«كاره النساء» الذي لم ينتمِ لأحد ولا أحد انتمى إليه

سيرة حياتية جديدة عن فيليب روث بعد ثلاث سنوات من رحيله

فيليب روث
فيليب روث
TT

«كاره النساء» الذي لم ينتمِ لأحد ولا أحد انتمى إليه

فيليب روث
فيليب روث

سرد بليك بيلي الشامل لحياة فيليب روث ليس أقل من تحفة سردية بالغة الروعة، والكمال، والخصوصية. سيرة مستقاة من الأزمات الجمة التي ألمت بروث، وانعكست على شكل رغبات متقدة، وتوق لمصير مختلف، إذ لم يكن مقدراً لفيليب روث أن يُعامل معاملة صامتة، وإن تصوره خارج إطار الشهرة المستحقة لهو قدح بالغ السوء في شخصه وشخصيته وأعماله.
لقد جاء الاعتراف به والتقدير له على وجه السرعة. وبدأ الأمر أولاً بإشادة تقليدية إلى درجة ما لأول روايتين من تأليفه: رواية «التخلي»، ورواية «عندما كانت طيبة»، عندما كان روث لا يزال تحت تأثير كتابات هنري جيمس شبه الكلاسيكية التي رفعت الأدب إلى درجات التقديس. ومع ذلك، كان قد نشر بالفعل مجموعته القصصية بعنوان «وداعا كولومبوس»، التي اشتملت على قصص «إيلي المتعصب»، و«حارس العقيدة»، و«تحول اليهود». وحتى قبل الانفجار الأدبي المدوي الذي صاحب روايته «شكوى بورتنوي»، كان روث يحمل سمعة سيئة بشكل واضح بين جموع اليهود، إثر تعمده فضحهم وتشويه سمعتهم.
ومن ثم، تكاثرت المواعظ الحاخامية الساخطة. وشهد عام 1969 ظهور رواية «شكوى بورتنوي» التي أسفرت عن ارتفاع في موجات الغضب اليهودية الهادرة، لكن الرواية استمالت الآلاف من المشترين ذوي العقول المتفتحة، وركزت أضواء الشهرة الفورية على روث، الذي كان لا يزال في الثلاثينيات من عمره. ومن وجهة نظر المواعظ الحاخامية، أن افتراءات جوزيف غوبلز النازية القديمة التي أسفرت عن المحارق ومداخن غرف الغاز قد استلهمتها قريحة رجل يهودي أميركي، بأسلوب عصي على التصور. وما شهده روث بنفسه، الذي أصابه الشيء الكثير من هذه الانتقادات والهجمات، كان عبارة عن فظاظة رعناء جاهلة من قبل عقليات عصية على الانفتاح في مواجهة الحريات، والهجاء الحر، والسخرية اللطيفة.
يقول روث عن ذلك: «يبلغ عمر الجمهورية الأميركية 238 سنة. ولقد كانت عائلتي تعيش هنا منذ 120 عاماً، أو لأكثر من نصف عمر الجمهورية الأميركية نفسها. ولقد وصل أفراد عائلتي الأوائل إلى تلك البلاد إبان الولاية الرئاسية الثانية للرئيس الراحل غروفر كليفلاند، أي بعد مرور 17 عاماً فقط من انتهاء إعادة الإعمار. وكان المحاربون القدماء في الحرب الأهلية الأميركية يناهزون الخمسينيات من أعمارهم. وكان الروائيان الأميركيان الشهيران مارك توين وسارة أورني جيويت على قيد الحياة، كذلك كان المؤرخ الشهير هنري آدامز، وكانوا جميعاً في أوج شهرتهم. وكان الشاعر الأميركي والت ويتمان قد فارق الحياة منذ عامين فقط. ولم يكن لاعب البيسبول الأميركي بيب روث قد ولد بعد. فإن لم أتمكن من الارتقاء إلى مصاف الأدباء الكبار، فما يضيرك إن تركتني أتيه في أوهامي».

