مايكل أنجلو وفيتوريا كولونا... شاعران عند مفترق طرق

علاقتهما تزامنت مع لحظة انتقال من القرون الوسطى إلى عصر النهضة

من أعمال مايكل أنجلو
من أعمال مايكل أنجلو
TT

مايكل أنجلو وفيتوريا كولونا... شاعران عند مفترق طرق

من أعمال مايكل أنجلو
من أعمال مايكل أنجلو

يعد مايكل أنجلو بوناروتي، المولود في فلورنسا عام 1475، إلى جانب معاصره وابن مدينته ليونارد دافنشي، أفضل تجسيد لعصر النهضة في مجال الفنون التشكيلية. وقد أبدع في حقول الرسم والنحت والعمارة، كماً ونوعاً، ما لم يبدعه أي فنان أوروبي آخر. وما تركه من تأثير على المدارس الفنية التي نشأت بعده في تلك الحقبة لا يجاريه فيه أحد. ففي مجال النحت، يعد التمثالان «داود» (David) و«الحنان» (Pieta) اللذان أنجزهما وهو دون الثلاثين من عمره من أكثر أعماله شهرة. وفي الرسم، تشكل الجداريتان في كنيسة سيستين الأكثر تأثيراً على هذا الفن: الأولى التي تحمل اسم «التكوين» على سقفها، والثانية المعنونة بـ«يوم الحساب» تحتل جدار محرابها. وفي مجال العمارة، يشكل تصميمه للمكتبة اللورنتية تمهيداً لظهور «العمارة الأسلوبية».
ويرى جورجيو فاساري، معاصره كاتب سيرته، أن أعمال مايكل أنجلو تجاوزت أعمال أي فنان آخر، حياً أو ميتا، فهو «الأعظم ليس في فن واحد، بل في الثلاثة».
وعلى الرغم من التقدير الشعبي الرفيع الذي حظي به مايكل أنجلو في فلورنسا وروما وبولونيا، المدن التي أنجز فيها أعمالاً فنية خالدة، فقد كرس كل حياته للفن، مهملاً تماماً نمط عيشه الذي ظل بشكل ما، على الرغم من ثرائه، بائساً. فلم يكن يفكر بالطعام إلا حين يجوع، ويأكل أي شيء متوافر، وغالباً ما كان ينام بملابسه الرسمية وجزمته. وحتى قبل وفاته بست ساعات، كان يعمل على منحوتة، ولم يكن أمامه سوى أسبوعين ليبلغ سن التسعين.

