رئيس المجلس القومي للصحافة السودانية: الأجهزة الأمنية تتدخل «لتجاوز الخطوط الحمراء» وتهديد الأمن القومي

شمو لـ«الشرق الأوسط»: المجلس يده مغلولة تماما تجاه التعطيل وحبس الصحافيين

رئيس المجلس القومي للصحافة السودانية: الأجهزة الأمنية تتدخل «لتجاوز الخطوط الحمراء» وتهديد الأمن القومي
TT

رئيس المجلس القومي للصحافة السودانية: الأجهزة الأمنية تتدخل «لتجاوز الخطوط الحمراء» وتهديد الأمن القومي

رئيس المجلس القومي للصحافة السودانية: الأجهزة الأمنية تتدخل «لتجاوز الخطوط الحمراء» وتهديد الأمن القومي

نفى رئيس المجلس القومي للصحافة السودانية علي شمو اتهام مجلس الصحافة بالتقصير والسلبية بالنسبة لإيقاف الصحف واعتقال الصحافيين وقال: إن المجلس لا يملك أي صلاحيات للتدخل أو للحيلولة دون تعطيل صحيفة أو اعتقال صحافي، و«يده مغلولة تماما بالنسبة تجاه إجراء تعطيل الصحافة وحبس الصحافيين».
وقال شمو «إن رئاسة الجمهورية عبر إجازتها لقانون الصحافة عام 2009 أكدت على إتاحة الحريات كاملة في التعبير بالنسبة للصحافة»، ولكن الأجهزة المختصة «الأمنية» تتدخل بحجة تجاوز صحافي أو صحافيين الخطوط الحمراء أي نشر معلومات غير صحيحة في قضية ما تضر بالأمن القومي. وكشف رئيس المجلس القومي للصحافة أنه أحيانا يفاجأ بهذا النوع من الإجراءات الاستثنائية، ولكنه لا يقف متفرجا ويسعى لمعالجة الأمر وتطويق آثاره، وقال شمو إن مجلس الصحافة وبالتعاون مع اتحاد الصحافيين طالب في مذكرات لرئاسة الجمهورية وللجهات المختصة بتوفير صلاحيات للمجلس تجعله قادرا على «تصويب الأمور بالنسبة للصحافة والصحافيين واللجوء إلى القانون، فلا تُعطَّل صحيفة أو يعتقل صحافي إلا عبر القانون».
ووصف شمو طلب صحافيين على مستوى رؤساء تحرير للجوء السياسي لعواصم أوروبية «بالظاهرة التي تؤثر سلبا على صورة السودان إقليميا ودوليا»، وهو أمر يستوجب إعادة النظر في الأسلوب والتعامل مع الحريات والصحافة والصحافيين داخل البلاد. واعترف شمو بأن التجاوزات المهنية أصبحت مهددا لقيم وموروثات المجتمع السوداني، وعبر عن الأسف الشديد لتراجع توزيع الصحف السودانية «فالتوزيع اليومي لأكثر من 40 صحيفة سياسية واجتماعية بلغ 200 ألف نسخة» وهو «تراجع مهني مثير للحزن والقلق لصحافة نشأت مبكرا 1903 ويفترض أن تراكم الخبرة والمهنية يجعل منها صحافة متقدمة وقوية وليس العكس».
وفيما يلي نص الحوار:

* لماذا يتهم مجلس الصحافة بالتقصير والسلبية بالنسبة لإيقاف الصحف أو اعتقال الصحافيين؟
- الاتهام صحيح، لأن مجلس الصحافة برغم مهامه ومسؤولياته تجاه الحفاظ على قيم ومبادئ المهنة وتطوير الصحافة فهو لا يستطيع القيام بأي دور أو التدخل في حالة تعطيل أو إيقاف صحيفة لأنه لا يملك أي صلاحيات قانونية للتدخل أو للحيلولة دون التعطيل أو الاعتقال.
* هل معنى ذلك الاعتراف بسلبية مجلس الصحافة؟
- ليست هنالك سلبية من جانب المجلس أو تقصير، ولكن يده مغلولة تماما بالنسبة لإجراءات تعطيل الصحافة، أو حبس الصحافيين فهو يتدخل على المستوى الشخصي بالقيام باتصالات مع الجهات المعنية لرفع الحظر عن صحيفة أو اعتقال صحافي، مثلما حدث مؤخرا بالنسبة للصحافي النور أحمد النور. والأمر كله محكوم بقانون الأمن الوطني ذي الصلاحيات الواسعة.
* هل ما تزال الرقابة مفروضة على الصحافة؟
- الواقع أن قانون الصحافة لعام 2009 أكد على إتاحة الحريات كاملة في التعبير بالنسبة للصحافة لكن الأجهزة المختصة «الأمنية» تتدخل بحجة تجاوز الخطوط الحمراء، أي نشر معلومات غير صحيحة في قضية ما تضر بالأمن القومي، ويأتي القرار على ضوء ذلك أي تعطيل الصحيفة أو المصادرة أو الاعتقال.
* وما هو موقف المجلس في هذه الحالة؟
- المجلس أحيانا يفاجأ بهذا النوع من القرارات ولكن لا يقف متفرجا وإنما يسعى لمعالجة الأمر، خاصة أنه يدرك أن عالم اليوم لا يقبل بهذا النوع من القرارات الصعبة المصادرة للصحف أو الاعتقال بالنسبة للصحافيين، وأصبح دعاة الحريات في عواصم كثيرة يخرجون في مواكب احتجاجية منددين بهذا النوع من الممارسات، وهذا مضر بالبلد وسمعته على المستويين الدولي والإقليمي.
* هل لدى مجلس الصحافة بالتعاون مع اتحاد الصحافيين اتجاهات لمعالجة الموقف؟
- طالبنا في مذكرات للجهات المختصة بتوفير صلاحيات مجلس الصحافة وتمكينه من ممارسة سلطاته وبجعله قادرا على تصويب الأمور بالنسبة للصحافة وللصحافيين، واللجوء إلى القانون، فلا تعطل صحيفة أو يعتقل صحافي إلا عبر القانون. وكل هذه الأشياء واردة في قانون الصحافة والمطبوعات الصحافية.
* كيف ينظر مجلس الصحافة لطلبات بعض رؤساء تحرير اللجوء السياسي بالعواصم الأوروبية؟
- أعتقد أنها ظاهرة مؤسفة وتؤثر سلبا على سمعة السودان وصورته الإقليمية والدولية مما يستوجب إعادة النظر في الأسلوب والتعامل مع الحريات والصحافة والصحافيين، ويسعى مجلس الصحافة عبر قانونه وعبر ما هو متاح وبالتعاون مع الأجهزة المختصة والعدلية لوقف الإجراءات الاستثنائية في قضايا الصحافة بحيث تكون المعالجة في إطار القانون الطبيعي والقضاء. ولا بد من تصويب صورة السودان في الخارج بإتاحة الحريات الصحافية وفي إطار القانون وليس بالإجراءات الاستثنائية فهي سالبة في كل الحالات.
* ماذا يفعل مجلس الصحافة تجاه تجاوزات الصحف في الأداء المهني؟
- لدى مجلس الصحافة، لجنة خاصة بشكاوى المواطنين في حالة تعرضهم لتجاوزات من أي نوع ويتم التعامل معها باهتمام بالغ وباستدعاء رئيس التحرير واستجوابه حول ما وجه إليه من اتهام أو تجاوز، ولكن أقصى ما يفعله المجلس تجاه هذه الشكاوى هو تعليق الصدور لفترة محدودة وأحيانا مطالبة الصحيفة بالتصحيح والنشر، وهذا لا يكفي ولذلك أعترف أن التجاوزات المهنية في الصحافة أصبحت مهددا لقيم وموروثات المجتمع السوداني.