علاقات... وعلاقات
يبدو الحياة بنفسها يمكنها أن تمثل أبشع إهانة، وسخرية، متجسدة هذه المرة بماغي مارتينسون، المرأة المطلقة ذات الطفلين، و«صاحبة العزيمة»، إذ تبين أنها ليست أكثر من متشدقة متفاصحة خبيثة الطوية، ومحتالة ومخادعة. لقد خدعت روث بحملها المزيف حتى يتزوجها، وفعل ذلك رغم عدم رغبته في ذلك بالأساس. وتواصلت رحلة الألم الشديد معها عبر سنوات من السخط، والغضب، والتهديد، والانتقام القانوني المريع إلى نهاية بالغة العنف مع سقوط ماغي صريعة حادثة سيارة ليطلق القدر سراح فيليب روث على نحو مفاجئ وغير متوقع.
ثم جاءت الزيجة الثانية، وكانت من السيدة البريطانية كلير بلوم، باقتران مثير للذهول بين فنانين شهيرين: الممثلة والروائي، حيث واصل روث تأليف الحلقات المصورة في إذعان واضح لخدمة مواهب زوجته. غير أنه صُدم في نهاية الأمر إثر هوس زوجته الشديد بابنتها من زيجة سابقة آنا ستيغر، والتي صارت مغنية أوبرا طموحة للغاية. وكان الاشمئزاز متبادلاً بين زوج الأم وابنة الزوجة، كما امتعض فيليب روث امتعاضاً شديداً من تصرفات زوجته المعادية للسامية (رغم أن أجدادها الأوائل عن طريق الأب كانوا يحملون اسم «بلومنتال»، وكان أجدادها الأوائل عن طريق الأم يحملون اسم «غرافيتسكي»، وهي أسماء عائلات يهودية، وهم جميعاً من المهاجرين إلى المملكة المتحدة من مدينة غرودنو في غرب روسيا البيضاء).
وتواترت المآسي، واحدة تلو الأخرى. عندما انتهى فيليب روث من تأليف رواية بعنوان «تزوجت من شيوعية»، وهي عبارة عن تصوير باهت للغاية وبالغ الصراحة عن تجربة زواجه بكلير بلوم، ردت عليها هذه بنشر مذكراتها «الانتقامية» الخاصة بقصة حياتها مع فيليب روث. وجاءت المذكرات تحت عنوان: «مغادرة بيت الدمية». ومرة أخرى، يتحوّل العاشق السابق إلى غريم حانق في جولة من الانتقام الساحق، ولتترسخ اتهامات كلير عن فيليب روث – الكاره جداً للنساء والمحروم للغاية من المشاعر، وظلت هذه الأوصاف ملازمة له حتى يومنا هذا.
تصادقت هذه المصائب المتواترة في حياة روث مع مجموعة من الأمراض المريعة، والعمليات الجراحية المؤلمة، والآلام المبرحة، والانهيارات الداخلية ذات الصبغة الانتحارية، ونوبات الذعر، وجولات الاكتئاب، والاضطرابات النفسية الشديدة الناجمة عن تعاطي المخدرات، تلك الكارثة التي حلّت على حياة روث «كغراب قميء يحوم في كل الأجواء». وفي هذه الأثناء، وخلال الفترات الزمنية الفاصلة بين الحلقات القاسية من آلام حياته، ظل إنتاجه غزيراً، كتاب يتلو كتاباً (بلغ مجموعها 31 كتاباً) مع نيله عدة جوائز، وكذلك عاشقة تلو عاشقة، بعضهن يبقى لبرهة معتبرة من الزمن، في حين تتلاشى الأخريات تلاشي قطيرات الجليد تحت وطأة الشمس الحارقة، سيما بعد بدء نوبات الركود الأدبي، أو عندما يتحول دفء الرومانسية وحرارة العشق إلى صداقة. غير أن إغراءات الشابات الجذابات الصغيرات ظلت تتحكم بحياة الأديب الكبير، بصرف النظر عن كل الظروف المزرية التي توالت عليه.
كما لم يتخلص من «تهمة» كراهية النساء، تلك التي أيدتها قائمة مطولة من الشابات المتيمات سابقاً. كانت مغازلاته في بعض أحيانها باهظة، ومفرطة للغاية في أحيان أخرى: فلقد مرة استأجر سيارة ليموزين فارهة لاصطحاب السيدة بريجيت (اسم مستعار) البالغة من العمر 29 عاماً، وكان فيليب روث قد ناهز السبعين من عمره، في جولة تسوق فاخرة بين أكثر متاجر المدينة أناقة، حيث حصلت السيدة على فستان أسود قصير بمبلغ يصل إلى 1490 دولاراً. وجاءت حصيلة مشتريات تلك الليلة نحو 2563 دولاراً، إذ جعلته كتبه ثرياً للغاية، وصار يمتلك ضيعة منعزلة في ضاحية راقية بولاية كونيتيكت الأميركية.
في كثير من الأحيان، لم تنتهِ كل هذه العلاقات الجميلة، الطويلة منها والقصيرة، بسلام، ومثال على ذلك، كانت السيدة آن مودج، وهي تنتمي لأسرة راقية؛ إذ كان والدها أحد أقطاب صناعة الصلب في مدينة بيتسبيرغ الأميركية. لقد أصبحت ذات ميول انتحارية إثر انهيار علاقتها الطويلة مع فيليب روث خلال أغلب عقد الستينيات. والأخرى هي لوسي وارنر، التي رحلت بمحض إرادتها تاركة رسالة بالغة الأسى قالت فيها: «لا أستطيع إنقاذك يا فيليب، فأنا لا أبلغ سوى 22 عاماً من عمري فقط».
ولكن إن كانت أفعاله مع النساء اللاتي قد أكسبته صفة كاره النساء، فكيف نفسر انفصالاته المتتالية عن أصدقائه القدامى من الرجال؟ كانت إحدى هذه الصداقات قد جمعته مع الكاتب روس ميللر ابن شقيق الروائي الشهير آرثر ميللر، الذي استعان به في معاقبته لزوجته السابقة كلير بلوم على تفوهاتها الخطيرة التي شوهت بها علاقتها معها في كتابها «مغادرة بيت الدمية» سالف الذكر. كان مخططه يدور حول ابتكار سيرة ذاتية تصحيحية، من الناحية الظاهرية مع روس ميللر كمؤلف مفوض، في حين أنه كان خلف الكواليس يشرف على كل مجرياتها بنفسه مع الكثير من الإشراف الدقيق على الأسلوب وزاوية التناول. كانت مقاربة روس ميللر الخاصة لتلك السيرة الذاتية قد أغضبت فيليب روث كثيراً، حتى اتهمه بأنه كاتب لا يحظى بالبراعة الكافية، وأنه «في حاجة إلى معلم للغة الإنجليزية».
لكن، مع تقدمه في السن، وبسبب المعاناة التي ألمت به بسبب قصور في القلب، أخذ فيليب روث يميل للوحدة. كتب مرة إلى كونارو: «إنها شدة الحزن من كل شيء التي تزلزل قلبي». واستمر على هذه الحال حتى وفاته. وأثناء مراسم دفنه، قرأت السيدة جوليا غولييه، مقطعاً حزيناً من كتابه «الرعائي الأميركي»: «أجل، وحدنا نعيش، وحدنا للغاية، وحدنا على الدوام، وأمام نواظرنا، درجة هي أعمق وأعمق من الوحدة في انتظارنا». هل كان فيليب روث، الذي شرع في الكتابة والتأليف تحت أجنحة الروائي هنري جيمس، يستلهم دونما وعي منه كلمات جيمس، الذي كتب مرة: «هذه الوحدة، هل هي أعمق ما سوف يلحظ أحدنا في حياته؟ كلما تعمّقت في ذاتي، على أي درجة كانت، وعلى أي حال من الأحوال، أجد تلك الوحدة ماثلة أمامي، وكأنها أعمق من عبقريتي، وأعمق من انضباطي، وربما أعمق من كبريائي».
رغم كل ذلك، لا يمكن اعتبار روث وحيداً. وفي أواخر أيام حياته، كانت غرفته في المستشفى مليئة على الدوام بالمعجبين والمحبين الكبار منهم والصغار، والتلامذة الحقيقيين، والأصدقاء القدامى. لقد كان أشبه بالملك المحتضر الراقد على برج من التصورات الساخرة، والتخيلات العاصفة، والمآسي المعجزة. لكنه، ورغم طوفان المعزين الذين شهدوا وفاته، لم يكن ينتمي لأحد، ولم يكن ينتمي أحد إليه قط.
- خدمة {نيويورك تايمز}



فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.


محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
TT

محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)
محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)

قال الفنان محمد عبد الرحمن إن مشاركته في مسلسل «المتر سمير» تُمثل بالنسبة له محطة مختلفة في مشواره، لكونها تعتمد على بناء علاقة إنسانية واضحة تكون هي العمود الفقري للأحداث، مشيراً إلى أن اللحظة التي عُرضت عليه فيها الفكرة حملت عنصر جذب أساسياً تَمثّل في طبيعة الشخصية وصلتها المباشرة ببطل العمل، الذي يجسده كريم محمود عبد العزيز، إذ يؤدي دور خاله، وهي علاقة درامية تمنح مساحة واسعة للتفاصيل والمواقف المركبة.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الفكرة أعجبته قبل أن يقرأ السيناريو؛ لأن وجود الخال شريكاً أساسياً في مسار الحكاية منحته إحساساً بأن الدور له حضوره وتأثيره في مسار الأحداث، فالعلاقة بين الخال وابن أخته بطبيعتها تحمل مزيجاً من الحنان والندية، والقرب والاختلاف، وهو ما يفتح الباب أمام لحظات إنسانية صادقة يمكن أن تتحول في لحظة إلى مواقف كوميدية خفيفة، وفي لحظة أخرى إلى لحظات مواجهة أو مراجعة.

ويجسد محمد عبد الرحمن في «المتر سمير» شخصية «أنور عدلان»، وهو خريج كلية حقوق، جاء من مدينة بنها إلى العاصمة حاملاً معه تصورات بسيطة ومباشرة عن الحياة، فيما يُشارك ببطولة العمل كل من ناهد السباعي وسلوى خطاب.