اللقاء بالسيدة فيتوريا
كان مايكل أنجلو في سن الواحدة والستين حين تعرف على فيتوريا كولونا (1490-1547)، أول شاعرة في عصر النهضة تُطبع وتُلحَّن وتُغنى قصائدها على نطاق واسع، التي اشتهرت أولاً بمراثيها المهداة إلى زوجها الماركيز فرانشيسكو دافالوس الذي قُتل وهو يحارب الجيش الفرنسي الغازي لنابولي. وقد اتبعت أسلوب الشاعر بترارك الغزلي في أشعارها، وفيها كانت تعبر عن توقها لتحرر جسدها من عبء الوجود، والارتقاء بروحها للاجتماع بزوجها في الأبدية:
«ليس من الصائب استحضار بارناسوس* أو ديلوس**
فأنا أطمح لعبور مياه أخرى، لصعود جبال أخرى لا تستطيع أقدام البشر تسلقها من دون عون
أنا أتضرع للشمس التي تضيء الأرض والسماء أن تدع سطوعه ينبثق إنه يسكب علي تياراً هوائياً يساوي عطشي الكبير».
وعلى الرغم من قضائها فترات من حياتها في عدة أديرة، فإنها لم تفكر في أن تصبح راهبة. ومنح ترمل الأرستقراطية كولونا المبكر، وغياب الأطفال في حياتها، فرصة للاطلاع الواسع في مكتبة عمة زوجها كونستانزا دافالوس على الموروث الأدبي والفلسفي القديم والسائد في عصرها، ولا بد أنها اطلعت على كتاب «التساعات» لأفلوطين الذي شكل الأساس النظري لكل المدارس الغنوصية العابرة للقارات والثقافات.
وفي المقابل، كان مايكل أنجلو قد تابع دراسته منذ سن الخامسة عشرة في «المدرسة الأفلاطونية» بفلورنسا 3 سنوات، وتأثر عمله ورؤيته للحياة بكثير من فلاسفة وكتاب ذلك العصر. وخلال تلك الفترة، نحت أول عملين له: «سيدة الأدراج» (1490 - 1492) و«معركة القنطورات» (1491 - 1492). ولعل دراسته تلك كانت وراء اطلاعه على الموروث الشعري الممتد من عصر الإغريق فالرومان إلى إيطاليا عصر النهضة، وكانت نقطة انطلاق في تجربته الشعرية، حيث ألف قصائد كثيرة طوال حياته، بقيت 300 قصيدة منها اليوم.
ومن المرجح أن أول لقاء جمعهما كان في روما عام 1536، وكان هو في سن الواحدة والستين، وهي في منتصف الأربعينيات من عمرها. وقد استمرت الصداقة التي جمعته بها أكثر قليلاً من عشر سنوات، حتى وفاتها عام 1547، إذ ظلا يتراسلان ويلتقيان في كنيسة بروما كلما قامت صديقته بزيارة المدينة.
ولا بد أن موضوعات حديثهما كانت تدور حول الفنون والثقافة والفلسفة، فقد كانت تلك الحقبة لحظة انتقال من القرون الوسطى إلى عصر النهضة، حيث كانت أفكار مارتن لوثر الإصلاحية مثار نقاش واهتمام واسعين، قبل عدها «هرطقة» من قبل الفاتيكان.
ولعل أفكار أفلوطين، المولود عام 204 ميلادية في مصر، كانت موضع اهتمام النخبة المتعلمة آنذاك، خصوصاً ما جاء في كتابه الشهير «التساعات». فهو يقول في أحد نصوصه ما معناه أن على القارئ أن يسعى إلى تجميل روحه عبر عملية تشبه النحت.
وكان هذا المنحى أشبه بقانون اتبعه مايكل أنجلو في صنع التماثيل، فقد كان حين يختار الحجم المناسب من الرخام، يفترض أن شخصاً ما يسكن في داخله، وكل ما عليه أن يقوم به هو إزالة الأجزاء الزائدة من الحجر المتراكم فوقه ليخرج إلى الحياة.
وعلى الرغم من الشهرة الطاغية التي كان يحظى مايكل أنجلو بها، فإن فيتوريا كانت هي المهيمنة في العلاقة، ومن الواضح أنها كانت في موقع المرشد الروحي للفنان الأبرز آنذاك، وقد انعكس ذلك في مخطوطة الديوان التي أهدتها إياها، وتضمن 103 قصائد، جميعها ذات طابع ورع، وتوق للقاء بالمسيح الذي تطلق عليه لقب «الشمس»:
«إذا كنتُ أفشل غالباً في اتباع قواعد الحس السليم، والتطلع حولي بعينين مزدريتين، فإني أرفض التنميق أو مسح أشعاري الخشنة غير المهذبة، هذا لأن همي الأولي هو ليس لكسب الثناء بفضلها أو لتجنب الازدراء، ولا كي تستمر أشعاري بعد عودتي المبهجة إلى السماء في العالم حية ومكرَّمة عالياً؛ بل أن تشعل النار الإلهية، من خلال رحمتها، عقلي، وأحياناً تمنح هذه الشرارات نفسها برضاها، وإذا أدفأت شرارة كهذه ذات مرة قلباً رقيقاً فإني مدينة ألف مرة بألف شكر لتلك الغلطة السعيدة».
في المقابل، أهداها مايكل أنجلو 3 رسوم، هي «الحنان» (Pieta) المعروضة في متحف بوسطن، و«الصلب» (Crucifixion) في المتحف البريطاني، وتخطيط «المرأة السامرية تلاقي المسيح» التي ضاعت، لكنها موجودة بنسخ كثيرة.
كذلك ألف أكثر من أربعين قصيدة مكرسة لصديقته، يعبر فيها بوضوح عن عاطفته لها، ومدى أهميتها بالنسبة إلى حياته الروحية. ويتذكر كونديفي، أحد المقربين لمايكل أنجلو، قوله إن أكثر ندم في حياته هو أنه لم يقبّل وجه الأرملة الشاعرة بالأسلوب نفسه الذي كان يتبعه في تقبيل يدها.
هل يمكن القول إن فيتوريا كولونا كانت القرينة التي التقى بها مايكل أنجلو بعد فوات الأوان: الملهمة المرشدة بديل الأم التي فقدها وهو في سن السادسة من عمره؟
كم كان موتها قبله صدمة في حياته، واجهها بتكريس كل السنوات التي عاشها بعدها لفنه، ومواصلة تأليف قصائد، بعضها مُهدى لها:
«عالياً فوق نفسي سيدتي، تجعلينني أرتقي، كذلك فإن الكلام والتفكير يخذلانني إذن، لماذا إن منحتني جناحين لا أصعد ولا أطير صوب وجهك الجميل؟
ولماذا لا أستطيع البقاء معك إذا منحتنا السماء الحق بدخول الفردوس بثوب جسدينا الفانيين؟».

