسلامية عالمياً، وتعزيز التبادل الثقافي بين السعودية ومختلف دول العالم، إلى جانب دورها بوصفها منصة تجمع الفنانين، والمجتمعات، والأفكار من أنحاء متعددة.

ضمَّت لجنة الخبراء التي اختارت المؤسسة نخبة من القيادات الفنية العالمية، من بينهم إيلينا فيليبوفيتش، والبروفسور الدكتور بونافنتور سوه بيجينغ نديكونغ، وجيسيكا مورغان، وأدريانو بيدروسا، والشيخة حور بنت سلطان القاسمي، وسوهانيا رافيل، وفرانكلين سيرمانز، وفيليب تيناري، وهانس أولريش أوبريست.

إبراز الفنون المعاصرة والفنون الإسلامية على الساحة العالمية (مؤسسة بينالي الدرعية)

وتُعد جوائز «آرت بازل»، التي أُطلقت عام 2025، من أبرز المبادرات العالمية التي تحتفي بالتميُّز في الفن المعاصر، إذ تعتمد في اختيار الفائزين على معايير تشمل الابتكار، وجودة التنفيذ، والتفاعل مع الجمهور، والأثر الثقافي.

ومنذ تأسيسها عام 2020، رسَّخت «مؤسسة بينالي الدرعية»، بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود وزير الثقافة ورئيس مجلس أمناء المؤسسة، مكانتها في المشهد الثقافي الدولي، وبرزت قدرتها على إحداث التحوُّلات الكبيرة، إذ تتولى المؤسسة مهمة تنظيم «معرض بينالي» سنوياً بالتناوب بين «بينالي الدرعية للفن المعاصر» في الدرعية، و«بينالي الفنون الإسلامية» في جدة، إضافة إلى إشرافها على تطوير «حي جاكس الإبداعي» في الدرعية.

وفي تعليقها على الجائزة، قالت الرئيسة التنفيذية للمؤسسة آية البكري: «نفخر بهذا التقدير من (آرت بازل)، إحدى أبرز المنصات العالمية المنتجة للفن المعاصر. ويؤكِّد هذا التكريم حضور المملكة ودورها الفاعل في تعزيز الحوار الثقافي العالمي، كما يمنحنا دافعاً لمواصلة جهودنا في تطوير المشهد الثقافي بالسعودية».

يُذكر أن الدورة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر»، المقامة تحت عنوان «في الحِل والترحال»، تستمر في استقبال الزوار حتى 2 مايو (أيار) 2026، لتكون خامس فعالية كبرى تنظمها المؤسسة خلال 5 سنوات.


مبادرة سعودية تشرك المجتمعات المحلية في حماية الهوية العمرانية

تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)
تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)
TT

مبادرة سعودية تشرك المجتمعات المحلية في حماية الهوية العمرانية

تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)
تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)

أطلقت السعودية مبادرة نوعية تهدف إلى تمكين المجتمعات المحلية من قيادة قاطرة الحفاظ على التراث العمراني في السعودية، من خلال توسيع دائرة دور المجتمعات المحلية في صون وإعادة تأهيل القرى والبلدات التراثية، وتحويلها من مجرد شواهد صامتة على التاريخ إلى روافد اقتصادية وثقافية نابضة بالحياة.

وأعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها. وقال الوزير خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» في الرياض، الخميس، أن «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها أسهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو 1000 موقع للتراث العمراني».

يُعد سجل التراث العمراني قائمةً رسمية للمواقع والمباني التراثية التي سُجّلت وفقاً للمعايير (واس)

نموذج مبتكر لاستدامة السرد التاريخي

وتستهدف المبادرة الجديدة في عامها الأول ترميم مجموعة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وتتوِّج المبادرة التي سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026، شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية.

وقال محمد العمري، الخبير في التراث الشعبي، إن الخطوة التي كشفت عنها وزارة الثقافة ستعزز من دور المجتمعات المحلية في حفظ الهوية العمرانية عبر الأجيال. وتابع العمري، أن السعودية غنية بالتراث العمراني الذي يتعدد حسب زمانه ومكانه، وأضاف: «على قدر اتساع جغرافية السعودية، تملك في المقابل قدراً كبيراً من تنوع وغنى وثراء التجربة التراثية والاجتماعية التي احتفظت بها البلدات والقرى، والتي كانت قديماً تتشكل وفق الوظائف والاحتياجات التي تلبيها لمجتمع سكانها عبر العصور».