* هل تحسن التوزيع للصحف السودانية؟
- مع الأسف الشديد فإن التوزيع للصحف في أسوأ حالاته، فلدينا أكثر من 40 صحيفة سياسية واجتماعية ورياضية وتوزيعها مجتمعة أقل من 300 ألف نسخة، وهذا يعكس حالة من التراجع المثير للقلق والذي انعكس على الإقبال عليها. إن الصحافة السودانية لها تاريخ عريق، وأول صحيفة سودانية صدرت عام 1903. أي قبل أكثر من مائة عام ويفترض أن تراكم الخبرة والمهنية يجعلها في مرحلة متقدمة وقوية مؤثرة، ولكن حدث العكس تماما وهو أمر محزن ومقلق ونحاول دعم الجهود على عدة مستويات منها ترقية القدرات للصحافيين ورفع كفاءة الأداء المهني وذلك بالتعاون مع اتحاد الصحافيين، وتنظيم دورات تدريبية صحافية داخلية وخارجية وأيضا معالجة أوضاع الدور الصحافية الخاصة بالطباعة ومدخلاتها.
* ما هي الحكومات الأفضل تجاه الحريات في الصحافة السودانية؟
- مهما كانت النظرة والتقييم للأنظمة الشمولية، سلبياتها وإيجابياتها فإني أعتبر أن ساحة الحريات في سنوات حكم الإنقاذ الأخيرة تظل الأكبر والأفضل وفي الصحف السودانية العريقة تنشر انتقادات جادة ومباشرة للأداء السياسي والتنفيذي، ولكنها تعبر عن ذلك بلغة موضوعية ورصينة ومؤثرة، ولذلك أعتبر أنه كلما زادت معايير المهنية والمسؤولية الوطنية زادت مساحة الحريات والتعبير. ولكن تبقى حقيقة أن حرية الصحافة في عهود الديمقراطية التعددية ما قبل الاستقلال وبعد أكتوبر (تشرين الأول) ثم فترة الانتفاضة كانت هي الأفضل وقد كان السودان في تلك الحقب مضربا للأمثال.
* هل صحيح أن ما تنشره صحف من أخبار ومعلومات تحول إلى مهدد لأمن السودان؟
- من الصعب إطلاق أو تعميم هذا الاتهام على معظم الصحف، لأن هنالك صحفا فتحت ملفات اقتصادية واجتماعية وسياسية نافذة وتناولتها بمهنية ومسؤولية وأحدثت تأثيرا في اتجاه المعالجة، بينما هناك صحف أخرى تنشر أخبارا أو تقارير مثيرة (أمنية أو اقتصادية) مما يثير البلبلة أو القلق أو يفضي إلى أضرار داخلية وخارجية مما يجعل ما تنشره مهددا أمنيا ووطنيا، وعلى أي حال فلسنا نحن من يحدد مهددات الأمن بل إننا في كثير من الأحيان تكون لنا وجهة نظر مختلفة. ولذلك فإننا مثلما نقف مع حريات الصحافة والتعبير وممارستها بمسؤولية وانضباط ودون تجاوز للحدود الحمراء، فإننا نعتبر أن الإثارة والمعلومات والحقائق غير الصحيحة مسألة مضرة وفادحة وتشكل مهددا اجتماعيا واقتصاديا.
* هل تعتزم تقديم استقالتك من منصب رئاسة المجلس؟
- في الواقع كان يفترض تقديم استقالتي واعتذاري لظروف عامة وخاصة ولكنني استجبت لظروف تعليق إجراءات تكوين المجلس الجديد والتي ربما تمت في ظرف أسبوعين خاصة أن هذا المجلس الذي أتشرف برئاسته قد انتهت فترته القانونية في 9 نوفمبر 2013 ولكن قرارا صدر بتمديد فترته حتى تكوين المجلس الجديد وذلك حتى لا ينجم فراغ قانوني بعد النهاية وقبل التكوين الجديد.



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.