ثلاث قصائد لمايكل أنجلو
مهداة لفيتوريا كولونا
رجل ضمن امرأة، أو بالأحرى إله يتكلم عبر فمها، لذلك فأنا، باستماعي إليها، أُعِيدَت صياغتي إلى الحد الذي لن أكون فيه أبداً نفسي ثانية.
أنا أؤمن، لكوني استُلِبتُ من نفسي على يدها، بأني سأشفق على نفسي لأني خارج نفسي؛ وجهها الجميل يدفعني بعيداً جداً إلى ما وراء الرغبة العابرة إلى الحد الذي أرى الموت في أي جمال آخر.
أيتها السيدة التي تمرر الأنفس عبر النار والماء إلى أيام البهجة:
أتضرع، ألا تجعليني أعود إلى نفسي ثانية.
***
فقط كما هو الحال، أيتها السيدة، فإنه عند الإزالة، يضع المرء
في حجر صلب شاهق صورة حية فتبدأ هذه الصورة بالتنامي بالضبط، في المكان الذي يبدأ الحجر فيه بالتناقص، لذلك فإن الزيادة التي هي لحم المرء نفسه بقشرته الخشنة الجافة الصلبة، تخفي في النفس قدراً من الأعمال الصالحة التي ترتعش تحت هذا العبء.
أنتِ وحدك قادرة على إزالة ذلك الركام عن قوقعتي الخارجية، لأني لا أملك الإرادة أو القدرة لتحقيق ذلك.
***
بعد سنوات ومحاولات كثيرةيحول الفنان الحقيقي، عاجلاً أم آجلاً، فكرة لامعة إلى صورة حية على حجر صلب وأبيض وحين يكون قريباً من الموت: تصبح إمكانية
نحت ما هو جديد أصيل متأخرة فهو يبقى موجوداً ولكن لفترة قصيرة.
كذلك هو الحال مع الطبيعة: ذروة الجمال الذي تحوزه عبر وجهك المقدس كالتجربة والخطأ عبر الزمن، صورة فوق أخرى حتى النهاية، لذلك فالخوف الملازم للجمال يتغذى على توقي لنكهات غريبة، لكني لا أعرف ما إذا كانت رؤية وجهك بهذا الجمال تؤذيني أكثر من نهاية العالم، أو تمنحني فرحة كبرى.

* بارناسوس: جبل في اليونان تعده الأساطير الإغريقية المكان الذي تسكن فيه ربات الإلهام.
** ديلوس: جزيرة في اليونان تعدها الأساطير الإغريقية المكان الذي ولد فيه أبولو إله الفنون.



القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

تولستوي
تولستوي
TT

القراءة البطيئة لـ«الحرب والسلام»

تولستوي
تولستوي

منذ مطلع يناير (كانون الثاني) 2026 بدأ يتشكّل، بهدوء لافت ودون أي إعلان رسمي، تجمع قرائي حول رواية «الحرب والسلام» اختار لنفسه إيقاعاً غير مألوف، ما صار يُعرف بالقراءة البطيئة. الفكرة بسيطة في ظاهرها، قراءة الرواية على امتداد عام كامل، فصل تقريباً في اليوم، لكنها عميقة في دلالتها. ليست تحدياً ثقافياً ولا نشاطاً ترفيهياً، بل إعلان عن نفور من استهلاك النصوص بدل معاشرتها. على منصات مثل «Good reads» ظهر هذا التلاقي بوضوح؛ قرّاء من أعمار وخلفيات مختلفة، لا يجمعهم ذوق أدبي واحد ولا مشروع نقدي، بل إحساس مشترك بأن روايةً بهذا الحجم لا ينبغي اقتحامها، وسلقها كسلق البيض.