وأكد الخبير العمري أن القرى والبلدات التراثية كادت تتعرض للاندثار لولا جهود فردية قام بها أجيال ممن حفظ هذا التاريخ الحيّ وتعاهده بالصيانة والاهتمام، وبقي حتى اليوم ذكرى حيّة على أثر الأجيال الماضية، وشاهداً قائماً للأجيال المقبلة، منوهاً بدور المبادرات التي تبنتها وزارة الثقافة، ممثلة في هيئة التراث التي رعت هذه الحقبة الجديدة من الاهتمام بتراث مناطق السعودية المتعددة والغنية.‏

أعلنت هيئة التراث مطلع العام تحقيق مستهدف الوصول إلى تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني سعودي (واس)

تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني

منذ عززت السعودية من الانتباه إلى ثروتها من التراث‏ والآثار، وهي تحقق تقدماً في اكتشاف غنى المناطق السعودية وما تحتفظ به من سجلات أثرية تاريخية، ومن ذلك التراث العمراني الذي يمثل شاهداً حيّاً على الحكايات الاجتماعية، ووسيلة لفهم الماضي، ومساعداً في اتخاذ قرارات واعية بشأن المستقبل، على اعتبار أن كل مبنى عمراني، وطراز هندسي، أو موقع تاريخي، يسهم في إعادة تشكيل الإدراك لهوية المكان، وتوجيه سياسات الحماية والترميم.‏

وأعلنت هيئة التراث مطلع هذا العام، عن تحقيق المستهدف المعتمد للهيئة بالوصول إلى تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني على مستوى السعودية، وهو أحد المستهدفات التي وُضعت ضمن خطتها في بداية عام 2025.

يسهم تسجيل المواقع في إعادة تشكيل الإدراك لهوية المكان وتوجيه سياسات الحماية والترميم (واس)

ويأتي تسجيل هذه المواقع ضمن جهود الهيئة المتواصلة لحماية أصول التراث العمراني وتوثيقها وتسجيلها، والعمل على إدارتها بكفاءة عالية، إلى جانب إبراز قيمتها التراثية وتعزيز الوعي المجتمعي بأهميتها، بما يضمن استدامتها موروثاً ثقافياً للأجيال المقبلة.

وتواصل الهيئة جهودها في تسجيل مواقع التراث العمراني استناداً إلى معايير ولوائح نظام الآثار والتراث العمراني التي تهدف إلى تطوير جهود البحث والاكتشاف، وحصر المواقع التراثية وتسجيلها في قائمة التراث العمراني الوطني، وذلك باستخدام أحدث التقنيات والممارسات المعتمدة عالمياً في مجال التراث، وإنشاء قاعدة بيانات شاملة للمواقع التراثية بهدف الحفظ والتوثيق والحماية.

ويُعد سجل التراث العمراني قائمةً رسمية للمواقع والمباني التراثية التي سُجّلت وفقًا لمعايير ذات أهمية وطنية أو عمرانية أو ثقافية محددة بموجب نظام الآثار والتراث العمراني، حيث تعتمد الهيئة على نظم المعلومات الجيومكانية في إدارة وتخزين وحفظ بيانات هذه المواقع والمباني بدقة؛ بهدف تحديد التدابير الوقائية ومتطلبات الحماية اللازمة لها، بما يضمن صونها للأجيال المقبلة.

ومن بيوت الطين إلى الأحياء القديمة، ومن الأبواب المزخرفة والمشربيات العتيقة، وكثير من صور الإرث المعماري، قطعت السعودية شوطاً كبيراً في العمل على إعادة استكشاف الأماكن، وتوثيق التفاصيل، وتطوير سجلها الوطني للتراث العمراني، الذي انضمت إليه الآلاف من مواقع التراث العمراني، تعزيزاً لحماية هذه المواقع من التعديات أو الإهمال، وضماناً لصونها للأجيال المقبلة.


مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)
مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)
TT

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)
مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)

أعربت الفنانة مايان السيد عن سعادتها بحصولها على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان «مالمو للسينما العربية» عن دورها في فيلم «كولونيا»، مؤكدة أن هذه الجائزة تمثل أول تكريم تحصده في مسيرتها الفنية عن دور سينمائي، وهو ما منحها دفعة معنوية للاستمرار في اختياراتها الفنية والبحث عن أدوار أكثر عمقاً وتأثيراً.

وأضافت مايان، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن تجربة فيلم «كولونيا» كانت من المحطات المهمة في رحلتها، إذ خاضت من خلالها تحدياً جديداً، خصوصاً مع إيمان المخرج محمد صيام بقدرتها على تجسيد الشخصية بشكل مختلف، وحرصها على دراسة الدور من جميع جوانبه، بدءاً من الشكل الخارجي وحتى التفاصيل الدقيقة في الأداء، مما ساعدها على تقديم شخصية ذات أبعاد متعددة تعكس رؤيتها بصفتها ممثلة تسعى إلى التطور.