عبد الرحمن في مشهد من مسلسل «المتر سمير» (الشركة المنتجة)

دور «أنور»، كما يصفه، ليس شخصية تقليدية للقادم من الإقليم، بل إنسان طبيعي يعيش في زمنه، يتحدث بطلاقة، ويدرك تفاصيل الواقع، لكنه يحتفظ بقدر كبير من الصفاء الداخلي الذي يجعله يصطدم أحياناً ببعض قسوة المدينة وتعقيداتها، مؤكداً أن التحدي الحقيقي في تقديم هذه الشخصية كان الابتعاد تماماً عن أي مبالغة في الأداء، سواء على مستوى اللهجة أو الحركة أو حتى ردود الفعل.

وأشار إلى أن الفكرة لم تكن تقديم نموذج نمطي، بل رسم شخصية قريبة من الناس، يمكن أن تراها في حياتك اليومية دون الشعور بأنها مصطنعة من أجل الكوميديا، لذلك اعتمد في تحضيراته على قراءة متأنية للنص، ومحاولة فهم الخلفية النفسية للشخصية قبل الاهتمام بالشكل الخارجي.

وعن التحضير للشخصية، قال محمد عبد الرحمن إنه يبدأ دائماً بمحاولة تصور شكل الشخصية في الحياة اليومية، كيف تمشي وتجلس، وتنفعل، وتصمت، فهذه التفاصيل الصغيرة هي ما يصنع الفارق، لكونها تمنح الشخصية صدقاً بعيداً عن المبالغة، مشيراً إلى أن أقرب ما يجمعه بـ«أنور» هو حالة الدهشة التي قد تُصيب الإنسان أحياناً حين يواجه مواقف غير متوقعة، وهو شعور يعتبره إنسانياً بالدرجة الأولى.

وأكد أن «أنور» يتمتع بطيبة فطرية تجعله يميل إلى تصديق الآخرين وإعطائهم فرصة، لكنه في الوقت نفسه لا يخلو من لحظات ضعف أو غضب حين يشعر بأنه يتعرض للاستغلال، وهذه المساحة بين الطيبة والرغبة في الدفاع عن النفس هي ما يعدّه جوهر الشخصية، لكونها تخلق حالة من التوازن تجعل المشاهد يتعاطف معه، حتى في لحظات خطئه أو اندفاعه.

وعن علاقته داخل الأحداث بشخصية «المتر سمير» التي يقدمها كريم محمود عبد العزيز، أشار إلى أن الرابط العائلي يضع الطرفين في حالة دائمة من التداخل، فلا يمكن لأي منهما أن يكون محايداً تجاه الآخر، فهناك مشاعر حماية متبادلة، واختلاف في الرؤى، وطريقة التعامل مع الحياة، وهو ما ينتج عنه احتكاك دائم يغذي الدراما، مؤكداً أن «هذه الثنائية هي أحد أهم أعمدة العمل، لأنها قائمة على صراع لطيف بين جيلين، أو بين تجربتين مختلفتين في مواجهة الواقع».

الفنان المصري محمد عبد الرحمن - حسابه على فيسبوك.

وتحدّث عبد الرحمن عن كواليس التعاون مع كريم محمود عبد العزيز، مشيراً إلى أن بينهما حالة انسجام واضحة ساعدت كثيراً في خروج المشاهد بصورة طبيعية، لافتاً إلى أن العمل المشترك يتطلب قدراً من التفاهم والثقة، خصوصاً حين تكون هناك مساحة كبيرة من المشاهد الثنائية، وهو ما تحقق بالفعل من خلال جلسات التحضير والمناقشات المستمرة حول تفاصيل الأداء.

كما عبّر عن سعادته بالعمل تحت إدارة المخرج خالد مرعي، مؤكداً أن «مرعي يتميز بدقة شديدة في ضبط الإيقاع العام للمشاهد، ولا يترك مساحة كبيرة للارتجال غير المحسوب، وهذه المدرسة تناسبني إلى حد كبير، لأنني أفضل الالتزام بالنص المكتوب والعمل على تطويره من الداخل بدلاً من الاعتماد على المفاجأة اللحظية».

وأكد عبد الرحمن أن «المسلسل يراهن على تقديم كوميديا نابعة من الموقف، بحيث يشعر المشاهد بأن الضحك يأتي طبيعياً من تطور الأحداث وتفاعل الشخصيات»، معرباً عن أمله في «أن يصل العمل إلى الجمهور بروحه الحقيقية، وأن يشعر المشاهد بأن الشخصيات تشبهه أو تشبه مَن يعرفهم».