اللافت في هذا النشاط الاجتماعي أنه لا يقوم على فكرة الإنجاز. لا أحد يتباهى بأنه أنهى الرواية، ولا أحد يُحاسَب إن تأخر. القراءة هنا لا تُقاس بعدد الصفحات بل بمدى الحضور. النقاشات التي ترافقها ليست تحليلات أكاديمية ولا محاولات لفهم ما أراد تولستوي أن يقول، بل تسجيل صادق لما تفعله الشخصيات والأحداث بالقارئ. الملل يُذكر كما تُذكر الدهشة، والارتباك لا يُخفى، بل يُعترف به بوصفه جزءاً من التجربة. بهذا المعنى تتحول القراءة إلى فعل إنساني مشترك، لا إلى استعراض ثقافي. النص لا يُستهلك، بل يُحمَل مع الآخرين، وهذا وحده يمنحه حياة جديدة.

القراءة البطيئة تعيد الاعتبار لفكرة الزمان في علاقتنا بالكتب. القارئ لا ينعزل ساعات طويلة ليغرق في الرواية، بل يقرأ جزءاً صغيراً ويعود إلى حياته، ثم يعود في اليوم التالي، كأن الرواية تدخل في النسيج اليومي، لا باعتبارها حدثاً استثنائياً بل بوصفها رفيقاً. هذا الامتداد الزماني يخلق علاقة مختلفة بالنص، علاقة أقل انفعالاً وأكثر رسوخاً. الشخصيات لا تُنسى بسرعة، لأنها ستعيش مع القارئ سنةً كاملةً، تتغير صورته عنها كما تتغير صورة الناس في الحياة الواقعية. هنا تتجلى قيمة هذا النشاط الاجتماعي، ليس لأنه أعاد قراءة عمل كلاسيكي، بل لأنه أعاد تعريف معنى القراءة نفسها في زمن فقد الصبر على العمق.

لكن هذا التجمع لا يمكن فهمه بمعزل عن راهنية «الحرب والسلام». الرواية تعود اليوم لأنها تمسّ جرحاً لم يلتئم. تولستوي لا يكتب عن حرب بعينها، بل عن بنية الحرب بوصفها حالةً إنسانيةً تتكرر بأشكال مختلفة. ما يفعله في الرواية هو نزع الهالة عن الحرب، وعن خطابها، وعن أبطالها. لا نجد عنده تمجيداً للمعارك ولا احتفاءً بالانتصارات، بل ثمة تفكيك صبور للوهم الذي يجعل البشر يعتقدون أن العنف يمكن أن يكون عقلانياً أو ضرورياً أو نبيلاً.

في عالمنا المعاصر، حيث تُقدَّم الحروب مرة أخرى بوصفها حتميات، وحيث تُختزل المآسي الإنسانية في عناوين سياسية، تبدو رؤية تولستوي أكثر راهنية من أي وقت مضى. هو يصرّ على أن التاريخ لا يُدار من أعلى، ولا تصنعه إرادة القادة وحدهم، بل يتشكل من ملايين التفاصيل الصغيرة، من قرارات فردية، من خوف، من تردد، من سوء فهم. هذا التفكيك لوهم السيطرة هو ما يجعل قراءة الرواية مؤلمة، لأنها تحرمنا من العزاء السهل الذي توفره السرديات الكبرى.

من اللافت للنظر أن هذه الراهنية لم تبقَ حبيسة المجال الأدبي أو الأخلاقي، بل امتدت حتى إلى التفكير الاستراتيجي نفسه. ففي كتاب «القيادة العليا»، وهو من المراجع الأساسية في الاستراتيجيا الحديثة، يناقش إليوت كوهين، تولستوي، ضمن نقاشه لفكرة القيادة في زمن الحرب، جنباً إلى جنب مع شخصيات مثل ونستون تشرشل وأبراهام لنكولن. إدراج تولستوي هنا ليس مجاملة أدبية، بل اعتراف بأن نقده لأساطير الحرب ما زال حاضراً في صميم التفكير المعاصر. وبهذا تغدو «الحرب والسلام» نصاً فكرياً يتحدى التصورات الكلاسيكية عن السلطة والقرار والمسؤولية، لا رواية أخلاقية فحسب.