وأوضحت أن العمل على «كولونيا» أتاح لها مساحة كبيرة للتجريب داخل موقع التصوير، عبر محاولتها التعايش مع الشخصية طوال الوقت، ما ساعدها في الوصول إلى أداء أكثر صدقاً، لافتة إلى أن التعاون مع فريق العمل اتسم بالمرونة والتفاهم، مما خلق بيئة مناسبة للإبداع.

مايان وفريق عمل «ولنا في الخيال حب» في مهرجان «مالمو» (إدارة المهرجان)

وأكدت أن هذه التجربة عزّزت قناعتها بأن قيمة الدور لا تتعلق بحجمه، بل بمدى تأثيره، موضحةً: «هذا ما جعلني أعيد النظر في معايير اختياري للأدوار، إذ أصبحت أكثر اهتماماً بالشخصيات التي تحمل تحدياً فنياً وتمنحني فرصة للتعبير عن قدراتي، بعيداً عن فكرة المساحة أو حجم الظهور، مع سعيي لتقديم أدوار مختلفة تتيح لي استكشاف مناطق جديدة في أدائي».

وانتقلت للحديث عن فيلم «ولنا في الخيال حب»، الذي شارك مؤخراً في مهرجانَي «مالمو للسينما العربية»، و«هوليوود للفيلم العربي»، موضحة أن ارتباطها بالدور بدأ منذ اللحظة الأولى، إذ شعرت بأن الشخصية قريبة منها وتحمل مشاعر حقيقية. وأضافت أنها تحمَّست للعمل بشكل كبير فور عرضه عليها، ورأت فيه تحدياً يتطلب منها جهداً مضاعفاً، نظراً لطبيعة الشخصية المركبة التي تحتاج إلى تحضير دقيق على أكثر من مستوى، إلى جانب ما يتضمنه الدور من مساحة استعراضية.

وأشارت إلى أن «التحضيرات للفيلم كانت مكثفة، إذ خضع فريق العمل لفترة من التدريب والدراسة قبل بدء التصوير، وقد ساعدني ذلك على التعمّق في عالم الشخصية بشكل أكبر»؛ لافتة إلى أن التصوير داخل أكاديمية الفنون منحها تجربة خاصة، إذ اكتشفت قيمة هذا المكان ودوره في دعم الفنون المختلفة، وهو ما انعكس على إحساسها بالعمل.

ووصفت دورها في «ولنا في الخيال حب» بأنه «من أصعب الأدوار التي قدمتها، لاحتوائه على تفاصيل عدة، سواء من حيث الأداء التمثيلي أو المهارات التي تطلبها، مثل العزف على البيانو، والعمل على لغة الجسد، وطريقة الكلام». وأوضحت أن هذا التحدي شكّل لها فرصة حقيقية لتطوير أدواتها بصفتها ممثلة.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها كانت تتوقع نجاح الفيلم بسبب الشغف الذي صُنع به، لكنها لم تتخيل حجم التفاعل الكبير من الجمهور، خصوصاً مع ارتباط المشاهدين بتفاصيل دقيقة داخل العمل، مشيرة إلى أن هذا التفاعل كان دافعاً للحضور إلى دور العرض ومقابلة الجمهور في أماكن مختلفة، مما منحها إحساساً مباشراً بقيمة ما قدمته.

وأشادت بتجربتها في العمل مع الفنان أحمد السعدني، موضحة أن التعاون بينهما كان سلساً ومليئاً بالدعم، إذ ساعدها ذلك على التركيز والدخول في الحالة سريعاً، مشيدة بالتزامه وتحضيره الجيد للشخصية، مما انعكس إيجاباً على الأداء المشترك بينهما داخل الفيلم.

وأكدت مايان أنها تميل إلى الأعمال التي تتضمن عناصر موسيقية واستعراضية، نظراً لشغفها بالرقص والغناء، وهو ما يجعلها متحمسة لتقديم مزيد من هذه النوعية من الأعمال، لافتة إلى أنها ترى في الفن مساحة واسعة للتجريب، ولا ترغب في حصر نفسها في قالب واحد أو نوعية أدوار محددة.

وتطرقت إلى تفاعل الجمهور والنقاد عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع أعمالها الفنية، قائلة: «أرى في هذا التفاعل وسيلة مهمة للتعلم والتطور، وأستفيد من النقد»، لافتة إلى أن هذا التواصل المباشر يمنحها دافعاً للاستمرار وتقديم الأفضل في أعمالها المقبلة.