في عالمنا المعاصر حيث تُختزل المآسي الإنسانية في عناوين سياسية تبدو رؤية تولستوي أكثر راهنية من أي وقت مضى

أما السلام، فلا يقدّمه تولستوي بوصفه حالة مستقرة يمكن الوصول إليها بقرار سياسي أو نهاية معركة. السلام عنده هش، داخلي، ومشروط بإعادة بناء العلاقة مع الذات ومع الآخرين. الشخصيات التي تنجو من الحرب لا تعود كما كانت، بل تحمل أثرها في داخلها، وتظل تبحث عن معنى لحياتها بعد أن انكشفت لها هشاشة كل المبررات. بهذا المعنى تصبح الرواية عن ما بعد الحرب بقدر ما هي عن الحرب نفسها، عن الفراغ الأخلاقي الذي يتركه العنف، وعن صعوبة العيش بعد سقوط الأوهام.

من هنا نفهم لماذا وجدت القراءة البطيئة صداها الآن. ليست مجرد مصادفة زمنية، بل تعبير عن حاجة جماعية إلى نص لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يسمح بالتفكير الطويل. القارئ الذي يشارك في هذا التجمع لا يبحث عن موقف سياسي ولا عن رسالة أخلاقية مباشرة، بل عن مساحة يتعلّم فيها كيف يحتمل التعقيد، وكيف يعيش السؤال دون استعجال الخاتمة. هذا ما يمنح النشاط الاجتماعي قيمةً فلسفيةً، لأنه يدرّب على الصبر، وعلى الإصغاء، وعلى قبول أن الفهم لا يأتي دفعة واحدة.

في هذا التلاقي بين تجمع القرّاء وراهنية تولستوي، تستعيد الرواية دورها الأعمق. ليست وثيقة من الماضي ولا نصاً يُعاد تدويره، بل تجربة تُعاش في الحاضر. القراءة البطيئة ليست طريقة لقراءة رواية طويلة فحسب، بل موقف من العالم، ومن الزمان، ومن الوهم القائل إن كل شيء يمكن اختصاره. وربما في هذا البطء، وفي هذا الاجتماع الصامت حول كتاب واحد، يكمن شكل هادئ من المقاومة، مقاومة لسطحية العصر، ودفاع عن حق الإنسان في أن يفكّر بعمق، ومع الآخرين، في عالم لا يكفّ عن دفعه إلى الاستهلاك والنسيان السريع.

* كاتب سعودي


صاحبُ «قصير عمرة» وسط ديوانه

الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
TT

صاحبُ «قصير عمرة» وسط ديوانه

الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
الأمير وسط ديوانه في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

يحتل قصير عمرة موقعاً رئيسياً في خريطة القصور الأموية التي تزخر بها بادية بلاد الشام، ويتميّز في الدرجة الأولى بجدارياته التي تغطي جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. تزين هذه الجداريات مجلس هذا القصير المكوّن من 3 إيوانات معقودة، وحمّامه الكبير مؤلف من 3 غرف، وتتكوّن من لوحات كبيرة تجمع بين مواضيع متعدّدة. يحضر اسم صاحب البناء في كتابة كوفية كشفت عنها بعثة إيطالية من «المعهد العالي للحفظ والترميم» في مايو (أيار) 2012. تعلو هذه الكتابة لوحة كبيرة، اتّضحت معالمها بعدما نجحت هذه البعثة في إظهار تفاصيل منها، ظلّت مخفيّة منذ أن خرجت جداريات هذا الموقع من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي.

ظهر اسم صاحب القصير في كتابة كوفية خُطّت في 3 أسطر، فوق نافذة في أعلى الحائط الجنوبي من الإيوان الغربي. تآكلت هذه الكتابة مع الزمن للأسف، ولم تسلم منها إلا الكلمات الأولى: «اللهم أصلح الوليد بن يزيد». تحت النافذة، يحضر صاحب القصير كما يبدو في لوحة كبيرة تحتّل القسم الأوسط من الجدار، وتمثّل مشهداً جماعياً يجمع بين 5 أشخاص. عُرفت هذه اللوحة من خلال رسم توثيقي، نُشر عام 1907 في كتاب قدّم فيه العالم التشيكي ألوييس موزيل قراءة تعريفية أولى بجداريات قصير عمرة. وظهرت صور لتفاصيل من هذه اللوحة في كتاب صدر عام 1975، بعد أن تولت بعثة إسبانية مهمّة تثبيت وتنظيف جداريات الموقع. وفي 2007، أصدر «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» مجلّداً حمل نتيجة الأبحاث التي أجراها في هذا الموقع، وضمّ هذا المجلد صوراً ورسوماً توثيقية لهذه اللوحة، رافقتها قراءة تفصيلية لعناصرها. قيل طويلاً إن هذه الجدارية تمثّل مشهداً جماعياً نسائياً، غير أن أعمال الترميم كشفت عن تفاصيل ظلّت مخفية من قبل، واتّضح أن الشخصية التي تحتلّ المركز الرئيسي تمثّل رجلاً ملتحياً، وهو صاحب القصير، كما تشير الكتابة التي تعلو اللوحة.

يظهر بطل الصورة في صدر التأليف تحت خيمة تزيّنها شبكة من المكعبات الحمراء، ممدّداً فوق كنبة طويلة على شكل سرير، مرتدياً عباءة طويلة زرقاء، يلفّها في الوسط رداء أحمر زُيّنت قماشته بشبكة من الوحدات الهندسية الرباعية المتساوية الأضلاع. سقط الجزء الأيمن من الرأس، ونجا الجزء الأيسر، وما بقي منه يكشف عن عمامة بيضاء تعلوه وتغطّي شعره. يظهر الوجه في وضعيّة المواجهة، محدّقاً بعين ثاقبة نحو الأمام. العين محدّدة بوضوح، وكذلك الأنف، والفم ظاهر بين الشارب العريض واللحية المتدلية، مع شق يفصل بين شفتين عريضتين.

يمدّ هذا الأمير ساقيه الملتصقتين فوق كنبة ديوانه، ويرفع صدره نحو الأعلى، متكئاً بذراعه اليسرى على أريكة كبيرة، رافعاً بيده اليمنى قضيباً نحيلاً. يحوطه من جهة اليمين فتى أمرد يرفع في اتجاهه مروحة مكوّنة من قضيب طويل تعلوه حزمة من ريش الطاووس، ومن الجهة المقابلة، رجل ملتحٍ يعتمر خوذة رمادية، يقف من خلفه في وضعيّة الحارس، قابضاً بيده اليمنى على عصاً قصيرة. في مقدّمة الصورة، عند طرف الأريكة الكبيرة، يظهر شابان أمردان معمّمان، يجلس كلّ منهما أرضاً على أريكة فضفاضة، رافعاً ذراعيه في اتجاه الأمير. يرتدي الفتى الجالس في المقدّمة عباءة حمراء، يلفّها رداء بلون أصفر فاتح، ويرتدي الشاب الجالس من خلفه عباءة مماثلة يلفّها رداء أزرق.

تتمثّل خلفيّة الصورة بفضاء أزرق مجرّد. يستقرّ السرير العريض وسط هذا الفضاء، فوق مساحة مستطيلة تمثّل أرض هذه القاعة، وتزيّن هذه المساحة شبكة من الوحدات الزخرفية، تعتمد شكل زهرة محوّرة تحدّها 4 بتلات متساوية. في المقابل، تؤلّف هذه الشبكة الزخرفية بساطاً مسّطحاً، تعلوه في الوسط طاولة صغيرة من الخشب، تزينها نقوش عاجية بيضاء. تشكّل الخيمة هرماً يرتفع في أعلى الصورة، ويظهر عند جهتي هذا الهرم طاووسان، يدير كل منهما رأسه نحو الخلف في اتجاه الآخر. يحتل كلٌّ من هذين الطاووسين زاوية في القسم الأعلى من التأليف، ويستقرّان في الفضاء فوق خلفيّة مجرّدة، حيث تعلو كلاً منهما عبارة باللغة اليونانية، ضاع جزء من أحرفها، وما بقي من هاتين العبارتين يشير على الأرجح إلى «النعمة» و«النصر». تحت هذه الصورة الجماعية، لوحة تحمل كتابة أخرى بالخط الكوفي، تمتدّ كذلك على 3 أسطر. تآكلت هذه الكتابة كحال الكتابة التي تعلو النافذة، وبقي منها مطلعها: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله (...) الله».

يحضر اسم «الوليد بن يزيد» في أعلى الجدار، فوق هذه الصورة، وهو الخليفة الأموي الحادي عشر، وقد حكم فترة قصيرة من عام 743 إلى عام 744. نقع على كتابة أخرى تشير إلى صاحب القصير، وموقعها في الرواق الأوسط، وهو الرواق الذي وُصف بقاعة العرش. سطّرت هذه الكتابة على قوس قبّة هذا العرش، وما تبقّى منها لا يسمح بقراءتها كاملة بشكل جليّ، إلا أنه يشير إلى تضمّنها كما يبدو دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش: «اللهـ(م) ا(غفر) لولي (عـ)ـهد المسلمين والمـ(ـسلـ)ـمات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». من جهة أخرى، نقع في الإيوان الشمالي على كتابة أخرى، نجحت البعثة الإيطالية في فكّ بعض منها، ونصّها «اللهم بارك على الأمير كما باركت على داود وإبراهيم وآل ملته (...) أعطيه (...)».

تسمّي هذه الكتابات صاحب البناء بـ«الوليد بن يزيد»، وتصفه بـ«الأمير» وبـ«ولي عهد المسلمين والمسلمات»، وليس بالخليفة، مما يعني أنه شيّد هذا المجمع يوم كان أميراً، وخلال ولايته للعهد، في عهد خلافة عمّه الملك هشام بن عبد الملك التي استمرت من 724 إلى 743. يحضر هذا الأمير وسط ديوانه في لوحة تزيّن الإيوان الغربي، ويحضر جالساً على عرشه في لوحة أخرى تزيّن الإيوان الأوسط، وتحتاج هذه الصورة إلى وصف متأنٍّ مستقلّ، يبرز معانيها المثيرة ودلالاتها المتعدّدة.


سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
TT

سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة

بعد الحرب العالمية الثانية انتقل المركز العالمي للفن من باريس إلى نيويورك. لكن ذلك الانتقال وإن كان سببه حالة الانهيار الشامل التي انتهت إليه أوروبا فإن أجهزة المخابرات الأميركية قد بذلت جهداً كبيراً في أن تؤكده على المستوى العالمي بطريقة احترافية لا يمكن التشكيك بقوة دوافعها ومرجعياتها الثقافية. من ذلك أنها قامت وبطريقة متقنة بالترويج لأعمال فناني نيويورك الذين نسبوا إلى التجريدية التعبيرية؛ وليام ديكونغ، وجاسبر جونس، وأرشيل غوركي، وجاكسون بولوك، ومارك روثكو وآخرون. على الرغم من أن دي كونغ كان هولندياً، وغوركي كان أرمنياً، وروثكو كان لتوانياً غير أنهم كانوا بحكم الجنسية أميركيين.

كان مهماً في تلك اللحظة بالنسبة للولايات المتحدة أن تؤكد إطباقها على العالم من خلال الموجة الجديدة من الحداثة الفنية باعتبارها القوة الجديدة التي يحق لها أن تتمدد وتستعمل أسلحتها الناعمة في الحرب الباردة التي كهربت الكرة الأرضية بأسلاكها غير المرئية. لم تكن جعبتها خاويةً. كان لديها فنانون حقيقيون في إمكانها أن تبارز أوروبا بهم. ذلك ما يجب الاعتراف به من غير نسيان الدوافع السياسية التي كانت السبب في إنفاق ملايين الدولارات على المشروعات الثقافية، ومنها المعارض الأميركية التي صارت تغزو أرجاء العالم مصحوبة بالكتب والمجلات والندوات والمؤتمرات الفنية. نجحت نيويورك في أن تكون عاصمة الفن العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين، غير أن المفاجئ أنها لا تزال تحتفظ بتلك المكانة على الرغم من أن الحرب الباردة قد انتهت منذ أكثر من ثلاثين سنة، كما أن أجهزة المخابرات لم تعد مضطرةً إلى إنفاق دولار واحد من أجل نشر الفن الأميركي في العالم بعد أن صار جزءٌ مهمٌ من ذلك العالم أميركيّاً.

المؤسسة الفنية وسياساتها

على الرغم من تعدد مراكز الفن في عالمنا المعاصر فإن ما يُخشى منه أن إدارته لا تزال محكومةً بسلطة القطب الواحد. ذلك لأن استعادة الهيمنة الأميركية على الفن قد لا تتم بطريقة مباشرة. هناك وسطاء هم المنسقون قد تربوا على ثقافة تعتبر كل منتج أميركي هو الأساس. من هذا أن فناناً أميركياً معاصراً هو مايك كيلي صار عنواناً لمعارض تستقبلها متاحف لندن واستكهولم ونيويورك طبعاً على الرغم من أن فنه ليس استثنائياً. في هذه الحالة لا يشكل حكمي النقدي أي قيمة تذكر. ذلك لأنني أتوقع أن ذلك الفنان الذي مات شاباً ستكون أعماله حاضرةً في لقاءات فنية عالمية عديدة في المستقبل، من ضمنها تلك اللقاءات التي تُقام في العالم العربي.

ما من شيء بريء في عالم الفن. ليس لدي دليلٌ على براءة الفن سوى إيماني به. غير أن الفن هنا هو مؤسسته. وهي مؤسسة لها سياساتها الخاصة التي لا تحتكم دائماً إلى القيم الفنية وحدها. وإذا كان الفن الحقيقي لا يكذب ولا يخون ولا يحتال فإن السياسات التي توجه عروضه هي التي تقوم بذلك. لطالما عمل المنسقون على إقامة معارض استعادية، كان الغرض الوحيد منها تجارياً. على سبيل المثال أذكر هنا ما فعلته مؤسسة عريقة مثل «مركز باربيكان للفنون» بلندن حين أقامت سلسلة من المعارض عقدت من خلالها صلات بين فن السويسري جياكومتي الذي صار ركناً أساسياً في تاريخ النحت الحديث في العالم وأعمال عدد من الفنانات المعاصرات، ومنهم فنانة عربية. من وجهة نظري كان هناك الكثير من اللعب المكشوف غير السار يقف وراء تلك المحاولات التي لا تستند إلى رصيد نقدي جاد.

حين يكون الفن معلباً

في الصين، في كوريا الجنوبية، في هونغ كونغ، في الهند، في اليابان، في الشارقة، في القاهرة، في الرياض، وأيضاً في البرازيل والمكسيك تُقام سنوياً أو كل سنتين لقاءات فنية عالمية تنافس بسعتها وشموليتها ودقة تنظيمها اللقاءات التي تُقام في الغرب، منها بينالي فينيسيا في إيطاليا وديكيومنتا في سويسرا و«آرت بازل» في ألمانيا. غير أن تلك اللقاءات لا تزال محكومة بالمركزية الغربية (الأميركية بشكل خاص).

السر في ذلك يكمن في أن الفنون المعاصرة التي لا تزال وصفةً غربيةً خالصةً هي القاسم المشترك بين كل تلك اللقاءات، وهي تمثل المحاولة الأكثر نجاحاً للانفتاح على العالم. تلك هي العولمة في إطارها الفني. لدي مثلان على ذلك؛ الأول هو الصيني أي ويوي، والثاني هو الهندي أنيش كابور. لو لم تتبن المؤسسة الفنية الغربية أعمال الفنانين المذكورين لما وصلا إلى ما هما عليه اليوم من مكانة في العروض العالمية.

مصر هي الأمل

يوماً ما كان الفنان العربي الذي يقيم معرضاً لأعماله في بيروت يكتسب نوعاً من الأبهة. على الأقل أنه قد يحظى بمقال من نزيه الخاطر أو فيصل سلطان أو لور غريب. في تلك المرحلة كان الفنانون العرب يتسابقون على عرض أعمالهم في بغداد والقاهرة ودمشق، وهي المدن التي تخرج من كلياتها ومعاهدها الفنية معظم الفنانين العرب (الكلام كله يقتصر على فناني المشرق العربي). كان مركز الثقافة العربية في القاهرة يخفق جناحاه بأريحية في المدن التاريخية، بغداد ودمشق وبيروت. وكان هناك تنافس إيجابي خلاق بين فناني المدن الأربع. غير أن الواقع السياسي كان قد ألقى بظلاله الكئيبة على تلك المعادلات، وهو ما مهد لظهور مراكز فنية جديدة. فهل يعني ذلك أننا قد انتقلنا إلى مركزية جديدة للفن في العالم العربي؟ تأصيل الظاهرة الفنية سيكون في حاجة إلى زمن لم يعد متاحاً في ظل الاستعانة بالخبرة الأجنبية. لن يهبنا الخبراء الأوروبيون الإرادة التي تمكننا من النظر بطريقة إيجابية إلى فنوننا.

عام 2024 حضرت فعاليات «آرت إيجيبت» في القاهرة. يومها أدركت أنه لا يزال في إمكان المصريين أن يهيمنوا بمزاجهم الجمالي المتحضر لا لأنهم يملكون قدرة هائلة على التنظيم الذاتي حسب بل وأيضاً يملكون خبرة في صياغة معادلات جديدة، من خلالها استوعبوا الفنون المعاصرة من غير أن يتخلوا عن فنون الحداثة الفنية. لقد وهبني المصريون من خلال تلك التجربة أملاً في أن يكون هناك مركز عربي ثقيل للفن في مواجهة المركزية الغربية.

* ناقد تشكيلي عراقي